الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 56

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

النِّيَّةِ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ هَزْلُهَا جِدٌّ؛ فَيُلْزِمُهُ الْحَاكِمُ بِالنَّفَقَةِ وَسَائِرِ الْحُقُوقِ، وَلَكِنْ لاَ يَحِل لَهُ الاِسْتِمْتَاعُ بِهَا، فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلاَ يَحِل لَهُ أَيْضًا أَخْذُ شَيْءٍ مِنْ مِيرَاثِهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَ النِّكَاحِ وَالرَّجْعَةِ - حَيْثُ قَالُوا: إِنَّ النِّكَاحَ يَصِحُّ بِالْهَزْل ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَالرَّجْعَةَ تَصِحُّ ظَاهِرًا لاَ بَاطِنًا - أَنَّ النِّكَاحَ لَهُ صِيغَةٌ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، فَكَانَ الْهَزْل فِيهِ كَالْعَدَمِ، وَلَمَّا ضَعُفَ أَمْرُ الرَّجْعَةِ - لِكَوْنِ صِيغَتِهَا مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ فَقَطْ أَثَّرَ هَزْلُهُ فِيهَا فِي الْبَاطِنِ (١) .

وَعَمَّمَ الشَّافِعِيَّةُ حُكْمَ حَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: الطَّلاَقُ وَالنِّكَاحُ وَالرَّجْعَةُ عَلَى كُل التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي سَبَقَ ذِكْرُهَا، وَقَالُوا: وَخُصَّتِ الثَّلاَثَةُ لِتَأَكُّدِ أَمْرِ الأَْبْضَاعِ، وَإِلاَّ فَكُل التَّصَرُّفَاتِ كَذَلِكَ، وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْعِتْقُ " وَخُصَّ لِتَشَوُّفِ الشَّارِعِ إِلَيْهِ (٢)، وَقَدْ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ ثُبُوتَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ هُوَ مِنْ قَبِيل الْقِيَاسِ (٣) .

٢٤ - الْقَوْل الثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ (فِي

_________

(١) الشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٦٠٥، ٦٠٦، ٦٠٧.

(٢) تُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ حَوَاشِي الشرواني وَابْن قَاسِم الْعَبَّادِيّ ٨ / ٢٩.

(٣) حَاشِيَة الْجُمَل ٤ / ٣٣٨ - ٣٣٩.

مُقَابِل الْمَشْهُورِ) إِلَى أَنَّهُ إِنْ قَامَ دَلِيل الْهَزْل لَمْ يَلْزَمْهُ الطَّلاَقُ قَالَهُ اللَّخْمِيُّ، وَفِي رَأْيٍ لاِبْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُمَا إِذَا كَانَا لاَعِبَيْنِ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِمَا (١) .

الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: الْهَزْل فِي عُقُودٍ لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ، وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا:

٢٥ - مِنْ أَمْثِلَةِ الْعُقُودِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا: عَقْدُ النِّكَاحِ. أَمَّا كَوْنُ الْمَال فِيهَا تَبَعًا فَلأَِنَّ الْمَال فِيهَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالذَّاتِ؛ بَل الْمَقْصُودُ الأَْصْلِيُّ فِي النِّكَاحِ هُوَ حِل اسْتِمْتَاعِ كُلٍّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بِالآْخَرِ، وَالتَّوَالُدُ أَيْضًا، وَالْمَال شُرِعَ فِيهِ لإِظْهَارِ خَطَرِ الْمَحَل وَالإِْشْعَارِ بِصِدْقِ رَغْبَةِ بَاذِلِهِ، وَهُوَ الزَّوْجُ فِي النِّكَاحِ.

وَأَمَّا كَوْنُهَا لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، فَلأَِنَّهُ لاَ يَجْرِي فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا، وَلاَ التَّرَاخِي بِخِيَارِ الشَّرْطِ، وَلاَ بِالتَّعْلِيقِ بِسَائِرِ الشُّرُوطِ (٢) .

_________

(١) التَّاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش مَوَاهِب الْجَلِيل ٤ / ٤٤، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ٢ / ١٧٤، ١٧٥.

(٢) كَشْف الأَْسْرَارِ ٤ / ٤٨٢ ١، وحاشية الْجُمَل ٤ / ٢٣٥.

