الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 32

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

وِصَالٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْوِصَال فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ وَاصَل، وَمِنْهُ: الْمُوَاصَلَةُ بِالصَّوْمِ وَغَيْرِهِ، وَوَاصَل الصِّيَامَ: لَمْ يُفْطِرْ أَيَّامًا تِبَاعًا، وَمِنْهُ: صَوْمُ الْوِصَال، وَهُوَ: أَنْ يَصِل صَوْمَ النَّهَارِ بِإِمْسَاكِ اللَّيْل مَعَ صَوْمِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْعَمَ شَيْئًا (١) .

وَالْوِصَال فِي الاِصْطِلاَحِ - عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - هُوَ: أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ لاَ فِطْرَ بَيْنِهِمَا.

وَفِي رَأْيٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَأَكْثَرَ، وَلاَ يَتَنَاوَل بِاللَّيْل مَطْعُومًا عَمْدًا بِلاَ عُذْرٍ، فَالْجِمَاعُ وَنَحْوُهُ لاَ يَمْنَعُ الْوِصَال (٢) .

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط، وَالْقَامُوس الْمُحِيط لِلْفَيْرُوزِآبَادِي، وَلِسَان الْعَرَبِ الْمُحِيط.

(٢) الشَّرْح الْكَبِير للدردير، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٣، وَشَرْح الْخَرَشِيّ عَلَى مُخْتَصَر خَلِيلٍ وَمَعَهُ حَاشِيَةُ الْعَدَوِيّ ٢ / ١٦٣، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل شَرْح مُخْتَصَر خَلِيل ١ / ٢٧٤، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلْمَحَلِّيِّ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب شَرْح رَوْضِ الطَّالِبِ مَعَ حَاشِيَة الرَّمْلِيّ الْكَبِير ١ / ٤١٩، وَحَاشِيَة الْبَاجُورِيّ ١ / ٣٠٤.

وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: هُوَ أَنْ يَصُومَ السَّنَةَ كُلَّهَا وَلاَ يُفْطِرَ فِي الأَْيَّامِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا (١) .

وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: هُوَ أَنْ يَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

أ - الْوِصَال فِي الصَّوْمِ:

الْوِصَال فِي حَقِّ الأُْمَّةِ:

٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ) إِلَى أَنَّ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ مَكْرُوهٌ فِي حَقِّ الأُْمَّةِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَاصَل فِي رَمَضَانَ، فَوَاصَل النَّاسُ، فَنَهَاهُمْ. قِيل لَهُ: أَنْتَ تُوَاصِل، قَال: إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إِنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى (٣) وَلأَِنَّ النَّهْيَ وَقَعَ رِفْقًا

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٨٤، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٠١.

(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١٩.

(٣) حَدِيث ابْن عُمَر: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَاصِل فِي رَمَضَان. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فتح الباري ٤ / ٢٠٢) وَمُسْلِم (٢ / ٧٧٤) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

وَرَحْمَةً؛ وَلِهَذَا وَاصَل رَسُول اللَّهِ ﷺ، وَوَاصَلُوا بَعْدَهُ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ إِلَى أَنَّ الْوِصَال حَرَامٌ عَلَى الأُْمَّةِ - نَفْلًا كَانَ الصَّوْمُ أَوْ فَرْضًا - مُبَاحٌ لَهُ ﷺ؛ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ ﵄ أَنَّهُ ﷺ " نَهَى عَنِ الْوِصَال (٢) أَيْ نَهْيَ تَحْرِيمٍ فِي الأَْصَحِّ.

قَال النَّوَوِيُّ: الْوِصَال مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ. وَقَال الْعَبْدَرِيُّ: إِنَّ النَّهْيَ عَنِ الْوِصَال هُوَ قَوْل الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إِلاَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - فَإِنَّهُ كَانَ يُوَاصِل اقْتِدَاءً بِرَسُول اللَّهِ ﷺ.

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٠١، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٤، وَشَرْح الْخَرَشِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ ٣ / ١٦٣، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٣، وَالْمَجْمُوعِ شَرْح الْمُهَذَّب ٦ / ٣٥٦ - ٣٥٩، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ لِطُرُقِ رِيَاض الصَّالِحِينَ ٤ / ٥٨٦ - ٥٨٧، والقليوبي عَلَى الْمَحَلِّيِّ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ ١ / ٤١٩، ٣ / ١٠١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع (٢ / ٣٣٢، ٢ / ٣٤٢)، وَمُطَالَب أُولِي النُّهَى ٢ / ٢٢١.

