الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
يَسْتَمِرُّ فِي وُضُوئِهِ وَلاَ يَسْتَأْنِفُ.
هـ - التَّلَفُّظُ بِنِيَّةِ الصَّلاَةِ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ:
١٧ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ فِي الْمُخْتَارِ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ سُنَّةٌ لِيُوَافِقَ اللِّسَانُ الْقَلْبَ؛ وَلأَِنَّهُ أَبْعَدُ عَنِ الْوَسْوَاسِ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ التَّلَفُّظَ بِالنِّيَّةِ مَكْرُوهٌ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ وَالأَْوْلَى تَرَكُهُ إِلاَّ الْمُوَسْوَسُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ التَّلَفُّظُ لِيَذْهَبَ اللَّبْسُ وَالشَّكُّ.
(ر: نِيَّةٌ ف ١١) .
و الْوَسْوَسَةُ بِإِتْيَانِ رُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ:
١٨ - صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ شَكَّ الْمُوَسْوَسِ كَالْعَدَمِ، فَإِنَّهُ يَعْمِدُ بِمَا شَكَّ فِيهِ وَيَسْجُدُ بَعْدَ السَّلاَمِ، فَإِذَا شَكَّ هَل صَلَّى ثَلاَثًا أَوْ أَرْبَعًا بَنَى عَلَى الأَْرْبَعِ وَسَجَدَ بَعْدَ السَّلاَمِ.
وَالْمُوَسْوَسُ - كَمَا قَال الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ - هُوَ الَّذِي يَطْرَأُ ذَلِكَ عَلَيْهِ فِي كُل صَلاَةٍ أَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ أَوْ مَرَّةً، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَطْرَأْ لَهُ ذَلِكَ
إِلاَّ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَلَيْسَ بِمُوَسْوَسٍ (١) .
وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ مِثْل ذَلِكَ، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: " إِذَا رَفَعَ الْمُصَلِّي رَأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، ثُمَّ شَكَّ هَل رَكَعَ أَمْ لاَ؟ أَوْ هَل أَتَى بِالْقَدْرِ الْمُجْزِئِ أَمْ لاَ؟ لَمْ يُعْتَدَّ بِرُكُوعِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَعُودَ فَيَرْكَعَ حَتَّى يَطْمَئِنَّ رَاكِعًا، وَهَذَا مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الشَّكُّ وِسْوَاسًا، فَلاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، يَعْنِي يَسْتَمِرُّ فِي صَلاَتِهِ وَلاَ يَأْتِي بِرُكُوعٍ آخَرَ غَيْرَ الَّذِي شَكَّ فِيهِ، وَهَكَذَا بَقِيَّةُ الأَْرْكَانِ (٢) .
(ر: شَكٌّ ف ١٠)
ز - تَخَلُّفُ الْمَأْمُومُ عَنْ إِمَامِهِ فِي أَرْكَانِ الصَّلاَةِ بِسَبَبِ الْوَسْوَسَةِ:
١٩ - صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْمَأْمُومِ مُتَابَعَةُ الإِْمَامِ فِي أَفْعَال الصَّلاَةِ.
فَإِنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ بِرُكْنٍ وَاحِدٍ لَمْ تَبْطُل صَلاَتُهُ، وَإِنْ تَخَلَّفَ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ بَطَلَتْ إِلاَّ مِنْ عُذْرٍ، وَالْعُذْرُ كَأَنْ يَكُونَ الإِْمَامُ سَرِيعَ الْقِرَاءَةِ، وَالْمُقْتَدِي بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ لِعَجْزٍ خِلْقِيٍّ لاَ لِوَسْوَسَةٍ ظَاهِرَةٍ، أَمَّا الْوَسْوَسَةُ الْخَفِيفَةُ فَهِيَ عُذْرٌ، وَأَمَّا الْوَسْوَسَةُ الظَّاهِرَةُ وَهِيَ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى
_________
(١) شَرْح مَيَّارَة صُغْرَى ٢ / ٣٦، وَالدَّرّ الثَّمِين ٢ / ٣٨ - ٣٩.
(٢) الْمُغْنِي ١ / ٥٤٥.
التَّخَلُّفِ بِرُكْنَيْنِ فِعْلِيَّيْنِ فَلاَ يَسْقُطُ بِهَا عَنْهُ شَيْءٌ مِنَ الْفَاتِحَةِ، كَمُتَعَمِّدِ تَرْكِهَا، فَلَهُ التَّخَلُّفُ لإِتْمَامِهَا إِلَى أَنْ يَقْرُبَ إِمَامُهُ مِنْ فَرَاغِ الرُّكْنِ الثَّانِي، وَحِينَئِذٍ يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ مُفَارَقَتُهُ إِنْ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا لإِتْمَامِهِ لِبُطْلاَنِ صَلاَتِهِ بِشُرُوعِ إِمَامِهِ فِيمَا بَعْدَهُ.
وَالأَْوْجَهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ اسْتِمْرَارِيَّةِ الْوَسْوَسَةِ بَعْدَ رُكُوعِ الإِْمَامِ أَوْ تَرْكِهِ لَهَا بَعْدَهُ إِذْ تَفْوِيتُ إِكْمَالِهَا قَبْل رُكُوعِ إِمَامِهِ نَشَأَ مِنْ تَقْصِيرِهِ بِتَرْدِيدِهِ الْكَلِمَاتِ مِنْ غَيْرِ بُطْءٍ خِلْقِيٍّ فِي لِسَانِهِ، سَوَاءٌ أَنَشَأَ ذَلِكَ مِنْ تَقْصِيرِهِ فِي التَّعَلُّمِ، أَمْ مِنْ شَكِّهِ فِي إِتْمَامِ الْحُرُوفِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا (١) .
رَابِعًا الْمُوَسْوَسُ بِمَعْنَى الْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ:
أ - طَلاَقُ الْمُوَسْوَسِ:
٢٠ - نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ اللَّيْثِ: فِي مَسْأَلَةِ طَلاَقِ الْمُوَسْوَسِ أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ طَلاَقُ الْمُوَسْوَسِ، قَال: يَعْنِي الْمَغْلُوبَ فِي عَقْلِهِ (٢) .
_________
(١) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ بِشَرْحِ الْمِنْهَاجِ لِلرَّمْلِيِّ ٢ / ٢٢٣، ٢٢٤، بَيْرُوت، دَار الْفِكْرِ، وَشَرْح الْمِنْهَاجِ لِلْمَحَلِّيِّ مَعَ حَاشِيَةِ الْقَلْيُوبِيّ ١ / ٢٤٨، الْقَاهِرَة، عِيسَى الْحَلَبِيّ.
(٢) ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٥.
وَنَقَل ابْنُ الْقَيِّمِ: إِنَّ الْمُطْلِّقَ إِنْ كَانَ زَائِل الْعَقْل بِجُنُونٍ أَوْ إِغْمَاءٍ أَوْ وَسْوَسَةٍ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ، قَال: وَهَذَا الْمَخْلَصُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ بَيْنَ عُلَمَ - اءِ الأُْمَّةِ (١) .
ب - رِدَّةُ الْمُوَسْوَسِ:
٢١ - إِنْ تَكَلَّمَ الْمُوَسْوَسُ بِكَلاَمٍ يَقْتَضِي الرِّدَّةَ لَمْ يَكُنْ فِي حَقِّهِ رِدَّةٌ. صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، يَعْنُونَ الْمَغْلُوبَ فِي عَقْلِهِ (٢) .
_________
(١) إِعْلاَم الْمُوَقِّعِينَ ٤ / ٤٧، ٤٩، بَيْرُوت، دَار الْجِيل.
(٢) ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٥، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٢ / ٢٥٣.
وَشْمٌ
التَّعْرِيفُ: ١ - الْوَشْمُ لُغَةً: الْعَلاَمَةُ، وَيُجْمَعُ عَلَى وُشُومٍ وَوَشَائِمَ.
وَمِنْ مَعَانِيهِ أَيْضًا: مَا تَرَاهُ مِنَ النَّبَاتِ فِي أَوَّل مَا يَنْبُتُ، وَتَغَيُّرُ لَوْنِ الْجِلْدِ مِنْ ضَرْبَةٍ أَوْ سَقْطَةٍ، وَمَا يَكُونُ مِنْ غَرْزِ الأَْبِرَةِ فِي الْبَدَنِ وَذَرِّ النِّيلَجُ عَلَيْهِ حَتَّى يَزْرَقَّ أَثَرُهُ أَوْ يَخْضَرَّ (١) .
وَاصْطِلاَحًا: هُوَ غَرْزُ الْجِلْدِ بِإِبْرَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ، ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ نِيلَةٌ أَوْ كُحْلٌ لِيَزْرَقَّ أَوْ يَخْضَرَّ (٢) .
وَالْمُسْتَوْشِمَةُ: الَّتِي يُفْعَل بِهَا ذَلِكَ بِطَلَبِهَا.
وَالْوَاشِمَةُ: الَّتِي تَشِمُ الْوَجْهَ أَوِ الذِّرَاعَ أَوِ الشِّفَاهَ أَوِ الصَّدْرَ أَوْ أَيَّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْجِسْمِ (٣) .
_________
(١) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٥ / ٢٣٩، وَالْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٤١١، وَحَاشِيَة الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ١ / ٤١٦، ٤١٧ وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ١ / ٧٧.
(٣) ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٢٠، ٥ / ٢٣٩، وَالْمُغْنِي ١ / ٩٤، وَالْمُنْتَقَى ٧ / ٢٦٧.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْوَسْمُ:
٢ - الْوَسْمُ فِي اللُّغَةِ: أَثَرُ الْكَيِّ، وَالْعَلاَمَةُ، وَالْجَمْعُ وُسُومٌ، وَقَدْ وَسَمَهُ وَسْمًا وَسِمَةً: إِذَا أَثَّرَ فِيهِ بِسِمَةٍ وَكَيٍّ، وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَسِمُ إِبِل الصَّدَقَةِ (١) أَيْ يُعَلِّمُ عَلَيْهَا الْكَيَّ، وَالسِّمَةُ وَالْوِسَامُ: مَا وُسِمَ بِهِ الْبَعِيرُ مِنْ ضُرُوبِ الصُّوَرِ.
وَالْمِيسَمُ: الشَّيْءُ الَّذِي يُوسَمُ بِهِ الدَّوَابُّ كَالْمِكْوَاةِ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ الْوَسْمُ: الْعَلاَمَةُ بِالنَّارِ أَوْ بِالشَّرْطِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَشْمِ وَالْوَسْمِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلاَمَةٌ مَعَ اخْتِلاَفِ الآْلَةِ وَالْحُكْمِ (٣) .
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٣ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْوَشْمَ حَرَامٌ (٤) لِلأَْحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فِي لَعْنِ الْوَاشِمَةِ
_________
(١) حَدِيث " أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُسَمَّ إِبِل الصَّدَقَةِ " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٣ / ٣٦٦) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك.
(٢) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْمِصْبَاحِ الْمُنِيرِ، وَالْمُعْجَمِ الْوَسِيطِ.
(٣) شَرْح الرِّسَالَةِ لأَِبِي الْحَسَن الشَّاذُلِيّ ٢ / ٣٩٧.
(٤) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٢٣٩، وَالْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٤١١، وَالْمَجْمُوع ١ / ٢٩٦، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٨١، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٣٠٦، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤٩٣.
وَالْمُسْتَوْشِمَةِ، وَمِنْهَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ " (١) .
وَعَدَّهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ مِنَ الْكَبَائِرِ يُلْعَنُ فَاعِلُهُ (٢) .
وَقَال بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ بِالْكَرَاهَةِ، قَال النَّفْرَاوِيُّ: وَيُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى التَّحْرِيمِ (٣) .
وَاسْتَثْنَى بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحُرْمَةِ حَالَتَيْنِ:
الأُْولَى: الْوَشْمُ إِذَا تَعَيَّنَ طَرِيقًا لِلتَّدَاوِي مِنْ مَرَضٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ الضَّرُورَاتِ تُبِيحُ الْمَحْظُورَاتِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا كَانَ الْوَشْمُ طَرِيقًا تَتَزَيَّنُ بِهِ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا بِإِذْنِهِ (٤)، فَقَدْ رُوِيَ " عَنْ عَائِشَةَ
_________
(١) حَدِيث ابْن عُمَر: " لَعَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْوَاصِلَة وَالْمُسْتَوْصِلَة ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١٠ / ٣٧٨)، وَمُسْلِم (٣ / ١٦٧٧) .
(٢) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٤١١، وَالزَّوَاجِر ١ / ١٤٢، وَالْكَبَائِر لِلذَّهَبِيِّ ص ١٥٣.
(٣) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي للنفراوي ٢ / ٣٤٢.
(٤) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٤١١، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى شَرْحِ الرِّسَالَةِ ٢ / ٣٦٧، وَحَاشِيَة الطحطاوي عَلَى الدُّرِّ ٤ / ١٨٦.
﵂ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَيَّنَ بِهِ لِزَوْجِهَا " (١) .
نَجَاسَةُ الْوَشْمِ وَحُكْمُ إِزَالَتِهِ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الْوَشْمَ نَجِسٌ؛ لأَِنَّ الدَّمَ انْحَبَسَ فِي مَوْضِعِ الْوَشْمِ بِمَا ذُرَّ عَلَيْهِ (٢) .
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِزَالَةِ الْوَشْمِ حَيْثُ إِنَّهُ نَجِسٌ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْوَشْمِ حُكْمُ الاِخْتِضَابِ أَوِ الصَّبْغِ بِالْمُتَنَجِّسِ يَطْهُرُ بِالْغَسْل وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرِهِ، فَإِذَا غُسِل طَهُرَ وَلاَ يَلْزَمُ سَلْخُهُ؛ لأَِنَّهُ أَثَرٌ يَشُقُّ زَوَالُهُ، وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ وَإِمَامَتُهُ (٣) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْوَشْمَ إِذَا وَقَعَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَمْنُوعِ بِأَنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ دَوَاءً، وَلَمْ تَتَزَيَّنْ بِهِ الزَّوْجَةُ لِزَوْجِهَا، فَإِنَّهُ لاَ يُكَلَّفُ صَاحِبُهُ بِإِزَالَتِهِ بِالنَّارِ، بَل هُوَ مِنَ النَّجَسِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، فَتَصِحُّ الصَّلاَةُ بِهِ (٤) .
_________
(١) أَثَر عَائِشَة فِي جَوَازٍ تُزَيِّنُ الْمَرْأَة بِالْوَشْمِ لِزَوْجِهَا، أَوْرَدَهُ الْعَدَوِيّ فِي شَرْحِ الرِّسَالَةِ (٢ / ٣٦٧)، وَلَمْ نَهْتَدِ إِلَى أَيِّ مَصْدَرِ حَدِيثِي أَخْرَجَهُ.
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٢٠، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٣٠٦.
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٢٠.
(٤) الْفَوَاكِه الدَّوَانِي ٢ / ٤١١، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١ / ٢٧٥ - ٢٧٦.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ إِزَالَةُ الْوَشْمِ مَا لَمْ يَخَفْ ضَرَرًا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ، فَإِنْ خَافَ لَمْ يَجِبْ إِزَالَتُهُ، وَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْبَةِ. وَهَذَا إِذَا فَعَلَهُ بِرِضَاهُ بَعْدَ بُلُوغِهِ وَإِلاَّ فَلاَ تَلْزَمُهُ إِزَالَتُهُ مُطْلَقًا، وَتَصِحُّ صَلاَتُهُ وَإِمَامَتُهُ، وَلاَ يُنَجِّسُ مَا وَضَعَ فِيهِ يَدَهُ إِذَا كَانَ عَلَيْهَا وَشْمٌ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ: إِلَى أَنَّهُ إِنْ خُيِّطَ جُرْحٌ أَوْ جُبِرَ عَظْمٌ مِنْ آدَمَيٍّ بِخَيْطٍ نَجِسٍ أَوْ عَظْمٍ نَجِسٍ فَصَحَّ الْجُرْحُ أَوِ الْعَظْمُ لَمْ تَجِبْ إِزَالَةُ النَّجِسِ مِنْهُمَا مَعَ خَوْفِ ضَرَرٍ عَلَى نَفْسٍ أَوْ عُضْوٍ أَوْ حُصُول مَرَضٍ؛ لأَِنَّ حِرَاسَةَ النَّفْسِ وَأَطْرَافِهَا وَاجِبٌ، وَأَهَمُّ مِنْ مُرَاعَاةِ شُرُوطِ الصَّلاَةِ، وَلاَ يَلْزَمُهُ شِرَاءُ مَاءٍ وَلاَ سُتْرَةٍ بِزِيَادَةٍ كَثِيرَةٍ عَلَى ثَمَنٍ مِثْلٍ.
وَإِذَا جَازَ تَرْكُ شَرْطٍ مُجْمَعٍ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، فَتَرْكُ شَرْطٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ لِحِفْظِ بَدَنِهِ أَوْلَى، وَحَيْثُ لَمْ تَجِبْ إِزَالَتُهُ فَلاَ يَتَيَمَّمُ لِلْخَيْطِ أَوِ الْعَظْمِ النَّجِسِ إِنْ غَطَّاهُ لَحْمٌ، لإِمْكَانِ الطِّهَارَةِ بِالْمَاءِ فِي جَمِيعِ مَحَلِّهَا، وَإِنْ لَمْ يُغَطِّهِ اللَّحْمُ تَيَمَّمَ لَهُ؛ لِعَدَمِ إِمْكَانِ غَسْلِهِ بِالْمَاءِ.
وَيُشْبِهُ ذَلِكَ الْوَشْمُ، إِنْ غَطَّاهُ اللَّحْمُ غَسَلَهُ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ١٩١، وَالتُّحْفَة مَعَ حَاشِيَة الشرواني ٢ / ١٢٧، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ١ / ٢٧٥ - ٢٧٦.
بِالْمَاءِ، وَإِلاَّ تَيَمَّمَ لَهُ، وَتَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِمِثْلِهِ قَطْعًا، وَكَذَلِكَ تَصِحُّ إِمَامَتُهُ بِاحْتِمَالٍ قَوِيٍّ بِغَيْرِهِ، حَيْثُ صَحَّ تَيَمُّمٌ لِنَجَاسَةٍ عَلَى بَدَنٍ لِعَدَمِ الْمَاءِ.
وَمَعَ عَدَمِ ضَرَرٍ بِإِزَالَةِ الْوَشْمِ تَجِبُ إِزَالَتُهُ؛ لأَِنَّهُ قَادِرٌ عَلَى إِزَالَتِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَوْ صَلَّى مَعَهُ لَمْ تَصِحَّ.
فَلَوْ مَاتَ مَنْ تَلْزَمُهُ إِزَالَتُهُ لِعَدَمِ خَوْفِ الضَّرَرِ قَبْل إِزَالَتِهِ أُزِيل وُجُوبًا إِلاَّ مَعَ مُثْلَةٍ بِإِزَالَتِهِ فَلاَ تَلْزَمُ إِزَالَتُهُ؛ لأَِنَّهُ يُؤْذِي الْمَيِّتَ مَا يُؤْذِي الْحَيَّ (١) .
الأُْجْرَةُ عَلَى الْوَشْمِ الْمُحَرَّمِ:
٥ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَا تَأْخُذُهُ الْوَاشِمَةُ مِنَ الأُْجْرَةِ عَلَى الْوَشْمِ سُحْتٌ وَحَرَامٌ (٢) .
_________
(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ١ / ٣٦٤ - ٣٦٥، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٢٩٢.
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٢٧٢.