حُكْمُ الْهَزْل فِي النِّكَاحِ

الْهَزْل فِي النِّكَاحِ إِمَّا أَنْ يَقَعَ فِي أَصْل الْعَقْدِ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، وَنُبَيِّنُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي كُل صُورَةٍ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ فِيمَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي أَصْل عَقْدِ النِّكَاحِ

٢٦ - إِذَا هَزَل الْعَاقِدَانِ فِي أَصْل النِّكَاحِ، مِثْل أَنْ يَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ بِمَهْرٍ هُوَ أَلْفٌ - مَثَلًا - وَلاَ يَكُونُ بَيْنَهُمَا نِكَاحٌ فِي نَفْسِ الأَْمْرِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهِ إِلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّ نِكَاحَ الْهَازِل صَحِيحٌ، وَالْهَزْل بَاطِلٌ، وَتَلْزَمُهُ مُوجِبَاتُ الْعَقْدِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِقَصْدِهِ، قَال بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ - فِي الْمَشْهُورِ - وَالشَّافِعِيَّةُ - وَالْحَنَابِلَةُ، وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ مَسْعُودٍ ﵃، وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ: وَهَذَا هُوَ الْمَحْفُوظُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ قَوْل الْجُمْهُورِ (١) .

وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: ثَلاَثٌ لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ: الطَّلاَقُ، وَالنِّكَاحُ، وَالْعِتْقُ (٢) .

وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِيضَاحٌ وَتَفْصِيلٌ:

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْهَزْل بِأَصْل النِّكَاحِ جِدٌّ، وَصُورَتُهُ أَنْ يَقُول لاِمْرَأَةٍ: إِنِّي أَتَزَوَّجُكِ بِأَلْفٍ تَزَوُّجًا بَاطِلًا وَهَزْلًا، وَوَافَقَتْهُ الْمَرْأَةُ وَوَلِيُّهَا عَلَى ذَلِكَ، وَحَضَرَ الشُّهُودُ هَذِهِ الْمَقَالَةَ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا، كَانَ النِّكَاحُ لاَزِمًا فِي الْقَضَاءِ، وَفِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا سَمَّيَا مِنَ الْمَهْرِ لِلْحَدِيثِ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ؛ وَلأَِنَّ الْهَزْل إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِيمَا يَحْتَمِل الْفَسْخَ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَالنِّكَاحُ غَيْرُ مُحْتَمِلٍ لِلْفَسْخِ؛ وَلِهَذَا لاَ يُجْرَى فِيهِ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ وَخِيَارِ الرُّؤْيَةِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ فِيهِ الْهَزْل، وَالْمَال فِي النِّكَاحِ تَبَعٌ؛ لأَِنَّ الْمَقْصِدَ الأَْصْلِيَّ فِيهِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ الْحِل لِلتَّوَالُدِ، وَكَذَا يَصِحُّ بِدُونِ ذِكْرِ الْمَهْرِ، وَيُتَحَمَّل فِي الْمَهْرِ مِنَ الْجَهَالَةِ مَا لاَ يُتَحَمَّل فِي غَيْرِهِ.

_________

(١) فَتْح الْقَدِير ٢ / ٣٥١، كشف الأَْسْرَار ٤ / ١٤٨٢، ١٤٨٣، وتيسير التَّحْرِير ٢ / ٢٩٤، ٢٩٥، والمدونة ٢ / ١٦٨، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٧، الخرشي ٣ / ١٧٤، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ٤٢٣ - ٤٢٤، ومغني الْمُحْتَاج ٣ / ٢٨٨، ونهاية الْمُحْتَاج ٦ / ٢٧٣، وحاشية الْجُمَل ٤ / ٣٣٨، ٣٣٩، وروضة الطَّالِبِينَ ٦ / ٥١، والفروع لاِبْن مُفْلِح ٥ / ١٦٨، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ ٣ / ١٢٤.

(٢) حَدِيث: " ثَلاَث لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٢٤.

وَقَالُوا: إِنَّ عَقْدَ نِكَاحِ الْهَازِل لاَزِمٌ، وَالْهَزْل بَاطِلٌ سَوَاءٌ اتَّفَقَ الْعَاقِدَانِ عَلَى بِنَاءِ الْعَقْدِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا عِنْدَ الْعَقْدِ، أَوِ اخْتَلَفَا فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، أَوِ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمَشْهُورُ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْل مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ لاَزِمٌ وَلَوْ عُلِمَ أَنَّهُ قَصَدَ الْهَزْل، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الشُّيُوخِ، قَال فِي النَّوَادِرِ عَنْ كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ: قَال مَالِكٌ: مَنْ قَال لِرَجُلٍ - وَهُوَ يَلْعَبُ - زَوِّجِ ابْنَتَكَ مِنِ ابْنِي، وَأَنَا أُمْهِرُهَا كَذَا، فَقَال الآْخَرُ - عَلَى ضَحِكٍ وَلَعِبٍ - أَتُرِيدُ ذَلِكَ؟ قَال: نَعَمْ زَوِّجْهُ، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَقَال: قَدْ زَوَّجْتُهُ، فَذَلِكَ نِكَاحٌ لاَزِمٌ (٢) .

