الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
(﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾) (١) وَحَمَلُوا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَل بِهِ أَوْ تَكَلَّمْ (٢) وَنَحْوُهُ مِنَ الأَْحَادِيثِ عَلَى الْخَطَرَاتِ.
ثُمَّ افْتَرَقَ هَؤُلاَءِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ: يُعَاقَبُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ فِي الدُّنْيَا خَاصَّةً بِنَحْوِ الْهَمِّ وَالْغَمِّ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ: بَل يُعَاقَبُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَكِنْ بِالْعِتَابِ لاَ بِالْعَذَابِ، وَهَذَا قَوْل ابْنِ جُرَيْجٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَطَائِفَةٍ، وَنُسِبَ ذَلِكَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ أَيْضًا (٣)، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ النَّجْوَى وَهُوَ: أَنَّ رَجُلًا سَأَل ابْنَ عُمَرَ ﵁: كَيْفَ سَمِعْتَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي النَّجْوَى؟ قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقُول: إِنَّ اللَّهَ يُدْنِي الْمُؤْمِنَ فَيَضَعُ عَلَيْهِ كَنَفَهُ وَيَسْتُرُهُ، فَيَقُول: أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ أَتَعْرِفُ ذَنْبَ كَذَا؟ فَيَقُول: نَعَمْ أَيْ رَبِّ، حَتَّى إِذَا قَرَّرَهُ بِذُنُوبِهِ
_________
(١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ٢٢٥.
(٢) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُِمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ١٦٠ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (١ / ١١٦ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.
(٣) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٦ وَمَا بَعْدَهَا، وتحفة الأَْحْوَذِيّ شَرْح التِّرْمِذِيّ ٦ / ٦١٦، ودليل الْفَالِحِينَ شَرْح رِيَاض الصَّالِحِينَ ٢ / ٥٤٩، ٥٥٠
وَرَأَى فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ هَلَكَ قَال: سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ، فَيُعْطَى كِتَابَ حَسَنَاتِهِ، وَأَمَّا الْكَافِرُ وَالْمُنَافِقُونَ فَيَقُول الأَْشْهَادُ: هَؤُلاَءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ، أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١) .
د - الْهَمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فِي الْحَرَمِ:
٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ الَّذِينَ ذَهَبُوا إِلَى عَدَمِ مُؤَاخَذَةِ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ الْهَمُّ بِالْمَعْصِيَةِ عَلَى حُكْمِ مَنْ يَهُمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ:
فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ مَنْ يَهْتَمُّ بِالْمَعْصِيَةِ فِي الْحَرَمِ يُؤَاخَذُ بِهَا وَلَوْ لَمْ يَصِل ذَلِكَ إِلَى دَرَجَةِ التَّصْمِيمِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢)﴾ . وَلأَِنَّ الْحَرَمَ يَجِبُ اعْتِقَادُ تَعْظِيمِهِ، فَمَنْ هَمَّ بِالْمَعْصِيَةِ فِيهِ خَالَفَ الْوَاجِبَ بِانْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ، وَلأَِنَّ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ الْحَرَمِ بِالْمَعْصِيَةِ تَسْتَلْزِمُ انْتِهَاكَ حُرْمَةِ اللَّهِ؛ لأَِنَّ تَعْظِيمَ
_________
(١) حَدِيث: حَدِيثُ النَّجْوَى. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ! (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٩٦ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٤ / ٢١٢٥ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٢) سُورَة الْحَجّ / ٢٥.
الْحَرَمِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ، فَصَارَتِ الْمَعْصِيَةُ فِي الْحَرَمِ أَشَدَّ مِنَ الْمَعْصِيَةِ فِي غَيْرِهِ، وَإِنِ اشْتَرَكَ الْجَمِيعُ فِي تَرْكِ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى.
قَال شِهَابُ الدِّينِ الأَْلُوسِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَعِيدَ عَلَى إِرَادَةِ ذَلِكَ مُطْلَقًا، فَيُفِيدُ أَنَّ مَنْ أَرَادَ سَيِّئَةً فِي مَكَّةَ - وَلَمْ يَعْمَلْهَا - يُحَاسَبُ عَلَى مُجَرَّدِ الإِْرَادَةِ، وَهُوَ قَوْل ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي الْحَجَّاجِ.
وَقَال إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ: قُلْتُ لأَِحْمَدَ: هَل وَرَدَ فِي شَيْءٍ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّ السَّيِّئَةَ تُكْتَبُ بِأَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ؟ قَال: لاَ، مَا سَمِعْتُ إِلاَّ بِمَكَّةَ لِتَعْظِيمِ الْبَلَدِ.
وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الْعَفْوَ عَنِ الْهَمِّ بِالْمَعْصِيَةِ وَعَدَمَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ عَامَّةٌ فِي النَّاسِ جَمِيعًا، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ أَمْ فِي غَيْرِهِ؛ لأَِنَّ النُّصُوصَ الْوَارِدَةَ فِي ذَلِكَ لَمْ تُفَرِّقْ لاَ فِي الأَْزْمِنَةِ وَلاَ فِي الأَْمْكِنَةِ، وَإِنَّمَا عَمَّمَتْ (١)، كَقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ
_________
(١) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٨، ٣٢٩، وتفسير الْقُرْطُبِيّ ١٢ / ٣٤، ٣٥، ١٨ / ٢٢٤، وتفسير رُوح الْمَعَانِي ٩ / ١٣٤، وأحكام الْقُرْآن لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ٣ / ٢٧٧
إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ، وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً، فَإِنْ هُوَ هَمَّ بِهَا كَتَبَهَا اللَّهُ لَهُ عِنْدَهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً (١) .
هـ - الْهَمُّ بِالْكُفْرِ يُؤَدِّي إِلَى الْكُفْرِ:
١٠ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا هَمَّ الشَّخْصُ الْمُسْلِمُ بِالْكُفْرِ، أَوْ شَكَّ فِي الْوَحْدَانِيَّةِ أَوِ النُّبُوَّةِ أَوِ الْبَعْثِ، أَوْ نَوَى قَطْعَ إِسْلاَمِهِ، أَوْ تَرَدَّدَ أَيَكْفُرُ أَوْ لاَ، أَوْ عَزَمَ عَلَى الْكُفْرِ غَدًا أَوْ فِي الْمُسْتَقْبَل، خَرَجَ مِنَ الإِْسْلاَمِ وَأَصْبَحَ مُرْتَدًّا فِي الْحَال؛ لأَِنَّ طَرَيَانَ الشَّكِّ يُنَاقِضُ جَزْمَ النِّيَّةِ بِالإِْسْلاَمِ.
قَال الإِْمَامُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْعَزْمُ عَلَى الْكُفْرِ فِي الْمُسْتَقْبَل كُفْرٌ فِي الْحَال، وَكَذَا التَّرَدُّدُ فِي أَنَّهُ يَكْفُرُ أَمْ لاَ؟ فَهُوَ كُفْرٌ فِي الْحَال، وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ كُفْرَهُ بِأَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ كَقَوْلِهِ: إِنْ هَلَكَ مَالِي أَوْ وَلَدِي تَهَوَّدْتُ أَوْ تَنَصَّرْتُ. قَال: وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ، حَتَّى لَوْ سَأَلَهُ كَافِرٌ يُرِيدُ الإِْسْلاَمَ أَنْ يُلَقِّنَهُ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ، فَلَمْ يَفْعَل، أَوْ أَشَارَ عَلَيْهِ بِأَنْ لاَ يُسْلِمَ، أَوْ عَلَى مُسْلِمٍ بِأَنْ يَرْتَدَّ فَهُوَ كَافِرٌ؛ لأَِنَّهُ رَضِيَ بِالْكُفْرِ (٢)، وَقَال ابْنُ
_________
(١) حَدِيث: " إِذَا هُمْ عَبْدِي بِحَسَنَة. . . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه فِقْرَة (٦) .
(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ ٦٥.
حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ قَاصِدًا الاِسْتِخْفَافَ بِاللَّهِ كَفَرَ، وَإِنَّمَا الْمَعْفُوُّ عَنْهُ مَنْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ ذَاهِلًا عَنْ قَصْدِ الاِسْتِخْفَافِ.
أَمَّا إِذَا خَطَرَ فِي بَالِهِ الْكُفْرُ، أَوْ جَرَى فِي قَلْبِهِ دُونَ أَنْ يَصِل إِلَى مَرْحَلَةِ الْعَزْمِ، فَلاَ يَكْفُرُ؛ لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْوَسْوَسَةِ.
قَال الشِّرْبِينِيُّ الْخَطِيبُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: فَإِنْ لَمْ يُنَاقِضْ جَزْمَ النِّيَّةِ بِالإِْسْلاَمِ كَالَّذِي يَجْرِي فِي الْكِنِّ (أَيْ فِي الْخَاطِرِ) فَهُوَ مِمَّا يُبْتَلَى بِهِ الْمُوَسْوَسُ، وَلاَ اعْتِبَارَ بِهِ كَمَا قَالَهُ الإِْمَامُ (١) .
_________
(١) فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٢٧، ٣٢٨، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٣، ونهاية الْمُحْتَاج ٧ / ٣٩٣ - ٣٩٥، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ١٣٦، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ١٦٨ وَمَا بَعْدَهَا، وجواهر الإِْكْلِيل ٢ / ٢٧٨، والقوانين الْفِقْهِيَّة ص ٣٥٦، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٦٥، والزواجر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ١ / ٨١.
هِمْيَانٌ
التَّعْرِيفُ:
١ - الْهِمْيَانُ فِي اللُّغَةِ: كِيسٌ تُجْعَل فِيهِ النَّفَقَةُ وَيُشَدُّ عَلَى الْوَسَطِ، وَجَمْعُهُ هَمَايِينُ، قَال الأَْزْهَرِيُّ: وَهُوَ مُعَرَّبٌ دَخِيلٌ عَلَى كَلاَمِهِمْ (١) .
وَيَسْتَعْمِل الْفُقَهَاءُ هَذَا اللَّفْظَ بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ نَفْسِهِ حَيْثُ قَالُوا: الْهِمْيَانُ بِالْكَسْرِ مَا يُجْعَل فِيهِ الدَّرَاهِمُ وَيُشَدُّ عَلَى الْحَقْوِ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الصُّرَّةُ:
٢ - الصُّرَّةُ فِي اللُّغَةِ: مَا يُجْمَعُ فِيهِ الشَّيْءُ وَيُشَدُّ، وَجَمْعُهَا صُرَرٌ (٣) .
وَالصُّرَّةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: وِعَاءُ الدَّرَاهِمِ (٤) .
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير.
(٢) الْبَحْر الرائق٢ / ٣٤٩، وانظر الْبِنَايَة ٣ / ٤٨٦ ومنح الْجَلِيل ١ / ٥٠٨، ٥٠٩، وحاشية الْعَدَوِيّ عَلَى الْخَرَشِيّ ٢ / ٣٤٩.
(٣) الْمُعْجَم الْوَسِيط.
(٤) الْعِنَايَة ٤ / ٢٤٥ ط الأَْمِيرِيَّة.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِمْيَانِ، وَالصُّرَّةِ أَنَّ الصُّرَّةَ أَعَمُّ مِنَ الْهِمْيَانِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهِمْيَانِ:
أ - شَدُّ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ:
٣ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَشُدَّ الْهِمْيَانَ فِي وَسَطِهِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمُحْرِمِ بَأْسًا بِأَنْ يَعْقِدَ الْهِمْيَانَ عَلَى وَسَطِهِ وَفِيهِ نَفَقَتُهُ (١)، وَقَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَخَّصَ فِي الْهِمْيَانِ وَالْمِنْطَقَةِ لِلْمُحْرِمِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَمُجَاهِدٌ، وَالْقَاسِمُ، وَالنَّخَعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ ﵃ أَجْمَعِينَ.
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ شَدُّ الْهِمْيَانِ فِي وَسَطِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ فِيهِ نَفَقَتُهُ أَمْ كَانَ فِيهِ نَفَقَةُ غَيْرِهِ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِلُبْسِ مَخِيطٍ وَلاَ فِي مَعْنَاهُ كَمَا أَجَازُوهُ سَوَاءٌ شَدَّهُ بِإِدْخَال السُّيُورِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ أَوْ عَقْدِهِ.
وَقَدْ كَرِهَ أَبُو يُوسُفَ ﵀ لِلْمُحْرِمِ لُبْسَ
_________
(١) حَدِيث: " أَنَّهُ لَمْ يَرَ لِلْمُحَرَّمِ بَأْسًا أَنْ يُعَقِّدَ الْهِمْيَان. . . " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ (١٠ / ٣٩٧ - ٣٩٨ ط الْعِرَاق)، وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٣ / ٢٣٢ ط الْمُقَدِّسِي)، وَعَزَاهُ إِلَى الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَقَال: فِيهِ يُوسُف بْن خَالِد السَّحْتِي: ضَعِيف.
الْمِنْطَقَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الإِْبْرِيسَمِ؛ لأَِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَخِيطِ، وَقِيل: هُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَصْل أَبِي يُوسُفَ فِي كَرَاهَةِ مَا قَل مَنِ الْحَرِيرِ وَكَثُرَ لِلرِّجَال.
وَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنْ يَشُدَّ الْمُحْرِمُ الْهِمْيَانَ فِي وَسَطِهِ، وَبِهِ قَال مَوْلاَهُ نَافِعٌ (١) .
وَجَوَازُ شَدِّ الْهِمْيَانِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ:
الأَْوَّل: أَنْ يَكُونَ شَدُّ الْهِمْيَانِ لِنَفَقَتِهِ الَّتِي يُنْفِقُهَا عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ وَدَوَابِّهِ، لاَ لِنَفَقَةِ غَيْرِهِ وَلاَ لِتِجَارَةٍ.
الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الشَّدُّ عَلَى جِلْدِهِ لاَ عَلَى إِزَارِهِ أَوْ ثَوْبِهِ، وَجَازَ حِينَئِذٍ إِضَافَةُ نَفَقَةِ غَيْرِهِ إِلَى نَفَقَتِهِ تَبَعًا لاَ ابْتِدَاءً.
أَمَّا إِذَا شَدَّ الْمُحْرِمُ الْهِمْيَانَ لاَ لِنَفَقَتِهِ بَل لِلتِّجَارَةِ أَوْ لِغَيْرِهِ، أَوْ فَارِغًا، أَوْ لاَ عَلَى جِلْدِهِ بَل عَلَى إِزَارِهِ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ.
وَقَالُوا: الْمُرَادُ بِشَدِّ الْهِمْيَانِ إِدْخَال خُيُوطِهِ فِي أَثْقَابِهَا أَوْ فِي الْكُلاَّبِ أَوِ الإِْبْزِيمِ مَثَلًا سَوَاءٌ
_________
(١) الْبِنَايَة عَلَى شَرْحِ الْهِدَايَةِ ٣ / ٤٨٦، والبحر الرَّائِق ٢ / ٣٤٩، والخرشي مَعَ حَاشِيَةِ الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٣٤٩، والمجموع ٧ / ٢٥٥، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٠ ٣٣، والمبسوط ٤ / ١٢٧.
كَانَ مِنْ جِلْدٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَمَّا لَوْ عَقَدَهُ عَلَى جِلْدِهِ افْتَدَى (١) .
وَيُقَيِّدُ الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ عَقْدِ الْهِمْيَانِ بِأَنْ تَكُونَ فِيهِ نَفَقَةٌ، فَقَدْ وَرَدَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ " أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحْرِمِ فَقَالَتْ: وَمَا بَأْسٌ، لِيَسْتَوْثِقَ بِهِ نَفَقَتَهُ " (٢)، وَلأَِنَّ الْحَاجَةَ تَدْعُو إِلَى عَقْدِهِ وَهِيَ أَنْ لاَ يُثَبَّتَ الْهِمْيَانُ إِلاَّ بِالْعَقْدِ، فَإِنْ ثُبِّتَ بِإِدْخَال السُّيُورِ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ لَمْ يَجُزِ الْعَقْدُ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ كَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ نَفَقَةٌ (٣) (ر: إِحْرَام ف ١٠١) .
ب - اشْتِمَال السَّلَبِ عَلَى الْهِمْيَانِ:
٤ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْهِمْيَانَ يَدْخُل فِي السَّلَبِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ الْمُقَاتِل عِنْدَ تَوَافُرِ شُرُوطِهِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الْمُقَابِل لِلأَْظْهَرِ أَنَّ الْهِمْيَانَ لَيْسَ سَلَبًا (٤) .
_________
(١) الْخَرَشِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٣٤٩، والشرح الصَّغِير ٢ / ٧٨، ٧٩.
(٢) أَثَر عَائِشَة: " أَنَّهَا سُئِلَتْ عَنِ الْهِمْيَانِ لِلْمُحَرَّمِ. . . " أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٥ / ٩٦ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) .
(٣) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٣ / ٣٣٠، وكشاف الْقِنَاع ٢ / ٤٢٧.
(٤) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٤١، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ٧ ١ ٢، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٣٧٤ - ٣٧٥، والمحلي عَلَى الْمِنْهَاجِ ٣ / ١٩٢، والخرشي ٣ / ١٣٠، والمغني ٩ / ٢٣٩.
وَلِلتَّفْصِيل (ر: سَلَب ف ١٣) .
ج - طَرُّ الْهِمْيَانِ:
٥ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَنْ طَرَّ هِمْيَانَ إِنْسَانٍ وَأَخَذَ الْمَال قُطِعَ؛ لأَِنَّهُ مُحْرِزٌ بِهِ (١) .
وَلِلْحَنَفِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ تَفْصِيلٌ حَيْثُ قَالُوا: إِنْ طَرَّ هِمْيَانًا خَارِجًا مِنَ الْكُمِّ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ أَدْخَل يَدَهُ فِي الْكُمِّ يُقْطَعْ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي (طَرَّارٌ ف ٤ - ٥) .
هَوَاءٌ
انْظُرْ: تَعَلِّي
_________
(١) حَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى شَرْحِ الرِّسَالَةِ ٢ / ٣٠٩ نَشْر دَار الْمَعْرِفَة، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ١٢٣، والإنصاف ١٠ / ٠٢٥٤
(٢) الْهِدَايَة وَشُرُوحهَا ٤ / ٢٤٥ ط الأَْمِيرِيَّة، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٠٤، والبحر الرَّائِق ٥ / ٦٥ - ٦٦، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٨١.