الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
مُسْتَأْمَنًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَأْمَنٍ فَلاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الذِّمِّيَّ مِنَ الْحَرْبِيِّ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ مِنَ الذِّمِّيِّ، وَالْمُسْلِمُ لَوْ أَوْصَى إِلَى الذِّمِّيِّ كَانَتِ الْوَصِيَّةُ بَاطِلَةً (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: عَدَمُ جَوَازِ الْوِصَايَةِ إِلَى الْكَافِرِ عَلَى الْكَافِرِ، وَبِهِ قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَهُوَ وَجْهٌ آخَرُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَبِهِ قَال أَبُو ثَوْرٍ قِيَاسًا عَلَى شَهَادَتِهِ (٢) .
وَقْتُ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشُّرُوطِ:
١٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعْتَبَرُ فِيهِ تَوَافُرُ شُرُوطِ الْوَصِيِّ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عِنْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَهَذَا قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ عِنْدَ الإِْيصَاءِ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٤) .
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٦ / ١٣٨.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٤، الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ١٣٧ـ١٣٨، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير ٤ / ٤٥٢.
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٤، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١١، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ١٣٧ - ١٣٨، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٤، وَالْكَافِي ٢ / ٥٢٠، وَابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٤٨.
(٤) الإِْنْصَاف ٧ / ٢٨٩.
الْقَوْل الثَّالِثُ: يَجِبُ تَوَافُرُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَصِيِّ عِنْدَ الإِْيصَاءِ وَعِنْدَ الْمَوْتِ مَعًا، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١)، لأَِنَّهَا شُرُوطٌ لِلْعَقْدِ فَاعْتُبِرَتْ حَال وُجُودِهِ وَإِنَّمَا يَتَصَرَّفُ بَعْدَ الْمَوْتِ فَاعْتُبِرَ وُجُودُهَا عِنْدَهُ (٢) .
الْقَوْل الرَّابِعُ: يُشْتَرَطُ وُجُودُ هَذِهِ الصِّفَاتِ عِنْدَ الْوِصَايَةِ وَالْمَوْتِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَهَذَا وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (٣)، لأَِنَّ كُل وَقْتٍ مِنْ ذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَحِقَّ فِيهِ التَّصَرُّفَ فَاعْتُبِرَتِ الشُّرُوطُ فِي الْجَمِيعِ (٤) .
وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِيصَاء ف ١٢) .
الْوِصَايَةُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ:
١٧ - الإِْيصَاءُ إِلَى اثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ مِثْل: جَعَلْتُكُمَا وَصِيَّيْنِ، أَوْ بِلَفْظَيْنِ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ أَوْ زَمَانَيْنِ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁ كَتَبَ فِي وَصِيَّتِهِ: إِنَّ وَصِيَّتِي إِلَى اللَّهِ وَإِلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ وَإِلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
_________
(١) الإِْنْصَاف ٧ / ٢٨٩ رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١١، الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ١٣٧ـ١٣٨، وَشَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٤، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥١٩، وَالإِْنْصَافِ ٧ / ٢٨٩.
(٢) شَرْح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٥٧٤.
(٣) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١١، وَالإِْنْصَاف ٧ / ٢٢٨.
(٤) الْمُهَذَّب ١ / ٤٧٠.
الزُّبَيْرِ (١)؛ وَلأَِنَّهَا اسْتِنَابَةٌ فِي التَّصَرُّفِ فَجَازَتْ إِلَى اثْنَيْنِ كَالْوَكَالَةِ.
وَإِذَا أَوْصَى الْمَيِّتُ إِلَى رَجُلَيْنِ وَخَصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لَمْ يَخُصَّ بِهِ الآْخَرَ، كَأَنْ يَجْعَل إِلَى أَحَدِهِمَا قَضَاءَ الدُّيُونِ، وَإِلَى الثَّانِي إِخْرَاجَ الثُّلُثِ، أَوْ يَجْعَل إِلَى أَحَدِهِمَا إِنْفَاذَ الْوَصِيَّةِ، وَإِلَى الثَّانِي الْوِلاَيَةَ عَلَى الأَْطْفَال، فَوَصِيَّةُ كُلٍّ مِنْهُمَا تَكُونُ مَقْصُورَةً عَلَى مَا جَعَل إِلَيْهِ، وَيَتَفَرَّدُ فِيهَا بِالتَّصَرُّفِ، وَلاَ يَتَصَرَّفُ فِيمَا جَعَل إِلَى الآْخَرِ.