الرَّأْيُ الثَّانِي: يَرَى أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ هَزْلٌ، وَلاَ يَجُوزُ مِنْهُ إِلاَّ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْجِدِّ، وَهُوَ خِلاَفُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ (٣) .

الرَّأْيُ الثَّالِثُ: يَرَى أَنَّ هَزْل النِّكَاحِ جِدٌّ مَا

_________

(١) كَشْف الأَْسْرَارِ ٤ / ١٤٨٢،١٤٨٣، وتيسير التَّحْرِير ٢ / ٢٩٤، ٢٩٥.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٣ / ٢٣، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٧

(٣) مَوَاهِب الْجَلِيل ٣ / ٤٢٤، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٧٧، والذخيرة ٤ / ٤٠٣.

لَمْ يُقَمِ الدَّلِيل عَلَى الْهَزْل، فَإِنْ قَامَ الدَّلِيل عَلَى الْهَزْل لَمْ يَلْزَمِ النِّكَاحُ، وَهُوَ رَأْيٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا (١) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَهْرِ

٢٧ - إِذَا هَزَل الْمُتَعَاقِدَانِ فِي قَدْرِ الْمَهْرِ، بِأَنْ تَزَوَّجَهَا بِأَلْفَيْنِ عَلاَنِيَةً، وَبِأَلْفٍ سِرًّا، أَيْ أَظْهَرَا فِي الْعَقْدِ أَنَّ الْمَهْرَ أَلْفَانِ، وَأَسَرَّا أَنَّهُ أَلْفٌ، فَإِنَّ لِلْفُقَهَاءِ تَفْصِيلاَتٍ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ.

وَيُنْظَرُ تَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (مَهْر ف ٥٨) .

الْحَالَةُ الثَّالِثَةُ: الْهَزْل فِي عُقُودٍ لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ، وَالْمَال فِيهَا مَقْصُودٌ

٢٨ - هُنَاكَ عُقُودٌ، لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَيَكُونُ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا، أَيْ أَنَّ الْمَال فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لاَ يَجِبُ إِلاَّ بِالتَّسْمِيَةِ، وَهَذِهِ الْعُقُودُ هِيَ: الْخُلْعُ، وَمِثْلُهُ الطَّلاَقُ عَلَى مَالٍ، وَالْعِتْقُ عَلَى مَالٍ، وَالصُّلْحُ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ.

فَإِذَا وَقَعَ الْهَزْل فِي أَيِّ عَقْدٍ مِنْ هَذِهِ الْعُقُودِ، فَإِنَّ الأَْمْرَ لاَ يَخْلُو مِنْ أَنْ يَقَعَ الْهَزْل فِي أَصْل الْعَقْدِ، أَوْ فِي قَدْرِ الْمُسَمَّى مِنَ الْمَال، أَوْ فِي جِنْسِهِ كَمَا إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ عَلَى مَالٍ بِطَرِيقِ الْهَزْل، أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ

_________

(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ٣ / ٤٢٣ - ٤٢٤.

عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفٌ، أَوْ طَلَّقَهَا عَلَى مِائَةِ دِينَارٍ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفُ دِرْهَمٍ، وَكَذَا فِي الْعِتْقِ عَلَى مَالٍ، أَوْ فِي الصُّلْحِ عَنْ دَمِ الْعَمْدِ عَلَى مَالٍ، وَنُوَضِّحُ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَلِي:

أ - الْهَزْل فِي أَصْل الْخُلْعِ:

٢٩ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا هَزَل الزَّوْجَانِ فِي أَصْل الْخُلْعِ، فَإِمَّا أَنْ يَتَّفِقَا بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ مِنَ الْبِنَاءِ أَوِ الإِْعْرَاضِ، أَوْ يَخْتَلِفَا فِي ذَلِكَ، فَهَذِهِ أَرْبَعُ صُوَرٍ:

الصُّورَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي أَصْل الْخُلْعِ:

