الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٣
٢ - الإِْمَارَةُ بِالْكَسْرِ، وَالإِْمْرَةُ: الْوِلاَيَةُ، وَأُمِّرَ إِمَارَةً وَإِمْرَةً: صَارَ أَمِيرًا.
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ.
وَتَكُونُ الإِْمَارَةُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَلاَ تُسْتَفَادُ إِلاَّ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ وَالْخَلِيفَةِ بِخِلاَفِ الْوِلاَيَةِ.
فَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ، وَهِيَ الْخِلاَفَةُ وَالإِْمَامَةُ الْعُظْمَى، وَقَدْ تَكُونُ فِي الأُْمُورِ الْخَاصَّةِ فِي السُّلْطَةِ عَلَى مِصْرٍ، أَوْ عَمَلٍ خَاصٍّ مِنْ أُمُورِ الدَّوْلَةِ كَإِمَارَةِ الْجَيْشِ وَإِمَارَةِ الصَّدَقَاتِ، وَقَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْصِبِ الأَْمِيرِ، وَتُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الإِْمَامِ، كَمَا تُسْتَفَادُ مِنْ جِهَةِ الشَّرْعِ أَوِ الْقَاضِي، أَوْ غَيْرِهِمَا كَالْوَصِيَّةِ بِالاِخْتِيَارِ، وَالْوِكَالَةِ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْوِزَارَةِ وَالإِْمَارَةِ أَنَّ كِلَيْهِمَا نَوْعٌ مِنَ الْوِلاَيَةِ.
تَارِيخُ الْوِزَارَةِ فِي الإِْسْلاَمِ وَمَشْرُوعِيَّتُهَا:
٣ - وَرَدَ الأَْمْرُ فِي الشَّرْعِ بِالشُّورَى وَالاِسْتِعَانَةِ بِأَهْل الْخَيْرِ، فَالإِْنْسَانُ ضَعِيفٌ بِنَفْسِهِ، قَوِيٌّ بِأَخِيهِ، وَالْخَلِيفَةُ إِنْسَانٌ لاَ يَقْدِرُ
_________
(١) معجم مقاييس اللغة، والقاموس المحيط، والمصباح المنير، ومختار الصحاح وقواعد الفقه للبركتي.
عَلَى مُبَاشَرَةِ جَمِيعِ مَا وُكِّل إِلَيْهِ مِنْ أَمْرِ الْمِلَّةِ وَمَصَالِحِ الأُْمَّةِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى رَجُلٍ مَوْثُوقٍ فِي دِينِهِ وَعَقْلِهِ، يَسْتَعِينُ بِهِ وَيُشَاوِرُهُ، وَيُشْرِكُهُ فِي النَّظَرِ وَالأَْمْرِ، وَيَتَنَازَل لَهُ عَنْ بَعْضِ مَسْئُولِيَّاتِهِ، لِيَكُونَ لَهُ وِلاَيَةٌ شَرْعِيَّةٌ فِي التَّدْبِيرِ وَمُعَاضَدَةِ الإِْمَامِ (١) .
وَالْوِزَارَةُ لَهَا مَكَانَةٌ عَالِيَةٌ فِي الإِْسْلاَمِ، وَلِذَلِكَ قَال الطُّرْطُوشِيُّ:: أَشْرَفُ مَنَازِل الآْدَمِيِّينَ: النُّبُوَّةُ، ثُمَّ الْخِلاَفَةُ، ثُمَّ الْوِزَارَةُ (٢)، وَقَال ابْنُ خَلْدُونَ: الْوِزَارَةُ: أَهَمُّ الْخُطَطِ السُّلْطَانِيَّةِ، وَالرُّتَبِ الْمُلُوكِيَّةِ، لأَِنَّ اسْمَهَا يَدُل عَلَى مُطْلَقِ الإِْعَانَةِ (٣) .
