الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 65

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

ب - تَخْفِيفُ التَّعْزِيرِ عَنْ أَصْحَابِ الْهَيْئَاتِ:

يَتَعَلَّقُ بِتَخْفِيفِ التَّعْزِيرِ عَنْ أَصْحَابِ الْهَيْئَاتِ مَسْأَلَتَانِ:

الْمَسْأَلَةُ الأُْولَى: الْمَقْصُودُ بِذَوِي الْهَيْئَاتِ:

٧ - اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْفُقَهَاءِ فِي تَحْدِيدِ الْمَقْصُودِ بِذَوِي الْهَيْئَاتِ:

فَعَبَّرَ الْحَنَفِيَّةُ عَنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ بِأَصْحَابِ الْمُرُوءَةِ وَهُمُ الَّذِينَ يَتَوَافَرُ فِيهِمُ الدِّينُ وَالصَّلاَحُ، قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: الْمُرُوءَةُ عِنْدِي فِي الدِّينِ وَالصَّلاَحِ (١) .

وَعَبَّرَ الْمَالِكِيَّةُ عَنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ بِرَفِيعِي الْقَدْرِ، وَالْمُرَادُ بِرَفِيعِ الْقَدْرِ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْل الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ وَالآْدَابِ الإِْسْلاَمِيَّةِ لاَ الْمَال وَالْجَاهُ.

وَالْمُعْتَبَرُ فِي الدَّنِيئِ: الْجَهْل وَالْجَفَاءُ وَالْحَمَاقَةُ (٢) .

وَقَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: الْمُرَادُ بِذَوِي الْهَيْئَاتِ الَّذِينَ لاَ يُعْرَفُونَ بِالشَّرِّ، فَيَزِل أَحَدُهُمُ الزَّلَّةَ وَلَوْ كَبِيرَةً؛ لأَِنَّهَا مِنْ مُطِيعٍ.

وَقِيل: الْمُرَادُ بِذَوِي الْهَيْئَاتِ هُمْ أَصْحَابُ

_________

(١) فَتْح الْقَدِير ٥ / ١١٢، ١١٣.

(٢) تَبْصِرَة الْحُكَّامِ ٢ / ٢٠٨.

الصَّغَائِرِ مِنَ الذُّنُوبِ الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا دُونَ الْكَبَائِرِ، وَقِيل: مَنْ يَنْدَمُونَ عَلَى فِعْل الذُّنُوبِ وَيَتُوبُونَ مِنْهَا (١) .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: نَوْعِيَّةُ الْعِقَابِ الْمُوقَعِ عَلَى ذِي الْهَيْئَةِ:

٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَعْزِيرِ ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَلَى مَا صَدَرَ مِنْهُمْ مِنْ صَغَائِرَ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لأَِوَّل مَرَّةٍ فَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا صَدَرَ مِنْ ذِي الْهَيْئَةِ صَغِيرَةٌ لأَِوَّل مَرَّةٍ فَإِنَّهُ يُعَزَّرُ تَعْزِيرًا خَفِيفًا.

وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ عَزَّرَ جَمْعًا مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ ﵃، وَهُمْ رُءُوسُ الأَْوْلِيَاءِ وَسَادَةُ الأُْمَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ.

وَيَرَى بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إِذَا صَدَرَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ صَغَائِرُ لأَِوَّل مَرَّةٍ فَإِنَّهُمْ لاَ يُعَزَّرُونَ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ، إِلاَّ الْحُدُودَ (٢) .

_________

(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ١٧٦، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ١٧، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ١٩١، وكشف الْخَفَاء وَمُزِيل الإِْلْبَاس ١ / ١٨٣ - ١٨٤، ورد الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٨٧، ١٩١، والأحكام السُّلْطَانِيَّة للماوردي ص ٢٣٦.

(٢) حَدِيث: " أُقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ. . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٦ / ١٨١ - ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة.

وَقَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: يُوعَظُ اسْتِحْسَانًا حَتَّى لاَ يَعُودَ، وَلاَ يُعَزَّرَ.

أَمَّا إِذَا تَكَرَّرَ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَاتِ فِعْل الصَّغَائِرِ فَإِنَّهُمْ يُعَزَّرُونَ بِالاِتِّفَاقِ، وَيُضْرَبُ ذُو الْهَيْئَةِ بِمَا يُنَاسِبُ جُرْمَهُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ إِذَا فَعَل ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَا مُرُوءَةٍ، وَلِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٌ فِي ذَلِكَ نُورِدُهَا فِيمَا يَلِي:

٩ - نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ التَّعْزِيرَ يَكُونُ بِحَسَبِ الْجَانِي، وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ، وَالْجِنَايَةِ.

فَإِنْ كَانَ الْقَوْل عَظِيمًا مِنْ دَنِيِّ الْقَدْرِ مُخَاطِبًا بِهِ لِرَفِيعِ الْقَدْرِ بُولِغَ فِي الأَْدَبِ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعَكْسِ فَالْعَكْسُ؛ لِقَوْلِهِ ﷺ: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ (١)، فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ فَاعِل ذَلِكَ يُؤَدَّبُ، فَإِنْ كَانَ رَفِيعَ الْقَدْرِ، فَإِنَّهُ يُخَفَّفُ أَدَبُهُ وَيُتَجَافَى عَنْهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْفَلْتَةِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ بِالتَّعْزِيرِ الزَّجْرُ عَنِ الْعَوْدَةِ، وَمَنْ صَدَرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَلْتَةً يُظَنُّ بِهِ أَنْ لاَ يَعُودَ إِلَى مِثْلِهَا، وَكَذَلِكَ الرَّفِيعُ.

وَإِذَا سَبَّ إِنْسَانٌ غَيْرَهُ فَقَدْ نَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَفْتَرِقُ فِيهِ ذُو الْهَيْئَةِ مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ

_________

(١) حَدِيث: " أُقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٨.

الْقَائِل وَالْمَقُول لَهُ مِنْ أَهْل الْهَيْئَةِ كُلٌّ مِنْهُمَا جَمِيعًا، عُوقِبَ الْقَائِل عُقُوبَةً خَفِيفَةً يُهَانُ وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ السِّجْنَ.

وَإِنْ كَانَا جَمِيعًا مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ الْقَائِل أَشَدَّ مِنْ عُقُوبَةِ الْقَائِل الأَْوَّل الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ يَبْلُغُ فِيهَا السِّجْنَ.

وَإِنْ كَانَ الْقَائِل مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُول لَهُ مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالتَّوْبِيخِ، وَلاَ يَبْلُغُ بِهِ الإِْهَانَةَ وَلاَ السِّجْنَ.

وَإِنْ كَانَ الْقَائِل مِنْ غَيْرِ ذَوِي الْهَيْئَةِ وَالْمَقُول لَهُ مِنْ ذَوِي الْهَيْئَةِ عُوقِبَ بِالضَّرْبِ (١) .

١٠ - وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ تَأْدِيبَ ذِي الْهَيْئَةِ مِنْ أَهْل الصِّيَانَةِ أَخَفُّ مِنْ تَأْدِيبِ أَهْل الْبَذَاءَةِ وَالسَّفَاهَةِ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ (٢) .

١١ - وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ نَقْلًا عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الْحَنَفِيَّةِ: إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ رَجُلًا لَهُ مُرُوءَةٌ وَخَطَرٌ اسْتَحْسَنْتُ أَنْ لاَ أَحْبِسَهُ وَلاَ أُعَزِّرَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَوَّل مَا فَعَل؛ لِمَا ذُكِرَ عَنِ الْحَسَنِ ﵀ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ: تَجَافُوا عَنْ

_________

(١) تَبْصِرَة الْحُكَّامِ ٢ / ٢٠٨ - ٢١٠.

(٢) الأَْحْكَامُ السُّلْطَانِيَّةُ لأَِبِي يَعْلَى ص ٢٧٩. وَالْحَدِيثُ سَبَقَ تَخْرِيجُهُ ف ٨

عُقُوبَةِ ذِي الْمُرُوءَةِ إِلاَّ فِي الْحُدُودِ (١) .

وَفِي نَوَادِرِ ابْنِ رُسْتُمَ عَنْ مُحَمَّدٍ: وُعِظَ حَتَّى لاَ يَعُودَ إِلَيْهِ، فَإِنْ عَادَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ ضُرِبَ التَّعْزِيرُ.

وَفِي التُّمُرْتَاشِيِّ إِنْ كَانَ لَهُ خَطَرٌ وَمُرُوءَةٌ فَالْقِيَاسُ: أَنْ يُعَزَّرَ، وَفِي الاِسْتِحْسَانِ: لاَ، إِنْ كَانَ أَوَّل مَا فَعَل، فَإِنْ فَعَل مَرَّةً أُخْرَى عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ ذَا مُرُوءَةٍ، وَالْمُرُوءَةُ مُرُوءَةٌ شَرْعِيَّةٌ وَعَقْلِيَّةٌ (٢) .

وَنَقَل الْحَنَفِيَّةُ أَصْل الْمَسْأَلَةِ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ، فَقَالُوا بَعْدَمَا ذَكَرُوا: إِنَّ التَّعْزِيرَ لاَ يَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ كَالْحَدِّ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيُّ ذَوِي الْهَيْئَاتِ، ثُمَّ ذَكَرُوا حُكْمَ الْمَسْأَلَةِ عِنْدَهُمْ.

وَاخْتَلَفَتْ أَقْوَال عُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ بَعْدَ هَذَا فِي الْمَسْأَلَةِ فَقَالُوا: وَمَا فِي الْقِنْيَةِ وَغَيْرِهَا: لَوْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا مُرُوءَةٍ وَكَانَ أَوَّل مَا فَعَل - يُوعَظُ اسْتِحْسَانًا وَلاَ يُعَزَّرُ، فَإِنْ عَادَ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ، رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُضْرَبُ، وَهَذَا يَجِبُ أَنْ

_________

(١) حَدِيث: (تُجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذِي الْمُرُوءَةِ. . . " أَخْرَجَهُ مُحَمَّد بْن خَلَف الْمَرْزُبَانُ فِي كِتَاب الْمُرُوءَة (ص ٣٢ - ط دَارٍ ابْن حَزْمٍ) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَن وَهُوَ الْبَصْرِيّ مُرْسَلًا بِلَفْظ " تُجَافُوا عَنْ عُقُوبَةِ ذِي المرو

(٢) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٨٧، ١٩١، وفتح الْقَدِير ٥ / ١١٣ - ١١٤.

يَكُونَ فِي حُقُوقِ اللَّهِ، فَإِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لاَ يَتَمَكَّنُ الْقَاضِي فِيهَا مِنْ إِسْقَاطِ التَّعْزِيرِ، قَال فِي الْفَتْحِ: مَحَل ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَا قُلْتُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ مُنَاقَضَةَ؛ لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ فَقَدْ حَصَل تَعْزِيرُهُ بِالْجَرِّ إِلَى بَابِ الْقَاضِي وَالدَّعْوَى، فَلاَ يَكُونُ مُسْقِطًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى فِي التَّعْزِيرِ، وَقَوْلُهُ: وَلاَ يُعَزَّرُ، يَعْنِي بِالضَّرْبِ فِي أَوَّل مَرَّةٍ، فَإِنْ عَادَ عَزَّرَهُ حِينَئِذٍ بِالضَّرْبِ، وَيُمْكِنُ كَوْنُ مَحْمَلِهِ حَقَّ آدَمِيٍّ مِنَ الشَّتْمِ وَهُوَ مِمَّنْ يَكُونُ تَعْزِيرُهُ بِمَا ذَكَرْنَا، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ فِي الرَّجُل يَشْتُمُ النَّاسَ إِذَا كَانَ لَهُ مُرُوءَةٌ وُعِظَ، وَإِنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ حُبِسَ، وَإِنْ كَانَ سَبَّابًا ضُرِبَ وَحُبِسَ يَعْنِي الَّذِي دُونَ ذَلِكَ (١) .

وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي جَمْعِ مَا يَظْهَرُ مِنْ أَقْوَال الْحَنَفِيَّةِ مِنَ التَّنَاقُضِ: وَيَظْهَرُ لِي دَفْعُ الْمُنَاقَضَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ مَا وَجَبَ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ تَرْكُهُ إِلاَّ إِذَا عَلِمَ انْزِجَارَ الْفَاعِل كَمَا مَرَّ (٢)، وَلاَ يَخْفَى أَنَّ

_________

(١) فَتْح الْقَدِير ٥ / ١١٣ - ١١٤، ورد الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٨٧، ١٩١.

(٢) أَشَارَ إِلَى قَوْله فِي الْمَسْأَلَةِ نَفْسهَا: إِذَا كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ذَا مُرُوءَةٍ فَقَدْ حَصَل تَعْزِيره بِالْجَرِّ إِلَى بَابِ الْقَاضِي وَالدَّعْوَى (حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ١٨٧، وَفَتْح الْقَدِير ٥ / ١١٤) .

الْفَاعِل إِذَا كَانَ ذَا مُرُوءَةٍ فِي الدِّينِ وَالصَّلاَحِ يُعْلَمُ مِنْ حَالِهِ الاِنْزِجَارُ مِنْ أَوَّل الأَْمْرِ، لأَِنَّ مَا وَقَعَ مِنْهُ لاَ يَكُونُ عَادَةً إِلاَّ عَنْ سَهْوٍ وَغَفْلَةٍ، وَلِذَا لَمْ يُعَزَّرْ فِي أَوَّل مَرَّةٍ مَا لَمْ يَعُدْ، بَل يُوعَظُ لِيَتَذَكَّرَ إِنْ كَانَ سَاهِيًا، وَلِيَتَعَلَّمَ إِنْ كَانَ جَاهِلًا بِدُونِ جَرٍّ إِلَى بَابِ الْقَاضِي (١) .

وَقَال بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: رَجُلٌ يُصَلِّي وَيَضْرِبُ النَّاسَ بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ، فَلاَ بَأْسَ بِإِعْلاَمِ السُّلْطَانِ بِهِ لِيَنْزَجِرَ، وَلاَ إِثْمَ عَلَى الْمُخْبِرِ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الإِْخْبَارِ، وَإِعْلاَمُ الْقَاضِي بِذَلِكَ يَكْفِي لِتَعْزِيرِهِ. وَظَاهِرُ هَذَا الْكَلاَمِ كَمَا قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ هَذَا السُّلْطَانِ عَادِلًا، أَوْ جَائِرًا يُخْشَى مِنْهُ قَتْلُهُ، لِمَا عُلِمَ أَنَّهُ يُبَاحُ قَتْل كُل مُؤْذٍ إِذَا لَمْ يَنْزَجِرْ، وَلاَ يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا تَعَرُّضٌ لِثُبُوتِ تَعْزِيرِهِ بِمُجَرَّدِ الإِْخْبَارِ عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَضْلًا عَنْ ثُبُوتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي (٢) .

وَجَاءَ فِي الْكِفَايَةِ: تَعْزِيرُ الأَْشْرَافِ كَالدَّهَاقِنَةِ وَالْقُوَّادِ وَغَيْرِهِمُ الإِْعْلاَمُ وَالْجَرُّ إِلَى بَابِ الْقَاضِي، وَتَعْزِيرُ أَشْرَفِ الأَْشْرَافِ كَالْفُقَهَاءِ وَالْعَلَوِيَّةِ الإِْعْلاَمُ فَقَطْ، بِأَنْ يَقُول: بَلَغَنِي أَنَّكَ

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ١٨١، ١٩١.

(٢) رَدِّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدُّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٨٧، ١٩١، وانظر فَتْح الْقَدِير ٥ / ١١٣، وَمَا بَعْدَهَا.

فَعَلْتَ كَذَا فَلاَ تَفْعَل (١) .

١٢ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ ذِي الْهَيْئَةِ لاَ يُوقَعُ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ أَصْلًا، قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: إِذَا صَدَرَ مِنْ وَلِيٍّ لِلَّهِ تَعَالَى صَغِيرَةٌ فَإِنَّهُ لاَ يُعَزَّرُ، وَقَدْ جَهِل أَكْثَرُ النَّاسِ، فَزَعَمُوا أَنَّ الْوِلاَيَةَ تَسْقُطُ بِالصَّغِيرَةِ، وَيَشْهَدُ بِذَلِكَ حَدِيثُ أَقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ عَثَرَاتِهِمْ إِلاَّ الْحُدُودَ (٢) فَلاَ يَجُوزُ تَعْزِيرُهُمْ.

وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ الأَْذْرَعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَقَال: بِأَنَّ ظَاهِرَ كَلاَمِ الشَّافِعِيِّ ﵀ نَدْبُ الْعَفْوِ عَنْهُمْ، وَبِأَنَّ عُمَرَ ﵁ عَزَّرَ جَمْعًا مِنْ مَشَاهِيرِ الصَّحَابَةِ ﵃ وَهُمْ رُءُوسُ الأَْوْلِيَاءِ وَسَادَةُ الأُْمَّةِ، وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ. قَال فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ جَمْعًا لِلْقَوْلَيْنِ: بِأَنَّ سَيِّدَنَا عُمَرَ ﵁ عَزَّرَ مَنْ ذُكِرَ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ مِنْهُمْ، وَالْكَلاَمُ هُنَا فِي عَدَمِ تَعْزِيرِ ذِي الْهَيْئَةِ فِي أَوَّل زَلَّةٍ زَلَّهَا مُطِيعٌ، وَقَالُوا: إِنَّ قَوْل الإِْمَامِ الشَّافِعِيِّ: " لَمْ يُعَزَّرْ " ظَاهِرٌ فِي الْحُرْمَةِ، وَفِعْل عُمَرَ ﵁ اجْتِهَادٌ مِنْهُ، وَالْمُجْتَهِدُ لاَ يُنْكَرُ عَلَيْهِ فِي الْمَسَائِل الْخِلاَفِيَّةِ (٣) .

_________

(١) الْكِفَايَة بِهَامِش فَتْح الْقَدِير ٥ / ١١٣ - ١١٤.

(٢) حَدِيث: " أُقِيلُوا ذَوِي الْهَيْئَاتِ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٨.

(٣) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٨ / ١٧، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ١٧٦، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ١٩١.

وَاجِبٌ

التَّعْرِيفُ:

أ - الْوَاجِبُ فِي اللُّغَةِ: اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ وَجَبَ يَجِبُ وُجُوبًا: لَزِمَ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْوَاجِبُ مَا لَزِمَ بِدَلِيلٍ فِيهِ شُبْهَةٌ (٢) .

وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: هُوَ مَا يُذَمُّ تَارِكُهُ شَرْعًا عَلَى بَعْضِ الْوُجُوهِ (٣) .

وَقَال الْبَيْضَاوِيُّ: الْوَاجِبُ هُوَ مَا يُذَمُّ شَرْعًا تَارِكُهُ قَصْدًا مُطْلَقًا (٤) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْفَرْضُ:

٢ - الْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ: الْقَطْعُ.

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ، والمصباح الْمُنِير، والمعجم الْوَسِيط.

(٢) كَشْف الأَْسْرَارِ عَنْ أُصُول البزدوي ٢ / ٥٥١، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٥ / ١٩٩.

(٣) نَفَائِس الأُْصُول فِي شَرْح الْمَحْصُول ١ / ٢٣٤.

(٤) نِهَايَة السُّول فِي شَرْحِ مِنْهَاج الْوُصُول بِهَامِشِ التَّقْرِيرِ وَالتَّحْبِيرِ ١ / ٣٢

وَفِي اصْطِلاَحِ الْحَنَفِيَّةِ: مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ (١) وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ: هُوَ مَا يُرَادِفُ الْوَاجِبَ (٢) .

ب - الْحَرَامُ:

٣ - الْحَرَامُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ: مَا يُذَمُّ شَرْعًا فَاعِلُهُ.

وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا ثَبَتَ الْكَفُّ عَنْهُ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَهُوَ بِذَلِكَ مُقَابِلٌ لِلْفَرْضِ (٣) .

ص - الْمَكْرُوهُ:

٤ - الْمَكْرُوهُ: مَا هُوَ رَاجِحُ التَّرْكِ.

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْمَكْرُوهُ إِلَى الْحَرَامِ أَقْرَبَ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ تَحْرِيمًا، وَإِنْ كَانَ إِلَى الْحَل أَقْرَبَ فَهُوَ الْمَكْرُوهُ تَنْزِيهًا، وَبِذَلِكَ يُقَابِل الْمَكْرُوهَ تَحْرِيمًا الْوَاجِبُ عِنْدَهُمْ، وَيُقَابِل الْمَكْرُوهَ تَنْزِيهًا الْمَنْدُوبُ عِنْدَهُمْ (٤) .

الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَاجِبِ وَالْفَرْضِ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ وَالأُْصُولِيُّونَ فِي الْعَلاَقَةِ

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ١٩٩

(٢) نِهَايَة السُّول ١ / ٣٢.

(٣) نِهَايَة السُّول ١ / ٣٦، وفواتح الرَّحَمُوت ١ / ٥٨.

(٤) قَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِي، والتعريفات للجرجاني.