الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
تَرْتِيبُ أُمُورٍ فِي الذِّهْنِ يُتَوَصَّل بِهَا إِلَى مَطْلُوبٍ يَكُونُ عِلْمًا أَوْ ظَنًّا (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْفِكْرِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ أَعْمَال الْقُلُوبِ.
ج - النِّيَّةُ:
٤ - مِنْ مَعَاني النِّيَّةِ فِي اللُّغَةِ: الْقَصْدُ، وَهُوَ عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى الشَّيْءِ، وَالنِّيَّةُ أَيْضًا: الْوَجْهُ الَّذِي يُذْهَبُ فِيهِ، وَالنِّيَّةُ وَالنَّوَى: الْبُعْدُ (٣) .
وَالنِّيَّةُ اصْطِلاَحًا عَرَّفَهَا الْمَالِكِيَّةُ: بِأَنَّهَا قَصْدُ الإِْنْسَانِ بِقَلْبِهِ مَا يُرِيدُهُ بِفِعْلِهِ (٤) . وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالنِّيَّةِ أَنَّ مَحَل كُلٍّ مِنْهُمَا الْقَلْبُ.
د - الْعَزْمُ:
٥ - الْعَزْمُ فِي اللُّغَةِ: عَقْدُ الْقَلْبِ عَلَى إِمْضَاءِ الأَْمْرِ. وَعَزَمَ عَزِيمَةً وَعَزْمَةً: اجْتَهَدَ وَجَدَّ فِي أَمْرِهِ.
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير
(٢) قَوَاعِد الْفِقْهِ للبركتي والتعريفات للجرجاني.
(٣) الْمِصْبَاح الْمُنِير، ولسان الْعَرَب، والقاموس الْمُحِيط.
(٤) مَوَاهِب الْجَلِيل ١ / ٢٣٠، والذخيرة ١ / ٢٤٠.
وَالْعَزْمُ فِي الاِصْطِلاَحِ: تَصْمِيمٌ عَلَى إِيقَاعِ الْفِعْل، وَالنِّيَّةُ تَمْيِيزٌ لَهُ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْهَمَّ أَوَّل مَرَاتِبِ الْعَزْمِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَمِّ:
تَتَعَلَّقُ بِالْهَمِّ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - حُكْمُ الْهَمِّ بِالْحَسَنَةِ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ مِنَ الْحَسَنَاتِ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنَةً كَامِلَةً (٢)، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يَرْوِيهِ عَنْ رَبِّهِ ﷿ قَال: " إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ، فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، والمفردات فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ، والتعريفات للجرجاني، وقواعد الْفِقْه لِلْبَرَكَتِي، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٢٣١، والأشباه لاِبْنِ نَجِيم ص ٤٩.
(٢) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٣ - ٣٢٩، وصحيح مُسْلِم بِشَرْح النَّوَوِيّ ٢ / ١٢٨، ١٢٩، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة لاِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ص ٦٠ - ٦٣، وشرح الأَْرْبَعِينَ لِلنَّوَوِيِّ ص ٦٥.
فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (١) . وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: قَال اللَّهُ ﷿: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً، وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا (٢) وَذَلِكَ لأَِنَّ الْهَمَّ بِالْحَسَنَةِ سَبَبٌ وَبِدَايَةٌ إِلَى عَمَلِهَا. وَسَبَبُ الْخَيْرِ خَيْرٌ؛ قَال أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁: " مَنْ حَدَّثَ نَفْسَهُ بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْل يُصَلِّيهَا فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَنَامَ كَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ، وَكُتِبَ لَهُ مِثْل مَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ " (٣)، وَقَال سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: مَنْ هَمَّ بِصَلاَةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ أَوْ غَزْوَةٍ، فَحِيل بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَا نَوَى (٤) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ ﵀: تُكْتَبُ الْحَسَنَةُ بِمُجَرَّدِ الإِْرَادَةِ، ثُمَّ قَال: نَعَمْ، وَرَدَ مَا
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ كُتُب الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٣ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (١ / ١١٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٢) حَدِيث: (إِذَا هُمْ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ١١٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ ".