أَمَّا إِذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي التَّصَرُّفِ وَلَمْ يَخُصَّ أَحَدَهُمَا بِشَيْءٍ: فَالْوِصَايَةُ هُنَا عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنَّ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ وَمُنْفَرِدَيْنِ، فَفِي هَذِهِ الْحَالَةِ يُعَدُّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَصِيًّا، وَأَيُّهُمَا تَفَرَّدَ بِإِنْفَاذِ الْوَصَايَا جَازَ، وَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ كَانَ أَوْلَى، وَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ فَسَقَ كَانَ لِلآْخَرِ الاِنْفِرَادُ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يُوصِيَ إِلَيْهِمَا مُجْتَمِعَيْنِ لاَ مُنْفَرِدَيْنِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَجْتَمِعَا عَلَى إِنْفَاذِ الْوَصِيَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يَتَفَرَّدَ بِشَيْءٍ
_________
(١) أَثَر عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَنَّهُ كَتَبَ فِي وَصِيَّتِهِ. . . أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ (٨ / ٢٨٢ - ٢٨٣، ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) .
مِنْهَا، وَلَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا لاَ يَصِيرُ الأَْمْرُ إِلَى الثَّانِي، وَإِنَّمَا يُعَيِّنُ الْحَاكِمُ أَمِينًا مَكَانَهُ يَضُمُّهُ إِلَى الْحَيِّ، وَلاَ يَتَفَرَّدُ أَيْضًا فِي أَمْرٍ مِنَ الأُْمُورِ، وَلَوْ مَاتَا جَمِيعًا رَدَّ الْحَاكِمُ الْوِصَايَةَ إِلَى اثْنَيْنِ اسْتِتْبَاعًا لِوَصِيَّةِ الْمُوصِي، قَال ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ: وَهَاتَانِ الصُّورَتَانِ لاَ أَعْلَمُ فِيهِمَا خِلاَفًا (١) .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلِقَ الْوَصِيَّةَ دُونَ أَنْ يُبَيِّنَ اجْتِمَاعَهُمَا أَوِ انْفِرَادَهُمَا كَأَنْ يَقُول: أَوْصَيْتُ إِلَيْكُمَا.
وَفِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِهِمَا بِالتَّصَرُّفِ دُونَ الآْخَرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لاَ يَجُوزُ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ بِالتَّصَرُّفِ، كَمَا لَوْ أَمَرَ بِالاِجْتِمَاعِ فِي الْوَصِيَّةِ. لأَِنَّ هَذَا هُوَ الْمُتَيَقَّنُ، وَلأَِنَّهُ أَشْرَكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ فَلَمْ يَكُنْ لأَِحَدِهِمَا الاِنْفِرَادُ كَالْوَكِيلَيْنِ وَبِهَذَا قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ (٢) .
_________
(١) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ١٣٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧، وَتَبْيِين الْحَقَائِقِ للزيلعي ٦ / ٢٠٨.
(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢٠٩، وَشَرْح مَنَحَ الْجَلِيل ٤ / ٦٩٣، وَالشَّرْح الْكَبِير للدردير ٤ / ٤٥٣ - ٤٥٤، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ الْمَوْضِع نَفْسه، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣١٧ - ٣١٩، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ١٣٨، وَالْكَافِي فِي فِقْهِ الإِْمَامِ أَحْمَد ٢ / ٥٢١.
وَإِنْ فَسَقَ أَحَدُهُمَا أَوْ جُنَّ أَوْ مَاتَ أَقَامَ الْحَاكِمُ مَقَامَهُ أَمِينًا، لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرِ أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ، وَلَيْسَ لِلْحَاكِمِ أَنْ يُفَوِّضَ الْجَمِيعَ إِلَى الْبَاقِي لِذَلِكَ (١) .
وَاسْتَثْنَى الإِْمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ جَوَازَ انْفِرَادِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ عِنْدَ إِطْلاَقِ الْوَصِيَّةِ لَهُمَا دُونَ تَحْدِيدٍ فِي الأُْمُورِ التَّالِيَةِ:
أ) شِرَاءُ كَفَنِ الْمَيِّتِ وَتَجْهِيزُهُ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ فَسَادَ الْمَيِّتِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُهُ الْجِيرَانُ عِنْدَ ذَلِكَ.
