الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
بَيْنَ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ.
فَقَال الْجُمْهُورُ: إِنَّهُمَا مُتَرَادِفَانِ شَرْعًا، وَإِنْ كَانَا مُتَغَايِرَيْنِ لُغَةً.
فَالْفَرْضُ فِي اللُّغَةِ: التَّقْدِيرُ، وَالْوَاجِبُ: اللُّزُومُ وَالثُّبُوتُ (١) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ، وَهُوَ قَوْلٌ لأَِحْمَدَ: إِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ. وَقَالُوا: الْفَرْضُ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ لاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عِلْمًا وَتَصْدِيقًا بِالْقَلْبِ - أَيْ يَلْزَمُ اعْتِقَادُ حَقِيقَتِهِ - وَعَمَلًا بِالْبَدَنِ، حَتَّى يَكْفُرَ جَاحِدُهُ، وَيَفْسُقَ تَارِكُهُ بِلاَ عُذْرٍ.
أَمَّا الْوَاجِبُ: فَهُوَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ فِيهِ شُبْهَةٌ، كَصَدَقَةِ الْفِطْرِ وَالأُْضْحِيَةِ.
وَحُكْمُهُ اللُّزُومُ عَمَلًا كَالْفَرْضِ، لاَ عِلْمًا عَلَى الْيَقِينِ، وَذَلِكَ لِلشُّبْهَةِ حَتَّى لاَ يَكْفُرَ جَاحِدُهُ، وَيَفْسُقَ تَارِكُهُ بِلاَ تَأْوِيلٍ (٢) .
وَقَالُوا: وَقَدْ يُطْلَقُ اسْمُ الْفَرْضِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَبِالْعَكْسِ.
وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (فَرْض ف ٢،
_________
(١) الْبَحْر الْمُحِيط ١ / ١٨١، وشرح مُخْتَصَر رَوْضَة النَّاظِر لِلطُّوفِيّ ١ / ٢٧٤ وَمَا بَعْدَهَا.
(٢) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ١٩٩، وشرح مُخْتَصِر الرَّوْضَة لِنَجْم الطُّوفِيّ ١ / ٢٧٤ وَمَا بَعْدَهَا.
وَالْمُلْحَق الأُْصُولِيّ)
مَرَاتِبُ الْوَاجِبِ:
٦ - لِلْوَاجِبِ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَوْجَبُ مِنْ بَعْضٍ، بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ اللَّوْمِ عَلَى تَرْكِهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، فَمَا كَانَ اللَّوْمُ عَلَى تَرْكِهِ أَكْثَرَ كَانَ أَوْجَبَ، فَأَرْكَانُ الإِْسْلاَمِ أَوْجَبُ مِنْ غَيْرِهَا مِنَ الْوَاجِبَاتِ.
وَبِاعْتِبَارِ تَفَاوُتِ الأَْدِلَّةِ فِي الْقُوَّةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: فَمَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ قَطْعِيٍّ آكَدُ مِمَّا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ. فَسُجُودُ التِّلاَوَةِ آكَدُ مِنْ صَدَقَةِ الْفِطْرِ عِنْدَهُمْ، وَهِيَ آكَدُ مِنْ وُجُوبِ الأُْضْحِيَةِ (١) .
أَقْسَامُ الْوَاجِبِ:
أ - الْوَاجِبُ الْعَيْنِيُّ وَالْكِفَائِيُّ:
٧ - يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ بِحَسَبِ فَاعِلِهِ: إِلَى وَاجِبٍ عَلَى الْعَيْنِ وَوَاجِبٍ عَلَى الْكِفَايَةِ.
فَالْعَيْنِيُّ: مَا كَانَ الْمَطْلُوبُ إِقَامَتَهُ مِنْ كُل ذَاتٍ: أَيْ كُل ذَاتٍ مُكَلَّفَةٍ بِعَيْنِهَا، فَلاَ يَكْفِي فِيهِ فِعْل الْبَعْضِ عَنِ الْبَاقِينَ، كَالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصَّوْمِ.
_________
(١) الْبَحْر الْمُحِيط ١ / ١٨٤، وابن عَابِدِينَ ٥ / ١٩٩.
أَمَّا الْكِفَائِيُّ: فَهُوَ مَا طَلَبَ الشَّارِعُ فِعْلَهُ مِنْ مَجْمُوعِ الْمُكَلَّفِينَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ الْعَالِمِينَ بِهِ، سَوَاءٌ كَانُوا جَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ بَعْضَهُمْ، كَالدَّعْوَةِ إِلَى الإِْسْلاَمِ، وَالدِّفَاعِ عَنْ بَيْضَةِ الإِْسْلاَمِ، وَإِقَامَةِ الْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْبَرَاهِينِ الْقَاطِعَةِ عَلَى إِثْبَاتِ وُجُودِ الصَّانِعِ ﷾ وَوَحْدَانِيَّتِهِ، وَالْقِيَامِ بِعُلُومِ الشَّرْعِ، وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ، وَالْمَصَالِحِ الدُّنْيَوِيَّةِ كَبِنَاءِ الْمَصَانِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَلْزَمُ لِلدِّفَاعِ عَنِ الْبِلاَدِ.
فَإِنْ قَامَ بِذَلِكَ بَعْضُ الْمُكَلَّفِينَ فَقَدْ أَدَّى الْوَاجِبَ عَنِ الْبَاقِينَ، وَسَقَطَ الإِْثْمُ وَالْحَرَجُ عَنْهُمْ، وَإِذَا لَمْ يَقُمْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَثِمُوا جَمِيعًا بِإِهْمَال الْوَاجِبِ (١) .
فَإِنْ تَعَيَّنَ فَرْدٌ لأَِدَاءِ الْوَاجِبِ الْكِفَائِيِّ صَارَ عَلَيْهِ وَاجِبًا عَيْنِيًّا (٢) .
ب - الْوَاجِبُ الْمُعَيَّنُ وَالْمُخَيَّرُ:
٨ - يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ - بِاعْتِبَارِ تَعْيِينِ الْمَطْلُوبِ وَعَدَمِ تَعْيِينِهِ - إِلَى وَاجِبٍ مُعَيَّنٍ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٠٩، وَمَا بَعْدَهَا، والمحلي شَرْح الْمِنْهَاجِ ٤ / ٢١٣، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٣١٩
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٣٧٣.
وَوَاجِبٍ مُخَيَّرٍ (١) .
فَالْمُعَيَّنُ: مَا طَلَبَهُ الشَّارِعُ بِعَيْنِهِ كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، وَأُجْرَةِ الْمُسْتَأْجِرِ، وَرَدِّ الْمَغْصُوبِ، وَلاَ تَبْرَأُ ذِمَّةُ الْمُكَلَّفِ إِلاَّ بِأَدَائِهِ.
وَالْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ: مَا طَلَبَ الشَّارِعُ فِيهِ وَاحِدًا مِنْ أُمُورٍ مُعَيَّنَةٍ، كَإِحْدَى خِصَال الْكَفَّارَةِ، فَإِنَّ الشَّارِعَ أَوْجَبَ عَلَى مَنْ حَنِثَ فِي يَمِينِهِ أَنْ يُطْعِمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ، أَوْ يَكْسُوَهُمْ أَوْ يُعْتِقَ رَقَبَةً، أَيْ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ هَذِهِ الأُْمُورِ الثَّلاَثَةِ، فَأَيُّمَا فَعَل مِنْهَا سَقَطَ عَنْهُ الْوُجُوبُ (٢) .
(ر: كَفَّارَة ف ٨٤)
الْوَاجِبُ فِي الْخِصَال الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا:
٩ - اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوَاجِبِ مِنَ الْخِصَال الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا بَعْدَ اتِّفَاقِ جُمْهُورِهِمْ عَلَى جَوَازِ إِيجَابِ شَيْءٍ مُبْهَمٍ.
فَقَال فَرِيقٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْوَاجِبَ وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ بِعَيْنِهِ، وَأَيُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَتَى بِهِ سَقَطَ بِهِ الْوُجُوبُ، لاَ أَنَّهُ الْوَاجِبُ بَل لاِشْتِمَالِهِ عَلَى الْوَاجِبِ، وَلاَ
_________
(١) رَوْضَة النَّاظِر ١ / ١٥٦ وَمَا بَعْدَهَا، والمستصفي ١ / ٤٧.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٣٢٧، وشرح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ ٤ / ٢٧٤، ورد الْمُحْتَار ٣ / ٦٠ - ٦١، والمغني ٨ / ٧٣٤، والشرح الصَّغِير ٢ / ١ ١ ٢، وحاشية الشَّيْخ زَادَهُ عَلَى تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ ٢ / ١٣١.
يُوصَفُ الْجَمِيعُ بِالْوَاجِبِ.
وَقَال آخَرُونَ: إِنَّ الْوَاجِبَ هُوَ الْكُل عَلَى التَّخْيِيرِ وَالْبَدَل.
وَقَال جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ: إِنَّ الْوَاجِبَ مِنْهَا مُعَيَّنٌ عِنْدَ اللَّهِ، وَغَيْرُ مُعَيَّنٍ عِنْدَ الْمُكَلَّفِ، وَالْوَاجِبُ بِالنِّسْبَةِ لَهُ مَا يَفْعَلُهُ، وَبِفِعْلِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّهُ الْوَاجِبُ بِعِلْمِ اللَّهِ، وَعَلَيْهِ يَخْتَلِفُ الْوَاجِبُ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمُكَلَّفِينَ.
فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا جَمِيعًا فَالْوَاجِبُ شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ كَالصَّوْمِ فِي كَفَّارَاتِ الْيَمِينِ.
وَمَعْنَى التَّخْيِيرِ: أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الإِْتْيَانُ بِكُلٍّ مِنَ الأُْمُورِ الْمُخَيَّرِ بَيْنَهَا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا جَمِيعًا، إِذَا أَتَى بِوَاحِدٍ مِنْهَا سَقَطَ الْوُجُوبُ عَنْهُ وَخَرَجَ عَنِ الْعُهْدَةِ.
فَإِذَا اجْتَمَعَتْ هَذِهِ الْقُيُودُ فَذَاكَ هُوَ الْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ (١) .
ج - - الْوَاجِبُ الْمُؤَقَّتُ وَغَيْرُ الْمُؤَقَّتِ:
١٠ - يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ بِاعْتِبَارِ الزَّمَنِ الْمَضْرُوبِ لِفِعْلِهِ فِيهِ إِلَى: مُؤَقَّتٍ، وَغَيْرِ مُؤَقَّتٍ. وَالْمُؤَقَّتُ إِلَى: مُضَيَّقٍ، وَمُوَسَّعٍ.
_________
(١) حَاشِيَة الشَّيْخِ زَادَهُ عَلَى تَفْسِير الْبَيْضَاوِيّ ٢ / ١٣١، والبحر الْمُحِيط ١ / ١٨٦.
وَذَلِكَ: لأَِنَّهُ إِنْ كَانَ لأَِدَاءِ الْوَاجِبِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا فَهُوَ مُؤَقَّتٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لأَِدَائِهِ وَقْتٌ مُقَدَّرٌ شَرْعًا فَهُوَ غَيْرُ مُؤَقَّتٍ، وَالْمُكَلَّفُ فِي سَعَةٍ مِنْ أَدَائِهِ يُؤَدِّيهِ فِي أَيِّ وَقْتٍ شَاءَ، حَتَّى يَصِل إِلَى وَقْتٍ يَظُنُّ فَوْتَهُ بَعْدَهُ، أَوْ مَوْتَهُ (١) .
أَمَّا الْوَاجِبُ الْمُؤَقَّتُ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْوَقْتُ الْمُقَدَّرُ لأَِدَائِهِ لاَ يُفَضَّل عَنْ فِعْل الْوَاجِبِ - وَيُسَمَّى مُضَيَّقًا - وَلاَ نِزَاعَ فِي وُجُوبِ شُرُوعِهِ مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا، مَا دَامَ مَضِيقًا لاَ يَزِيدُ عَنْ فِعْل الْوَاجِبِ.
وَإِمَّا أَنْ يُفَضَّل عَنِ الْوَاجِبِ فَيَسَعُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ.
وَفِي هَذِهِ الْحَال اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ يَجِبُ أَدَاءُ الْوَاجِبِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ، إِلَى أَنَّ وَقْتَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ هُوَ جَمِيعُ الْوَقْتِ، أَيِ الإِْيجَابُ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ يَقْتَضِي إِيقَاعَ الْفِعْل فِي أَيِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ وَقْتِهِ يَخْتَارُهُ الْمُكَلَّفُ، فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يُوقِعَ الْفِعْل فِي أَوَّل الْوَقْتِ، أَوْ فِي وَسَطِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ فُقَهَاءَ وَأُصُولِيِّينَ.
_________
(١) الْبَحْر الْمُحِيط ١ / ٢٠٨ وَمَا بَعْدَهَا.
وَمَعْنَى كَوْنِهِ مُوَسَّعًا: أَنَّ لِلْمُكَلَّفِ أَنْ يَأْتِيَ بِالْوَاجِبِ أَوَّل وَقْتِهِ أَوْ وَسَطَهُ إِلَى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ لِفِعْل الْوَاجِبِ فَيَكُونُ مُضَيَّقًا.
فَالْوَاجِبُ الْمُخَيَّرُ، وَالْمُوَسَّعُ وَالْكِفَائِيُّ، كُلُّهَا مُشْتَرِكَةٌ فِي أَنَّ الْوُجُوبَ مُتَعَلِّقٌ بِأَحَدِ أُمُورٍ: فَفِي الْمُخَيَّرِ بِأَحَدِ الْخِصَال، وَفِي الْمُوَسَّعِ بِأَحَدِ الأَْزْمَانِ الْكَامِنَةِ بَيْنَ أَطْرَافِ الْوَقْتِ، وَفِي الْكِفَائِيِّ بِأَحَدِ طَوَائِفِ الْمُكَلَّفِينَ. وَمَتَى تَعَلَّقَ الْوُجُوبُ بِقَدْرٍ مُشْتَرَكٍ كَفَى فِيهِ فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادِهِ، لاَ يَتَعَيَّنُ الإِْخْلاَل بِهِ إِلاَّ بِتَرْكِ جَمِيعِ أَفْرَادِهِ (١) .
وَعَلَى هَذَا، فَإِنَّ الْوَقْتَ كُلَّهُ مِنَ الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ ظَرْفٌ لِلْوَاجِبِ؛ لِتَحَقُّقِ الْمُشْتَرَكِ فِي جُمْلَةِ أَجْزَائِهِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْوُجُوبِ، وَلَكِنْ قَالُوا: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُؤَخِّرَ أَدَاءَهُ مِنْ أَوَّل الْوَقْتِ لَزِمَ الْعَزْمُ عَلَى فِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ؛ لأَِنَّهُ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ الأَْمْرُ وَلَمْ يَفْعَل وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَى الْفِعْل، فَهُوَ مُعْرِضٌ عَنِ الأَْمْرِ بِالضَّرُورَةِ، وَالْمُعْرِضُ عَاصٍ (٢) .
_________
(١) الْبَحْر الْمُحِيط ١ / ٢٠٨ وَمَا بَعْدَهَا، وشرح مُخْتَصَر رَوْضَة النَّاظِر لِلنَّجْمِ الطُّوفِيّ ١ / ٣٣٢ - ٣٣٣.
