الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْعَقْدِ (وَهُوَ الْبَيْعُ) لَمَّا احْتَمَلَتِ الْفَسْخَ، فَإِنَّ الْعَقْدَ بَعْدَ الْعَقْدِ نَاسِخٌ لِلْعَقْدِ الأَْوَّل، فَالْعَقْدُ بَعْدَ الْمُوَاضَعَةِ الَّتِي هِيَ دُونَهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا لَهَا (١) .
الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ عِنْدَ الْبَيْعِ الْمُقْتَرِنِ بِالْهَزْل مِنَ الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَمِنَ الإِْعْرَاضِ عَنْهَا - أَيْ لَمْ يَقَعْ فِي خَاطِرِهِمَا وَقْتَ الْعَقْدِ أَنَّهُمَا بَنَيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ أَوْ أَعْرَضَا عَنْهَا -.
١٤ - فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ ﵀ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ؛ لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ، فَيُحْمَل عَلَيْهَا الْعَقْدُ، مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ، وَلَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ إِذَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَجَعَل أَبُو حَنِيفَةَ صِحَّةَ الإِْيجَابِ أَوْلَى إِذَا سَكَتَ الْمُتَعَاقِدَانِ وَاتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَالاِعْتِبَارُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِلْعَقْدِ لاَ لِلْهَزْل (٢) .
وَيَرَى أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي
_________
(١) فَتْح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار ٣ / ١١٠، وكشف الأَْسْرَار لِلْبُخَارِيِّ عَلَى أُصُول البزدوي ٤ / ١٤٧٩.
(٢) فَوَاتِح الرَّحَمُوتِ ١ / ١٦٢، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار ٢ / ١١٠.
هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسِدٌ، وَالْقَوْل قَوْل الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّهَا أَصْلٌ عِنْدَهُمَا هُنَا، فَقَدِ اعْتَبَرَ الصَّاحِبَانِ الْمُوَاضَعَةَ لأَِنَّ الْعَادَةَ فِي مِثْلِهِ تَحْقِيقُ الْمُوَاضَعَةِ مَا أَمْكَنَ، وَالْمُوَاضَعَةُ أَسْبَقُ، فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ كَيْ لاَ تَلْغُوَ الْمُوَاضَعَةُ السَّابِقَةُ، فَيَكُونُ الاِشْتِغَال بِهَا عَبَثًا، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ نَصٌّ عَلَى مَا يَنْقُضُهَا، وَهُوَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنْهَا (١) .
الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: وَهِيَ صُورَةُ مَا إِذَا اخْتَلَفَ الْمُتَعَاقِدَانِ فِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ وَالإِْعْرَاضِ عَنْهَا، فَقَال أَحَدُهُمَا: بَنَيْنَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَقَال الآْخَرُ: عَقَدْنَاهُ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ.
١٥ - فَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل عِنْدَهُ فِي الْعُقُودِ كُلِّهَا فَيُحْمَل عَلَيْهَا مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ وَلَمْ يُوجَدْ، إِذِ الأَْصْل فِي الْعَقْدِ الشَّرْعِيِّ هُوَ الصِّحَّةُ وَاللُّزُومُ حَتَّى يَقُومَ الْمُعَارِضُ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا شُرِعَ لِلْمِلْكِ، وَالْجِدُّ هُوَ الظَّاهِرُ فِيهِ. فَإِذَا اخْتَلَفَا: فَمُدَّعِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ مُتَمَسِّكٌ بِالأَْصْل، فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، وَمُدَّعِي الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ مُتَمَسِّكٌ بِغَيْرِ الأَْصْل فَلاَ
_________
(١) الْمَرْجِعَانِ السَّابِقَانِ.
اعْتِبَارَ لِقَوْلِهِ، وَأَيْضًا فَإِنَّ الْعَمَل بِالأَْصْل، وَهُوَ صِحَّةُ الْعَقْدِ، أَوْلَى مِنِ اعْتِبَارِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّهَا عَارِضٌ لَمْ تُنَوِّرْ دَعْوَى مُدَّعِيهَا بِالْبَيَانِ، فَلاَ يَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ، كَمَا فِي خِيَارِ الشَّرْطِ (١) .
وَعِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ أَبَى يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ: أَنَّ الْعَقْدَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَاسِدٌ، وَالْقَوْل قَوْل مَنْ يَدَّعِي الْمُوَاضَعَةَ؛ لأَِنَّهُمَا قَدْ اعْتَبَرَا أَنَّ الأَْصْل هُوَ الْمُوَاضَعَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ، إِلاَّ أَنْ يُوجَدَ مَا يُنَاقِضُهَا؛ لأَِنَّ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا هُوَ الظَّاهِرُ؛ لِئَلاَّ يَكُونَ اشْتِغَال الْمُتَعَاقِدَيْنِ بِالْمُوَاضَعَةِ عَبَثًا؛ أَمَّا كَوْنُ الأَْصْل فِي الْعَقْدِ الصِّحَّةَ وَاللُّزُومَ فَإِنَّهُ يُعَارَضُ بِأَنَّ الْمُوَاضَعَةَ سَابِقَةٌ عَلَى الْعَقْدِ، وَالسَّبْقُ مِنْ أَسْبَابِ التَّرْجِيحِ، إِلاَّ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَيْهِ أَنَّ الْعَقْدَ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَالْمُتَأَخِّرُ يَصْلُحُ نَاسِخًا لِلْمُتَقَدِّمِ إِذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا يُغَيِّرُهُ، كَمَا إِذَا اتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، فَإِنَّهُ يَكُونُ الْبَيْعُ صَحِيحًا لاَزِمًا، وَالْهَزْل بَاطِلٌ (٢) .
_________
(١) تَيْسِير التَّحْرِير ٢ / ٢٩١، وفتح الْغَفَّار ٢ / ١١٠، والمبسوط لِلسَّرْخَسِيَ ٢٤ / ١٢٣.
(٢) الْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ ٢٤ / ١٢٣، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص ٩٨٢، والتلويح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٨٨.
الصُّورَتَانِ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ:
١٦ - أَمَّا الصُّورَةُ الْخَامِسَةُ فَتَكُونُ فِيمَا إِذَا أَعْرَضَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ.
وَأَمَّا الصُّورَةُ السَّادِسَةُ فَتَكُونُ فِيمَا إِذَا بَنَى أَحَدُهُمَا عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، وَقَال الآْخَرُ: لَمْ يَحْضُرْنِي شَيْءٌ.
وَقَدْ بَيَّنَ الْحَنَفِيَّةُ حُكْمَ هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ، فَقَالُوا: عَلَى أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالإِْعْرَاضِ، عَمَلًا بِالْعَقْدِ، فَيَصِحُّ الْعَقْدُ فِي الصُّورَتَيْنِ؛ لأَِنَّ الصِّحَّةَ هِيَ الأَْصْل فِي الْعُقُودِ عِنْدَهُ مَا لَمْ يُوجَدْ مُغَيِّرٌ.
وَعَلَى أَصْل الصَّاحِبَيْنِ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدَمُ الْحُضُورِ كَالْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ تَرْجِيحًا لِلْمُوَاضَعَةِ بِالْعَادَةِ وَالسَّبْقِ، فَلاَ يَصِحُّ الْعَقْدُ فِي شَيْءٍ مِنَ الصُّورَتَيْنِ، وَهَذَا الْحُكْمُ مَأْخُوذٌ مِنْ صُورَةِ اتِّفَاقِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى أَنْ لَمْ يَحْضُرْهُمَا شَيْءٌ، فَإِنَّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَنْزِلَةِ الإِْعْرَاضِ، وَعِنْدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ (١) (وَهِيَ الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ الْمَذْكُورَةُ آنِفًا) .
_________
(١) التَّلْوِيح ٢ / ١٨٨، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار ٢ / ١١٠.
الصُّورَةُ السَّابِعَةُ:
١٧ - صَرَّحَ بِهَا التَّفْتَازَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّلْوِيحِ فَقَال: إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الاِخْتِلاَفِ فِي الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ، وَفِي الْبِنَاءِ عَلَيْهَا، بِأَنْ يُقِرَّ كِلاَهُمَا بِإِعْرَاضِ أَحَدِهِمَا وَبِنَاءِ الآْخَرِ، فَلاَ قَائِل بِالصِّحَّةِ وَاللُّزُومِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ (١) .
١٨ - وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ - وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهَازِل صَحِيحٌ؛ لأَِنَّهُ أَتَى بِاللَّفْظِ مَعَ قَصْدٍ وَاخْتِيَارٍ؛ وَعَدَمُ رِضَاهُ بِوُقُوعِهِ لِظَنِّهِ أَنَّهُ لاَ يَقَعُ لاَ أَثَرَ لَهُ (٢) .
١٩ - وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَشْهُورِ - وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهَازِل بَاطِلٌ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لأَِنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْبَيْعِ؛ وَيُقْبَل مِنَ الْبَائِعِ قَوْلُهُ: إِنَّ بَيْعَهُ كَانَ هَزْلًا بِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَيْهِ، مَعَ يَمِينِهِ لاِحْتِمَال كَذِبِهِ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَرِينَةٌ لَمْ تُقْبَل دَعْوَاهُ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ (٣) .
٢٠ - أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَالأَْصْل فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ عِنْدَهُمْ هُوَ الصِّيغَةُ الدَّالَّةُ عَلَى الرِّضَا.
_________
(١) التَّلْوِيحِ عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٨٨.
(٢) الْمَجْمُوع ٩ / ١٧٣، ومغني الْمُحْتَاج ٢ / ٧، ١٦، ٤٠، والإنصاف ٤ / ٢٦٦، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٥٠، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ ٢ / ١٣٧.
(٣) الْمَرَاجِع السَّابِقَة.
فَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمَاضِي كَأَنْ يَقُول الْبَائِعُ: بِعْتُكَ وَيَرْضَى الآْخَرُ، أَوْ يَقُول الْمُشْتَرِي: ابْتَعْتُ أَوِ اشْتَرَيْتُ وَيَرْضَى الآْخَرُ فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ وَلَوْ قَال الْبَادِئُ: لاَ أَرْضَى وَإِنَّمَا كُنْتُ مَازِحًا وَهَازِلًا.
وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الْمُضَارِعِ كَأَنْ يَقُول الْبَائِعُ: أَبِيعُكَهَا بِكَذَا وَيَرْضَى الْمُشْتَرِي، أَوْ قَال الْمُشْتَرِي: أَنَا أَشْتَرِيهَا بِكَذَا وَيَرْضَى الْبَائِعُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ، وَإِذَا قَال الْبَائِعُ أَوِ الْمُشْتَرِي: لَمْ أُرِدِ الْبَيْعَ أَوِ الشِّرَاءَ وَإِنَّمَا كُنْتُ هَازِلًا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ وَلاَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ.
وَإِنْ كَانَتِ الصِّيغَةُ بِلَفْظِ الأَْمْرِ كَأَنْ يَقُول الْمُشْتَرِي: بِعْنِي، فَيَقُول لَهُ الْبَائِعُ: بِعْتُ، أَوْ يَقُول الْبَائِعُ: اشْتَرِ مِنِّي، وَيَقُول الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتُ، فَإِنَّ الْبَيْعَ يَنْعَقِدُ وَلَوْ قَال الْمُشْتَرِي: كُنْتُ هَازِلًا وَلاَ يَمِينَ عَلَيْهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ فِي غَيْرِ الْمُدَوَّنَةِ.
وَالأَْرْجَحُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَهُوَ أَنَّ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِذَا حَلَفَ لاَ يَلْزَمُهُ الْبَيْعُ (١) .
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٣ / ٣، ٤، والشرح الصَّغِير ٣ / ١٤، ١٥،١٦.
الْهَزْل فِي الثَّمَنِ فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ:
٢١ - إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الْجِدِّ فِي الْعَقْدِ، لَكِنَّهُمَا هَزَلاَ فِي الثَّمَنِ، فَإِنَّ الْهَزْل فِي الثَّمَنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي قَدْرِ الثَّمَنِ، أَوْ فِي جِنْسِهِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَذَا الْبَيْعِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (بَيْع التَّلْجِئَة ف ١٠ وَمَا بَعْدَهَا) .
النَّوْعُ الثَّانِي: الْهَزْل فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ.
٢٢ - التَّصَرُّفَاتُ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ - هِيَ الَّتِي لاَ يَجْرِي فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ بَعْدَ ثُبُوتِهَا - وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الْهَزْل فِيهَا بِاخْتِلاَفِ حَالاَتِهَا، مِنْ حَيْثُ اقْتِرَانُ الْمَال بِهَا، أَوْ عَدَمُ اقْتِرَانِهِ؛ لأَِنَّهَا إِمَّا أَلاَّ يَكُونَ فِيهَا مَالٌ أَصْلًا، أَوْ يَكُونَ فِيهَا مَالٌ تَبَعًا؛ أَوْ يَكُونَ الْمَال فِيهَا مَقْصُودًا (١)، وَهِيَ كَمَا يَلِي:
الْحَالَةُ الأُْولَى: الْهَزْل فِي التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَلاَ يَكُونُ فِيهَا مَالٌ أَصْلًا:
وَيَشْمَل هَذَا النَّوْعُ الطَّلاَقَ، وَالظِّهَارَ، وَالْعِتْقَ، وَالْعَفْوَ عَنِ الْقِصَاصِ - عِنْدَ مَنْ يَرَى
_________
(١) كَشْف الأَْسْرَارِ ٤ / ١٤٨٢.
أَنَّ مُوجِبَ الْقَتْل الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ الْقِصَاصُ عَيْنًا - وَالْيَمِينَ وَالنَّذْرَ (١) .
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الْهَزْل فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
٢٣ - الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ، وَالْمَالِكِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّ الْجِدَّ وَالْهَزْل فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ سَوَاءٌ، وَمِنْ ثَمَّ فَطَلاَقُ الْهَازِل وَاقِعٌ قَضَاءً وَدِيَانَةً، ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَمِثْلُهُ بَاقِي التَّصَرُّفَاتِ الْمَذْكُورَةِ (٢) .
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ عَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ثَلاَثٌ لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ، وَالْعِتْقُ (٣) .
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ٢٤١، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٤ / ٢١٢، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٤٨ وَالإِْنْصَاف ١٠ / ٣.
(٢) الْمَبْسُوط ٢٤ / ١٠٦، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٤٢٣، والاختيار ٣ / ١٢٤، وفتح الْقَدِير ٣ / ٢٣١، ٣٤٥، وفواتح الرَّحَمُوت ١ / ١٦٣، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص ٩٨٤، ومشكاة الأَْنْوَار ٢ / ١١١، وحاشية الْجُمَل ٤ / ٣٣٨، ٣٣٩ والقليوبي وَعَمِيرَة ٢ / ٢٣١، ونهاية الْمُحْتَاج ٦ / ٤٣٣، ونيل الْمَآرِب ٢ / ٢٣٤، ومنار السَّبِيل ٢ / ٢٣٧، والمغني ٩ / ٤٦٣، وإعلام الْمَوْقِعَيْنِ ٣ / ١٢٣، والإنصاف ٧ / ٣٩٦.
(٣) حَدِيث: فَضَالَّة بْن عَبِيد: " ثَلاَث لاَ يَجُوزُ اللَّعِبُ فِيهِنَّ. . . " أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ (١٨ / ٣٠٤ - ط وِزَارَة الأَْوْقَافِ الْعِرَاقِيَّةِ) . وأشار ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (٣ / ٤٤٨ - ط الْعِلْمِيَّة) إِلَى إِعْلاَلِهِ بِأَحَدِ رُوَاته.
وَعَنِ الْحَسَنِ ﵁ أَنَّهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: مَنْ طَلَّقَ أَوْ حَرَّرَ أَوْ أَنْكَحَ أَوْ نَكَحَ فَقَال: إِنِّي كُنْتُ لاَعِبًا فَهُوَ جَائِزٌ (١) .
كَمَا اسْتَدَلُّوا بِالإِْجْمَاعِ، قَال ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُل مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْمِ أَنَّ هَزْل الطَّلاَقِ وَجِدَّهُ سَوَاءٌ (٢) .
وَنَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي لاَ تَحْتَمِل النَّقْضَ وَلاَ مَال فِيهَا تَأْخُذُ حُكْمَ مَا نَصَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (٣) .
فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّكَاحَ وَالطَّلاَقَ، وَالرَّجْعَةَ، وَالظِّهَارَ، وَالْيَمِينَ، وَالْعِتْقَ حُكْمُهَا وَاحِدٌ، وَهُوَ أَنَّ الْهَزْل وَالْجِدَّ فِيهَا سَوَاءٌ، لِلْحَدِيثِ ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ. . . " فَقَدْ رُوِيَ بِرِوَايَاتٍ: بَعْضُهَا: " النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالْيَمِينُ " وَفِي رِوَايَةٍ: " وَالْعِتْقُ " بَدَل
_________
(١) حَدِيث: " مَنْ طَلْق أَوْ حَرَّرَ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة (٥ / ١٠٦ - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ الْحَسَن الْبَصْرِيّ مُرْسَلًا.
(٢) الْمُغْنِي ٧ / ٣٠٣.
(٣) تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (١) .
" الْيَمِينُ " وَفِي رِوَايَةٍ " وَالرَّجْعَةُ " بَعْدَ النِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ (١) " فَأُخِذَ بِهَا فَكَانَ حُكْمُهَا وَاحِدًا، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ: الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ وَالنَّذْرُ فَإِنَّهَا مَقِيسَةٌ عَلَيْهَا بِجَامِعِ أَنَّهَا إِنْشَاءَاتٌ لاَ تَحْتَمِل الْفَسْخَ، فَقَدْ أُلْحِقَ الْعَفْوُ عَنِ الْقِصَاصِ بِ - " الْعِتْقُ "، وَالنَّذْرُ بِ - " الْيَمِينُ ".
وَجَعَل الْمَالِكِيَّةُ الرَّجْعَةَ مُلْحَقَةً بِالطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِتْقِ، قَال فِي التَّوْضِيحِ فِي كِتَابِ الطَّلاَقِ فِي شَرْحِ قَوْل ابْنِ الْحَاجِبِ: وَفِي الْهَزْل فِي الطَّلاَقِ وَالنِّكَاحِ وَالْعِتْقِ. . . وَيُلْحَقُ بِالثَّلاَثِ الرَّجْعَةُ، وَالْمَشْهُورُ اللُّزُومُ، لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ.
وَلَكِنْ نَصَّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ تَكُونُ بِقَوْلٍ صَرِيحٍ كَرَجَعْتُ. . . وَتَكُونُ بِهِ مَعَ النِّيَّةِ رَجْعَةً ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، أَمَّا مَعَ الْهَزْل فَإِنَّهَا تَكُونُ رَجْعَةً فِي الظَّاهِرِ فَقَطْ لِعَدَمِ
_________
(١) وَقَدْ جَاءَ فِي الْبَدَائِعِ (٣ / ١٨٦، ١٨٧): " فَتَصِحُّ الرَّجْعَةُ مَعَ الإِْكْرَاهِ، وَالْهَزْل، وَاللَّعِبِ، وَالْخَطَأِ؛ لأَِنَّ الرَّجْعَةَ اسْتِبْقَاءُ النِّكَاحِ، وَأَنَّهُ دُونَ الإِْنْشَاءِ، وَلَمْ تَشْتَرِطْ هَذِهِ الأَْشْيَاء لِلإِْن