(٣) أَثَر أَبِي الدَّرْدَاءِ: مِنْ حَدَثَ نَفْسه بِسَاعَةٍ مِنَ اللَّيْل. . . أَخْرَجَهُ ابْن خُزَيْمَة (٢ / ١٩٥ - ١٩٦ ط الْمَكْتَب الإِْسْلاَمِيّ) .
(٤) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٤ - ٣٢٦، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة لاِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ص ٦١، ٦٢.
يَدُل عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْهَمِّ وَالإِْرَادَةِ لاَ يَكْفِي، فَفِي حَدِيثِ خُرَيْمِ بْنِ فَاتِكٍ رَفَعَهُ: وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ يَعْلَمُ اللَّهُ أَنَّهُ قَدْ أَشْعَرَ بِهَا قَلَبَهُ وَحَرَصَ عَلَيْهَا (١) . وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ ابْنُ حِبَّانَ، فَقَال بَعْدَ إِيرَادِ حَدِيثِ الْبَابِ فِي صَحِيحِهِ: الْمُرَادُ بِالْهَمِّ هُنَا الْعَزْمُ، ثُمَّ قَال: وَيُحْتَمَل أَنَّ اللَّهَ يَكْتُبُ الْحَسَنَةَ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهَا زِيَادَةً فِي الْفَضْل.
وَقَال ابْنُ حَجَرٍ: يَتَفَاوَتُ عِظَمُ الْحَسَنَةِ بِحَسَبِ الْمَانِعِ، فَإِنْ كَانَ خَارِجِيًّا مَعَ بَقَاءِ قَصْدِ الَّذِي هَمَّ بِفِعْل الْحَسَنَةِ فَهِيَ عَظِيمَةُ الْقَدْرِ، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ قَارَنَهَا نَدَمٌ عَلَى تَفْوِيتِهَا وَاسْتَمَرَّتِ النِّيَّةُ عَلَى فِعْلِهَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ، وَإِنْ كَانَ التَّرْكُ مِنَ الَّذِي هَمَّ مِنْ قِبَل نَفْسِهِ فَهِيَ دُونَ ذَلِكَ إِلاَّ إِنْ قَارَنَهَا قَصْدُ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا جُمْلَةً، وَالرَّغْبَةُ عَنْ فِعْلِهَا، وَلاَ سِيَّمَا إِنْ وَقَعَ الْعَمَل فِي عَكْسِهَا كَأَنْ يُرِيدَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِدِرْهَمٍ مَثَلًا، فَصَرَفَهُ بِعَيْنِهِ فِي مَعْصِيَةٍ، فَالَّذِي يَظْهَرُ فِي الأَْخِيرِ أَنْ لاَ تُكْتَبَ لَهُ حَسَنَةٌ أَصْلًا، وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَعَلَى الاِحْتِمَال (٢) .
_________
(١) حَدِيث خَرِيم بْن فَاتَك: " مِنْ هُمْ بِحَسَنَة. . . . " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٤ / ٣٤٦ - ط الميمنية) .
(٢) فَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ (١١ / ٣٢٤، ٣٢٥)، وانظر صَحِيح ابْن حِبَّانَ (٢ / ١٠٧ - الإِْحْسَان - ط الرِّسَالَة) .
ب - حُكْمُ الْهَمِّ بِالسَّيِّئَةِ:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، إِذَا كَانَ قَدْ تَرَكَهَا لأَِجْل اللَّهِ تَعَالَى، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (١) .
وَهَل يُثَابُ التَّارِكُ عَنِ السَّيِّئَةِ الَّتِي هَمَّ بِهَا بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ أَمْ بِشَرْطِ أَنْ يَتْرُكَهَا لِمَخَافَةِ اللَّهِ ﷾؟ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ.
فَقَال بَعْضُهُمْ: يُثَابُ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ تَرْكِ مَا هَمَّ بِهِ مِنَ السَّيِّئَةِ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِخَوْفٍ مِنَ اللَّهِ أَوْ لِخَوْفٍ مِنَ النَّاسِ، أَوْ لِعَجْزٍ عَنِ الإِْتْيَانِ بِهِ لِسَبَبٍ مِنَ الأَْسْبَابِ، كَمَنْ يَمْشِي مَثَلًا إِلَى امْرَأَةٍ لِيَزْنِيَ بِهَا، فَيَجِدُ الْبَابَ مُغْلَقًا وَيَتَعَسَّرُ عَلَيْهِ فَتْحُهُ، وَمِثْلُهُ مَنْ تَمَكَّنَ مِنَ الزِّنَا فَلَمْ يَنْتَشِرْ، أَوْ طَرَقَهُ مَا يَخَافُ مِنْ أَذَاهُ عَاجِلًا، وَذَلِكَ لِظَاهِرِ الأَْحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ ﷿ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ
_________
(١) فَتْح الْبَارِي شَرْح صَحِيح الْبُخَارِيّ ١١ / ٣٢٥ وَمَا بَعْدَهَا، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة ص ٦١، ٦٢ وَالْحَدِيث سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف (٦) .
حَسَنَةً كَامِلَةً. . . الْحَدِيثَ " (١)، قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ: " حَسَنَةً كَامِلَةً " الْمُرَادُ بِالْكَمَال عِظَمُ الْقَدْرِ، لاَ التَّضْعِيفُ إِلَى الْعَشَرَةِ، وَظَاهِرُ الإِْطْلاَقِ كِتَابَةُ الْحَسَنَةِ بِمُجَرَّدِ التَّرْكِ، وَلأَِنَّ تَرْكَ الْمَعْصِيَةِ كَفٌّ عَنِ الشَّرِّ وَالْكَفُّ عَنِ الشَّرِّ خَيْرٌ (٢)، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: عَلَى كُل مُسْلِمٍ صَدَقَةٌ. . . ثُمَّ ذَكَرَ خِصَالًا، ثُمَّ قَالُوا: فَإِنْ لَمْ يَفْعَل، قَال: فَلْيُمْسِكْ عَنِ الشَّرِّ فَإِنَّهُ لَهُ صَدَقَةٌ (٣) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِكِتَابَةِ الْحَسَنَةِ لِمَنْ تَرَكَ مَا هَمَّ بِهِ مِنْ سَيِّئَةٍ أَنْ يَتْرُكَهَا لِمَخَافَةِ اللَّهِ وَطَلَبِ رِضَائِهِ، فَأَمَّا إِذَا تَرَكَ السَّيِّئَةَ مُكْرَهًا عَلَى تَرْكِهَا أَوْ عَاجِزًا عَنْهَا فَلاَ تُكْتَبُ لَهُ حَسَنَةً، وَاسْتَدَلُّوا بِأَدِلَّةٍ مِنْهَا:
- قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: قَالَتِ الْمَلاَئِكَةُ: رَبِّ ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَل سَيِّئَةً - وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ - فَقَال: ارْقُبُوهُ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ
_________
(١) حَدِيث: " مِنْ هُمْ بِسَيِّئَة. . . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٦.
(٢) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٣، ٣٢٩، وشرح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ٢ / ١٢٨، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة ص ٦١.
(٣) حَدِيث: " عَلَى كُل مُسْلِم صَدَقَة. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٤٧ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٦٩٩ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الأَْشْعَرِيِّ ﵁.
بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرْكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّايَ (١) .
- قَوْل اللَّهِ ﷿ فِي الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَل سَيِّئَةً فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً (٢) .
قَال الْخَطَّابِيُّ: مَحَل كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ عَلَى التَّرْكِ أَنْ يَكُونَ التَّارِكُ قَدْ قَدَرَ عَلَى الْفِعْل ثُمَّ تَرَكَهُ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ لاَ يُسَمَّى تَارِكًا إِلاَّ مَعَ الْقُدْرَةِ (٣) .
وَذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلاَّنِيُّ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْهَمَّ الْمَقْصُودَ الَّذِي لاَ يُكْتَبُ هُوَ الْمُجَرَّدُ الْوَارِدُ عَلَى الْخَاطِرِ الَّذِي يَمُرُّ بِالْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ وَلاَ عَقْدٍ وَلاَ نِيَّةٍ، فَإِذَا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِالْمَعْصِيَةِ مَثَلًا مِنْ غَيْرِ مُصَاحَبَةِ عَزْمٍ وَلاَ تَصْمِيمٍ لَمْ يُؤَاخَذْ بِهِ، لِظَاهِرِ قَوْل اللَّهِ فِي
_________
(١) حَدِيث: (قَالَتِ الْمَلاَئِكَة: رَبُّ ذَاكَ عَبْدك. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ١١٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
(٢) حَدِيث: " إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَل سَيِّئَة فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ. . . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١٣ / ٤٦٥ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (١ / ١١٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٣) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٦ - ٣٢٩، وشرح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ٢ / ١٢٨، وشرح الأَْرْبَعِينَ النَّوَوِيَّة ص ٦١.
الْحَدِيثِ الْقُدْسِيِّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً (١)، وَلِحَدِيثِ: إِذَا أَرَادَ عَبْدِي أَنْ يَعْمَل سَيِّئَةً فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ حَتَّى يَعْمَلَهَا، فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا، وَلِحَدِيثِ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَل حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَعْمَل، فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، وَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَل سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا (٢) فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَمَل هُنَا عَمَل الْجَارِحَةِ بِالْمَعْصِيَةِ الْمَهْمُومِ بِهَا.
أَمَّا إِذَا عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ آثِمًا بِعَزْمِ الْقَلْبِ وَاسْتِقْرَارِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، قَالُوا: وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى حَدِيثِ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرِ الَّتِي تَخْطُرُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ، وَهُوَ مِنْ عَمَل الْقَلْبِ، وَهُوَ يُكْتَبُ عَلَى صَاحِبِهِ وَيُؤَاخَذُ عَلَيْهِ مِثْل النِّفَاقِ وَالْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْغِل وَالْحِقْدِ وَالْبَغْيِ وَالْغَضَبِ لِغَيْرِ اللَّهِ وَالرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ وَالْبُخْل وَالإِْعْرَاضِ عَنِ الْحَقِّ وَالْعُجْبِ وَالْمَكْرِ، فَمَنْ وَجَدَ فِي قَلْبِهِ مَرَضًا مِنْ هَذِهِ
_________
(١) حَدِيث: " إِذَا هُمْ عَبْدِي بِسَيِّئَة. . . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه فِي فِقْرَة (٦) .
(٢) حَدِيث: " إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَل حَسَنَة. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ١١٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
الأَْمْرَاضِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنَّ يُعَالِجَهُ حَتَّى يَزُول، فَإِنْ لَمْ يُعَالِجْهُ أَثِمَ، وَإِنَّمَا يَأْثَمُ مِنْ هَذِهِ الأَْمْرَاضِ عَلَى مَا نَوَاهُ وَقَصَدَهُ بِقَلْبِهِ دُونَ مَا خَطَرَ بِقَلْبِهِ أَوْ سَبَقَ إِلَيْهِ لِسَانُهُ وَوَهِمَهُ (١) .
ج - الْعِقَابُ عَلَى الْهَمِّ الْمَقْرُونِ بِالْعَزْمِ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْعِقَابِ عَلَى الْهَمِّ الْمَقْرُونِ بِالْعَزْمِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ.
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ (٢): قَسَّمَ بَعْضُهُمْ مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ أَقْسَامًا:
أَضْعَفُهَا: أَنْ يَخْطُرَ لَهُ ثُمَّ يَذْهَبُ فِي الْحَال، وَهَذَا مِنَ الْوَسْوَسَةِ، وَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَهُوَ دُونَ التَّرَدُّدِ.
وَفَوْقَهُ: أَنْ يَتَرَدَّدَ فِيهِ، فَيَهُمُّ بِهِ ثُمَّ يَنْفِرُ عَنْهُ فَيَتْرُكُهُ، ثُمَّ يَهُمُّ بِهِ ثُمَّ يَتْرُكُ كَذَلِكَ، وَلاَ يَسْتَمِرُّ عَلَى قَصْدِهِ وَهَذَا هُوَ التَّرَدُّدُ، فَيُعْفَى عَنْهُ أَيْضًا.
وَفَوْقَهُ: أَنْ يَمِيل إِلَيْهِ وَلاَ يَنْفِرَ مِنْهُ لَكِنْ لاَ يُصَمِّمُ عَلَى فِعْلِهِ، وَهَذَا هُوَ الْهَمُّ، فَيُعْفَى
_________
(١) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٦ وَمَا بَعْدَهَا، وشرح صَحِيح مُسْلِم لِلنَّوَوِيِّ ٢ / ١٢٨، والزواجر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ لاِبْنِ حَجَر الهيتمي ١ / ٧٩.
(٢) فَتْح الْبَارِي ٥ / ٦٩، ١٠ / ٤٨٦، ١١ / ٣٢٧، ١٣ / ٣٤، ٤٧٠ - ٤٧٢، ٤٧٥، تفسير الْقُرْطُبِيّ ٣ / ١٠٢، ٦ / ٢٦٦ وَمَا بَعْدَهَا، وأحكام الْقُرْآن لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ١ / ٢٤١، ٢٤٢.
عَنْهُ أَيْضًا.
وَفَوْقَهُ: أَنْ يَمِيل إِلَيْهِ وَلاَ يَنْفِرَ مِنْهُ بَل يُصَمِّمُ عَلَى فِعْلِهِ، فَهَذَا هُوَ الْعَزْمُ، وَهُوَ مُنْتَهَى الْهَمِّ، وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْمَال الْقُلُوبِ صِرْفًا، كَالشَّكِّ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةِ أَوِ الْبَعْثِ، فَهَذَا كُفْرٌ وَيُعَاقَبُ عَلَيْهِ جَزْمًا.
وَدُونَهُ الْمَعْصِيَةُ الَّتِي لاَ تَصِل إِلَى الْكُفْرِ، كَمَنْ يُحِبُّ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ، وَيُبْغِضُ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ تَعَالَى، وَيُحِبُّ لِلْمُسْلِمِ الأَْذَى بِغَيْرِ مُوجِبٍ لِذَلِكَ، فَهَذَا يَأْثَمُ.
وَيَلْتَحِقُ بِهِ الْكِبْرُ وَالْعُجْبُ وَالْبَغْيُ وَالْمَكْرُ وَالْحَسَدُ، وَفِي بَعْضِ هَذَا خِلاَفٌ، فَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀: أَنَّ سُوءَ الظَّنِّ بِالْمُسْلِمِ وَحَسَدَهُ مَعْفُوٌّ عَنْهُ، وَحَمَلُوهُ عَلَى مَا يَقَعُ فِي النَّفْسِ مِمَّا لاَ يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهِ، لَكِنْ مَنْ يَقَعُ لَهُ ذَلِكَ مَأْمُورٌ بِمُجَاهَدَتِهِ النَّفْسَ عَلَى تَرْكِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَعْمَال الْجَوَارِحِ كَالزِّنَا وَالسَّرِقَةِ، فَهُوَ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ النِّزَاعُ:
فَذَهَبَ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ الْمُصَمَّمِ. وَسَأَل ابْنُ الْمُبَارَكِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ: أَيُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِمَا يَهُمُّ بِهِ؟ قَال: إِذَا جَزَمَ بِذَلِكَ، وَاسْتَدَل كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: