الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
فِي تَطْبِيقِ الشَّرْعِ وَتَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ وَسِيَاسَةِ الأَْنَامِ، وَإِنَّ نَظَرَهُ يَعُمُّ عُمُومَ نَظَرِ الإِْمَامِ فِي خُطَّةِ الإِْسْلاَمِ، وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ رُتْبَةُ الاِسْتِقْلاَل، فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَاجِعَ الإِْمَامَ فِي مَجَامِعِ الْخُطُوبِ، فَإِنْ أَشْكَل عَلَيْهِ أَمْرٌ رَاجَعَ الإِْمَامَ، أَوْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُرَاجَعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَالْخَلِيفَةُ هُوَ الأَْصِيل، وَهُوَ الْمَسْئُول الأَْوَّل، وَلَهُ مُبَاشَرَةُ الأُْمُورِ كُلِّهَا، وَيَنُوبُ عَنْهُ الْوَزِيرُ فِي ذَلِكَ، فَالْوَزِيرُ نَائِبٌ (١) .
وَلِذَلِكَ يَتَقَيَّدُ عَمَل الْوَزِيرِ بِأَمْرَيْنِ:
الأَْوَّل: خَاصٌّ بِالْوَزِيرِ، وَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ بِأَنْ يَطَّلِعَ الإِْمَامُ عَلَى كُل مَا أَمْضَاهُ مِنْ تَدْبِيرٍ، وَعَلَى كُل مَا أَنْفَذَهُ مِنْ وِلاَيَةٍ وَتَعْيِينٍ وَتَقْلِيدٍ؛ لِئَلاَّ يَصِيرَ بِالاِسْتِبْدَادِ كَالإِْمَامِ.
الثَّانِي: خَاصٌّ بِالإِْمَامِ، وَهُوَ أَنْ يَتَصَفَّحَ أَفْعَال الْوَزِيرِ وَتَدْبِيرَهُ الأُْمُورَ، لِيُقِرَّ مِنْهَا مَا وَافَقَ الصَّوَابَ، وَيَسْتَدْرِكَ مَا خَالَفَهُ؛ لأَِنَّ تَدْبِيرَ الأُْمَّةِ مَوْكُولٌ إِلَيْهِ فِي الأَْصْل، وَمَحْمُولٌ عَلَى اجْتِهَادِهِ (٢) .
ـ مُعَاوِنُو وَزِيرِ التَّفْوِيضِ وَمُسَاعِدُوهُ:
١٣ - كَمَا أَنَّ الإِْمَامَ لاَ يَسْتَطِيعُ الْقِيَامَ بِأَعْبَاءِ
_________
(١) غياث الأمم للجويني ص١١٣.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٠.
الدَّوْلَةِ وَحْدَهُ، فَيَسْتَعِينُ بِالْوُزَرَاءِ، كَذَلِكَ وَزِيرُ التَّفْوِيضِ يَعْجِزُ عَنْ تَحَمُّل الْعِبْءِ الْكَبِيرِ فِي إِدَارَةِ الدَّوْلَةِ وَالْقِيَامِ بِمَصَالِحِ الأُْمَّةِ وَأَمْرِ الْمِلَّةِ، لِذَلِكَ كَانَ مِنْ وَاجِبِهِ اخْتِيَارُ الْمُعَاوِنِينَ الأَْكْفَاءِ الصَّالِحِينَ، وَالْمُسَاعِدِينَ الأَْقْوِيَاءِ، مِنْ وُزَرَاءِ التَّنْفِيذِ، وَأُمَرَاءِ الأَْجْنَادِ، وَقِيَادَةِ الْعَسْكَرِ، وَوُلاَةِ الأَْمْوَال، وَالْكُتَّابِ، وَالسُّعَاةِ عَلَى الْخَرَاجِ وَالصَّدَقَاتِ، مِمَّنْ يَثِقُ بِدِينِهِمْ وَصَلاَحِهِمْ وَخِبْرَتِهِمْ وَمَقْدِرَتِهِمْ عَلَى تَوَلِّي الْمَنَاصِبِ الْقِيَادِيَّةِ، وَالأَْعْمَال الْجَسِيمَةِ الَّتِي تُوَكَّل إِلَيْهِمْ، فَيُنِيبُهُمْ عَنْهُ، وَيَسْتَعْمِلُهُمْ فِي الأَْعْمَال (١) .
١٤ - وَيَجِبُ أَنْ يَتَوَفَّرَ فِي الْمُعَاوِنِينَ وَالْمُسَاعِدِينَ الصِّفَاتُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي يَجِبُ مُرَاعَاتُهَا فِي اخْتِيَارِ الأَْشْخَاصِ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ مَقَالِيدَ الأُْمَّةِ، مَعَ الْبَحْثِ عَنْ أَحْسَنِ وَأَفْضَل شَخْصٍ تَتَوَفَّرُ فِيهِ الشُّرُوطُ اللاَّزِمَةُ، وَتَتَحَقَّقُ فِيهِ الْعَدَالَةُ، وَتُصَانُ بِهِ الْمَصْلَحَةُ، قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَْمِينُ (٢)﴾، فَهَذِهِ الآْيَةُ تَتَضَمَّنُ اشْتِرَاطَ الأَْمَانَةِ وَالْقُوَّةِ أَيِ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَمَل الَّذِي يُسْنَدُ إِلَيْهِ مِنْ أَعْمَال الدَّوْلَةِ (٣)، قَال ابْنُ تَيْمِيَّةَ: وَالْقُوَّةُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ تَرْجِعُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْعَدْل الَّذِي دَل عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَإِلَى الْقُدْرَةِ عَلَى
_________
(١) غياث الأمم ص٢١٤.
(٢) سورة القصص: ٢٦.
(٣) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٦.
تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ، وَالأَْمَانَةُ تَرْجِعُ إِلَى خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَلاَّ يَشْتَرِيَ بِآيَاتِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا، وَتَرْكِ خَشْيَةِ النَّاسِ (١) .
وَأَرْشَدَ رَسُول اللَّهِ ﷺ الْحُكَّامَ إِلَى الْمَبَادِئِ الَّتِي تُرَاعَى فِي تَوْلِيَةِ الْوُلاَةِ وَالْعُمَّال، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنِ اسْتَعْمَل رَجُلًا مِنْ عِصَابَةٍ، وَفِيهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، وَخَانَ الْمُؤْمِنِينَ (٢) .
١٥ - وَيَجِبُ عَلَى وَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَتَفَقَّدَ أَعْمَال الْمُعَاوِنِينَ وَالْمُسَاعِدِينَ، وَأَنْ يَتَصَفَّحَ أَحْوَالَهُمْ لِيَنْهَضَ الْجَمِيعُ بِسِيَاسَةِ الأُْمَّةِ، وَحِرَاسَةِ الْمِلَّةِ، وَلاَ يَتَخَلَّى عَنْ ذَلِكَ بِأَعْمَالِهِ الْخَاصَّةِ، وَلاَ حَتَّى بِالْعِبَادَةِ، فَقَدْ يَخُونُ الأَْمِينُ، وَيَغُشُّ النَّاصِحُ، وَهَذَا مَفْرُوضٌ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الدِّينِ، وَمَنْصِبِ الْوِزَارَةِ، وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ السِّيَاسَةِ الَّتِي اسْتَرْعَاهَا (٣) .
وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ (٤) .
_________
(١) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٧.
(٢) حديث: " من استعمل رجلا من عصابة. . ". أخرجه الحاكم (٤ / ٩٢ ط الكتاب العربي)، وأعله المنذري في الترغيب (٣ / ١١٨ ط دار ابن كثير) بضعف أحد رواته.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٦.
(٤) حديث: " كلكم راع، وكلكم مسئول. . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٧٨) .
ثَانِيًا: وِزَارَةُ التَّنْفِيذِ:
١٦ - وِزَارَةُ التَّنْفِيذِ أَضْعَفُ حُكْمًا مِنْ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ، وَشُرُوطُهَا أَقَل؛ لأَِنَّ النَّظَرَ فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى رَأْيِ الإِْمَامِ وَتَدْبِيرِهِ، وَهَذَا الْوَزِيرُ وَسَطٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّعَايَا وَالْوُلاَةِ، يُؤَدِّي عَنْهُ مَا أَمَرَ، وَيُنَفِّذُ عَنْهُ مَا ذَكَرَ، وَيُمْضِي مَا حَكَمَ، وَيُخْبِرُ بِتَقْلِيدِ الْوُلاَةِ وَتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ، وَيَعْرِضُ عَلَيْهِ مَا وَرَدَ مِنْ مُهِمٍّ وَتَجَدَّدَ مِنْ حَدَثٍ مُلِمٍّ، لِيَعْمَل فِيهِ مَا يُؤْمَرُ بِهِ، فَهُوَ مُعِينٌ فِي تَنْفِيذِ الأُْمُورِ، وَلَيْسَ بِوَالٍ عَلَيْهَا وَلاَ مُتَقَلِّدًا لَهَا، فَإِنْ شُورِكَ فِي الرَّأْيِ كَانَ بِاسْمِ الْوِزَارَةِ أَخَصَّ، وَإِنْ لَمْ يُشَارِكْ فِيهِ كَانَ بِاسْمِ الْوَاسِطَةِ وَالسِّفَارَةِ أَشْبَهَ، وَلَيْسَ تَفْتَقِرُ هَذِهِ الْوِزَارَةُ إِلَى تَقْلِيدٍ وَإِنَّمَا يُرَاعَى فِيهَا مُجَرَّدُ الإِْذْنِ، وَلاَ تُعْتَبَرُ فِي الْمُؤَهَّل لَهَا الْحُرِّيَّةُ وَلاَ الْعِلْمُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِوِلاَيَةٍ وَلاَ تَقْلِيدٍ فَتُعْتَبَرَ فِيهِ الْحُرِّيَّةُ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ فَيُعْتَبَرَ فِيهِ الْعِلْمُ، وَإِنَّمَا هُوَ مَقْصُورُ النَّظَرِ عَلَى أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُؤَدِّيَ إِلَى الْخَلِيفَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يُؤَدِّيَ عَنْهُ (١) .
شُرُوطُ وِزَارَةِ التَّنْفِيذِ: ١٧ - يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ، وَهِيَ الْبُلُوغُ، وَالْعَقْل، وَالرُّشْدُ،
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٥ـ٢٦.
وَالْعَدَالَةُ، وَالْكِفَايَةُ فِيمَا يُكَلَّفُ بِهِ، وَلاَ يُشْتَرَطُ فِيهِ الاِجْتِهَادُ؛ لأَِنَّهُ مُجَرَّدُ مُبَلِّغٍ وَمُنَفِّذٍ لأَِوَامِرِ الإِْمَامِ أَوْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ.
وَيُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ شُرُوطٌ خَاصَّةٌ، تَتَعَلَّقُ بِعَمَلِهِ، وَهِيَ:
أـ الثِّقَةُ: يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يَكُونَ مَوْثُوقًا، بِحَيْثُ تُقْبَل رِوَايَتُهُ؛ لأَِنَّ مِلاَكَ أَمْرِهِ إِخْبَارُ الْجُنْدِ وَالرَّعَايَا بِمَا يُنَفِّذُهُ الإِْمَامُ، وَهَذَا يَسْتَدْعِي الْوَرَعَ وَالأَْخْلاَقَ الْفَاضِلَةَ (١) .
ب - الأَْمَانَةُ: وَذَلِكَ حَتَّى لاَ يَخُونَ فِيمَا اؤْتُمِنَ عَلَيْهِ، وَلاَ يَغُشَّ فِيمَا اسْتُنْصِحَ فِيهِ.
جـ - صِدْقُ اللَّهْجَةِ: حَتَّى يُوثَقَ بِخَبَرِهِ فِيمَا يُؤَدِّيهِ، وَيُعْمَل عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا يُنْهِيهِ.
د - قِلَّةُ الطَّمَعِ: حَتَّى لاَ يَرْتَشِيَ فِيمَا يَلِي، وَلاَ يَنْخَدِعَ فَيَتَسَاهَل فِي عَمَلِهِ.
هـ - الْمُسَالَمَةُ وَعَدَمُ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، فَيَسْلَمُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ مِنْ عَدَاوَةٍ وَشَحْنَاءَ؛ لأَِنَّ الْعَدَاوَةَ تَصُدُّ عَنِ التَّنَاصُفِ، وَتَمْنَعُ مِنَ التَّعَاطُفِ.
_________
(١) غياث الأمم ص١١٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١، وتحرير الأحكام ص٧٨.
وـ الذِّكْرُ وَعَدَمُ النِّسْيَانِ، لِيَكُونَ ذَكُورًا لِمَا يُؤَدِّيهِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَمَا يُؤَدِّيهِ عَنْهُ، لأَِنَّهُ شَاهِدٌ لَهُ وَعَلَيْهِ.
ز - الذَّكَاءُ وَالْفِطْنَةُ وَالْكِيَاسَةُ؛ لأَِنَّهُ يَنْقُل الأَْخْبَارَ وَالأَْعْبَاءَ وَالأَْعْمَال، فَيَحْتَاجُ إِلَى إِدْرَاكِ مَعَانِيهَا لِيَنْقُلَهَا، فَلاَ يُؤْتَى عَنْ غَفْلَةٍ وَذُهُولٍ، وَلاَ تُدَلَّسُ عَلَيْهِ الأُْمُورُ فَتَشْتَبِهُ، وَلاَ تُمَوَّهُ عَلَيْهِ فَتَلْتَبِسُ، فَلاَ يَصِحُّ مَعَ اشْتِبَاهِهَا عَزْمٌ، وَلاَ يَصْلُحُ مَعَ الْتِبَاسِهَا حَزْمٌ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ فَطِنًا لَمْ يُوثَقْ بِفَهْمِهِ لِمَا يُؤَدِّيهِ، وَلاَ يُؤْمَنُ خَطَؤُهُ فِيمَا يُبَلِّغُهُ وَيُؤَدِّيهِ.
ح - أَنْ لاَ يَكُونَ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ، فَيُخْرِجَهُ الْهَوَى عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِل، وَيَتَدَلَّسَ عَلَيْهِ الْمُحِقُّ مِنَ الْمُبْطِل؛ لأَِنَّ الْهَوَى خَادِعُ الأَْلْبَابِ، وَصَارِفٌ لَهُ عَنِ الصَّوَابِ، وَلِذَلِكَ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: حُبُّكَ الشَّيْءَ يُعْمِي، وَيُصِمُّ (١) .
ط - الْحُنْكَةُ وَالتَّجْرِبَةُ وَالْخِبْرَةُ: وَهَذَا الشَّرْطُ إِذَا كَانَ وَزِيرُ التَّنْفِيذِ مُشَاوِرًا فِي الرَّأْيِ، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى الْحُنْكَةِ وَالتَّجْرِبَةِ الَّتِي تُوصِل
_________
(١) حديث: " حبك الشيء يعمي ويصم " أخرجه أحمد (٥ / ١٩٤ ط الميمنية) وأبو داود (٥ / ٣٤٦ - ٣٤٧ ط حمص) من حديث أبي الدرداء. وضعف العراقي إسناده في المغني بهامش الإحياء (٣ / ٣٢ ط المعرفة) .
إِلَى صِحَّةِ الرَّأْيِ وَصَوَابِ التَّدْبِيرِ، فَإِنَّ فِي التَّجَارِبِ خِبْرَةً بِعَوَاقِبِ الأُْمُورِ، فَإِنْ لَمْ يُشَارِكْ فِي الرَّأْيِ لَمْ يَحْتَجْ إِلَى هَذَا الْوَصْفِ، وَإِنْ كَانَ يَكْتَسِبُهُ مَعَ كَثْرَةِ الْمُمَارَسَةِ.
ي - الذُّكُورَةُ: يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، وَلاَ يَصِحُّ أَنْ تَقُومَ بِوِزَارَةِ التَّنْفِيذِ امْرَأَةٌ - وَإِنْ كَانَ خَبَرُهَا مَقْبُولًا - لِمَا تَضَمَّنَتْهُ الْوِزَارَةُ مَعْنَى الْوِلاَيَاتِ الْمَصْرُوفَةِ عَنِ النِّسَاءِ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَا أَفْلَحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (١) وَلأَِنَّ فِيهَا مِنْ طَلَبِ الرَّأْيِ وَثَبَاتِ الْعَزْمِ مَا تَضْعُفُ عَنْهُ النِّسَاءُ، وَمِنَ الظُّهُورِ فِي مُبَاشَرَةِ الأُْمُورِ مَا هُوَ عَلَيْهِنَّ مَحْظُورٌ (٢) .
ك - الإِْسْلاَمُ: وَهَذَا شَرْطٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَأَجَازَ الْمَاوَرْدِيُّ وَأَبُو يَعْلَى تَعْيِينَ الذِّمِّيِّ فِي وِزَارَةِ التَّنْفِيذِ دُونَ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ، فَقَالاَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْوَزِيرُ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّفْوِيضِ مِنْهُمْ (٣)؛ لأَِنَّ وَزِيرَ التَّنْفِيذِ يَتَصَرَّفُ فِي حُدُودِ مَا أُمِرَ بِتَنْفِيذِهِ مِنَ الإِْمَامِ، عَلَى عَكْسِ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ
_________
(١) حديث: " لن يفلح قوم. . . " تقدم تخريجه ف ٦.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢.
الَّذِي يُفَوَّضُ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ وَفْقَ اجْتِهَادِهِ وَمَشِيئَتِهِ، وَنَقَل أَبُو يَعْلَى عَنِ الْخِرَقِيِّ فَقَال: وَذَكَرَ الْخِرَقِيُّ مَا يَدُل عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَزِيرُ التَّنْفِيذِ مِنْ أَهْل الذِّمَّةِ؛ لأَِنَّهُ أَجَازَ إِعْطَاءَهُمْ جُزْءًا مِنَ الزَّكَاةِ إِنْ كَانُوا مِنَ الْعَامِلِينَ فِيهَا، فَيُعْطَوْا بِحَقِّ مَا عَمِلُوا، مِمَّا يَدُل عَلَى جَوَازِ وِلاَيَتِهِمْ وَعِمَالَتِهِمْ (١) .
وَخَالَفَهُمُ الْجُوَيْنِيُّ وَقَال: فَإِنَّ الثِّقَةَ لاَ بُدَّ مِنْ رِعَايَتِهَا، وَلَيْسَ الذِّمِّيُّ مَوْثُوقًا فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَتَصَارِيفِ أَحْوَالِهِ، وَرِوَايَتُهُ مَرْدُودَةٌ، وَكَذَلِكَ شَهَادَتُهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَكَيْفَ يُقْبَل قَوْلُهُ فِيمَا يُسْنِدُهُ وَيَعْزُوهُ إِلَى إِمَامِ الْمُسْلِمِينَ؟ (٢)
وَاسْتَدَل الْجُوَيْنِيُّ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لاَ يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا (٣)﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ (٤)﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ (٥)﴾، وَقَوْلِهِ ﷺ: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ مَعَ مُشْرِكٍ، لاَ تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا (٦)، وَأَنَّ
_________
(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢.
(٢) غياث الأمم للجويني ص١١٤، ١١٥، ١٥٥.
(٣) سورة آل عمران: ١١٨.
(٤) سورة المائدة: ٥١.
(٥) سورة الممتحنة: ١.
(٦) حديث: " أنا بريء من كل مسلم مع مشرك. . . " أخرجه أبو داود (٣ / ١٠٤ - ١٠٥ ط حمص) من حديث جرير بن عبد الله ﵁، والنسائي (٨ / ٣٦ ط المكتبة التجارية الكبرى) من حديث قيس بن أبي حازم مرسلا. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (٤ / ١١٩ ط الفنية المتحدة): صحح البخاري وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم.
عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ اشْتَدَّ نَكِيرُهُ عَلَى أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ لَمَّا اتَّخَذَ كَاتِبًا نَصْرَانِيًّا (١) .
قَال أَبُو يَعْلَى: وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُل عَلَى الْمَنْعِ؛ لأَِنَّهُ قَال فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَقَدْ سُئِل: نَسْتَعْمِل الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ فِي أَعْمَال الْمُسْلِمِينَ مِثْل الْخَرَاجِ؟ فَقَال: لاَ يُسْتَعَانُ بِهِمْ فِي شَيْءٍ (٢) .
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ الْعِلْمُ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ، وَلاَ يَفْصِل فِي الدَّعَاوَى الَّتِي تَحْتَاجُ
_________
(١) غياث الأمم ص١١٦، والأم للإمام الشافعي ٦ / ٢٠٨ طبع دار الشعب - القاهرة، وتسهيل النظر للماوردي ص٢٣٨ طبع دار العلوم الإسلامية بيروت.
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٦.
إِلَى عِلْمٍ، وَإِنَّمَا يَقْتَصِرُ نَظَرُهُ عَلَى الأَْدَاءِ إِلَى الْخَلِيفَةِ، وَالأَْدَاءِ عَنْهُ (١) .
وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّنْفِيذِ الْحُرِّيَّةُ، فَتَصِحُّ مِنَ الْعَبْدِ لأَِنَّهُ لاَ يَنْفَرِدُ بِالْوِلاَيَةِ، وَلاَ بِتَقْلِيدِ الْوَظَائِفِ إِلَى غَيْرِهِ، قَال الْجُوَيْنِيُّ: وَلاَ يَضُرُّ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ هَذَا الْمَنْصِبِ عَبْدًا مَمْلُوكًا، فَإِنَّ الَّذِي يُلاَبِسُهُ لَيْسَ وِلاَيَةً، وَإِنَّمَا هُوَ إِنْبَاءٌ وَإِخْبَارٌ، وَالْمَمْلُوكُ مِنْ أَهْل وِلاَيَةِ الإِْخْبَارِ (٢) .
انْتِهَاءُ الْوِزَارَةِ بِالْعَزْل، وَالتَّغْيِيرِ:
١٨ - إِنَّ تَعْيِينَ الْوَزِيرِ عَقْدٌ جَائِزٌ، فَيَجُوزُ لِكُلٍّ مِنَ الطَّرَفَيْنِ أَنْ يَفْسَخَهُ بِإِرَادَتِهِ الْمُنْفَرِدَةِ، فَيَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْزِل وَزِيرَ التَّفْوِيضِ، وَوَزِيرَ التَّنْفِيذِ، وَأَنْ يُغَيِّرَهُمَا بِآخَرَ، لِسَبَبٍ أَوْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، مَا دَامَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِلأُْمَّةِ، وَيَجُوزُ لِوَزِيرِ التَّفْوِيضِ أَنْ يَعْزِل وَزِيرَ التَّنْفِيذِ الَّذِي عَيَّنَهُ.
كَمَا يَحِقُّ لِكُلٍّ مِنْ وَزِيرَيِ التَّفْوِيضِ وَالتَّنْفِيذِ أَنْ يَعْزِل نَفْسَهُ، سَوَاءٌ كَانَ لِسَبَبٍ أَمْ لِغَيْرِ سَبَبٍ، مَعَ مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ فِي ذَلِكَ.
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٦، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١
(٢) غياث الأمم ص ١١٤، وانظر المرجعين السابقين، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر للماوردي ص٢٣٨ ـ٢٣٩.