٣٠ - إِذَا هَزَل الزَّوْجَانِ بِأَصْل الْخُلْعِ، بِأَنِ اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يُخَالِعَانِ بِكَذَا عِنْدَ النَّاسِ، وَيَكُونُ ذَلِكَ هَزْلًا، وَأَشْهَدَا عَلَيْهِ، وَاتَّفَقَا بَعْدَ الْعَقْدِ عَلَى أَنْ بَنَيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي حُكْمِ هَذِهِ الصُّورَةِ:

فَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: أَنَّ الطَّلاَقَ وَاقِعٌ، وَالْمَال لاَزِمٌ كُلَّهُ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْخُلْعِ أَصْلًا عِنْدَهُمَا؛ لأَِنَّ الْخُلْعَ لاَ يَحْتَمِل خِيَارَ الشَّرْطِ، حَتَّى لَوْ شَرَطَا فِي الْخُلْعِ الْخِيَارَ لَهَا وَقَعَ الطَّلاَقُ وَوَجَبَ الْمَال وَبَطَل الْخِيَارُ؛

لأَنَّ الْخُلْعَ تَصَرُّفُ يَمِينٍ مِنْ جَانِبِ الزَّوْجِ، فَلِهَذَا لاَ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ قَبْل الْقَبُول، وَقَبُولُهَا شَرْطُ الْيَمِينِ، فَلاَ يُحْتَمَل الْخِيَارُ كَسَائِرِ الشُّرُوطِ، وَإِذَا لَمْ يُحْتَمَل الْخِيَارُ لاَ يُحْتَمَل الْهَزْل؛ لأَِنَّ الْهَزْل بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ.

هَذَا، وَلاَ يَخْتَلِفُ الْحَال عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ بِالْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَوْ بِالإِْعْرَاضِ عَنْهَا، أَوْ بِالاِخْتِلاَفِ.

وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ: أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلاَقَ بِالْمَال الْمُسَمَّى بِطَرِيقِ الْجِدِّ وَإِسْقَاطِ الْهَزْل، سَوَاءٌ هَزِلاَ بِأَصْل الْعَقْدِ، أَوْ بِقْدَرِ الْبَدَل، أَوْ بِجِنْسِهِ، أَيْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَلَى مَشِيئَةِ الْمَرْأَةِ لإِمْكَانِ الْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْخُلْعَ لاَ يَفْسُدُ بِالشُّرُوطِ بِخِلاَفِ الْبَيْعِ، وَالْعَمَل بِالْمُوَاضَعَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِجَمِيعِ الْبَدَل، وَلاَ يَقَعُ فِي الْحَال، بَل يَتَوَقَّفُ عَلَى اخْتِيَارِهَا.

قَال التَّفْتَازَانِيُّ: كَمَا إِذَا قَال الرَّجُل لاِمْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلاَثًا عَلَى أَلْفِ دِرْهَمٍ عَلَى أَنَّكِ بِالْخِيَارِ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ، فَقَالَتْ: قَبِلْتُ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَقَعُ الطَّلاَقُ، وَيَلْزَمُ الْمَال. وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ: إِنْ رَدَّتِ الطَّلاَقَ فِي الثَّلاَثَةِ الأَْيَّامِ بَطَل الطَّلاَقُ، وَإِنْ أَجَازَتْ، أَوْ لَمْ تَرُدَّ حَتَّى مَضَتِ الْمُدَّةُ فَالطَّلاَقُ وَاقِعٌ وَالأَْلْفُ

لاَزِمٌ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ ﵀: لاَ يَقَعُ الطَّلاَقُ وَلاَ يَجِبُ الْمَال حَتَّى تَشَاءَ الْمَرْأَةُ (١) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: الاِتِّفَاقُ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْهَزْل:

٣١ - إِذَا أَعْرَضَ الزَّوْجَانِ فِي الْخُلْعِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّ الْعَقْدَ كَانَ جِدًّا، وَقَعَ الطَّلاَقُ، وَوَجَبَ الْمَال الْمُسَمَّى عَلَيْهَا بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ الإِْمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ، أَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ؛ فَلأَِنَّ الْهَزْل بَاطِلٌ مِنَ الأَْصْل، وَأَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، فَلأَِنَّ الْهَزْل بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِهِمَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ (٢) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: الاِخْتِلاَفُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ أَوْ فِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا:

٣٢ - إِذَا اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ وَالْبِنَاءِ عَلَيْهَا، فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي

_________

(١) شَرْح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩٠، والمبسوط ٢٤ / ١٢٦، وشرح الْمَنَار ص ٩٨٥، وكشف الأَْسْرَار ٤ / ١٤٨٤.

(٢) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.

الإِْعْرَاضَ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، حَتَّى لَزِمَ التَّصَرُّفُ وَوَجَبَ الْمَال؛ لأَِنَّهُ جَعَل الْهَزْل مُؤَثِّرًا فِي أَصْل الطَّلاَقِ بِالْمَنْعِ مِنَ الْوُقُوعِ؛ وَفِي الْخُلْعِ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ لاَ يَقَعُ؛ كَمَا جَعَلَهُ مُؤَثِّرًا فِي الْبَيْعِ؛ ثُمَّ عِنْدَ اخْتِلاَفِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبَيْعِ يُعْتَبَرُ قَوْل مَنْ يَدَّعِي الإِْعْرَاضَ تَرْجِيحًا لِلْجِدِّ - الَّذِي هُوَ أَصْلٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - عَلَى الْهَزْل الَّذِي هُوَ خِلاَفُ الأَْصْل، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا.

وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ (أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ) الْخُلْعُ جَائِزٌ أَيْ لاَزِمٌ وَالْمَال وَاجِبٌ، وَلاَ يُفِيدُ اخْتِلاَفُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْهَزْل وَالإِْعْرَاضِ عَنْهُ لأَِنَّ الْهَزْل عِنْدَهُمَا لاَ يُؤَثِّرُ فِي أَصْل التَّصَرُّفِ وَلاَ فِي الْمَال فِي حَال اتِّفَاقِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ؛ فَفِي حَال الاِخْتِلاَفِ أَوْلَى أَلاَّ يُؤَثِّرَ (١) .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: السُّكُوتُ عَنِ الإِْعْرَاضِ وَالْبِنَاءِ، حَيْثُ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ. ٣٣ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْخُلْعَ جَائِزٌ أَيْ لاَزِمٌ حَتَّى وَقَعَ الطَّلاَقُ وَلَزِمَ الْمَال بِالاِتِّفَاقِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ، أَمَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَلِرُجْحَانِ جَانِبِ الْجِدِّ

_________

(١) كَشْف الأَْسْرَارِ عَلَى أُصُول للبزدوي ٤ / ١٤٨٥، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٩٠، وشرح الْمَنَار ص ٩٨٦.

عِنْدَهُ، وَأَمَّا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ فَلِبُطْلاَنِ الْهَزْل (١) .

ب - الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ:

٣٤ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْهَزْل فِي قَدْرِ الْمَال الْمُخَالَعِ عَلَيْهِ، بِأَنْ سَمَّى الزَّوْجَانِ أَلْفَيْنِ، وَالْبَدَل فِي الْوَاقِعِ أَلْفٌ، أَيْ طَلَّقَهَا عَلَى أَلْفَيْنِ مَعَ الْمُوَاضَعَةِ عَلَى أَنَّ الْمَال أَلْفٌ: فَإِنِ اتَّفَقَ الزَّوْجَانِ - بَعْدَ الْمُخَالَعَةِ - عَلَى بِنَائِهِمَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ: فَذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ وَاقِعٌ، وَالْمَال لاَزِمٌ كُلُّهُ، وَهُوَ الأَْلْفَانِ؛ لأَِنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي الْخُلْعِ عِنْدَهُمَا؛ وَإِنْ كَانَ مُؤَثِّرًا فِي الْمَال، لَكِنَّ الْمَال تَابِعٌ لِلْخُلْعِ، وَثَابِتٌ فِي ضِمْنِهِ، فَلاَ يُؤَثِّرُ الْهَزْل فِيهِ.

وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ يَتَعَلَّقَ الطَّلاَقُ بِاخْتِيَارِ الْمَرْأَةِ الطَّلاَقَ بِجَمِيعِ الْمُسَمَّى عَلَى سَبِيل الْجِدِّ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ يَتَعَلَّقُ بِكُل الْبَدَل، وَبَعْضُ الْبَدَل قَدْ يَتَعَلَّقُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمَرْأَةِ، فَبَعْضُ الطَّلاَقِ يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهَا، لَكِنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَتَبَعَّضُ فَتَعَلَّقَ الْكُل بِاخْتِيَارِهَا، فَمَا لَمْ تَقْبَل جَمِيعَ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ لاَ يَقَعُ، وَقَدْ عَبَّرَ التَّفْتَازَانِيُّ عَنْ رَأْيِ الإِْمَامِ بِقَوْلِهِ: وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَتَوَقَّفُ الطَّلاَقُ

_________

(١) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.