(٢) فَتْح الْعَزِيز شَرْح الْوَجِيز ٣ / ٤٠ - ٤١، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ١٢٥، وفواتح الرَّحَمُوت عَلَى هَامِشِ الْمُسْتَصْفِي ١ / ٦٩، والذخيرة ٢ / ٢٢ - ٢٣، وروضة النَّاظِر بِشَرْحِ ابْن بَدْرَان ١ / ٩٩ وَمَا بَعْدَهَا، وكشاف الْقِنَاع ١ / ٢٥٩.
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ وَقْتَ الْوُجُوبِ فِي الْوَاجِبِ الْمُوَسَّعِ هُوَ الْجُزْءُ الأَْوَّل مِنْهُ إِنِ اتَّصَل بِهِ الأَْدَاءُ، وَإِلاَّ فَأَيُّ جُزْءٍ مِنَ الْوَقْتِ يَتَّصِل بِهِ الأَْدَاءُ. وَإِنْ لَمْ يَتَّصِل الأَْدَاءُ بِجُزْءٍ فَسَبَبُ الْوُجُوبِ هُوَ الْجُزْءُ الأَْخِيرُ وَلَوْ نَاقِصًا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الْوُجُوبَ يَلْزَمُهُ الْمَنْعُ مِنَ التَّرْكِ؛ لأَِنَّ كُل جُزْءٍ مِنْ أَجْزَاءِ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ يَجُوزُ إِخْلاَؤُهُ عَنِ الْفِعْل، وَكَذَا كُل فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ، وَذَلِكَ يُنَافِي الْوُجُوبَ؛ وَلأَِنَّهُ إِذَا قُلْنَا: إِنَّ الْوُجُوبَ يَتَعَلَّقُ بِكُل الْوَقْتِ لَزِمَ تَقَدُّمُ الْمُسَبِّبِ عَلَى السَّبَبِ، أَوْ وُجُوبَ أَدَاءِ الْوَاجِبِ بَعْدَ وَقْتِهِ، فَتَعَيَّنَ الْبَعْضُ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ أَوَّل الْوَقْتِ عَيْنًا لِلُزُومِ عَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَى مَنْ صَارَ أَهْلًا لِلْوُجُوبِ فِي آخِرِ الْوَقْتِ بِقَدْرٍ يَسَعُهُ، كَمَجْنُونٍ وَمُغْمًى عَلَيْهِ أَفَاقَا فِيهِ، وَحَائِضٍ وَنُفَسَاءَ طَهُرَتَا فِيهِ، وَصَبِيٍّ بَلَغَ، وَمُرْتَدٍّ أَسْلَمَ، وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْبَعْضُ آخِرَ الْوَقْتِ عَيْنًا، لأَِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لاَ يَصِحَّ الأَْدَاءُ فِي أَوَّلِهِ لاِمْتِنَاعِ التَّقَدُّمِ عَلَى السَّبَبِ، فَتَعَيَّنَ كَوْنُهُ الْجُزْءَ الَّذِي يَتَّصِل بِهِ الأَْدَاءُ وَيَلِيهِ الشُّرُوعُ؛ لأَِنَّ الأَْصْل فِي السَّبَبِ هُوَ الاِتِّصَال بِالْمُسَبِّبِ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا لاَ يَتَّسِعُ لِفِعْل كُل الْوَاجِبِ فِيهِ، كَوَقْتِ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ مَثَلًا فَيَصِحُّ أَدَاءُ الْعَصْرِ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ لَمَّا اتَّصَل الأَْدَاءُ بِهِ صَارَ هُوَ السَّبَبَ، وَهُوَ مَأْمُورٌ بِأَدَائِهِ فَيَكُونُ
أَدَاؤُهُ كَمَا وَجَبَ (١) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (أَدَاء ف ٦، وَالْمُلْحَق الأُْصُولِيّ)
د - أَقْسَامُ الْوَاجِبِ بِاعْتِبَارِ الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي:
١١ - يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ إِلَى مَا هُوَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلَى مَا هُوَ عَلَى التَّرَاخِي.
نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَى التَّرَاخِي يَصِيرُ وَاجِبًا عَلَى الْفَوْرِ بِشَيْئَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَضِيقَ وَقْتُهُ بِالاِتِّفَاقِ.
وَثَانِيهِمَا: بِالشُّرُوعِ فِيهِ فَيَمْتَنِعُ قَطْعُهُ بِلاَ عُذْرٍ، وَمِنْ ثَمَّ لَوْ أَفْسَدَ الْحَجُّ وَجَبَ قَضَاؤُهُ عَلَى الْفَوْرِ لأَِنَّهُ صَارَ عَلَى الْفَوْرِ بِإِحْرَامِهِ (٢) .
انْظُرْ مُصْطَلَحَ (إِحْرَام ف ١٨٥) .
وَعَدَّاهُ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى الصَّلاَةِ (٣) .
هـ - أَقْسَامُ الْوَاجِبِ مِنْ حَيْثُ ثُبُوتُهُ بِالذِّمَّةِ وَعَدَمُهُ:
١٢ - يَنْقَسِمُ الْوَاجِبُ أَيْضًا إِلَى مَا هُوَ ثَابِتٌ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢٣٨، والبدائع ١ / ٩٥.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٢٣، والمنثور فِي الْقَوَاعِدِ ٣ / ٣٢١.
(٣) الْمَنْثُور ٣ / ٣٢١.
فِي الذِّمَّةِ وَيُطَالِبُ بِأَدَائِهِ: وَهُوَ الدَّيْنُ الْحَال عَلَى الْمُوسِرِ، وَكُل عِبَادَةٍ وَجَبَتْ وَتَمَكَّنَ مِنْهَا، وَإِلَى مَا ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ وَلاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ، كَالزَّكَاةِ بَعْدَ الْحَوْل وَقَبْل التَّمَكُّنِ.
وَإِلَى مَا لاَ يَثْبُتُ بِالذِّمَّةِ وَلاَ يَجِبُ أَدَاؤُهُ، كَالْوَفَاءِ بِالْوَعْدِ، يَجِبُ تَحْقِيقًا لِلصِّدْقِ وَعَدَمِ الإِْخْلاَفِ، لاَ مِنْ حَيْثُ إِنَّ الْوَفَاءَ وَاجِبٌ؛ لأَِنَّ الْوَعْدَ لاَ يَلْزَمُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (١) .
فَوَاتُ الْوَاجِبِ بِالتَّأْخِيرِ:
١٣ - إِذَا فَاتَ الْوَاجِبُ بِالتَّأْخِيرِ وَجَبَ قَضَاؤُهُ أَوْ جَبْرُهُ بِالْكَفَّارَةِ.
فَإِذَا تَقَدَّمَ السَّبَبُ وَلَمْ يَفْعَل أُمِرَ بِالْقَضَاءِ، وَمَتَى لَمْ يَتَقَدَّمِ السَّبَبُ أَصْلًا لَمْ يُؤْمَرْ بِالْقَضَاءِ. فَتَارِكُ الصَّلاَةِ عَمْدًا يَقْضِي لِتَقَدُّمِ سَبَبِ الْوُجُوبِ، وَهُوَ الْوَقْتُ، وَالنَّائِمُ يَقْضِي لِوُجُودِ السَّبَبِ الَّذِي قَارَنَهُ مَانِعُ الْوُجُوبِ وَهُوَ النَّوْمُ.
وَاخْتَلَفَ الأُْصُولِيُّونَ فِيمَا انْعَقَدَ سَبَبُ وَجُوبِهِ وَلَمْ يَجِبْ إِمَّا لِمَانِعٍ، أَوْ لِفَوَاتِ شَرْطٍ، أَوْ تَخْفِيفًا مِنَ الشَّارِعِ، اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ هَل يُسَمَّى تَدَارُكُهُ بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَاءً عَلَى وَجْهِ الْحَقِيقَةِ أَوِ الْمَجَازِ؟
_________
(١) الْمَنْثُور فِي الْقَوَاعِدِ ٣ / ٣١٦ - ٣١٧.