الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
" غَدَوْتُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ بِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ لِيُحَنِّكَهُ، فَوَافَيْتُهُ فِي يَدِهِ الْمِيسَمُ يَسِمُ إِبِل الصَّدَقَةِ (١) .
وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ: " دَخَلْنَا عَلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ مَرْبَدًا وَهُوَ يَسِمُ غَنَمًا فِي آذَانِهَا (٢) .
وَقَال الْخَادِمِيُّ: وَأَمَّا سِمَةُ الْبَهَائِمِ فَجَوَّزَهُ بَعْضٌ (أَيِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ) وَكَرِهَهُ آخَرُ، وَلاَ بَأْسَ بِكَيِّ الأَْغْنَامِ (٣) .
مَكَانُ الْوَسْمِ:
٥ - قَال الشَّافِعِيَّةُ: يَكُونُ الْوَسْمُ فِي مَوْضِعٍ صَلْبٍ ظَاهِرٍ لاَ يَكْثُرُ شَعْرُهُ. وَالأَْوْلَى فِي الْغَنَمِ الآْذَانُ، وَفِي الإِْبِل وَالْبَقَرِ الأَْفْخَاذُ، وَكَذَا الْخَيْل، وَالْبِغَال وَالْحَمِيرُ، وَالْفِيَلَةُ.
وَقَالُوا: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَسْمُ الْغَنَمِ أَلْطَفَ، وَفَوْقَهُ الْحَمِيرُ، وَفَوْقَهُ الْبَقْرُ وَالْبِغَال، وَفَوْقَهُ الإِْبِل، وَفَوْقَهُ الْفِيَلَةُ.
أَمَّا الْوَسْمُ عَلَى الْوَجْهِ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى
_________
(١) حَدِيث أَنَس: " غَدَوْت إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ (فَتْحُ الْبَارِي ٣ / ٣٦٦)، وَمُسْلِم (٣ / ١٦٧٤) وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٢) حَدِيث أَنَس: " دَخَلْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مربدا. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٦٧٤) .
(٣) بِرِيقَة مَحْمُودِيَّة ٤ / ٦٩.
الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرَّ عَلَيْهِ حِمَارٌ قَدْ وُسِمَ فِي وَجْهِهِ،: فَقَال: لَعَنَ اللَّهُ الَّذِي وَسَمَهُ (٢) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْوَسْمَ فِي وَجْهِ الْحَيَوَانِ مَكْرُوهٌ (٣) .
وَهَذَا فِي غَيْرِ الآْدَمِيِّ. أَمَّا الآْدَمِيُّ فَوَسْمُهُ حَرَامٌ إِجْمَاعًا (٤) لأَِنَّ وَسْمَ الآْدَمِيِّ مُثْلَةٌ، وَهِيَ مَنْهِيٌّ عَنْهَا إِلاَّ إِذَا كَانَ لِلتَّدَاوِي (٥) .
_________
(١) شَرْح الْمَحَلِّيّ مَعَ الْمِنْهَاجِ، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ٢٠٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١١٩.
(٢) حَدِيث جَابِر: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ مَرّ عَلَيْهِ حِمَار. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٦٧٤ ط الْحَلَبِيّ) .
(٣) الْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٤٥٠، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى شَرْحِ الرِّسَالَةِ ٢ / ٣٩٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٢٠.
(٤) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٣ / ١٤٠، وَشَرْح الزُّرْقَانِيّ ٨ / ١٣١.
(٥) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٢٤٩.
وَسْوَسَةٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْوَسْوَسَةُ وَالْوَسْوَاسُ لُغَةً: الصَّوْتُ الْخَفِيُّ مِنْ رِيحٍ وَنَحْوِهِ.
وَالْوَسْوَسَةُ وَالْوِسْوَاسُ - بِالْكَسْرِ - حَدِيثُ النَّفْسِ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِْنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ (١)﴾ . وَحَدِيثُ الرَّجُل صَاحِبَهُ بِصَوْتٍ خَفِيٍّ، وَقَال الْفَرَّاءُ: وَسْوَسَ الرَّجُل إِذَا اخْتَلَطَ كَلاَمُهُ وَدُهِشَ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ تُوُفِّيَ النَّبِيُّ ﷺ حَزِنُوا عَلَيْهِ، حَتَّى كَادَ بَعْضُهُمْ يُوَسْوَسُ، قَال عُثْمَانُ: وَكُنْتُ مِنْهُمْ " (٢) يُرِيدُ أَنَّهُ اخْتَلَطَ كَلاَمُهُ وَدُهِشَ لِمَوْتِهِ ﷺ. وَرَجُلٌ مُوَسْوَسٌ إِذَا غَلَبَتْ عَلَيْهِ الْوَسْوَسَةُ. وَالْوَسْوَاسُ - بِفَتْحِ الْوَاوِ - الشَّيْطَانُ يُوَسْوِسُ بِصَدْرِ الرَّجُل، وَيُوَسْوِسُ إِلَيْهِ (٣) .
_________
(١) سُورَة ق: ١٦.
(٢) أَثَر عُثْمَان: أَنْ رجالا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ. . . أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (١ / ٦ - ط الميمنية)، وَفِي إِسْنَادِهِ جَهَالَة.
(٣) لِسَان الْعَرَبِ، وَالْقَامُوس الْمُحِيط.
وَالْوَسْوَسَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ يَسْتَعْمِلُهَا الْفُقَهَاءُ بِمَعَانٍ:
الأَْوَّل: الْوَسْوَسَةُ: بِمَعْنَى حَدِيثِ النَّفْسِ، وَهُوَ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ التَّرَدُّدِ هَل يَفْعَل أَوْ لاَ يَفْعَل (١) .
الثَّانِي: الْوَسْوَسَةُ بِمَعْنَى مَا يُلْقِيهِ الشَّيْطَانُ فِي رُوعِ الإِْنْسَانِ.
الثَّالِثُ: الْوَسْوَسَةُ وَهِيَ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِمَّا يَنْشَأُ مِنَ الْمُبَالَغَةِ فِي الاِحْتِيَاطِ وَالتَّوَرُّعِ حَتَّى إِنَّهُ لَيَفْعَل الشَّيْءَ، ثُمَّ تَغْلِبُهُ نَفْسُهُ فَيَعْتَقِدُ أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْهُ فَيُعِيدُهُ مِرَارًا وَتِكْرَارًا، وَقَدْ يَصِل إِلَى حَدِّ أَنْ يَكُونَ الشَّخْصُ مَغْلُوبًا عَلَى عَقْلِهِ (٢) .
الرَّابِعُ: الْمُوَسْوَسُ هُوَ الْمُصَابُ فِي عَقْلِهِ إِذَا تَكَلَّمَ بِغَيْرِ نِظَامٍ (٣) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الاِحْتِيَاطُ:
٢ - الاِحْتِيَاطُ لُغَةً: هُوَ طَلَبُ الأَْحَظِّ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٥، وَالأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيمِ ٤٩، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٧ / ١٧٧، وَالأَْشْبَاه لِلسُّيُوطِيَ ٣٣، وَجَمْع الْجَوَامِعِ مَعَ حَاشِيَة الْبُنَانِيّ ٢ / ٤٥١ - ٤٥٢.
(٢) إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٣ / ٢٩.
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٥.
وَالأَْخْذُ بِأَوْثَقِ الْوُجُوهِ (١) .
وَالاِحْتِيَاطُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ الأَْخْذُ بِالثِّقَةِ فِيمَا يَحْتَمِل وَجْهَيْنِ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَسْوَسَةِ وَالاِحْتِيَاطِ التَّبَايُنُ؛ لأَِنَّ الاِحْتِيَاطَ مَبْنَاهُ عَلَى الثِّقَةِ، وَالْوَسْوَسَةُ نَاشِئَةٌ عَنِ التَّرَدُّدِ.
ب - الْوَرَعُ:
٣ - الْوَرَعُ فِي اللُّغَةِ: الْكَفُّ، مِنْ وَرَعَ يَرِعُ وَرَعًا: تَحَرَّجَ وَتَوَقَّى عَنِ الْمَحَارِمِ ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْكَفِّ عَنِ الْحَلاَل الْمُبَاحِ (٣) .
وَالْوَرَعُ فِي الاِصْطِلاَحِ هُوَ اجْتِنَابُ الشُّبُهَاتِ (٤) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوَرَعِ وَالْوَسْوَسَةِ أَنَّ الْوَرَعَ مَحْمُودٌ شَرْعًا، وَالْوَسْوَسَةُ مَذْمُومَةٌ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْوَسْوَسَةِ:
أَوَّلًا: الْوَسْوَسَةُ بِمَعْنَى حَدِيثِ النَّفْسِ:
٤ - حَدِيثُ النَّفْسِ أَقْوَى مِنَ الْهَاجِسِ وَالْخَاطِرِ، وَأَقْوَى مِنْهُ الْهَمُّ وَالْعَزْمُ.
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير.
(٢) الْفُصُول فِي الأُْصُول لِلْجَصَّاصِ ٢ / ٩٨.
(٣) الْمُعْجَم الْوَسِيط.
(٤) فَتْح الْقَدِير ١ / ٣٤٩، وَنِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٢ / ١٧٦.
وَحُكْمُ هَذَا النَّوْعِ وَمَا كَانَ أَضْعَفَ مِنْهُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ عَنْ هَذِهِ الأُْمَّةِ، فَلاَ إِثْمَ فِيهِ إِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ عَمَلٌ أَوْ قَوْلٌ، كَمَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنْ يَسْرِقَ أَوْ يَخُونَ (١) .
وَلَوْ حَدَّثَ نَفْسَهُ أَنَّهُ يُطَلِّقُ زَوْجَتَهُ، أَوْ يُنْذِرُ لِلَّهِ تَعَالَى شَيْئًا، وَلَمْ يَنْطِقْ بِذَلِكَ، لَمْ يَقَعْ طَلاَقُهُ، وَلَمْ يَصِحَّ نَذْرُهُ (٢)؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا وَسْوَسَتْ - أَوْ حَدَّثَتْ - بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ (٣) .
وَقَال قَتَادَةُ بَعْدَ أَنْ رَوَى الْحَدِيثَ: إِذَا طَلَّقَ فِي نَفْسِهِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَقَال عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ: لاَ يَجُوزُ طَلاَقُ الْمُوَسْوَسِ.
وَعَلَّقَ ابْنُ حَجَرٍ عَلَى هَذَا الْقَوْل شَارِحًا لَهُ: أَيْ لاَ يَقَعُ طَلاَقُهُ؛ لأَِنَّ الْوَسْوَسَةَ حَدِيثُ النَّفْسِ، وَلاَ مُؤَاخَذَةَ بِمَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ (٤) .
_________
(١) كِتَاب الرُّوح لاِبْن الْقَيِّمِ ٤٠٨ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ النِّظَامِيَّة، وَإِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٣ / ٢٧ - ٢٨.
(٢) الأَْشْبَاه لِلسُّيُوطِيَ ص ٣٣ - ٣٤، وَالأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص ٤٩، وَجَمْع الْجَوَامِع مَعَ الْبُنَانِيّ ٢ / ٤٥١.
(٣) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي. . . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١٢ / ٥٤٩) وَمُسْلِم (١ / ١١٦) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٤) فَتْح الْبَارِي ٩ / ٣٩٢.
الْوَسْوَسَةُ فِي الصَّلاَةِ:
٥ - مُدَافَعَةُ حَدِيثِ النَّفْسِ فِي الصَّلاَةِ مَشْرُوعَةٌ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يَسْهُو فِيهِمَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (١)، وَفِي حَدِيثِ عُثْمَانَ ﵁ بِلَفْظِ: ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ (٢) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ: قَوْلُهُ: " لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ " الْمُرَادُ بِهِ مَا تَسْتَرْسِل النَّفْسُ مَعَهُ، وَيُمْكِنُ الْمَرْءَ قَطْعُهُ، فَأَمَّا مَا يَهْجُمُ مِنَ الْخَطَرَاتِ وَالْوَ سَاوِسِ وَيَتَعَذَّرُ دَفْعُهُ فَذَلِكَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَنَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ لَمْ يَحْصُل لَهُ حَدِيثُ النَّفْسِ أَصْلًا وَرَأْسًا، وَيَشْهَدُ لَهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ بِلَفْظِ: " لَمْ يَسِرْ فِيهِمَا " (٣) .
_________
(١) حَدِيث: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٥٥٧ - ط حِمْص) مِنْ حَدِيثِ زَيْد بْن خَالِد الْجُهَنِيّ.
(٢) حَدِيث عُثْمَان: " ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لاَ يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسه " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (الْفَتْح ١ / ٢٥٩) وَمُسْلِم (١ / ٢٠٥) .
(٣) رِوَايَة: " لَمْ يَسُرْ فِيهِمَا " عَزَاهَا ابْن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ (١ / ٢٦٠) إِلَى الزُّهْدِ لاِبْن الْمُبَارَك، وَلَمْ نَرَهَا فِي النُّسْخَةِ الْمَطْبُوعَةِ مِنْهُ.
قَال النَّوَوِيُّ: هَذِهِ الْفَضِيلَةُ تَحْصُل مَعَ طَرَيَانِ الْخَوَاطِرِ الْعَارِضَةِ غَيْرِ الْمُسْتَقِرَّةِ.
وَمَنِ اتَّفَقَ أَنْ يَحْصُل لَهُ عَدَمُ حَدِيثِ النَّفْسِ أَصْلًا أَعْلَى دَرَجَةً بِلاَ رَيْبٍ (١) .
٦ - وَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَابِلَةِ فِي بُطْلاَنِ الصَّلاَةِ بِغَلَبَةِ الْوَسْوَاسِ.
فَقَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: إِذَا غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ الصَّلاَةِ لاَ يُبْطِلُهَا؛ لأَِنَّ الْخُشُوعَ سُنَّةٌ، وَالصَّلاَةُ لاَ تَبْطُل بِتَرْكِ سُنَّةٍ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ: تَبْطُل صَلاَةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صَلاَتِهِ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْل الشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ حَيْثُ صَرَّحَ بِأَنَّ الْخُشُوعَ وَاجِبٌ، وَعَلَيْهِ فَتَبْطُل صَلاَةُ مَنْ غَلَبَ الْوَسْوَاسُ عَلَى أَكْثَرِ صِلاَتِهِ. لَكِنْ قَال فِي الْفُرُوعِ: مُرَادُ الشَّيْخِ وَجِيهِ الدِّينِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - وُجُوبُ الْخُشُوعِ فِي بَعْضِ الصَّلاَةِ وَإِنْ أَرَادَ فِي كُلِّهَا، فَإِنْ لَمْ تَبْطُل بِتَرْكِهِ فَخِلاَفُ قَاعِدَةِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَإِنْ بَطَل بِهِ فَخِلاَفُ الإِْجْمَاعِ، وَكِلاَهُمَا خِلاَفُ الأَْخْبَارِ. وَلَمْ يَأْمُرِ النَّبِيُّ ﷺ الْعَابِثَ بِلِحْيَتِهِ بِإِعَادَةِ الصَّلاَةِ (٢) مَعَ قَوْلِهِ: لَوْ
_________
(١) فَتْح الْبَارِي ١ / ٢٦٠، وَانْظُرْ إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٨ / ١٤١٨.
(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ١ / ٣٩٢ - ٣٩٣.
خَشَعَ قَلَبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي حُكْمِ الْخُشُوعِ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (خُشُوعٌ ف ٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
ثَانِيًا: وَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِ لِلإِْنْسَانِ
٧ - الْوَسْوَسَةُ الشَّيْطَانِيَّةُ هِيَ الْخَوَاطِرُ الْمُحَرِّكَةُ لِلرَّغْبَةِ فِي الشَّرِّ، وَالأَْمْرِ بِالْفَحْشَاءِ، وَالتَّخْوِيفِ عِنْدَ الْهَمِّ بِالْخَيْرِ (٢) .
وَفِي الْحَدِيثِ: إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ وَلِلْمَلَكِ لَمَّةً، فَأَمَّا لَمَّةُ الشَّيْطَانِ فَإِيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ، وَأَمَّا لَمَّةُ الْمَلَكِ فَإِيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ، فَمَنْ وَجَدَ ذَلِكَ فَلْيَعْلَمْ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ الأُْخْرَى فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ. ثُمَّ قَرَأَ ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ﴾ " (٣) .
_________
(١) حَدِيث: " لَوْ خَشَعَ قَلْبٌ هَذَا. . . " عَزَّاهُ السُّيُوطِيّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (بِشَرْحِهِ الْفَيْض ٥ / ٣١٩) إِلَى الْحَكِيمِ التِّرْمِذِيّ فِي نَوَادِرَ الأُْصُول، وَنَقْل المناوي عَنِ الْعِرَاقِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ راويا مُتَّفَق عَلَى ضَعْفِهِ.
(٢) إِحْيَاء عُلُوم الدِّينِ ٨ / ١٣٨٨.
(٣) سُورَة الْبَقَرَة: ٢٦٨. وَحَدِيث: " إِنَّ لِلشَّيْطَانِ لَمَّةً بِابْنِ آدَمَ ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٥ / ٢١٩ - ٢٢٠ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود، وَنُقِل ابْن أَبِي حَاتِم فِي عِلَل الْحَدِيثِ (٢ / ٢٤٤ - ط السَّلَفِيَّة) عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي زَرْعَةٍ أَنَّهُمَا يُرَجِّحَانِ وَقْفَهُ عَلَى ابْن مَسْعُود.
دَفْعُ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ
٨ - يَكُونُ دَفْعُ الْوَسْوَسَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (١)﴾ .
قَال ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَذَكَّرُوا﴾ أَيْ عِقَابَ اللَّهِ وَجَزِيل ثَوَابِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ فَتَابُوا وَأَنَابُوا وَاسْتَعَاذُوا بِاللَّهِ وَرَجَعُوا إِلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ (٢) .
قَال الْغَزَالِيُّ: الْوَسْوَاسُ أَصْنَافٌ:
الأَْوَّل: يَكُونُ مِنْ جِهَةِ التَّلْبِيسِ بِالْحَقِّ، كَأَنْ يَقُول: أَتَتْرُكُ التَّنَعُّمَ بِاللَّذَّاتِ؟ فَإِنَّ الْعُمُرَ طَوِيلٌ، وَالصَّبْرُ عَنْهَا طُول الْعُمُرِ أَلَمُهُ عَظِيمٌ. فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ عَظِيمَ حَقِّ اللَّهِ، وَعَظِيمَ ثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ، وَقَال لِنَفْسِهِ: الصَّبْرُ عَنِ الشَّهَوَاتِ شَدِيدٌ لَكِنَّ الصَّبْرَ عَلَى النَّارِ أَشَدُّ مِنْهُ وَلاَ بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ وَعْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَوَعِيدَهُ، وَجَدَّدَ إِيمَانَهُ وَيَقِينَهُ، خَنَسَ الشَّيْطَانُ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ بِتَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ إِلَى الْمَعْصِيَةِ، وَدَفْعُهَا بِالْعِلْمِ بِأَنَّهَا مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
_________
(١) سُورَة الأَْعْرَاف: ٢٠١.
(٢) تَفْسِير ابْن كَثِير ٢ / ٢٧٩.