الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣

كَوْنِ الْوَزِيرِ الَّذِي إِلَيْهِ تَنْفِيذُ الأُْمُورِ إِمَامًا فِي الدِّينِ، فَإِنَّ مَا يَتَعَاطَاهُ عَظِيمُ الْخَطَرِ وَالْغَرَرِ، وَيَعْسُرُ عَلَيْهِ مُرَاجَعَةُ الإِْمَامِ فِي تَفَاصِيل الْوَقَائِعِ، وَإِنَّمَا يُطَالِعُ الإِْمَامَ فِي الأُْصُول وَالْمَجَامِعِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ إِمَامًا فِي الدِّينِ لَمْ يُؤْمَنْ زَلَلُهُ فِي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَتَعَذَّرُ تَلاَفِيهَا كَالدِّمَاءِ وَالْفُرُوجِ وَمَا فِي مَعَانِيهَا (١) .

وإِنَّ عَمَل وَزِيرِ التَّفْوِيضِ يَتَطَلَّبُ الْعِلْمَ الْمُؤَدِّيَ إِلَى الاِجْتِهَادِ فِي الأُْمُورِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، وَالاِجْتِهَادُ يَتَوَقَّفُ عَلَى جَوْدَةِ الْفَهْمِ فِي مَعْرِفَةِ حَقَائِقِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَنْ يَرُدَّ الْمَسَائِل الْمُتَنَازَعَ فِيهَا إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُول (٢)﴾ وَهَذَا يَتَطَلَّبُ أَيْضًا الذَّكَاءَ وَالْفِطْنَةَ، حَتَّى لاَ تَتَدَلَّسَ عَلَيْهِ الأُْمُورُ، مَعَ تَوَفُّرِ الْحُنْكَةِ وَالتَّجْرِبَةِ لِتَطْبِيقِ الرَّأْيِ الصَّحِيحِ، وَالتَّدْبِيرِ السَّدِيدِ فِي سِيَاسَةِ الرَّعِيَّةِ (٣) .

وَلَكِنْ لاَ يُشْتَرَطُ أَنْ يَصِل إِلَى رُتْبَةِ الاِجْتِهَادِ الْمُسْتَقِل، لأَِنَّهُ يُرَاجِعُ الإِْمَامَ فِي مَجَامِعِ الْخُطُوبِ، أَوْ مَنْ يَصْلُحُ لِلْمُرَاجَعَةِ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ وَحَمَلَةِ الشَّرِيعَةِ، فَلاَ ضَرُورَةَ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ

_________

(١) غياث الأمم للجويني ص١١٣.

(٢) سورة النساء / ٥٩.

(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٤ / ١٦٣٠، وغياث الأمم ص١١٠.

دَرَجَةَ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ، لأَِنَّ رُتْبَةَ الْوَزِيرِ مَهْمَا عَلَتْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ رُتْبَةَ الْمُسْتَقِلِّينَ، وَإِنَّمَا الْمُسْتَقِل الإِْمَامُ (١) .

ز - الْكِفَايَةُ: وَهِيَ الْقُوَّةُ فِي إِدَارَةِ الأُْمُورِ، وَتَصْرِيفِ الأَْعْمَال، مَعَ الْخِبْرَةِ الْكَافِيَةِ فِي تَرْتِيبِ الأَْعْمَال عَلَى قَوَاعِدِهَا السَّلِيمَةِ، وَوَضْعِ الأُْمُورِ فِي نِصَابِهَا، وَيُقَدَّمُ الأَْكْفَأُ وَالأَْصْلَحُ (٢) .

قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الْكِفَايَةِ فِيمَا وُكِّل إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْحَرْبِ وَالْخَرَاجِ خِبْرَةً بِهِمَا، وَمَعْرِفَةً بِتَفَاصِيلِهِمَا، فَإِنَّهُ مُبَاشِرٌ لَهُمَا تَارَةً، وَمُسْتَنِيبٌ فِيهِمَا أُخْرَى، فَلاَ يَصِل إِلَى اسْتِنَابَةِ الكُفَاةِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ، كَمَا لاَ يَقْدِرُ عَلَى الْمُبَاشَرَةِ إِذَا قَصَّرَ عَنْهُمْ، وَعَلَى هَذَا الشَّرْطِ مَدَارُ الْوِزَارَةِ، وَبِهِ تَنْتَظِمُ السِّيَاسَةُ (٣) .

ح - شُرُوطٌ أُخْرَى:

٧ - وَيُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّفْوِيضِ عِدَّةُ شُرُوطٍ أُخْرَى، كَسَلاَمَةِ الْحَوَاسِّ وَالأَْعْضَاءِ، وَهَذَا فَرْعٌ عَنِ الْكِفَايَةِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَصْرِيفِ الأُْمُورِ، وَيُشْتَرَطُ فِيهِ الشَّجَاعَةُ وَالنَّجْدَةُ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْحِفَاظِ عَلَى شُئُونِ الدَّوْلَةِ، وَأَمْنِ الأَْفْرَادِ،

_________

(١) غياث الأمم ص١١٣.

(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٨.

(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.

وَحِمَايَةِ الْبِلاَدِ، وَجِهَادِ الْعَدُوِّ (١) .

، وَأَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل الصِّدْقِ وَالأَْمَانَةِ وَالْعِفَّةِ وَالدِّيَانَةِ وَالْفِطْنَةِ وَالصِّيَانَةِ، بَصِيرًا بِالأُْمُورِ، سَالِمًا مِنَ الأَْهْوَاءِ وَالشَّحْنَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ (٢) .

وَيُشْتَرَطُ عَدَمُ الاِشْتِغَال بِالتِّجَارَةِ حَتَّى يَتَفَرَّغَ لِمَنْصِبِهِ مِنْ أَعْمَال الأُْمَّةِ وَالدَّوْلَةِ، وَرُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَا عَدَل وَالٍ اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتِهِ (٣) .

وَبَيَّنَ ابْنُ جَمَاعَةَ السَّبَبَ فِي اشْتِرَاطِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْوَزِيرِ، فَقَال: لأَِنَّهُ مُتَحَمِّلٌ أَعْبَاءَ الْمَمْلَكَةِ، فَيَلْزَمُهُ حَمْل أَثْقَالِهَا، وَإِصْلاَحُ أَحْوَالِهَا، وَإِزَاحَةُ اخْتِلاَلِهَا، وَتَمْيِيزُ أَقْوَالِهَا، وَانْتِخَابُ الأَْكْفَاءِ لأَِعْمَالِهَا، مَعَ تَفَقُّدِ أَحْوَالِهِمْ، وَكَشْفِ حَال أَعْمَالِهِمْ، وَأَمْرِهِمْ بِالْعَدْل وَلُزُومِ الأَْمَانَةِ، وَتَحْذِيرِهِمْ عَاقِبَةَ الظُّلْمِ وَالْخِيَانَةِ، فَمَنْ أَحْسَنَ الْقِيَامَ بِوَظِيفَتِهِ زَادَ فِي كَرَامَتِهِ، وَمَنْ أَسَاءَ قَابَلَهُ بِطَرْدِهِ وَإِهَانَتِهِ، وَمَنْ قَصَّرَ عَنْ غَفْلَةٍ بَصَّرَهُ، أَوْ عَنْ سَهْوٍ أَوْ خَطَأٍ أَيْقَظَهُ وَعَذَرَهُ،

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٦و٢٣.

(٢) تحرير الأحكام لابن جماعة ص٧٨.

(٣) حديث: " ما عدل وال اتجر. . " أخرجه أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية (١٠ / ١١٠ ط دار العاصمة) وذكر البوصيري في مختصر إتحاف المهرة (٦ / ٤٤٩ ط دار الكتب العلمية) أن في إسناده راويا ضعيفا.

وَيَلْزَمُهُ الاِعْتِنَاءُ بِجِهَاتِ الأَْمْوَال وَحِسَابِهَا، وَمَظَانِّهَا وَتَحْصِيلِهَا، وَتَيْسِيرِ أَسْبَابِهَا (١) .

صِيغَةُ انْعِقَادِ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَتَقْلِيدِهَا:

٨ - لاَ يَتِمُّ تَعْيِينُ الْوَزِيرِ إِلاَّ بِطَلَبِ الْخَلِيفَةِ الْمُسْتَوْزِرِ، لأَِنَّ الْوِزَارَةَ وِلاَيَةٌ تَفْتَقِرُ إِلَى عَقْدٍ، وَالْعُقُودُ لاَ تَصِحُّ إِلاَّ بِالْقَوْل الصَّرِيحِ غَالِبًا، وَنَظَرًا لأَِهَمِّيَّةِ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ وَخُطُورَتِهَا فَلاَ يَكْفِي فِيهَا مُجَرَّدُ الإِْذْنِ، بَل لاَ بُدَّ مِنْ عَقْدٍ مُعَيَّنٍ صَادِرٍ عَنِ الْخَلِيفَةِ لِمَنْ يُكَلِّفُهُ.

وَيَتِمُّ تَوْلِيَةُ الْوِزَارَةِ بِالأَْلْفَاظِ الَّتِي تُشْعِرُ بِمَقْصُودِهَا، وَتَمْيِيزِهَا عَنْ غَيْرِهَا كَسَائِرِ الْوِلاَيَاتِ لأَِنَّ وِلاَيَةَ الْوِزَارَةِ مِنَ الْعُقُودِ الْعَظِيمَةِ وَالأَْسَاسِيَّةِ الَّتِي لَهَا خَطَرُهَا وَآثَارُهَا. مِثْل أَنْ يَقُول لَهُ: وَلَّيْتُكَ الْوِزَارَةَ، أَوْ وَلَّيْتُكَ وِزَارَتِي فِيمَا إِلَيَّ، أَوِ اسْتَوْزَرْتُكَ.

فَإِنْ أَذِنَ الْخَلِيفَةُ لِشَخْصٍ بِأَحَدِ شُئُونِ الدَّوْلَةِ فَلاَ يَتِمُّ الاِنْعِقَادُ وَالتَّقْلِيدُ حُكْمًا، وَإِنْ أَمْضَاهُ الْوُلاَةُ عُرْفًا، حَتَّى يُسْنِدَ لَهُ الْخَلِيفَةُ الْوِزَارَةَ بِلَفْظٍ (٢)، لَكِنْ قَال أَبُو يَعْلَى: فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَصِحُّ

_________

(١) تحرير الأحكام لابن جماعة ص٧٦، وانظر مقدمة ابن خلدون ص١٩٣، ٢٣٦ ط إحياء التراث العربي - بيروت.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.

التَّقْلِيدُ بِنَاءً عَلَى إِيقَاعِ الطَّلاَقِ بِالْكِتَابَةِ (١) .

٩ - وَيُشْتَرَطُ فِي الاِنْعِقَادِ وَالتَّقْلِيدِ أَمْرَانِ:

أـ أَنْ يُسْنِدَ إِلَيْهِ عُمُومَ النَّظَرِ فِي الأُْمُورِ.

ب - أَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ النِّيَابَةَ وَالْقِيَامَ بِالأَْعْمَال، لأَِنَّهَا عَقْدٌ، وَالْعَقْدُ لاَ يَنْعَقِدُ بِمُجَرَّدِ الإِْذْنِ، وَلاَ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، فَإِنِ اقْتَصَرَ التَّعْيِينُ عَلَى عُمُومِ النَّظَرِ فَيَكُونُ ذَلِكَ وِلاَيَةً لِلْعَهْدِ، وَلاَ تَنْعَقِدُ الْوِزَارَةُ، وَإِنِ اقْتَصَرَ عَلَى النِّيَابَةِ فَقَدْ أَبْهَمَ مَا اسْتَنَابَهُ فِيهِ مِنْ عُمُومٍ وَخُصُوصٍ، أَوْ تَنْفِيذٍ وَتَفْوِيضٍ، فَلاَ تَنْعَقِدُ وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ، وَلاَ بُدَّ مِنَ الْجَمْعِ بَيْنَ الأَْمْرَيْنِ، بِأَنْ يَقُول لَهُ: قَلَّدْتُكَ مَا إِلَيَّ نِيَابَةً عَنِّي، فَتَنْعَقِدُ وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ (٢) .

وَهُنَاكَ أَلْفَاظٌ أُخْرَى فِي الاِنْعِقَادِ وَالتَّقْلِيدِ، فَلَوْ قَال الْخَلِيفَةُ لِشَخْصٍ: نُبْ عَنِّي فِيمَا إِلَيَّ، احْتَمَل أَنْ تَنْعَقِدَ الْوِزَارَةُ، لأَِنَّهُ جَمَعَ لَهُ بَيْنَ عُمُومِ النَّظَرِ وَالاِسْتِنَابَةِ، وَاحْتَمَل أَنْ لاَ تَنْعَقِدَ الْوِزَارَةُ، لأَِنَّهُ إِذَنْ يَحْتَاجُ أَنْ يَتَقَدَّمَهُ عَقْدٌ، وَالإِْذْنُ فِي أَحْكَامِ الْعُقُودِ لاَ تَصِحُّ بِهِ الْعُقُودُ (٣) .

وَلَوْ قَال: قَدِ اسْتَنَبْتُكَ فِيمَا إِلَيَّ انْعَقَدَتْ بِهِ الْوِزَارَةُ؛ لأَِنَّهُ عَدَل عَنْ مُجَرَّدِ الإِْذْنِ إِلَى أَلْفَاظِ

_________

(١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.

(٣) المرجعان السابقان.

الْعُقُودِ، وَلَوْ قَال: انْظُرْ فِيمَا إِلَيَّ، لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِ الْوِزَارَةُ، لاِحْتِمَال أَنْ يَنْظُرَ فِي تَصَفُّحِهِ أَوْ فِي تَنْفِيذِهِ، أَوْ فِي الْقِيَامِ بِهِ، وَالْعَقْدُ لاَ يَنْبَرِمُ بِلَفْظٍ مُحْتَمَلٍ، حَتَّى يَصِلَهُ بِمَا يَنْفِي عَنْهُ الاِحْتِمَال (١) .

وَلَوْ قَال: قَدْ فَوَّضْتُ إِلَيْكَ وِزَارَتِي، احْتَمَل أَنْ تَنْعَقِدَ بِهِ هَذِهِ الْوِزَارَةُ، لأَِنَّ ذِكْرَ التَّفْوِيضِ فِيهَا يُخْرِجُهَا عَنْ وِزَارَةِ التَّنْفِيذِ، وَيُحْتَمَل أَنْ لاَ تَنْعَقِدَ، لأَِنَّ التَّفْوِيضَ مِنْ أَحْكَامِ هَذِهِ الْوِزَارَةِ فَافْتَقَرَ إِلَى عَقْدٍ يَنْفُذُ بِهِ، وَالأَْوَّل أَشْبَهُ (٢) .

وَلَوْ قَال: قَلَّدْتُكَ وِزَارَتِي، أَوْ قَدْ قَلَّدْنَاكَ الْوِزَارَةَ، لَمْ يَصِرْ بِهَذَا الْقَوْل مِنْ وُزَرَاءِ التَّفْوِيضِ حَتَّى يُبَيِّنَهُ بِمَا يَسْتَحِقُّ التَّفْوِيضَ، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَال حِكَايَةً عَنْ نَبِيِّهِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣)﴾ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْوِزَارَةِ حَتَّى قَرَنَهَا بِشَدِّ أَزْرِهِ، وَإِشْرَاكِهِ فِي أَمْرِهِ (٤) .

عُمُومُ النَّظَرِ فِي وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:

١٠ - يَمْنَحُ الإِْمَامُ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ مُمَارَسَةَ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.

(٢) المرجعان السابقان.

(٣) سورة طه / ٢٩ـ٣٢.

(٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٠.

جَمِيعِ الأُْمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِهِ، لِيُدَبِّرَهَا بِرَأْيِهِ، وَيُمْضِيَهَا بِاجْتِهَادِهِ، وَتَثْبُتُ لَهُ الْوِلاَيَةُ الْعَامَّةُ، وَلَهُ أَنْ يُبَاشِرَهَا بِنَفْسِهِ، أَوْ أَنْ يُقَلِّدَ الْحُكَّامَ وَالنُّوَّابَ وَوُزَرَاءَ التَّنْفِيذِ.

وَلِذَلِكَ يَسْتَقِل وَزِيرُ التَّفْوِيضِ بِجَمِيعِ الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ، كَتَعْيِينِ الْقُضَاةِ، وَالْحُكَّامِ، وَالْوُلاَةِ، وَتَجْنِيدِ الأَْجْنَادِ، وَصَرْفِ الأَْمْوَال، وَبَعْثِ الْجُيُوشِ، وَفَرْضِ الْعَطَاءِ بِالأَْهْلِيَّةِ، وَالنِّيَابَةِ عَنِ الإِْمَامِ فِي إِنْفَاذِ الْحَل وَالْعَقْدِ، وَالنَّظَرِ فِي الْقَلَمِ وَالتَّرَسُّل لِصَوْنِ أَسْرَارِ الْخَلِيفَةِ، وَقِيَامِهِ بِالدَّوْلَةِ وَسَائِرِ الأُْمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُكْمِ، وَلِذَلِكَ دُعِيَ أَحْيَانًا بِالسُّلْطَانِ إِشَارَةً إِلَى عُمُومِ نَظَرِهِ (١) .

وَكُل مَا صَحَّ مِنَ الإِْمَامِ صَحَّ مِنْ وَزِيرِ التَّفْوِيضِ إِلاَّ ثَلاَثَةَ أَشْيَاءَ:

أـ وِلاَيَةُ الْعَهْدِ، فَإِنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْهَدَ إِلَى مَنْ يَرَى، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ.

ب - لِلإِْمَامِ أَنْ يَسْتَعْفِيَ الأُْمَّةَ مِنَ الإِْمَامَةِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْوَزِيرِ لَكِنْ لَهُ أَنْ يَسْتَعْفِيَ مِمَّنِ اسْتَوْزَرَهُ وَهُوَ الإِْمَامُ.

ج - لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْزِل مَنْ قَلَّدَهُ الْوَزِيرُ، وَلَيْسَ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٢، ومقدمة ابن خلدون ص ٢٣٨.

لِلْوَزِيرِ أَنْ يَعْزِل مَنْ قَلَّدَهُ الإِْمَامُ (١) .

تَعَدُّدُ وُزَرَاءِ التَّفْوِيضِ:

١١ - أَعْمَال وَزِيرِ التَّفْوِيضِ عَامَّةٌ وَشَامِلَةٌ، فَلاَ يَجُوزُ لِلْخَلِيفَةِ أَنْ يُقَلِّدَ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ عَلَى الاِجْتِمَاعِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ تَقْلِيدُ إِمَامَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا رُبَّمَا تَعَارَضَا فِي الْعَقْدِ وَالْحَل، وَالتَّقْلِيدِ وَالْعَزْل (٢) .

فَإِنْ قَلَّدَ الْخَلِيفَةُ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ لَمْ يَخْل حَال تَقْلِيدِهِ لَهُمَا مِنْ ثَلاَثَةِ أَقْسَامٍ:

أـ أَنْ يُفَوِّضَ إِلَى كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُمُومَ النَّظَرِ فَلاَ يَصِحُّ، وَيَنْظُرَ فِي تَقْلِيدِهِمَا، فَإِنْ كَانَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَطَل تَقْلِيدُهُمَا مَعًا، وَإِنْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الآْخَرَ صَحَّ تَقْلِيدُ السَّابِقِ، وَبَطَل تَقْلِيدُ الْمَسْبُوقِ.

وَالْفَرْقُ بَيْنَ فَسَادِ التَّقْلِيدِ وَالْعَزْل: أَنَّ فَسَادَ التَّقْلِيدِ يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِ، وَالْعَزْل لاَ يَمْنَعُ مِنْ نُفُوذِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ نَظَرِهِ.

ب - أَنْ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ عَلَى اجْتِمَاعِهِمَا فِيهِ، وَلاَ يَجْعَل إِلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٠.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢.

يَنْفَرِدَ بِهِ، فَهَذَا يَصِحُّ، وَتَكُونُ الْوِزَارَةُ بَيْنَهُمَا، لاَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اتَّفَقَ رَأْيُهُمَا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُمَا تَنْفِيذُ مَا اخْتَلَفَا فِيهِ، وَيَكُونُ مَوْقُوفًا عَلَى رَأْيِ الْخَلِيفَةِ، وَخَارِجًا عَنْ نَظَرِ هَذَيْنِ الْوَزِيرَيْنِ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْوِزَارَةُ قَاصِرَةً عَنْ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ الْمُطْلَقَةِ مِنْ وَجْهَيْنِ:

اجْتِمَاعُهُمَا عَلَى تَنْفِيذِ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ، وَزَوَال نَظَرِهِمَا عَمَّا اخْتَلَفَا فِيهِ.

فَإِنِ اتَّفَقَا بَعْدَ الاِخْتِلاَفِ فَيُنْظَرُ:

إِنْ كَانَ اتِّفَاقُهُمَا عَنْ رَأْيٍ اجْتَمَعَا عَلَى صَوَابِهِ بَعْدَ اخْتِلاَفِهِمَا فِيهِ دَخَل فِي نَظَرِهِمَا وَصَحَّ تَنْفِيذُهُ مِنْهُمَا؛ لأَِنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الاِخْتِلاَفِ لاَ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الاِتِّفَاقِ.

وَإِنْ كَانَ مُجَرَّدَ مُتَابَعَةِ أَحَدِهِمَا لِصَاحِبِهِ مَعَ بَقَائِهِمَا عَلَى الرَّأْيِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ فَهُوَ عَلَى خُرُوجِهِ مِنْ نَظَرِهِمَا؛ لأَِنَّهُ لاَ يَصِحُّ مِنَ الْوَزِيرِ تَنْفِيذُ مَا لاَ يَرَاهُ صَوَابًا.

ج - أَنْ لاَ يُشْرِكَ بَيْنَهُمَا فِي النَّظَرِ، وَيُفْرِدَ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِمَا لَيْسَ فِيهِ لِلآْخَرِ نَظَرٌ، وَهَذَا يَكُونُ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ:

ـ إِمَّا أَنْ يَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَمَلٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ النَّظَرِ، خَاصَّ الْعَمَل، مِثْل أَنْ يُعَيِّنَ أَحَدَهُمَا عَلَى وِزَارَةِ بِلاَدِ الْمَشْرِقِ، وَيُعَيِّنَ

الآْخَرَ عَلَى وِزَارَةِ بِلاَدِ الْمَغْرِبِ.

ـ وَإِمَّا أَنْ يَخُصَّ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِنَظَرٍ يَكُونُ فِيهِ عَامَّ الْعَمَل، خَاصَّ النَّظَرِ، مِثْل أَنْ يَسْتَوْزِرَ أَحَدَهُمَا عَلَى الْحَرْبِ، وَالآْخَرَ عَلَى الْخَرَاجِ، فَيَصِحُّ التَّقْلِيدُ عَلَى كِلاَ الْوَجْهَيْنِ، غَيْرَ أَنَّهُمَا لاَ يَكُونَانِ وَزِيرَيْ تَفْوِيضٍ، بَل وَالِيَيْنِ عَلَى عَمَلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، لأَِنَّ وِزَارَةَ التَّفْوِيضِ يُشْتَرَطُ فِيهَا عُمُومُ النَّظَرِ عَلَى جَمِيعِ الأُْمُورِ، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ هُنَا عُمُومُ النَّظَرِ لِقَصْرِهِ عَلَى أُمُورٍ حَرْبِيَّةٍ، أَوْ مَالِيَّةٍ فَقَطْ، وَيَنْفُذُ أَمْرُ الْوَزِيرَيْنِ فِي هَذِهِ الْحَالاَتِ فِيمَا خُصِّصَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، وَيَكُونُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَقْصُورًا عَلَى مَا خُصَّ بِهِ، وَلَيْسَ لَهُ مُعَارَضَةُ الآْخَرِ فِي نَظَرِهِ وَعَمَلِهِ (١) .

إِذَا فَوَّضَ الْخَلِيفَةُ تَدْبِيرَ الأَْقَالِيمِ إِلَى وُلاَتِهَا، وَوَكَّل النَّظَرَ فِيهَا إِلَى الْمُسْتَوْلِينَ عَلَيْهَا، جَازَ لِمَالِكِ كُل إِقْلِيمٍ أَنْ يَسْتَوْزِرَ، وَكَانَ حُكْمُ وَزِيرِهِ مَعَهُ كَحُكْمِ وَزِيرِ الْخَلِيفَةِ مَعَ الْخَلِيفَةِ فِي اعْتِبَارِ الْوِزَارَتَيْنِ، وَأَحْكَامِ النَّظَرَيْنِ (٢) .

الْعَلاَقَةُ بَيْنَ الإِْمَامِ وَوَزِيرِ التَّفْوِيضِ:

١٢ - إِنَّ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ يَقُومُ مَقَامَ الإِْمَامِ

_________

(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢ - ٣٣.

(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٣.