٤ - وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ قَوْلُهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ﴿وَاجْعَل لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي﴾ ﴿هَارُونَ أَخِي﴾ ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٤)﴾، فَقَدْ سَأَل مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ رَبَّهُ اتِّخَاذَ الْوَزِيرِ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي الأَْمْرِ وَالتَّدْبِيرِ، وَقَال
_________
(١) غياث الأمم للجويني ص١١٦، ١١٧ نشر دار الدعوة - الإسكندرية، ومقدمة ابن خلدون ص٢٣٥، وتحرير الأحكام في تدبير الإسلام ص٧٦.
(٢) سراج الملوك للطرطوشي ٧٤ المطبعة الخيرية مصر.
(٣) مقدمة ابن خلدون ص٢٣٦.
(٤) طه / ٢٩ـ٣٢.
تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى (١)﴾ فَإِجَابَةُ اللَّهِ تَعَالَى سُؤْلَهُ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ.
وَقَال تَعَالَى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٢)﴾، يَعْنِي مُعِينًا وَظَهِيرًا، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي النُّبُوَّةِ، كَانَ فِي الإِْمَامَةِ أَجْوَزَ (٣)، وَقَال الطُّرْطُوشِيُّ: لَوْ كَانَ السُّلْطَانُ يَسْتَغْنِي عَنِ الْوُزَرَاءِ لَكَانَ أَحَقَّ النَّاسِ بِذَلِكَ كَلِيمُ اللَّهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ (٤)، وَقَال ابْنُ خَلْدُونَ: وَهُوَ إِمَّا أَنْ يَسْتَعِينَ فِي ذَلِكَ بِسَيْفِهِ، أَوْ قَلَمِهِ، أَوْ رَأْيِهِ، أَوْ مَعَارِفِهِ (٥) .
وَمِنَ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ مَا رَوَاهُ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: وَزِيرَايَ مِنَ السَّمَاءِ جِبْرِيل وَمِيكَائِيل، وَمِنْ أَهْل الأَْرْضِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ (٦)، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي جَوَازِ اتِّخَاذِ الْوُزَرَاءِ.
_________
(١) سورة طه / ٣٦.
(٢) الفرقان / ٣٥، وانظر تفسير الطبري ١٩ / ١٣.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٩.
(٤) سراج الملوك للطرطوشي ص٥٧.
(٥) مقدمة ابن خلدون ص ٢٣٥ـ٢٣٧.
(٦) حديث: " وزيراي من السماء جبريل وميكائيل. . " الحديث أخرجه الحاكم (٢ / ٢٦٤ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي.
وَعَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِالأَْمِيرِ خَيْرًا جَعَل لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَل لَهُ وَزِيرَ سُوءٍ، إِنْ نَسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وَإِنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ (١) . وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ عَمَلًا، فَأَرَادَ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا جَعَل لَهُ وَزِيرًا صَالِحًا إِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ (٢)، وَهَذَا يَدُل عَلَى اسْتِحْبَابِ اتِّخَاذِ الْوَزِيرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ لأُِمُورِ السِّيَاسَةِ.
وَكَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يُشَاوِرُ فِي الأُْمُورِ الْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄، وَقَال فِي حَقِّهِمَا: لَوِ اجْتَمَعْتُمَا فِي مَشُورَةٍ مَا خَالَفْتُكُمَا (٣) .
_________
(١) حديث عائشة ﵂: " إذا أراد الله بالأمير خيرا جعل له وزير صدق. . ". أخرجه أبو داود (٣ / ٣٤٥ ط حمص)، والنسائي (٧ / ١٥٩ ط المكتبة التجارية) وابن حبان (الإحسان ٧ / ٣٤٦ط الرسالة) .
(٢) حديث: " من ولي منكم عملا. . . . " أخرجه النسائي (٧ / ١٥٩ ط المكتبة التجارية) .
(٣) حديث: " كان رسول الله ﷺ يشاور. . . " أخرجه أحمد (٤ / ٢٢٧ ط الميمنية) من حديث ابن غنم الأشعري، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٩ / ٥٣ ط القدسي)، وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات إلا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ﷺ وروى البيهقي في السنن (١٠ / ١٠٩ دائرة المعارف العثمانية) عن ابن عباس ﵁ في قوله ﷿: " وشاورهم في الأمر " قال: أبو بكر وعمر ﵄.
وَجَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ (١)﴾ عَنْ عِكْرِمَةَ: إِنَّهَا إِشَارَةٌ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ ﵄ خَاصَّةً (٢) .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَال: كَانَ أَبُو بَكْرٍ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ مَكَانَ الْوَزِيرِ، فَكَانَ يُشَاوِرُهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِهِ (٣) .
وَمِنْ آثَارِ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَفْظُ الْوِزَارَةِ عِنْدَمَا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ فِي سَقِيفَةِ بَنِي سَاعِدَةَ بِالْمَدِينَةِ لاِخْتِيَارِ مَنْ يَخْلُفُ رَسُول اللَّهِ ﷺ فَقَال سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بَعْدَ كَلاَمِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵃: صَدَقْتَ نَحْنُ الْوُزَرَاءُ، وَأَنْتُمُ الأُْمَرَاءُ (٤)، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ وَزِيرًا لأَِبِي بَكْرٍ ﵁ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَزِيرَيْ عُمَرَ ﵃، وَهَكَذَا كُل خَلِيفَةٍ كَانَ لَهُ وُزَرَاءُ وَمُعِينُونَ وَمُرْشِدُونَ.
_________
(١) سورة النساء / ٥٩.
(٢) تفسير الطبري ٥ / ١٤٩، وتفسير القرطبي ٥ / ٢٥٩.
(٣) أثر سعيد بن المسيب " كان أبو بكر من النبي ﷺ مكان الوزير. . " أخرجه الحاكم (٣ / ٦٣ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: في رواته مجهول.
(٤) أخرج مقالة سعد بن عبادة الطبري في تاريخه (٣ / ٢٠٣ - ط دار المعارف مصر) .
وَمِنَ الْمَعْقُول أَنَّهُ مَتَى جَازَتِ الْوِزَارَةُ مَعَ النَّبِيِّ الْمُخْتَارِ الْمُصْطَفَى فَتَجُوزُ مَعَ الإِْمَامَةِ بِالأَْوْلَى، لأَِنَّ كُل مَا وُكِّل إِلَى الإِْمَامِ مِنْ تَدْبِيرِ شُئُونِ الأُْمَّةِ لاَ يَقْدِرُ عَلَى مُبَاشَرَتِهِ جَمِيعِهِ وَحْدَهُ، إِلاَّ بِالاِسْتِنَابَةِ وَالاِسْتِعَانَةِ، فَكَانَتْ نِيَابَةُ الْوَزِيرِ الْمُشَارِكِ لَهُ فِي التَّدْبِيرِ أَصَحَّ فِي تَنْفِيذِ الأُْمُورِ مِنْ تَفَرُّدِهِ بِهَا، لِيَسْتَظْهِرَ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ، وَيَكُونَ فِي ذَلِكَ أَبْعَدَ مِنَ الزَّلَل، وَأَمْنَعَ مِنَ الْخَلَل، وَالاِسْتِعَانَةُ بِالْغَيْرِ يَضْمَنُ سَلاَمَةَ الْعَمَل (١) .
قَال إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْجُوَيْنِيُّ: لَيْسَ مِنَ الْمُمْكِنِ أَنْ يَتَعَاطَى الإِْمَامُ مُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخُطَّةِ، وَقَدِ اتَّسَعَتْ أَكْنَافُهَا، وَانْتَشَرَتْ أَطْرَافُهَا، وَلاَ يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِي أَحْكَامِهَا، وَيَسْتَخْلِفَ فِي نَقْضِهَا أَوْ فِي إِبْرَامِهَا وَأَحْكَامِهَا (٢) .
أَقْسَامُ الْوِزَارَةِ:
تَنْقَسِمُ الْوِزَارَةُ فِي الدَّوْلَةِ الإِْسْلاَمِيَّةِ وَالْفِقْهِ الإِْسْلاَمِيِّ إِلَى نَوْعَيْنِ، وَهُمَا:
أـ وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ.
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص٢٩.
(٢) غياث الأمم ص٢١٤.
ب - وِزَارَةُ التَّنْفِيذُ (١) .
