الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 58

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ، فَقَال: إِنَّمَا قُلْتُهُ اعْتِذَارًا لِنَمْنَعَهُ، فَلاَ شَيْءَ لَهَا بِهَذَا.

وَقَدْ يَقُول الرَّجُل لِلسُّلْطَانِ فِي الأَْمَةِ: وَلَدَتْ مِنِّي، وَفِي الْعَبْدِ هُوَ مُدَبَّرٌ؛ لِئَلاَّ يَأْخُذَهُمَا السُّلْطَانُ فَلاَ يَلْزَمُهُ الإِْشْهَادُ فِيهِ. أَيْ أَنَّهُ لاَ يُعْتَدُّ بِهَذَا الإِْقْرَارِ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُبْطِل الإِْقْرَارَ:

فَقَدْ جَاءَ فِي حَاشِيَةِ الْبُجَيْرِمِيِّ عَلَى الْخَطِيبِ: أَنَّ الأُْمَّةَ قَدْ أَجْمَعَتْ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الإِْقْرَارِ وَلَوْ هَازِلًا أَوْ لاَعِبًا أَوْ كَاذِبًا، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ فِي بَعْضِ صُوَرِهِ (٢) .

وَجَاءَ فِي نَيْل الْمَآرِبِ: لاَ يَصِحُّ الإِْقْرَارُ إِلاَّ مِنْ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ وَلَوْ كَانَ الْمُقِرُّ هَازِلًا (٣) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل مَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ مِنَ الإِْقْرَارِ وَمَا لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ عَنْهُ - سَوَاءٌ

_________

(١) التَّاج وَالإِْكْلِيل هَامِش مَوَاهِبَ الْجَلِيل ٥ / ٢٤٦، ٢٢٧، وتبصرة الْحُكَّام ٢ / ٥٦، والشرح الصَّغِير ٣ / ٥٣٢، والدسوقي ٣ / ٤٠٤.

(٢) حَاشِيَة البجيرمي عَلَى الْخَطِيبِ ٣ / ١١٩ ط دَار الْمَعْرِفَة بَيْرُوت.

(٣) نَيْل الْمَآرِب شَرْح دَلِيل الطَّالِبِ لاِبْن أَبِي تَغْلِبَ ٢ / ٤٩٦، وانظر مَنَار السَّبِيل فِي شَرْحِ الدَّلِيل لإِبْرَاهِيمَ ابْن ضَوَيَانَ ٢ / ٥٠٦.

أَكَانَ ذَلِكَ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى أَمْ كَانَ فِي حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ - فِي مُصْطَلَحِ (إِقْرَار، ف ٥٩ - ٦٩) .

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الْهَزْل فِي الاِعْتِقَادَاتِ:

إِذَا هَزَل الإِْنْسَانُ بِمَا يَمَسُّ عَقِيدَتَهُ، فَإِمَّا أَنْ يَهْزِل بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا، أَوْ يَهْزِل بِمَا يُوجِبُ إِسْلاَمًا.

أ - هَزْل الْمُسْلِمِ بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا:

٤٣ - إِنْ هَزَل الْمُسْلِمُ بِمَا يُوجِبُ كُفْرًا، كَأَنْ سَبَّ اللَّهَ تَعَالَى، أَوْ مَلاَئِكَتَهُ، أَوْ كُتُبَهُ، أَوْ رُسُلَهُ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، أَوْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، أَوْ أَنْكَرَ الْيَوْمَ الآْخِرَ، أَوِ الْجَنَّةَ أَوِ النَّارَ، أَوْ أَنْكَرَ أَمْرًا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَكْفُرُ بِذَلِكَ، وَيَكُونُ مُرْتَدًّا عَنِ الإِْسْلاَمِ، غَيْرَ أَنَّ لَهُمْ تَفْصِيلاَتٍ نُوَضِّحُهَا فِيمَا يَلِي:

نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل فِي الرِّدَّةِ كُفْرٌ، كَقَوْلِهِ لِلصَّنَمِ إِلَهٌ - هَزْلًا - وَإِنْ لَمْ يَعْتَقِدِ الْهَازِل مَا هَزَل بِهِ، أَيْ أَنَّهُ قَدْ كَفَرَ بِعَيْنِ تَلَفُّظِهِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ هَزْلًا؛ لأَِنَّ الْهَازِل نَطَقَ بِذَلِكَ عَنْ رِضًا وَاخْتِيَارٍ فَتَعَيَّنَ فِي حَقِّهِ الْهَزْل جِدًّا، وَلِكَوْنِ الْهَزْل بِذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ الْحَقِّ،

وَالاِسْتِخْفَافُ بِالدِّينِ الْحَقِّ كُفْرٌ (١)، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِالْكِتَابِ وَبِالْقِيَاسِ: أَمَّا الْكِتَابُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّل عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُل اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ﴾ (٦٤) ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٦٥) ﴿لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٢)﴾ .

قَال الْجَصَّاصُ: فِيهِ الدَّلاَلَةُ عَلَى أَنَّ اللاَّعِبَ وَالْجَادَّ سَوَاءٌ فِي إِظْهَارِ كَلِمَةِ الْكُفْرِ، عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الإِْكْرَاهِ؛ لأَِنَّ هَؤُلاَءِ الْمُنَافِقِينَ ذَكَرُوا أَنَّهُمْ قَالُوا مَا قَالُوهُ لَعِبًا، فَأَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِاللَّعِبِ (٣) . وَأَمَّا الْقِيَاسُ، فَقَدْ قَالُوا: إِنَّ كُفْرَ الْهَازِل بِذَلِكَ كَكُفْرِ الْعِنَادِ، أَيْ كَكُفْرِ مَنْ صَدَّقَ بِقَلْبِهِ، وَامْتَنَعَ عَنِ الإِْقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، عِنَادًا وَمُخَالَفَةً، فَإِنَّهُ أَمَارَةُ عَدَمِ التَّصْدِيقِ (٤) .

_________

(١) فَتْح الْغَفَّار ٢ / ١١٤.

(٢) سُورَةُ التَّوْبَةِ / ٦٤ - ٦٦.

(٣) أَحْكَام الْقُرْآنِ لِلْجَصَّاصِ ٣ / ١٤٢.

(٤) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٨٤، والمبسوط ٣٤ / ٥٨، ٥٩، وفتح الْغَفَّار ٢ / ١١٤، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص ٩٨٧، والتلويح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩١.

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ: عَلَى أَنَّ كُفْرَ الْمُسْلِمِ يَكُونُ بِصَرِيحٍ - كَقَوْلِهِ: الْعُزَيْرُ ابْنُ اللَّهِ - أَوْ لَفْظٍ يَقْتَضِي الْكُفْرَ، كَأَنْ يَجْحَدَ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ، أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ الْكُفْرَ وَيَقْتَضِيهِ كَإِلْقَاءِ مُصْحَفٍ بِقَذِرٍ، أَوْ حَرْقِهِ اسْتِخْفَافًا، وَشَدِّ زُنَّارٍ فِي وَسَطِهِ بِأَنْ فَعَل ذَلِكَ مَحَبَّةً فِي ذَلِكَ الزِّيِّ وَمَيْلًا لأَِهْلِهِ، وَأَمَّا إِنْ فَعَلَهُ هَزْلًا وَلَعِبًا فَهُوَ مُحَرَّمٌ إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَنْتَهِي إِلَى الْكُفْرِ (١) .

وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ هِيَ قَطْعُ الإِْسْلاَمِ، وَدَوَامُهُ بِنِيَّةِ كُفْرٍ، أَوْ قَطْعُ الإِْسْلاَمِ بِسَبَبِ قَوْل كُفْرٍ، أَوْ فِعْل مُكَفِّرٍ، وَسَوَاءٌ قَالَهُ اسْتِهْزَاءً، أَوْ عِنَادًا أَوِ اعْتِقَادًا (٢) لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قُل أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ (٦٥) ﴿لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ (٣)﴾ .

ب - هَزْل الْكَافِرِ بِمَا يُوجِبُ إِسْلاَمًا:

٤٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي إِسْلاَمِ الْكَافِرِ إِذَا

_________

(١) الْخَرَشِيّ ٨ / ٦٢، والذخيرة ١٢ / ١٣، والشرح الصَّغِير ٤ / ٤٣١.

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ١٣٣ - ١٣٦، والإنصاف ١٠ / ٣٢٦.

(٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ / ٦٥ - ٦٦.

هَزَل الْكَافِرُ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ، وَتَبَرَّأَ عَنْ دِينِهِ هَازِلًا:

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ: عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يُحْكَمَ بِإِيمَانِهِ فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا؛ لأَِنَّ الإِْيمَانَ هُوَ التَّصْدِيقُ بِالْقَلْبِ وَالإِْقْرَارُ بِاللِّسَانِ، وَقَدْ بَاشَرَ أَحَدَ الرُّكْنَيْنِ؛ وَهُوَ الإِْقْرَارُ بِاللِّسَانِ عَلَى سَبِيل الرِّضَا، وَالإِْقْرَارُ هُوَ الأَْصْل فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا، فَيَجِبُ الْحُكْمُ بِالإِْيمَانِ بِنَاءً عَلَيْهِ، كَالْمُكْرَهِ عَلَى الإِْسْلاَمِ إِذَا أَسْلَمَ يُحْكَمُ بِإِسْلاَمِهِ بِنَاءً عَلَى وُجُودِ أَحَدِ الرُّكْنَيْنِ، مَعَ أَنَّهُ غَيْرُ رَاضٍ بِالتَّكَلُّمِ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ.

وَهُوَ أَيْضًا بِمَنْزِلَةِ إِنْشَاءٍ لاَ يَقْبَل حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ، فَإِنَّهُ إِذَا أَسْلَمَ لاَ يُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الإِْسْلاَمِ مُتَرَاخِيًا عَنْهُ، وَلاَ يُحْتَمَل أَنْ يُرَدَّ إِسْلاَمُهُ بِسَبَبٍ كَمَا يُرَدُّ الْبَيْعُ بِخِيَارِ الْعَيْبِ وَالرُّؤْيَةِ، فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الطَّلاَقِ، وَالْعَتَاقِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْل (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: وَأَمَّا الإِْسْلاَمُ هَازِلًا فَيَصِحُّ، لأَِنَّهُ إِنْشَاءٌ لاَ يَحْتَمِل حُكْمُهُ الرَّدَّ وَالتَّرَاخِيَ، تَرْجِيحًا لِجَانِبِ الإِْيمَانِ كَمَا فِي الإِْكْرَاهِ (٢) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ قَال ابْنُ رَجَبٍ: لَوْ أَتَى

_________

(١) كَشْف الأَْسْرَارِ عَلَى أُصُول البزدوي لِعَبْد الْعَزِيز الْبُخَارِيّ ٤ / ١٤٨٩.

(٢) التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ لِلتَّفْتَازَانِيِّ ٢ / ٣٧٩.

الْكَافِرُ بِالشَّهَادَتَيْنِ عَلَى طَرِيقِ الاِسْتِهْزَاءِ وَالْحِكَايَةِ، وَقَال: لَمْ أُرِدِ الإِْسْلاَمَ مَعَ دَلاَلَةِ الْحَال عَلَى صِدْقِهِ، فَهَل يُقْبَل مِنْهُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي فِي رِوَايَتَيْهِ (١) .

وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: لَوْ تَكَلَّمَ الْكَافِرُ بِكَلِمَةِ الإِْسْلاَمِ هَازِلًا أُلْزِمَ بِهِ وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ ظَاهِرًا (٢) .

الْقِسْمُ الرَّابِعُ: الْهَزْل فِي الْجِنَايَاتِ.

٤٥ - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَثَرِ الْهَزْل فِي الْقَذْفِ:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْهَزْل بِالْقَذْفِ كَالْجِدِّ بِهِ، فَلَوْ قَال لَهُ: يَا وَلَدَ الزِّنَا، وَلَوْ كَانَ هَازِلًا، كَانَ قَاذِفًا لأُِمِّهِ، فَيُحَدُّ لَهَا حَدَّ الْقَذْفِ، إِذَا تَوَافَرَتْ شُرُوطُ إِقَامَةِ الْحَدِّ (٣) . وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَذَفَ مَنْ تَعَوَّدَ الْهَزْل بِالْقَبِيحِ عُزِّرَ (٤) .

_________

(١) الْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص ٣٢٣.

(٢) إِعْلاَم الْمُوَقِّعِينَ ٣ / ٩٨.

(٣) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٧ / ٤١٦.

(٤) الْبَحْر الرَّائِق، وشرح كَنْز الرَّقَائِق ٥ / ٤٨، ومجمع الأَْنْهُر شَرْح مُلْتَقَى الأَْبْحُرِ ١.

هَلاَكٌ

التَّعْرِيفُ

الْهَلاَكُ: مَصْدَرٌ لِفِعْل هَلَكَ، يُقَال: هَلَكَ الشَّيْءُ هَلْكًا مِنْ بَابِ ضَرَبَ وَهَلاَكًا، وَهُلُوكًا: مَاتَ.

وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، يُقَال: أَهْلَكْتُهُ.

وَفِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ: فَيُقَال: هَلَكْتُهُ، وَيُسْتَعْمَل عَلَى فَقْدِ الشَّيْءِ مَعَ وُجُودِهِ مَعَ غَيْرِهِ. وَعَلَى السُّقُوطِ، وَالْفَسَادِ، وَمَصِيرِ الشَّيْءِ إِلَى حَيْثُ لاَ يُدْرَى أَيْنَ هُوَ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: هُوَ خُرُوجُ الشَّيْءِ عَنِ الاِنْتِفَاعِ الْمَقْصُودِ بِهِ سَوَاءٌ بَقِيَ أَوْ لَمْ يَبْقَ أَصْلًا.

وَالْهَلاَكُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْمَوْتِ (٢) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْفَنَاءُ:

٢ - الْفَنَاءُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ فَنَى أَيْ بَادَ

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ، والمغرب فِي تَرْتِيبِ الْمُعْرِبِ، والمصباح الْمُنِير، والمفردات فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ لِلأَْصْفَهَانِيِّ.

(٢) قَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِي.

وَانْتَهَى وُجُودُهُ يُقَال: فَنَى فُلاَنٌ أَيْ هَرِمَ وَأَشْرَفَ عَلَى الْمَوْتِ.

وَاصْطِلاَحًا: صَيْرُورَةُ الشَّيْءِ مَعْدُومًا بِذَاتِهِ أَوْ بِأَجْزَائِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ شَيْءٌ أَصْلًا (١) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْهَلاَكِ وَالْفَنَاءِ: أَنَّ الْفَنَاءَ أَعَمُّ مِنَ الْهَلاَكِ.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَلاَكِ:

يَتَعَلَّقُ بِالْهَلاَكِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - هَلاَكُ الْمَبِيعِ:

٣ - إِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ قَبْل الْقَبْضِ فَهُوَ فِي ضَمَانِ الْبَائِعِ، وَإِنْ هَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ عَيْبًا بَعْدَ هَلاَكِهِ كَأَنْ تَلِفَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ أَوْ بِغَيْرِهَا، أَوْ خَرَجَ عَنْ قَبُول النَّقْل كَأَنْ يَعْتِقَهُ الْمُشْتَرِي قَبْل الْعِلْمِ بِالْعَيْبِ أَوْ وَقَفَهُ أَوِ اسْتَوْلَدَ الأَْمَةَ وَهُوَ لاَ يَعْلَمُ الْعَيْبَ، أَوْ جَعَل الشَّاةَ أُضْحِيَّةً ثُمَّ عَلِمَ بِالْعَيْبِ رَجَعَ بِالأَْرْشِ لِتَعَذُّرِ الرَّدِّ حِسًّا فِي حَالَةِ التَّلَفِ، وَلِعَدَمِ قَبُول النَّقْل فِي حَالاَتِ الإِْعْتَاقِ وَالاِسْتِيلاَدِ وَالْوَقْفِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يَمْنَعُ النَّقْل. أَمَّا الْهَلاَكُ فَلأَِنَّ الْمِلْكَ انْتَهَى بِهِ، وَالاِمْتِنَاعُ حُكْمِيٌّ لاَ بِفِعْلِهِ، وَأَمَّا الإِْعْتَاقُ فَإِنَّهُ إِنْهَاءٌ لِلْمِلْكِ لأَِنَّ الآْدَمِيَّ لَمْ

_________

(١) الْمُعْجَم الْوَسِيط، وقواعد الْفِقْه لِلْبَرَكَتِي.

يُخْلَقْ لِلْمِلْكِ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ الْمَلِكُ مُوَقَّتًا إِلَى الإِْعْتَاقِ فَكَانَ الإِْنْهَاءُ بِهِ كَالْمَوْتِ (١) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع ف ٥٩، عَيْب ف ٦، وَمَا بَعْدَهَا، تَلَف ف ٩ وَمَا بَعْدَهَا، ضَمَان ف ٣١ وَمَا بَعْدَهَا) .

وَفَصَّل الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: إِنْ هَلَكَ الْمَبِيعُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ هَلاَكِهِ عَيْبًا قَدِيمًا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يُدَلِّسْهُ الْبَائِعُ بِأَنْ لَمْ يَعْلَمْهُ رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِأَرْشِ الْعَيْبِ فَقَطْ.

أَمَّا إِنْ هَلَكَ بِسَبَبِ عَيْبٍ دَلَّسَهُ الْبَائِعُ بِأَنْ عَلِمَهُ وَكَتَمَهُ أَوْ هَلَكَ بِآفَةٍ سَمَاوِيَّةٍ فِي زَمَنِ تَلَبُّسِهِ بِالْعَيْبِ الْمُدَلَّسِ كَمَوْتِهِ فِي إِبَاقِهِ كَأَنِ اقْتَحَمَ نَهْرًا فِي إِبَاقِهِ أَوْ تَرَدَّى فِي نَهْرٍ وَنَحْوِهِ، أَوْ دَخَل جُحْرًا فَنَهَشَتْهُ حَيَّةٌ، وَكَذَا لَوْ مَاتَ حُكْمًا كَأَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ خَبَرٌ فِي زَمَنِ إِبَاقِهِ الَّذِي دُلِّسَ فِيهِ فَهَلَكَ، أَوْ غَابَ وَلَمْ يَدْرِ حَيَاتَهُ وَلاَ مَوْتَهُ يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ الْمُدَلِّسِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ لاَ بِالأَْرْشِ فَقَطْ (٢) .

وَإِنْ مَاتَ بِسَمَاوِيٍّ فِي غَيْرِ حَالَةِ تَلَبُّسِهِ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ فَلاَ يَرْجِعُ بِثَمَنِهِ بَل يَرْجِعُ بِالأَْرْشِ

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٥٤، والبحر الرَّائِق ٦ / ٥٧، والمغني ٤ / ١٨٠، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٣ / ١٣١.

(٢) شَرْح الزُّرْقَانِيّ ٥ / ١٤٧، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٣ / ١٣١.

الْقَدِيمِ فَقَطْ (١) وَإِنْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي قَبْل اطِّلاَعِهِ عَلَى الْعَيْبِ فَهَلَكَ عِنْدَ الْمُشْتَرِي مِنْهُ بِعَيْبِ التَّدْلِيسِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي الثَّانِي عَلَى الْبَائِعِ الأَْوَّل الْمُدَلِّسِ، إِنْ لَمْ يُمْكِنْ رُجُوعُهُ عَلَى بَائِعِهِ لِعَدَمِهِ أَوْ غَيْبَتِهِ وَلاَ مَال لَهُ حَاضِرٌ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ الْمُدَلِّسُ، لِكَشْفِ الْعَيْبِ أَنَّهُ لاَ يَسْتَحِقُّهُ بِتَدْلِيسِهِ. فَإِنْ سَاوَى مَا أَخَذَهُ مَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ فَوَاضِحُ.

وَإِنْ زَادَ الثَّمَنُ الأَْوَّل الْمَأْخُوذُ مِنَ الْمُدَلِّسِ عَلَى مَا أَخَذَهُ مِنْهُ الْبَائِعُ الثَّانِي فَالزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ الثَّانِي وَهُوَ الْمُشْتَرِي الأَْوَّل يَحْفَظُهُ لَهُ الْمُشْتَرِي الثَّانِي حَتَّى يَدْفَعَهُ لَهُ أَوْ لِوَرَثَتِهِ، وَإِنْ نَقَصَ الْمَأْخُوذُ مِنَ الْمُدَلِّسِ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ يَدِهِ فَهَل يُكْمِلُهُ الْبَائِعُ الثَّانِي لِلْمُشْتَرِي مِنْهُ لأَِنَّهُ قَبَضَ هَذَا الزَّائِدَ مِنْهُ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِهِ أَوْ لاَ يُكْمِلُهُ لَهُ لأَِنَّهُ لَمَّا رَضِيَ بِاتِّبَاعِ الأَْوَّل فَلاَ رُجُوعَ لَهُ عَلَى الثَّانِي فِيهِ قَوْلاَنِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ:

الأَْوَّل: حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ شَاسٍ، وَالثَّانِي حَكَاهُ فِي النَّوَادِرِ وَفِي كِتَابِ ابْنِ يُونُسَ (٢) .

_________

(١) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٣ / ١٣١، وشرح الزُّرْقَانِيّ ٥ / ١٤٧.