الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ الْوَسْوَسَةُ بِمُجَرَّدِ الْخَوَاطِرِ وَالْفِكْرِ فِي أَمْرٍ غَيْرِ الصَّلاَةِ. فَإِنْ أَقْبَل الإِْنْسَانُ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ انْدَفَعَتْ، ثُمَّ تَعُودُ. وَيُتَصَوَّرُ أَنْ يَجْتَمِعَ الْوَسْوَسَةُ مِنْ هَذَا النَّوْعِ مَعَ الذِّكْرِ، كَأَنَّهُمَا فِي مَوْضِعَيْنِ مِنَ الْقَلْبِ (١) .
مُدَافَعَةُ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ فِي شَأْنِ الإِْيمَانِ:
٩ - يَتَعَرَّضُ الشَّيْطَانُ لِكَثِيرٍ مِنْ أَهْل الإِْيمَانِ، وَخَاصَّةً أَهْل الْعِلْمِ مِنْهُمْ بِوَسَاوِسَ الْكُفْرِ الَّتِي يُلْقِيهَا إِلَيْهِمْ مِنْ أَجْل فِتْنَتِهِمْ عَنْ دِينِهِمْ. قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْمُؤْمِنُ يُبْتَلَى بِوَسَاوِسَ الْكُفْرِ الَّتِي يَضِيقُ بِهَا صَدْرُهُ، كَمَا وَرَدَ أَنَّ " الصَّحَابَةَ قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، إِنَّ أَحَدَنَا لَيَجِدُ فِي نَفْسِهِ مَا لأَنْ يَخِرَّ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَْرْضِ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ، فَقَال ﷺ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ (٢) . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: سُئِل النَّبِيُّ ﷺ فِي الْوَسْوَسَةِ: قَال: تِلْكَ مَحْضُ الإِْيمَانِ (٣) .
_________
(١) إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٨ / ١٤١٦ - ١٤١٨.
(٢) حَدِيث: " الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي رَدَّ كَيْدَهُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (١ / ٢٣٥ - ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ.
(٣) حَدِيث: " تِلْكَ مَحْض الإِْيمَانِ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ١١٩) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود.
يَعْنِي أَنَّ حُصُول هَذَا الْوَسْوَاسِ مَعَ هَذِهِ الْكَرَاهَةِ الْعَظِيمَةِ لَهُ وَدَفْعِهِ عَنِ الْقَلْبِ - هُوَ مِنْ صَرِيحِ الإِْيمَانِ، كَالْمُجَاهِدِ الَّذِي جَاءَهُ الْعَدُوُّ فَدَافَعَهُ حَتَّى غَلَبَهُ. وَإِنَّمَا صَارَ صَرِيحًا لَمَّا كَرِهُوا تِلْكَ الْوَسَاوِسَ الشَّيْطَانِيَّةَ فَدَفَعُوهَا، فَخَلُصَ الإِْيمَانُ فَصَارَ صَرِيحًا، قَال: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجِيبُ تِلْكَ الْوَسَاوِسَ فَيَصِيرُ كَافِرًا أَوْ مُنَافِقًا، قَال: وَالشَّيْطَانُ يَكْثُرُ تَعَرُّضُهُ لِلْعَبْدِ إِذَا أَرَادَ الإِْنَابَةَ إِلَى رَبِّهِ، وَالتَّقَرُّبَ إِلَيْهِ، وَالاِتِّصَال بِهِ، فَلِهَذَا يَعْرِضُ لِلْمُصَلِّينَ مَا لاَ يَعْرِضُ لِغَيْرِهِمْ، وَيَعْرِضُ لِلْخَاصَّةِ أَهْل الْعِلْمِ وَالدِّينِ أَكْثَرَ مِمَّا يَعْرِضُ لِلْعَامَّةِ، قَال: وَلِهَذَا يُوجَدُ عِنْدَ طُلاَّبِ الْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ مِنَ الْوَسَاوِسِ وَالشُّبَهَاتِ مَا لَيْسَ عِنْدَ غَيْرِهِمْ (١) .
وَمِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ فِي هَذَا الْبَابِ مَا نَبَّهَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فِي قَوْلِهِ: يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ، فَيَقُول: مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا؟ حَتَّى يَقُول: مَنْ خَلَقَ رَبُّكَ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ (٢) .
_________
(١) الإِْيمَان لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص ٢٤١، ٢٤٢ الْقَاهِرَة، دَار نَهْر النِّيل.
(٢) حَدِيث: " يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ. . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٦ / ٣٣٦) وَمُسْلِم (١ / ١٢٠) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
ثَالِثًا: الْوَسْوَسَةُ النَّاشِئَةُ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي الاِحْتِيَاطِ وَالْوَرَعِ:
١٠ - الْوَسْوَسَةُ نَوْعٌ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الْوَرَعِ وَالاِحْتِيَاطِ، حَتَّى يَخْرُجَ الْمُوَسْوَسُ مِنْ حَدِّ الْوَرَعِ إِلَى مَا لَيْسَ مِنْهُ، وَهُوَ التَّشَدُّدُ فِي الدِّينِ، وَالْخُرُوجُ عَنْ سَمَاحَتِهِ وَيُسْرِهِ، وَعَنْ مَسْلَكِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ (١) .
قَال الْهَيْتَمِيُّ فِي شَرْحِهِ لِحَدِيثِ الْحَلاَل بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لاَ يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ (٢): إِنَّ الشَّيْءَ إِذَا لَمْ يَتَنَازَعْهُ دَلِيلاَنِ فَهُوَ حَلاَلٌ بَيِّنٌ أَوْ حَرَامٌ بَيِّنٌ، وَإِنْ تَنَازَعَهُ سَبَبَاهُمَا، فَإِنْ كَانَ سَبَبُ التَّحْرِيمِ مُجَرَّدَ تَوَهُّمٍ وَتَقْدِيرٍ لاَ مُسْتَنَدَ لَهُ، كَتَرْكِ التَّزَوُّجِ مِنْ نِسَاءِ بَلَدٍ كَبِيرٍ خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مُحَرَّمٌ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ مُصَاهَرَةٍ، وَتَرْكِ اسْتِعْمَال مَاءٍ لِمُجَرَّدِ احْتِمَال وُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِيهِ، أُلْغِيَ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إِلَيْهِ
_________
(١) الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ١ / ٢٥٩، وإغاثة اللَّهْفَان ص ١٣٤، وَالرُّوح لاِبْن الْقَيِّمِ ٢ / ٧٥٠ مَنْشُورَات دَار ابْن تَيْمِيَّةَ.
(٢) حَدِيث: " الْحَلاَل بَيْن وَالْحَرَام بَيْن. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١ / ١٢٦)، وَمُسْلِم (٣ / ١٢١٩ - ١٢٢٠) مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَان بْن بَشِير وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.
بِكُل حَالٍ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ التَّجْوِيزَ هَوَسٌ، فَالْوَرَعُ فِيهِ وَسْوَسَةٌ شَيْطَانِيَّةٌ، إِذْ لَيْسَ فِيهِ مِنْ مَعْنَى الشُّبْهَةِ شَيْءٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ نَوْعُ قُوَّةٍ فَالْوَرَعُ مُرَاعَاتُهُ (١) .
وَمِنْ أَمْثِلَتِهِ (٢): قَوْلُهُ ﷺ لِمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَةٌ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا -: " وَكَيْفَ وَقَدْ قِيل؟ دَعْهَا عَنْكَ " (٣) وَقَوْلُهُ لِزَوْجَتِهِ سَوْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا - لَمَّا اخْتَصَمَ أَخُوهَا عَبْدُ اللَّهِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ أَبِيهَا زَمْعَةَ، فَأَلْحَقَهُ ﷺ بِأَبِيهَا بِحُكْمِ الْفِرَاشِ، وَلَكِنَّهُ رَأَى فِيهِ شَبَهًا بَيِّنًا بِعُتْبَةَ أَخِي سَعْدٍ -: " احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ (٤) .
وَصْفُ حَال بَعْضِ أَهْل الْوَسْوَسَةِ:
١١ - قَال أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الَّذِينَ يَعْتَرِيهِمُ الْوَسْوَاسُ مَنْ يَرْكَبُ رَأْسَهُ، وَيُجَاوِزُ حُدُودَ الأُْصُول، وَقَدْ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَنْ يُكَرِّرُ تَحْرِيمَتَهُ لِلْمَكْتُوبَةِ حَتَّى يُشْرِفَ وَقْتُهَا عَلَى
_________
(١) الْفَتْح الْمُبِين فِي شَرْحٍ الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة للهيتمي ص ١١٧، ١١٨.
(٢) الْفَتْح الْمُبِين فِي شَرْحٍ الأَْرْبَعِينَ ص ١١٦.
(٣) حَدِيث: " وَكَيْفَ وَقَدْ قِيل " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٥ / ٢٦٨) مِنْ حَدِيثِ عُقْبَة بْن الْحَارِث.
(٤) حَدِيث: " احْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَة " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ٤ / ٢٩٢) .
الاِنْقِضَاءِ، أَوْ تَفُوتَهُ الْجُمُعَةُ مَعَ الإِْمَامِ، أَوْ رَكْعَةٌ مِنْهَا. وَإِذَا تَعَاطَى الْمَاءَ لِلطَّهَارَةِ أَسْرَفَ مِنْهُ قُلَّةً أَوْ قِلاَلًا (١) .
وَقَال ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَبَعْضُ الْمُوَسْوَسِينَ يَغْسِل الثَّوْبَ الطَّاهِرَ مِرَارًا، وَرُبَّمَا لَمَسَهُ مُسْلِمٌ فَيَغْسِلُهُ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَغْسِل ثِيَابَهُ فِي دِجْلَةَ، لاَ يَرَى غَسْلَهَا فِي الْبَيْتِ يُجْزِئُ.
قَال: وَمَا كَانَتِ الصَّحَابَةُ تَعْمَل هَذَا، بَل قَدْ صَلَّوْا فِي ثِيَابِ فَارِسَ لَمَّا فَتَحُوهَا، وَاسْتَعْمَلُوا أَكْسِيَتَهُمْ، وَالشَّرِيعَةُ سَمْحَةٌ سَلِيمَةٌ مِنْ هَذِهِ الآْفَاتِ (٢) .
الشُّبْهَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْوَسْوَسَةِ وَكَشْفُهَا:
١٢ - تَنْشَأُ الشُّبْهَةُ الْمُؤَدِّيَةُ إِلَى الْوَسْوَسَةِ مِنَ التَّصَوُّرِ الْخَاطِئِ لِمَعْنَى الاِحْتِيَاطِ وَاتِّقَاءِ الشُّبُهَاتِ الْمَفْهُومِ مِنْ ظَاهِرِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لاَ يَرِيبُكَ (٣) . وَقَوْلِهِ:
_________
(١) التَّبْصِرَة فِي التَّمْيِيزِ بَيْنَ الاِحْتِيَاطِ وَالْوَسْوَسَةِ للجويني ص ١٧٨، الْقَاهِرَة، مُؤَسَّسَة قُرْطُبَة، ١٩٩٣، وَنُقِل النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوعِ (١ / ٢٦٠ وَمَا بَعْدَهَا) صورا مِمَّا أَوْرَدَهُ الْجُوَيْنِيّ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ أَفْعَال بَعْض الْمُوَسْوَسِينَ.
(٢) تَلْبِيس إِبْلِيس لاِبْنِ الْجَوْزِيِّ ص ١٣٧، ١٣٨، ١٤٠ بَيْرُوت، دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.
(٣) حَدِيث: " دَعْ مَا يُرِيبُك إِلَى مَا لاَ يُرِيبُك ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٤ / ٦٦٨ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَن بْن عَلِيّ وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
مَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِهِ (١) .
وَقَدْ جَرَتْ كَثِيرٌ مِنْ مَسَائِل الْفِقْهِ عَلَى قَاعِدَةِ الاِحْتِيَاطِ، فَظَنَّ الْمُوَسْوَسُونَ أَنَّ مَا هُمْ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْوَسْوَسَةِ دَاخِلٌ فِي قَاعِدَةِ الاِحْتِيَاطِ، وَرَأَوْا أَنَّ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنَ التَّفْرِيطِ، كَمَنْ لاَ يُبَالِي كَيْفَ يَتَوَضَّأُ، وَلاَ بِأَيِّ مَاءٍ تَوَضَّأَ، وَلاَ بِأَيِّ مَكَانٍ صَلَّى، وَلاَ يُبَالِي مَا أَصَابَ ثَوْبَهُ، فَيَحْمِل الأُْمُورَ كُلَّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ، وَرَأَوْا أَنَّ الاِسْتِقْصَاءَ وَالتَّشْدِيدَ وَالاِجْتِهَادَ فِي الاِحْتِيَاطِ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ (٢) .
وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ فِي مَعْرِضِ كَشْفِ شُبُهَاتِ أَهْل الْوَسْوَسَةِ: إِنَّ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ الَّذِي أُمِرْنَا بِاتِّبَاعِهِ هُوَ قَصْدُ السَّبِيل، وَمَا خَرَجَ عَنْهُ فَهُوَ مِنَ السُّبُل الْجَائِرَةِ، فَالْمِيزَانُ الَّذِي يُعْرَفُ بِهِ الاِسْتِقَامَةُ وَالْجَوْرُ هُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ، وَقَدْ قَال ﷺ: إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمُ الْغُلُوُّ فِي الدِّينِ (٣)، وَنَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ
_________
(١) حَدِيث: " مَنِ اتَّقَى الشُّبَهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعَرَضِهِ ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه (ف ١٠) .
(٢) إِغَاثَة اللَّهْفَان ١ / ١٤٨.
(٣) حَدِيث: " إِيَّاكُمْ وَالْغُلُوَّ فِي الدِّينِ " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (٥ / ٢٦٨ - ط الْمَكْتَبَة التِّجَارِيَّة) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيّ فِي الْمَجْمُوعِ (٧ / ١٧١) .
التَّشْدِيدِ فِي الدِّينِ (١) .
وَأَهْل الْوَسْوَاسِ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشُدِّدَ عَلَيْهِمْ حَتَّى اسْتَحْكَمَ ذَلِكَ فِيهِمْ وَصَارَ صِفَةً لاَزِمَةً لَهُمْ.
فَمَنْ أَرَادَ التَّخَلُّصَ مِنْ هَذِهِ الْبَلِيَّةِ فَلْيَسْتَشْعِرْ أَنَّ الْحَقَّ فِي اتِّبَاعِ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ، وَلْيَعْزِمْ عَلَى سُلُوكِ طَرِيقَتِهِ عَزِيمَةَ مَنْ لاَ يَشُكُّ أَنَّهُ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، وَأَنَّ مَا خَالَفَهُ فَهُوَ مِنْ تَسْوِيل إِبْلِيسَ وَوَسْوَسَتِهِ، وَلْيَنْظُرْ فِي أَحْوَال السَّلَفِ فَلْيَقْتَدِ بِهِمْ (٢) .
فَفِي مَسْأَلَةِ الإِْسْرَافِ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْل قَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِل بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ (٣) .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُْمَّةِ قَوْمٌ يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاءِ (٤) وَوَرَدَ فِي
_________
(١) وَرَدَ ذَلِكَ فِي قَوْله ﷺ: " هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤ / ٢٠٥٥) مِنْ حَدِيثِ ابْن مَسْعُود.
(٢) إِغَاثَة اللَّهْفَان ١ / ١٥٠، ١٥٥.
(٣) حَدِيث: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ بِالْمَدِّ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١ / ٣٠٤) وَمُسْلِم (١ / ٢٥٨) مِنْ حَدِيثِ أَنَس، وَاللَّفْظِ لِمُسْلِم.
(٤) حَدِيث: " سَيَكُونُ فِي هَذِهِ الأُْمَّةِ قَوْم يَعْتَدُونَ فِي الطَّهُورِ وَالدُّعَاء " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٧٣ - ط حِمْص) وَالْحَاكِم (١ / ٥٤٠ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.
حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَال: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَسْأَلُهُ عَنِ الْوُضُوءِ، فَأَرَاهُ الْوُضُوءَ ثَلاَثًا ثَلاَثًا ثُمَّ قَال: هَكَذَا الْوُضُوءُ، فَمَنْ زَادَ عَلَى هَذَا فَقَدْ أَسَاءَ وَتَعَدَّى وَظَلَمَ (١) .
الأَْحْكَامُ الْخَاصَّةُ بِأَهْل الْوَسْوَاسِ:
أ - تَقْدِيرُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِثَلاَثِ غَسَلاَتٍ فِي حَقِّ الْمُوَسْوَسِ:
١٣ - الْمُفْتَى بِهِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا قَال الْحَصْكَفِيُّ وَغَيْرُهُ، أَنَّ طَهَارَةَ مَحَل النَّجَاسَةِ الْمَرْئِيَّةِ بِقَلْعِهَا، وَلاَ يَضُرُّ بَقَاءُ أَثَرٍ لاَزِمٍ، وَطَهَارَةُ مَحَل نَجَاسَةٍ غَيْرِ مَرْئِيَّةٍ تَحْصُل بِغَلَبَةِ ظَنِّ غَاسِلِهَا طَهَارَةُ مَحَلِّهَا. وَيُقَدَّرُ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمُوَسْوَسِ بِغَسْلٍ وَعَصْرٍ ثَلاَثًا فِيمَا يَنْعَصِرُ (٢) .
ب - اجْتِنَابُ الْبَوْل فِي مَكَانِ الاِسْتِحْمَامِ خَشْيَةَ الْوَسْوَاسِ:
١٤ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى
_________
(١) حَدِيث: " هَكَذَا الْوُضُوء. . " أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ (١ / ٨٨ - ط الْمَكْتَبَة التِّجَارِيَّة) وُجُود إِسْنَادِهِ ابْن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (١ / ٢٣٣) .
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٢١.
كَرَاهَةِ الْبَوْل فِي مَكَانِ الاِسْتِحْمَامِ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يَغْتَسِل فِيهِ " وَفِي رِوَايَةٍ: " ثُمَّ يَتَوَضَّأُ فِيهِ، فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ (١) . وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَسْلَكٌ يَذْهَبُ فِيهِ الْبَوْل، أَوْ كَانَ الْمَكَانُ صُلْبًا فَيُوهَمُ الْمُغْتَسِل أَنَّهُ أَصَابَهُ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَحْصُل بِهِ الْوَسْوَاسُ (٢) .
ج - - الاِنْتِضَاحُ بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ مِنْ أَجْل قَطْعِ الْوَسْوَاسِ:
١٥ - ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنِ اسْتَنْجَى بِالْمَاءِ أَنْ يَنْضَحَ فَرْجَهُ وَسَرَاوِيلَهُ قَطْعًا لِلْوَسْوَاسِ (٣)، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: " جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَال: يَا مُحَمَّدُ إِذَا تَوَضَّأْتَ فَانْضَحْ (٤) .
_________
(١) حَدِيث: " لاَ يَبُولُنَّ أَحَدُكُمْ فِي مُسْتَحَمِّهِ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٢٩ - ط حِمْصَ)، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٣٣ - ط الْحَلَبِيّ) مختصرا بِمَعْنَاهُ وَقَال: هَذَا حَدِيث غَرِيب.
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٣٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٢، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٦٢، ٦٣، وَمَعَالِم السُّنَنِ ١ / ٢٢ بَيْرُوت الْمَكْتَبَة الْعِلْمِيَّة.
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٤٦، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ١ / ١٣٧، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٦٨.
(٤) حَدِيث: " جَاءَنِي جِبْرِيل فَقَال: يَا مُحَمَّد إِذَا تَوَضَّأَتْ فَانْضَحْ " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (١ / ٧١ - ط الْحَلَبِيّ) وَقَال: حَدِيثٌ غَرِيبٌ، ثُمَّ نَقَل عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَال عَنْ أَحَدِ رُوَاته: مُنْكِرُ الْحَدِيثِ.
وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ مَنْ يَعْرِضُ لَهُ الشَّيْطَانُ كَثِيرًا لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، بَل يَنْضَحُ فَرْجَهُ أَوْ سَرَاوِيلَهُ بِمَاءٍ حَتَّى إِذَا شَكَّ حَمَل الْبَلَل عَلَى ذَلِكَ النَّضْحِ مَا لَمْ يَتَيَقَّنْ خِلاَفَهُ (١) . وَعَنْ أَحْمَدَ: لاَ يَنْضَحُ (٢) .
قَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ فِيمَنْ ظَنَّ خُرُوجَ شَيْءٍ مِنَ الْبَوْل بَعْدَ الاِسْتِنْجَاءِ: لاَ تَلْتَفِتُ إِلَيْهِ، حَتَّى تَتَيَقَّنَ، وَالْهُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِنَّهُ يَذْهَبُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ (٣) .
د - أَثَرُ بُلُوغِ الشَّكِّ فِي نِيَّةِ الطَّهَارَةِ إِلَى دَرَجَةِ الْوَسْوَاسِ:
١٦ - يُصَرِّحُ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إِنْ شَكَّ فِي أَثْنَاءِ طَهَارَتِهِ أَنَّهُ نَوَى أَوْ لَمْ يَنْوِ، يَلْزَمُهُ اسْتِئْنَافُ الْوُضُوءِ؛ لأَِنَّهُ عِبَادَةٌ شَكَّ فِي شَرْطِهَا وَهُوَ فِيهَا، فَلَمْ تَصِحَّ كَالصَّلاَةِ، وَلاَ يَصِحُّ مَا فَعَلَهُ مِنْهُ. لَكِنْ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّكُّ مِنْ قَبِيل الْوَهْمِ كَالْوَسْوَاسِ فَلاَ يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ (٤) يَعْنِي أَنَّهُ
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ١ / ٢٥٢، وَابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٣١.
(٢) الْفُرُوع ١ / ١٢٢.
(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٦٨.
(٤) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ١ / ٩٤، ٩٥، ط الْمَنَار، وَكَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٦٨.