أَوَّلًا: وِزَارَةُ التَّفْوِيضِ:
تَعْرِيفُ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:
٥ - عَرَّفَ الْمَاوَرْدِيُّ وِزَارَةَ التَّفْوِيضِ فَقَال: أَنْ يَسْتَوْزِرَ الإِْمَامُ مَنْ يُفَوِّضُ إِلَيْهِ تَدْبِيرَ الأُْمُورِ بِرَأْيِهِ، وَإِمْضَاءَهَا عَلَى اجْتِهَادِهِ (٢) .
وَهِيَ أَصْل الْوِلاَيَاتِ وَالْوَظَائِفِ بَعْدَ الْخِلاَفَةِ، لأَِنَّ وَزِيرَ التَّفْوِيضِ يَنْظُرُ فِي كُل مَا يَنْظُرُ فِيهِ الْخَلِيفَةُ، فَالْخَلِيفَةُ هُوَ الأَْصِيل، وَوَزِيرُ التَّفْوِيضِ يَقُومُ مَقَامَهُ.
شُرُوطُ وِزَارَةِ التَّفْوِيضِ:
٦ - يُشْتَرَطُ فِي وَزِيرِ التَّفْوِيضِ مَا يَأْتِي (٣):
أـ الإِْسْلاَمُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَزِيرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا، لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِطَاعَةِ أُولِي الأَْمْرِ، وَالْوَزِيرُ مِنْهُمْ، وَاشْتَرَطَ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ أَنْ يَكُونَ مُسْلِمًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩، وتحرير الأحكام ص٧٧.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩.
(٣) غياث الأمم ص ١١٠ - ١١٣، والأحكام السلطانية ص٢٢، وانظر تحرير الأحكام ص٧٧.
وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ (١)﴾ وَمَحَل الشَّاهِدِ قَوْلُهُ تَعَالَى: مِنْكُمْ أَيْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلأَِنَّ الْمَطْلُوبَ الطَّاعَةُ فِي تَنْفِيذِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَكُلُّهَا تَشْتَرِطُ الإِْسْلاَمَ، وَتَمْنَعُ غَيْرَ الْمُسْلِمِ مِنَ الْوِلاَيَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَنْ يَجْعَل اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (٢)﴾ .
ب - الذُّكُورَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَزِيرِ أَنْ يَكُونَ رَجُلًا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الرِّجَال قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّل اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (٣)﴾، وَقَوَامَةُ الرَّجُل لَيْسَتْ قَاصِرَةً عَلَى الْبَيْتِ، بَل تَشْتَمِل الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةَ فِي الدَّوْلَةِ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً (٤) .
وَلَمْ يَثْبُتْ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَفِي عَهْدِ الرَّاشِدِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ وِلاَيَةٌ عَامَّةٌ لاِمْرَأَةٍ.
ج - الْعَقْل وَالرُّشْدُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَزِيرِ أَنْ يَكُونَ عَاقِلًا رَاشِدًا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْعَقْل مُجَرَّدَ الْحَدِّ الْمَطْلُوبِ لِتَكْلِيفِ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، أَوِ الرُّشْدَ فِي الأُْمُورِ الْمَالِيَّةِ، بَل يُشْتَرَطُ كَمَال
_________
(١) سورة النساء / ٥٩.
(٢) سورة النساء / ١٤١.
(٣) سورة النساء / ٣٤.
(٤) حديث: " لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٨ / ١٢٦) من حديث أبي بكرة ﵁.
الْعَقْل الْمُقْتَرِنِ بِالنُّضْجِ وَالْخِبْرَةِ، وَالْمَعْرِفَةِ بِجَوَانِبِ الأُْمُورِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى النَّظَرِ فِي الْوَقَائِعِ وَالْخَفَايَا وَإِدَارَةِ الدَّوْلَةِ، وَكَشْفِ الدَّسَائِسِ ضِدَّهَا، وَالْعَمَل عَلَى إِحْكَامِ الْخُطَطِ وَالتَّدْبِيرِ الدَّقِيقِ، وَفِي ذَلِكَ يَقُول الْمَاوَرْدِيُّ فِي شُرُوطِ الْقَاضِي: وَلاَ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْعَقْل الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ التَّكْلِيفُ مِنْ عِلْمِهِ بِالْمُدْرَكَاتِ الضَّرُورِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ صَحِيحَ التَّمْيِيزِ، جَيِّدَ الْفِطْنَةِ، بَعِيدًا عَنِ السَّهْوِ وَالْغَفْلَةِ، يَتَوَصَّل بِذَكَائِهِ إِلَى إِيضَاحِ مَا أَشْكَل، وَفَصْل مَا أَعْضَل (١)، وَوَزِيرُ التَّفْوِيضِ قَاضٍ يَحْكُمُ وَيَفْصِل كَمَا سَنَرَى، وَيُعِينُ الْقُضَاةَ وَالْوُلاَةَ وَالْحُكَّامَ، وَيُدِيرُ أُمُورَ الدَّوْلَةِ الدَّاخِلِيَّةَ وَالْخَارِجِيَّةَ.
وَيَرَى بَعْضُهُمْ فِي الرُّشْدِ: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ بُلُوغُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَال رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدِيَّ (٢)﴾، لأَِنَّ النُّضُوجَ الْعَقْلِيَّ وَالاِسْتِقْرَارَ الْعَاطِفِيَّ يَتِمُّ فِي هَذِهِ السِّنِّ، وَهِيَ السِّنُّ الَّتِي يُصْطَفَى فِيهَا الأَْنْبِيَاءُ وَالرُّسُل، وَيُوحَى إِلَيْهِمْ، قَال الرَّاغِبُ الأَْصْفَهَانِيُّ: إِنَّ الإِْنْسَانَ إِذَا بَلَغَ هَذَا الْقَدْرَ يَتَقَوَّى خُلُقُهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، فَلاَ يَكَادُ يُزَايِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ (٣) .
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٦٥.
(٢) سورة الأحقاف / ١٥.
(٣) مفردات ألفاظ القرآن ص٤٤٧.
د - الْعَدَالَةُ: وَهِيَ الاِلْتِزَامُ بِالأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ، وَعَدَمُ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي وَالذُّنُوبِ، وَتَجَنُّبُ الْكَبَائِرِ، وَعَدَمُ الإِْصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ.
وَهَذَا شَرْطٌ فِي الشَّاهِدِ وَالْقَاضِي وَالرَّاوِي وَالإِْمَامِ، وَكَذَا فِي وَزِيرِ التَّفْوِيضِ، وَالنُّصُوصُ فِي الْعَدَالَةِ كَثِيرَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ الشَّرِيفَةِ لِيَكُونَ فِي الْمَقَامِ الَّذِي تُقْبَل فِيهِ رِوَايَتُهُ (١) .
هـ - الأَْمَانَةُ: يُشْتَرَطُ فِي الْوَزِيرِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا عَلَى حِفْظِ الأَْمْوَال الَّتِي يَتَوَلَّى الإِْشْرَافَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ عَامَّةً لِلدَّوْلَةِ أَمْ خَاصَّةً لِلأَْفْرَادِ، فَيَجِبُ أَنْ يُوَفِّيَ الْحُقُوقَ إِلَى أَصْحَابِهَا، وَلاَ يَخُونَ فِيهَا، وَلاَ يَتَقَبَّل الْهَدَايَا الَّتِي تُعْطَى لَهُ بِحُكْمِ مَنْصِبِهِ، فَتَكُونَ رِشْوَةً مُقَنَّعَةً (٢) .
وـ الاِجْتِهَادُ وَالإِْمَامَةُ فِي الدِّينِ: وَعَلَّل ذَلِكَ الْمَاوَرْدِيُّ فَقَال: لأَِنَّهُ مُمْضِي الآْرَاءِ، وَمُنْفِذُ الاِجْتِهَادِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ عَلَى صِفَاتِ الْمُجْتَهِدِينَ (٣)، وَقَال الْجُوَيْنِيُّ: عَلَى أَنَّ الأَْظْهَرَ اشْتِرَاطُ
_________
(١) غياث الأمم للجويني ص١١٤.
(٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٢١ طبع مكتبة أنصار السنة المحمدية - القاهرة.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢.