الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 57

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

عَلَى مَشِيئَةِ الْمَرْأَةِ، لإِمْكَانِ الْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ، بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، وَالْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ: أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِجَمِيعِ الْبَدَل. وَلاَ يَقَعُ فِي الْحَال، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا (١) .

وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْهَزْل لَزِمَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال كُلُّهُ لِرِضَاهُمَا بِذَلِكَ.

وَكَذَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ وَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ كُلُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلأَِنَّهُ قَدْ حَمَلَهُ عَلَى الْجِدِّ، وَجَعَلَهُ أَوْلَى مِنَ الْمُوَاضَعَةِ.

وَأَمَّا عِنْدَهُمَا فَلِبُطْلاَنِ الْهَزْل مِنَ الأَْصْل، فَكَذَا فِي الْمَال تَبَعًا، حَتَّى وَجَبَ الْمَال فِيمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ وَلَمْ يُؤَثِّرِ الْهَزْل فِيهِ، فَفِيمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ بِالطَّرِيقِ الأَْوْلَى، وَإِنِ اخْتَلَفَا يَكُونُ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعْرَاضَ عَنِ الْهَزْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ عِنْدَهُ، فَوَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ، لِبُطْلاَنِ

_________

(١) فَتْح الْغَفَّار ٣ / ١١٣، وشرح الْمَنَار ص ٩٨٦، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩٠.

الْهَزْل مِنَ الأَْصْل عِنْدَهُمَا، فَالاِخْتِلاَفُ لاَ يُفِيدُ (١) .

ج - الْهَزْل فِي جِنْسِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ.

٣٥ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْهَزْل فِي جِنْسِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ، بِأَنْ تَوَاضَعَ الزَّوْجَانِ عَلَى أَنْ يَذْكُرَا فِي الْعَقْدِ مِائَةَ دِينَارٍ، وَيَكُونَ الْبَدَل فِيمَا بَيْنَهُمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَعَ صَاحِبَيْهِ:

فَيَرَى الصَّاحِبَانِ أَنَّهُ يَجِبُ الْمُسَمَّى بِكُل حَالٍ، أَيْ سَوَاءٌ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ أَوْ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ وَذَلِكَ لِبُطْلاَنِ الْهَزْل فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا، فَكَذَا فِي الْمَال، أَوْ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَصْل التَّصَرُّفِ فَكَذَا فِي الْمَال، تَبَعًا لِلأَْصْل.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُمَا إِنِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَجَبَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ لِصَيْرُورَةِ الْهَزْل بَاطِلًا بِالإِْعْرَاضِ عَنْهُ، وَلِرِضَاهُمَا بِهِ.

وَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى

_________

(١) فَتْح الْغَفَّار ٢ / ١١٣، وشرح الْمَنَار / ٩٨٦، والمستصفى ١ / ١٦٣.

الْمُوَاضَعَةِ، تَوَقَّفَ الطَّلاَقُ عَلَى قَبُول الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ، وَاخْتِيَارِهَا الطَّلاَقَ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لَمَّا كَانَ بِمَنْزِلَةِ شَرْطِ الْخِيَارِ مَنَعَ صِحَّةَ قَبُول الْمَرْأَةِ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، فَصَارَ كَأَنَّهُ عَلَّقَ الطَّلاَقَ بِقَبُول الدَّنَانِيرِ وَهِيَ لَمْ تَقْبَل، فَيَتَوَقَّفُ الطَّلاَقُ عَلَى الْقَبُول، كَمَا فِي شَرْطِ الْخِيَارِ.

وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ وَجَبَ الْمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ، وَهُوَ الدَّنَانِيرُ، وَوَقَعَ الطَّلاَقُ، لِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ.

وَإِنِ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ، فِي الْبِنَاءِ وَالإِْعْرَاضِ. . . فَالْقَوْل لِمُدَّعِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لِكَوْنِهِ هُوَ الأَْصْل عِنْدَ الإِْمَامِ.

وَفِي كُلٍّ مِنَ الْعِتْقِ وَالصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ مِثْل مَا فِي الطَّلاَقِ مِنَ الأَْحْكَامِ وَالتَّعْرِيفَاتِ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ حُكْمَ الْهَزْل بِالْخُلْعِ كَحُكْمِ الطَّلاَقِ هَزْلًا (٢)، لِلْحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ.

_________

(١) شَرْح الْمَنَار ٩٨٧، وفتح الْغَفَّار ٣ / ١١٣.

(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٢٤٢، وروضة الطَّالِبِينَ ٥ / ٦٨٥.

وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ طَلاَقَ الْهَازِل يَقَعُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا فَلاَ يُدَيَّنُ (١) .

جَاءَ فِي رَوْضَةِ الطَّالِبِينَ: إِذَا تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ نَفَذَ إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ طَلاَقٌ، وَإِنْ قُلْنَا فَسْخٌ فَهُوَ كَبَيْعِ الْهَازِل، وَفِيهِ خِلاَفٌ سَبَقَ (٢) .

وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلاَفُ فِي بَيْعِ الْهَازِل عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي (ف ١٩) .

وَأَمَّا الْحَنَابِلَةُ فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الزَّوْجَيْنِ إِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِلَفْظِ طَلاَقٍ أَوْ نِيَّتِهِ صَحَّ الطَّلاَقُ، أَمَّا إِنْ تَخَالَعَا هَازِلَيْنِ بِغَيْرِ لَفْظِ طَلاَقٍ وَلاَ نِيَّتِهِ فَلاَ يَصِحُّ الْخُلْعُ لِخُلُوِّهِ عَنِ الْعِوَضِ، كَمَبِيعٍ (٣) . . . .

النَّوْعُ الثَّالِثُ: الْهَزْل فِي التَّبَرُّعَاتِ.

أ - الْهَزْل فِي الْهِبَةِ:

٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْهَازِل وَلَهُمْ فِي حُكْمِهَا قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: أَنَّ الْهَزْل لاَ يُبْطِل الْهِبَةَ، وَهُوَ رَأْيُ

_________

(١) أَسْنَى الْمَطَالِب ٣ / ٢٨١.

(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٦٨٥.

(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢١٥، ومنتهى الإِْرَادَات ٣ / ١١٠.

الْحَنَفِيَّةِ، وَمُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

الثَّانِي: عَدَمُ صِحَّةِ هِبَةِ الْهَازِل، وَهُوَ قَوْل الْحَنَابِلَةِ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ هَزْلًا وَلاَ تُلْجِئُةً، بِأَلاَّ تُرَادَ الْهِبَةُ بَاطِنًا، كَأَنْ تُوهَبَ فِي الظَّاهِرِ وَتُقْبَضَ، مَعَ اتِّفَاقِ الْوَاهِبِ وَالْمَوْهُوبِ لَهُ عَلَى أَنَّهُ يَنْزِعُهُ مِنْهُ مَتَى شَاءَ، أَوْ تُوهَبَ لِخَوْفٍ مِنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ غَيْرِهِ فَلاَ تَصِحُّ، وَلِلْوَاهِبِ اسْتِرْجَاعُهَا إِذَا زَال مَا يَخَافُ، أَوْ جُعِلَتِ الْهِبَةُ طَرِيقًا إِلَى مَنْعِ وَارِثٍ حَقَّهُ، أَوْ مَنْعِ غَرِيمٍ حَقَّهُ فَهِيَ بَاطِلَةٌ؛ لأَِنَّ الْوَسَائِل لَهَا حُكْمُ الْمَقَاصِدِ (٢) .

وَنَصَّ فِي الاِخْتِيَارَاتِ عَلَى أَنَّ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ لاَ تَصِحُّ مِنَ الْهَازِل عَلَى الصَّحِيحِ (٣) .

ب - الْهَزْل فِي الْوَقْفِ:

٣٧ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى حُكْمِ الْهَزْل بِالْوَقْفِ، وَلَهُمْ فِي حُكْمِهِ قَوْلاَنِ:

الأَْوَّل: أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ وَقْفُ الْهَازِل، وَالثَّانِي: يَصِحُّ وَقْفُهُ.

_________

(١) الأَْشْبَاه لاِبْنِ نَجِيم ص ١٨، والاختيارات ص ١٧٠.

(٢) مَطَالِب أُولِي النُّهَى فِي شَرْحِ غَايَة الْمُنْتَهَى ٤ / ٣٧٨، ونيل الْمَآرِب ٢ / ٢٨، ومنار السَّبِيل ٢ / ٢١.

(٣) الاِخْتِيَارَات ص ١٧٠.

قَال الْبَهْوَتِيُّ: وَوَقْفُ الْهَازِل. . . إِنْ غَلَبَ عَلَى الْوَقْفِ جِهَةُ التَّحْرِيرِ، مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لاَ يَقْبَل الْفَسْخَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ كَالْعِتْقِ وَالإِْتْلاَفِ، فَإِنْ غَلَبَ عَلَيْهِ شِبْهُ التَّمْلِيكِ، فَيُشْبِهُ الْهِبَةَ وَالتَّمْلِيكَ، وَذَلِكَ لاَ يَصِحُّ مِنَ الْهَازِل عَلَى الصَّحِيحِ، قَالَهُ فِي الاِخْتِيَارَاتِ (١) .

ج - الْهَزْل فِي الْوَصِيَّةِ:

٣٨ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّةَ يُبْطِلُهَا الْهَزْل، قَال الْكَاسَانِيُّ: مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَرْجِعُ إِلَى الْمُوصِي: رِضَا الْمُوصِي؛ لأَِنَّهَا إِيجَابُ مِلْكٍ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْمِلْكِ، فَلاَ بُدَّ فِيهِ مِنَ الرِّضَا، كَإِيجَابِ الْمَلِكِ بِسَائِرِ الأَْشْيَاءِ، فَلاَ تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْهَازِل وَالْمُكْرَهِ وَالْخَاطِئِ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ تَفَوِّتُ الرِّضَا (٢) .

د - تَسْلِيمُ الشُّفْعَةِ بِطَرِيقِ الْهَزْل:

٣٩ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا سَلَّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ هَازِلًا قَبْل طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ؛ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْل كَالسُّكُوتِ مُخْتَارًا، إِذِ اشْتِغَالُهُ بِالتَّسْلِيمِ هَازِلًا سُكُوتٌ عَنْ طَلَبِ

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٢٤٣، والاختيارات لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص ١٧٠.

(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٢٣٥، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٦ / ٩٢.

الشُّفْعَةِ عَلَى الْفَوْرِ ضَرُورَةً، وَأَنَّهَا تَبْطُل بِحَقِيقَةِ السُّكُوتِ مُخْتَارًا بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْبَيْعِ؛ لأَِنَّهُ دَلِيل الإِْعْرَاضِ عَنْ طَلَبِهَا، فَكَذَا تَبْطُل بِالسُّكُوتِ حُكْمًا.

أَمَّا بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ، وَطَلَبِ التَّقْرِيرِ وَالإِْشْهَادِ، فَإِنَّ التَّسْلِيمَ بِطَرِيقِ الْهَزْل بَاطِلٌ، وَالشُّفْعَةُ بَاقِيَةٌ لأَِنَّ التَّسْلِيمَ مِنْ جِنْسِ مَا يَبْطُل بِخِيَارِ الشَّرْطِ، حَتَّى لَوْ سَلَّمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ طَلَبِ الْمُوَاثَبَةِ وَطَلَبِ التَّقْرِيرِ، عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ بَطَل التَّسْلِيمُ، وَبَقِيَتِ الشُّفْعَةُ؛ لأَِنَّ تَسْلِيمَ الشُّفْعَةِ فِي مَعْنَى التِّجَارَةِ؛ لأَِنَّهُ اسْتِبْقَاءُ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ عَلَى مِلْكِهِ، وَلِهَذَا يَمْلِكُ الأَْبُ وَالْوَصِيُّ تَسْلِيمَ شُفْعَةِ الصَّبِيِّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ، كَمَا يَمْلِكَانِ الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ لَهُ، فَيَتَوَقَّفُ عَلَى الرِّضَا بِالْحُكْمِ، وَالْخِيَارُ يَمْنَعُ الرِّضَا بِهِ، فَيَبْطُل التَّسْلِيمُ، فَكَذَا الْهَزْل يَمْنَعُ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، فَيَبْطُل بِهِ التَّسْلِيمُ، كَمَا يَبْطُل بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَتَبْقَى الشُّفْعَةُ (١) .

هـ - إِبْرَاءُ الْغَرِيمِ هَزْلًا:

٤٠ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِبْرَاءَ الْغَرِيمِ مِنَ الدَّيْنِ مِثْل تَسْلِيمِ الشُّفْعَةِ، فَقَالُوا: يَبْطُل إِبْرَاءُ الْغَرِيمِ مِنْ دَيْنِهِ هَزْلًا، فَلَوْ أَبْرَأَهُ هَازِلًا، لاَ

_________

(١) الْمَبْسُوط ٢٤ / ٦٦، وكشف الأَْسْرَار ٤ / ١٤٨٧.

يَصِحُّ الإِْبْرَاءُ، وَيَبْقَى الدَّيْنُ عَلَى حَالِهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قَال: أَبْرَأْتُكَ مِنَ الدَّيْنِ عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ لاَ يَسْقُطُ الدَّيْنُ؛ لأَِنَّ فِي الإِْبْرَاءِ مَعْنَى التَّمْلِيكِ وَلِهَذَا يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ، وَإِلَى مَعْنَى التَّمْلِيكِ أُشِيرَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ (١)﴾ فَيُؤَثِّرُ فِي الإِْبْرَاءِ خِيَارُ الشَّرْطِ، فَكَذَا الْهَزْل يُؤَثِّرُ فِيهِ؛ لأَِنَّهُ بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ (٢) .

وإِبْرَاءُ الْكَفِيل هَزْلًا:

٤١ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَبْرَأَ الْكَفِيل هَازِلًا لاَ يَصِحُّ مَعَ أَنَّهُ مِمَّا لاَ يَرْتَدُّ بِالرَّدِّ؛ لأَِنَّهُ يَحْتَمِل الْفَسْخَ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ صَالَحَ الْكَفِيل عَلَى عَيْنٍ، وَهَلَكَتِ الْعَيْنُ، أَوْ رَدَّهَا بِعَيْبٍ يَنْفَسِخُ الصُّلْحُ وَتَعُودُ الْكَفَالَةُ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ يَعْمَل فِيهِ الْهَزْل فَيَمْنَعُهُ مِنَ الثُّبُوتِ، كَالْخِيَارِ (٣) .

الْقِسْمُ الثَّانِي: الْهَزْل فِي الإِْخْبَارَاتِ:

٤٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَنَّ الْهَزْل يُبْطِل الإِْخْبَارَاتِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:

_________

(١) سُورَةُ الْبَقَرَةِ / ٢٨٠.

(٢) كَشْف الأَْسْرَار للبزدوي ٤ / ٥٩٨.

(٣) كَشْف الأَْسْرَارِ للبزدوي ٤ / ٥٩٩ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ.

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الإِْخْبَارَاتِ يُبْطِلُهَا الْهَزْل، سَوَاءٌ كَانَتْ إِخْبَارًا عَمَّا يَحْتَمِل الْفَسْخَ كَالْبَيْعِ وَالنِّكَاحِ، أَوْ لاَ يَحْتَمِلُهُ كَالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ إِخْبَارًا شَرْعًا وَلُغَةً كَمَا إِذَا تَوَاضَعَا عَلَى أَنْ يُقِرَّا بِأَنَّ بَيْنَهُمَا نِكَاحًا، أَوْ بِأَنَّهُمَا تَبَايَعَا فِي هَذَا الشَّيْءِ بِكَذَا، أَوْ كَانَتْ إِخْبَارًا لُغَةً فَقَطْ، كَمَا إِذَا أَقَرَّ بِأَنَّ لِزَيْدٍ عَلَيْهِ كَذَا، وَذَلِكَ لأَِنَّ الإِْخْبَارَ يَعْتَمِدُ صِحَّةَ الْمُخْبَرِ بِهِ، أَيْ تَحَقَّقَ الْحُكْمُ الَّذِي صَارَ الْخَبَرُ عِبَارَةً عَنْهُ، وَإِعْلاَمًا بِثُبُوتِهِ أَوْ نَفْيِهِ، وَالْهَزْل يُنَافِي ذَلِكَ وَيَدُل عَلَى عَدَمِهِ، فَكَمَا أَنَّهُ يَبْطُل الإِْقْرَارُ بِالطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ مُكْرَهًا، كَذَلِكَ يَبْطُل الإِْقْرَارُ بِهِمَا هَازِلًا؛ لأَِنَّ الْهَزْل دَلِيل الْكَذِبِ كَالإِْكْرَاهِ، حَتَّى لَوْ أَجَازَ ذَلِكَ بَعْدَ الْهَزْل بِهِ لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّ الإِْجَازَةَ إِنَّمَا تَلْحَقُ شَيْئًا مُنْعَقِدًا يَحْتَمِل الصِّحَّةَ وَالْبُطْلاَنَ، وَبِالإِْجَازَةِ لاَ يَصِيرُ الْكَذِبُ صِدْقًا، وَهَذَا بِخِلاَفِ إِنْشَاءِ الطَّلاَقِ وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا لاَ يَحْتَمِل الْفَسْخَ، فَإِنَّهُ لاَ أَثَرَ فِيهِ لِلْهَزْل عَلَى مَا سَبَقَ (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا قَال: أَقْرَرْتُ بِكَذَا وَأَنَا صَبِيٌّ أَوْ نَائِمٌ فَلاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ حَيْثُ قَالَهُ نَسَقًا

_________

(١) شَرْح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩١، وفواتح الرَّحَمُوت ١ / ١٦٣، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٤، وفتح الْقَدِير ٣ / ٣٤٥، وتكملة حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٨١، والفتاوى الْخَيْرِيَّة ٢ / ٩٤.

(أَيْ بِدُونِ فَصْلٍ فِي الْكَلاَمِ)، وَلَمْ تُكَذِّبْهُ الْبَيِّنَةُ. وَكَذَا لاَ يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِذَا قَال: أَقْرَرْتُ بِكَذَا قَبْل أَنْ أُخْلَقَ حَيْثُ قَالَهُ نَسَقًا؛ لأَِنَّ هَذَا خَارِجٌ مَخْرَجَ الاِسْتِهْزَاءِ؛ فَلَوْ قَال: أَقْرَرْتُ بِأَلْفٍ وَلَمْ أَدْرِ أَكُنْتُ صَبِيًّا أَوْ بَالِغًا لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ حَتَّى يَثْبُتَ أَنَّهُ بَالِغٌ؛ لأَِنَّ الأَْصْل عَدَمُ الْبُلُوغِ، بِخِلاَفِ مَا لَوْ قَال: لاَ أَدْرِي أَكُنْتُ عَاقِلًا أَمْ لاَ فَيَلْزَمُهُ، لأَِنَّ الأَْصْل الْعَقْل حَتَّى يَثْبُتَ انْتِفَاؤُهُ (١) .

وَجَاءَ فِي التَّاجِ وَالإِْكْلِيل أَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ اعْتِذَارًا: سُمِعَ أَشْهَبُ: مَنِ اشْتَرَى مَالًا فَسَأَل الإِْقَالَةَ، فَقَال: تَصَدَّقْتُ بِهِ عَلَى أَبِي، ثُمَّ مَاتَ الأَْبُ، فَلاَ شَيْءَ لِلاِبْنِ بِهَذَا؛ لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِاللَّفْظِ ظَاهِرَهُ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ لاَزَمَهُ، وَهُوَ خُرُوجُهُ مِنْ مِلْكِهِ، وَأَنَّهُ الآْنَ غَيْرُ مَالِكٍ لَهُ.

قَال ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ: وَإِنْ سُئِل كِرَاءَ مَنْزِلِهِ، فَقَال: هُوَ لاِبْنَتِي ثُمَّ مَاتَ، فَلاَ شَيْءَ لَهَا بِهَذَا، وَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً فِي حِجْرِهِ؛ لأَِنَّهُ قَدْ يُعْتَذَرُ بِمِثْل هَذَا مَنْ يُرِيدُ مَنْعَهُ.

وَسُمِعَ أَشْهَبُ وَابْنُ نَافِعٍ: لَوْ سَأَلَهُ ابْنُ عَمِّهِ أَنْ يُسْكِنَهُ مَنْزِلًا، فَقَال: هُوَ لِزَوْجَتِي، ثُمَّ قَال لِثَانٍ وَثَالِثٍ ذَلِكَ الْقَوْل عِنْدَمَا سَأَلاَهُ، فَقَامَتِ

_________

(١) الشَّرْح الصَّغِير ٣ / ٥٣٢، والدسوقي ٣ / ٤٠٤.