(٢) حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ " أَنَّهُ ﷺ نَهَى عَنِ الْوِصَال " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٤ / ٢٠٥) وَمُسْلِم (٢ / ٧٧٤) . وَحَدِيث عَائِشَة أُخْرِجُهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٤ / ٢٠٢) وَمُسْلِم (٢ / ٧٧٦) .

وَنُقِل عَنِ ابْنِ الْمُنْذِرِ قَوْلُهُ: كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ أَبِي نُعْمٍ يُوَاصِلاَنِ.

وَعَنِ الْمَاوَرْدِيِّ: أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ ﵄ وَاصَل سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى سَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصَبِرٍ (١) .

وَقَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: وَقِيل: يَحْرُمُ عَلَى مَنْ شَقَّ عَلَيْهِ، وَيُبَاحُ لِمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ السَّلَفُ فِي ذَلِكَ فَنُقِل التَّفْصِيل عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ﵄، فَإِنَّهُ كَانَ يُوَاصِل خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا (٢)، وَذَهَبَ إِلَيْهِ مِنَ الصَّحَابَةِ أَيْضًا أُخْتُ أَبِي سَعِيدٍ، وَمِنَ التَّابِعِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي نُعْمٍ، وَعَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ زَيْدٍ التَّيْمِيُّ وَأَبُو الْجَوْزَاءِ.

وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَنَّهُ ﷺ وَاصَل بِأَصْحَابِهِ بَعْدَ النَّهْيِ، فَلَوْ كَانَ النَّهْيُ لِلتَّحْرِيمِ لَمَا أَقَرَّهُمْ عَلَى فِعْلِهِ، فَعُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنَّهْيِ الرَّحْمَةَ لَهُمْ وَالتَّخْفِيفَ عَنْهُمْ كَمَا صَرَّحَتْ بِهِ عَائِشَةُ ﵂

_________

(١) الْمَجْمُوع شَرْح الْمُهَذَّبِ ٦ / ٣٠٨، ٣٥٦، ٣٥٩، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١٩، ٣ / ١٠١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَفَتْح الْبَارِي ٤ / ٢٠٤.

(٢) أَثَر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر " أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِل. . . " أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّفِ (٣ / ٨٤ ط السَّلَفِيَّة) وَصَحَّحَ إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (٤ / ٢٠٤) .

فِي حَدِيثِهَا بِقَوْلِهَا: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَال رَحْمَةً لَهُمْ (١)، وَهَذَا مِثْل مَا نَهَاهُمْ عَنْ قِيَامِ اللَّيْل خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى مَنْ بَلَغَهُ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِمَّنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فَمَنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْصِدْ مُوَافَقَةَ أَهْل الْكِتَابِ، وَلاَ رَغِبَ عَنِ السُّنَّةِ فِي تَعْجِيل الْفِطْرِ - لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الْوِصَال (٢) .

الْوِصَال فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ:

٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوِصَال فِي حَقِّ النَّبِيِّ ﷺ: مُبَاحٌ، وَهُوَ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ؛ لِقَوْلِهِ حِينَ سُئِل عَنْ وِصَالِهِ: إِنِّي لَسْتُ مَثْلَكُمْ، إِنِّي أَظَل عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي (٣) .

وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: هُوَ قُرْبَةٌ فِي حَقِّهِ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَنَا فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ (٤) الْحَدِيثَ.

_________

(١) حَدِيث عَائِشَة: " نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَال رَحْمَة لَهُمْ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٤ / ٢٠٢)، وَمُسْلِم (٢ / ٧٧٦) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.

(٢) فَتْح الْبَارِي ٤ / ٢٠٤.

(٣) حَدِيث: " إِنِّي لَسْت مَثَلَكُمْ. . . " أَخْرَجَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (٢ / ٣٧٧ - ط الْيَمَنِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.

(٤) حَدِيث: " إِنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ. . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٧٧٦ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر.

وَقَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ: إِنَّ الْوِصَال لَهُ مُسْتَحَبٌّ. قَال الرَّمْلِيُّ: وَهُوَ مُتَّجَهٌ، إِذِ الْعِبَادَةُ إِمَّا وَاجِبَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ، وَيَنْبَغِي حَمْل إِطْلاَقِ الْجُمْهُورِ الإِْبَاحَةَ عَلَى نَفْيِ التَّحْرِيمِ الصَّادِقِ بِالاِسْتِحْبَابِ (١) .

٤ - وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي أَقْوَالٌ لِلْعُلَمَاءِ:

قَال السُّيُوطِيُّ: إِنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ، وَإِنَّ اللَّهَ ﷿ يُطْعِمُ النَّبِيَّ ﷺ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ، وَطَعَامُهَا لاَ يُفَطِّرُ، كَرَامَةً لَهُ لاَ تُشَارِكُهُ فِيهِ الأُْمَّةُ.

وَقَال آخَرُونَ، وَهُوَ الأَْصَحُّ كَمَا قَال النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ: الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعْطِي نَبِيَّهُ ﷺ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ فِي رِوَايَةٍ: إِنِّي أَظَل يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي (٢) لأَِنَّ " أَظَل " لاَ يُقَال إِلاَّ فِي النَّهَارِ، وَلاَ يَجُوزُ الأَْكْل وَالشُّرْبُ فِيهِ لِلصَّائِمِ بِلاَ شَكٍّ، فَدَل عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْكُل، وَلَيْسَ الْمُرَادُ الأَْكْل حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ كِنَايَةٌ عَنْ إِعْطَائِهِ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ لاَ عَلَى حَقِيقَتِهِ؛ لأَِنَّ لَوْ أَكَل حَقِيقَةً لَمْ يَبْقَ وِصَالٌ،

_________

(١) الْمَجْمُوع ٦ / ٣٥٦، وَمَا بَعْدَهَا، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ١٠١.

(٢) رِوَايَة: " إِنِّي أَظَل يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي ". أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١٣ / ٣٢٥) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك.

وَلَقَال ﷺ: ". . . مَا أَنَا مُوَاصِلٌ. . "

وَقِيل: مَعْنَاهُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَشْغَلُنِي عَنِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَالْحُبُّ الْبَالِغُ يَشْغَل عَنْهُمَا.

وَفِي قَوْلِهِ ﷺ: ". . . عِنْدَ رَبِّي. . . " قَال الدُّسُوقِيُّ: هِيَ عِنْدِيَّةُ مَكَانَةٍ لاَ عِنْدِيَّةُ مَكَانٍ (١) .

الْوِصَال إِلَى السَّحَرِ:

٥ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يُكْرَهُ الْوِصَال إِلَى السَّحَرِ؛ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِل فَلْيُوَاصِل حَتَّى السَّحَرَ. . . " (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِيمَنْ فَعَل ذَلِكَ: إِنَّهُ تَرَكَ سُنَّةً وَهِيَ تَعْجِيل الْفِطْرِ، فَتَرْكُ ذَلِكَ أَوْلَى؛ مُحَافَظَةً عَلَى السُّنَّةِ.

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٠١، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٤، وَشَرْح الْخَرَشِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ ٣ / ١٦٣، وَالشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢١٣، وَالْمَجْمُوعِ شَرْح الْمُهَذَّب ٦ / ٣٥٦ - ٣٥٩، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٥٨٦ - ٥٨٧، والقليوبي عَلَى الْمَحَلِّيِّ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ ١ / ٤١٩، ٣ / ١٠١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع (٢ / ٣٣٢، ٣٤٢) .

(٢) حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ: " لاَ تُوَاصِلُوا، فَأَيّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِل. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٤ / ٢٠٨) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي ذَلِكَ: إِنْ أَخَّرَ الأَْكْل إِلَى السَّحَرِ لِمَقْصُودٍ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِوِصَالٍ (١) .

الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوِصَال فِي الصَّوْمِ:

٦ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوِصَال لِئَلاَّ يَضْعُفَ مَنْ يُوَاصِل عَنِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ، أَوْ يَمَلَّهَا وَيَسْأَمَ مِنْهَا لِضَعْفِهِ بِالْوِصَال، أَوْ يَتَضَرَّرَ بَدَنُهُ أَوْ بَعْضُ حَوَاسِّهِ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النَّهْيُ وَقَعَ رِفْقًا وَرَحْمَةً (٢) .

الْوِصَال لاَ يُبْطِل الصَّوْمَ:

٧ - قَال النَّوَوِيُّ: اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا (أَيِ الشَّافِعِيَّةُ) وَغَيْرُهُمْ عَلَى أَنَّ الْوِصَال لاَ يُبْطِل الصَّوْمَ، سَوَاءٌ حَرَّمْنَاهُ أَوْ كَرَّهْنَاهُ، لأَِنَّ النَّهْيَ لاَ يَعُودُ إِلَى الصَّوْمِ، فَلاَ يُوجِبُ بُطْلاَنَهُ (٣) .

_________

(١) الْمَجْمُوعِ ٦ / ٣٥٦ - ٣٥٩، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٥٨٦ - ٥٨٧، والقليوبي عَلَى الْمَحَلِّيِّ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب، وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ ١ / ٤١٩، ٣ / ١٠١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع (٢ / ٣٣٢، ٢ / ٣٤٢) .

(٢) الْمَجْمُوع ٦ / ٣٥٨، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٢ / ٣٤٢، وَفَتْح الْبَارِي ٤ / ٢٠٤.

(٣) الْمَجْمُوع ٦ / ٣٥٧ - ٣٥٨.

الْجِمَاعُ فِي الْوِصَال:

٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْجِمَاعَ فِي لَيْل الْوِصَال فِي الصَّوْمِ يَمْنَعُ الْوِصَال؛ لأَِنَّ الْمُجَامِعَ لاَ يَسْتَدِيمُ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ (١) .

وَقَال بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ: إِنَّ الْجِمَاعَ فِي لَيْل الْوِصَال لاَ يُخْرِجُ مِنْ حُكْمِ الْوِصَال؛ لأَِنَّ تَحْرِيمَ الْوِصَال لِلضَّعْفِ عَنِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ، وَهُوَ حَاصِلٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ (٢) .

ب - الْوِصَال فِي الصَّلاَةِ:

٩ - لَمْ يُعْنَ كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِتَعْرِيفِ الْوِصَال فِي الصَّلاَةِ كَمَا عُنُوا بِتَعْرِيفِهِ فِي الصَّوْمِ.

وَذَكَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ حُكْمَ الْوِصَال فِي الصَّلاَةِ.

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٠١، وَجَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٤، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ عَلَى شَرْحِ الْمِنْهَاجِ ٢ / ٦١، وَأَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٢ / ٣٤٢، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٥٨٦.

(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ١ / ٤١٩، ٣ / ١٠١، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٣٤، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٥ / ٥٨٦ - ٥٨٧.

فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُوَاصَلَةِ فِي الصَّلاَةِ وَقَال: إِنَّ امْرَأً وَاصَل فِي الصَّلاَةِ خَرَجَ مِنْهَا صِفْرًا (١) .

قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: قَال أَبِي: مَا كُنَّا نَدْرِي مَا الْمُوَاصَلَةُ فِي الصَّلاَةِ حَتَّى قَدِمَ عَلَيْنَا الشَّافِعِيُّ - يَقُول عَبْدُ اللَّهِ -: فَمَضَى إِلَيْهِ أَبِي فَسَأَلَهُ عَنْ أَشْيَاءَ، وَكَانَ فِيمَا سَأَلَهُ أَنْ سَأَلَهُ عَنِ الْمُوَاصَلَةِ فِي الصَّلاَةِ، فَقَال: هِيَ فِي مَوَاضِعَ:

مِنْهَا: أَنْ يَقُول الإِْمَامُ " وَلاَ الضَّالِّينَ " فَيَقُول مَنْ خَلْفَهُ: " آمِينَ " (٢) مَعًا، قَال أَبِي: أَوَلَيِسَ قَدْ أَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بِقَوْل " آمِينَ "؟ قَال: نَعَمْ، وَلَكِنْ بَعْدَ أَنْ يَسْكُتَ الإِْمَامُ.

قَال لَهُ: هَل بَقِيَ مِنَ الْمُوَاصَلَةِ شَيْءٌ؟ قَال: نَعَمْ: أَنْ يَقْرَأَ الإِْمَامُ: " ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا

_________

(١) حَدِيث ابْن عُمَر: " نَهَى رَسُول اللَّهِ ﷺ عَنِ الْمُوَاصَلَةِ فِي الصَّلاَةِ. . " أَخْرَجَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ فِي الْمَجْمُوعِ الْمُغِيثِ فِي غَرِيبَيِ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ (٣ / ٤٢٠ - ط جَامِعَة أُمِّ الْقُرَ

(٢) حَدِيث: " أَمَرَ الرَّسُول ﷺ بِالتَّأْمِينِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٢ / ٢٩٢) وَمُسْلِم (١ / ٣٠٧) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.