ب) فِي طَعَامِ الصِّغَارِ وَكِسْوَتِهِمْ، لأَِنَّهُ يَخَافُ مَوْتَهُمْ جُوعًا وَعُرْيًا إِذَا انْتَظَرَ تَصَرُّفَ الآْخَرِ.
ج) فِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ بِعَيْنِهَا وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ وَالْمُشْتَرَى شِرَاءً فَاسِدًا، لأَِنَّ رَدَّ هَذِهِ الأَْشْيَاءِ لَيْسَ مِنَ الْوِلاَيَةِ، فَإِنَّهُ يَمْلِكُهُ الْمَالِكُ.
د) فِي حِفْظِ الأَْمْوَال وَقَضَاءِ الدُّيُونِ، لأَِنَّ ذَلِكَ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى وِلاَيَةٍ يَسْتَمِدُّهَا الْوَصِيُّ مِنَ الْمُوصِي، فَإِنَّ صَاحِبَ الدَّيْنِ إِذَا ظَفَرَ بِجِنْسِ حَقِّهِ أَخَذَهُ، وَحِفْظُ الْمَال يَمْلِكُهُ مَنْ يَقَعُ فِي يَدِهِ فَكَانَ مِنْ بَابِ الإِْعَانَةِ، وَلأَِنَّ الْوَصِيَّةَ إِلَى
_________
(١) الْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥٢١، وَالْمُغْنِي ٦ / ١٤٢ وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨.
الاِثْنَيْنِ لِلْحَاجَةِ إِلَى رَأْيِهِمَا وَهَذَا لاَ يَحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الرَّأْيِ.
هـ) فِي تَنْفِيذِ وَصِيَّةٍ بِعَيْنِهَا وَعِتْقِ عَبْدٍ بِعَيْنِهِ، لأَِنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ فِي هَذَا إِلَى الرَّأْيِ وَالْمَشُورَةِ.
و) فِي الْخُصُومَةِ فِي حَقِّ الْمَيِّتِ، لأَِنَّ الاِجْتِمَاعَ فِيهَا مُتَعَذِّرٌ، وَلَوِ اجْتَمَعَا لَمْ يَتَكَلَّمْ إِلاَّ أَحَدُهُمَا غَالِبًا، وَلِهَذَا يَنْفَرِدُ بِهَا أَحَدُ الْوَكِيلَيْنِ.
ز) فِي قَبُول الْهِبَاتِ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ خِيفَةَ الْفَوَاتِ.
ح) فِي بَيْعِ مَا يُخْشَى عَلَيْهِ التَّلَفُ وَالْهَلاَكُ، لأَِنَّ فِيهِ ضَرُورَةً لاَ تَخْفَى.
ط) فِي جَمْعِ الأَْمْوَال الضَّائِعَةِ، لأَِنَّ فِي التَّأْخِيرِ خَشْيَةَ الْفَوَاتِ، وَلأَِنَّهُ يَمْلِكُهُ كُل مَنْ وَقَعَ فِي يَدِهِ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ بَابِ الْوِلاَيَةِ (١) .
وَقَدِ احْتَجَّ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ انْفِرَادِ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ بِالتَّصَرُّفِ إِلاَّ فِي الأُْمُورِ الْمُسْتَثْنَاةِ، بِأَنَّ الْوِلاَيَةَ تَثْبُتُ بِالتَّفْوِيضِ، فَيُرَاعَى وَصْفُ التَّفْوِيضِ، وَهُوَ وَصْفُ الاِجْتِمَاعِ، إِذْ هُوَ شَرْطٌ مُقَيِّدٌ، وَمَا رِضَى الْمُوصِي إِلاَّ بِالْمُثَنَّى، وَلَيْسَ الْوَاحِدُ كَالْمُثَنَّى (٢) .
_________
(١) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٥٠٣ - ٥٠٤.
(٢) الْهِدَايَة بِأَعْلَى نَتَائِجِ الأَْفْكَارِ ١٠ / ٥٠٢.
كَمَا اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ رَدَّ الأَْعْيَانِ الْمُسْتَحَقَّةِ كَالْمَغْصُوبِ وَالْوَدَائِعِ وَالأَْعْيَانِ الْمُوصَى بِهَا، وَقَضَاءُ دَيْنٍ فِي التَّرِكَةِ جِنْسُهُ فَلأَِحَدِهِمَا الاِسْتِقْلاَل بِهِ؛ لأَِنَّ لِصَاحِبِ الْحَقِّ أَنْ يَسْتَقِل بِأَخْذِ ذَلِكَ فَلاَ يَضُرُّهُ اسْتِقْلاَل أَحَدِهِمَا بِهِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَجُوزُ لِكُل وَاحِدٍ مِنَ الْوَصِيَّيْنِ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالتَّصَرُّفِ، وَهُوَ قَوْل أَبِي يُوسُفَ، لأَِنَّ الْوِصَايَةَ سَبِيلُهَا الْوِلاَيَةُ، وَهِيَ وَصْفٌ شَرْعِيٌّ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَيَثْبُتُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا كَامِلًا كَوِلاَيَةِ النِّكَاحِ لِلأَْخَوَيْنِ، فَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُزَوِّجَ.
وَلأَِنَّ الْوِصَايَةَ خِلاَفَةٌ، وَإِنَّمَا تَتَحَقَّقُ الْخِلاَفَةُ إِذَا انْتَقَلَتِ الْوِلاَيَةُ إِلَى الْوَصِيِّ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي كَانَ ثَابِتًا لِلْمُوصِي، وَقَدْ كَانَ بِوَصْفِ الْكَمَال، وَلأَِنَّ اخْتِيَارَ الأَْبِ إِيَّاهُمَا يُؤْذِنُ بِاخْتِصَاصِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالشَّفَقَةِ، فَيَنْزِل ذَلِكَ مَنْزِلَةَ قَرَابَةِ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا (٢) .
حُكْمُ مَوْتِ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ أَوْ طُرُوءِ مَا يُوجِبُ عَزْلَهُ:
أـ مَوْتُ أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ:
١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَا إِذَا مَاتَ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧ - ٧٨.
(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢٠٩، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٥٠٢ - ٥٠٤.
أَحَدُ الأَْوْصِيَاءِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمَا جَعَل الْقَاضِي مَكَانَهُ وَصِيًّا آخَرَ، لأَنَّ الْبَاقِيَ عَاجِزٌ عَنِ التَّفَرُّدِ بِالتَّصَرُّفِ فَيَضُمُّ الْقَاضِي إِلَيْهِ وَصِيًّا آخَرَ، وَلأَِنَّ الْحَيَّ مِنْهُمَا وَإِنْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى التَّصَرُّفِ لَكِنَّ الْمُوصِيَ قَصَدَ أَنْ يَخْلُفَهُ اثْنَانِ فِي حُقُوقِهِ وَذَلِكَ مُمْكِنُ التَّحَقُّقِ بِنَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ مَكَانَ الْمَيِّتِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ الْمَيِّتَ مِنْهُمَا لَوْ أَوْصَى إِلَى الْحَيِّ فَلِلْحَيِّ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَحْدَهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ، وَيَكُونُ هَذَا بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى شَخْصٍ آخَرَ، لأَِنَّ رَأْيَ الْمَيِّتِ بَاقٍ حُكْمًا بِرَأْيِ مَنْ يَخْلُفُهُ، وَمِنْ ثَمَّ لاَ يَحْتَاجُ الْقَاضِي إِلَى نَصْبِ وَصِيٍّ آخَرَ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ: لَوْ أَوْصَى الْمَيِّتُ مِنْهُمَا إِلَى الْحَيِّ لاَ يَنْفَرِدُ الْحَيُّ بِالتَّصَرُّفِ لأَنَّ الْمُوصِيَ مَا رَضِيَ بِتَصَرُّفِهِ وَحْدَهُ، بِخِلاَفِ مَا إِذَا أَوْصَى إِلَى غَيْرِهِ لأَِنَّهُ يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِرَأْيِ الْمُثَنَّى كَمَا رَضِيَهُ الْمُتَوَفَّى (١) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ اخْتَلَفَا
_________
(١) الاِخْتِيَار ٥ / ٦٨ وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٥٠٥، وَالْمُهَذَّب ١ / ٤٦٣، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٧ - ٧٨، وَالْمُغْنِي ٦ / ١٤٢ - ١٤٣، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٤٣٩.
فِي أَمْرٍ كَبَيْعٍ أَوْ شِرَاءٍ أَوْ تَزْوِيجٍ، نَظَرَ الْقَاضِي فِي الأَْمْرِ وَيَقْضِي بِالأَْصْلَحِ مِنِ اسْتِقْلاَل الْحَيِّ فِي الْوِصَايَةِ أَوْ جَعْل غَيْرِهِ مَعَهُ، أَوْ رَدِّ فِعْل أَحَدِهِمَا حَال الاِخْتِلاَفِ أَوْ إِمْضَائِهِ وَلَيْسَ لأَِحَدِهِمَا أَنْ يُوصِيَ لِغَيْرِهِ فِي حَيَاةِ الآْخَرِ بِلاَ إِذْنٍ مِنَ الْوَصِيِّ الآْخَرِ، فَإِنْ أَذِنَ لَهُ جَازَ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ الْوَصِيَّانِ جَمِيعًا لَزِمَ الْحَاكِمَ نَصْبُ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا، وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ: إِنَّ لِلْحَاكِمِ نَصْبَ اثْنَيْنِ مَكَانَهُمَا كَمَا أَنَّ لَهُ الاِقْتِصَارَ عَلَى نَصْبِ وَاحِدٍ (٢) .
ب - طُرُوءُ مَا يُوجِبُ عَزْل أَحَدِ الأَْوْصِيَاءِ:
١٩ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا جُنَّ أَحَدُ الْوَصِيَّيْنِ أَوْ فَسَقَ أَوْ طَرَأَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يُوجِبُ عَزْلَهُ أَقَامَ الْحَاكِمُ وَصِيًّا آخَرَ مَقَامَهُ وَلَيْسَ لَهُ جَعْل الآْخَرِ مُسْتَقِلًّا فِي التَّصَرُّفِ لأَِنَّ الْمُوصِيَ لَمْ يَرْضَ بِرَأْيِ وَصِيٍّ وَاحِدٍ (٣) .
_________
(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ عَلَى الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٤ / ٤٥٣، وَالشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٦٠٨، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ٢٠١.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَالْمُغْنِي ٦ / ١٤٣، وَالإِْنْصَاف ٧ / ٢٩٠.
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٤٥١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ٧٨، وَالْكَافِي لاِبْنِ قُدَامَةَ ٢ / ٥٢١.
اخْتِلاَفُ الْوَصِيَّيْنِ فِي حِفْظِ الْمَال وَقِسْمَتِهِ:
٢٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ اقْتِسَامِ الْوَصِيَّيْنِ الْمَال الَّذِي هُوَ تَحْتَ وِصَايَتِهِمَا عِنْدَ اخْتِلاَفِهِمَا فِي حِفْظِهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْوَصِيَّيْنِ قِسْمَةُ الْمَال الَّذِي تَحْتَ وِصَايَتِهِمَا بَيْنَهُمَا؛ لأَِنَّ الْوَصِيَّ أَرَادَ اجْتِمَاعَهُمَا عَلَى كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ مَالِهِ، فَإِنِ اقْتَسَمَاهُ ضَمِنَا مَا تَلِفَ مِنْهُ لِتَعَدِّي وَاضِعِ الْيَدِ عَلَيْهِ بِاسْتِقْلاَلِهِ بِهِ، وَالآْخَرِ لِرَفْعِ يَدِهِ عَنْهُ. وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (١) .
يَقُول الزُّرْقَانِيُّ: وَلاَ يَجُوزُ لَهُمَا قِسْمَةُ الْمَال بَيْنَهُمَا، لأَِنَّهُ قَدْ يَزِيدُ بِاجْتِمَاعِهِمَا لأَِمَانَةِ أَحَدِهِمَا وَكِفَايَةِ الآْخَرِ، وَإِلاَّ بِأَنِ اقْتَسَمَاهُ ضَمِنَا مَا تَلِفَ مِنْهُ - وَلَوْ بِسَمَاوِيٍّ ظَاهِرٍ - ضَمَانَ الْجَمِيعِ مَا تَلِفَ عِنْدَهُ لاِسْتِبْدَادِهِ فِيهِ، وَمَا تَلِفَ عِنْدَ صَاحِبِهِ، لأَِنَّهُ رَفَعَ يَدَهُ عَنْهُ، وَهُوَ قَوْل عَبْدِ الْمَلِكِ.
وَلَهُ أَيْضًا أَنْ يَضْمَنَ مَا بِيَدِ صَاحِبِهِ خَاصَّةً دُونَ مَا هَلَكَ بِيَدِهِ. . ثُمَّ قَال: وَعُلِمَ أَنَّ الْقَوْلَيْنِ مُتَّفِقَانِ عَلَى أَنَّ كُل وَاحِدٍ يَضْمَنُ مَا سَلِمَ
_________
(١) شَرْح الزُّرْقَانِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيل ٨ / ٢٠١، وَالْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٦ / ٥٧٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٩٦.