الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 54

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

هَزْلٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - الْهَزْل لُغَةً: مَصْدَرُ هَزَل، يُقَال: هَزَل هَزْلًا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ -: أَيْ مَزَحَ.

وَالْهَزْل ضِدُّ الْجِدِّ، يُقَال: جَدَّ فِي كَلاَمِهِ جِدًّا - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - ضِدُّ هَزَل (١) .

وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ، وَالرَّجْعَةُ (٢) .

وَالْهَزْل اصْطِلاَحًا: أَلاَّ يُرَادَ بِاللَّفْظِ وَدَلاَلَتِهِ مَعْنَاهُ، لاَ الْحَقِيقِيُّ وَلاَ الْمَجَازِيُّ، وَهُوَ ضِدُّ الْجِدِّ (٣) .

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، والمغرب فِي تَرْتِيبِ الْمُعْرِبِ.

(٢) حَدِيث: " ثَلاَث جِدّهنَّ جِدّ. . . " أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ (٣ / ٤٨١ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وحسنه كَذَلِكَ ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (٣ / ٤٤٩ - ط الْعِلْمِيَّة) .

(٣) شَرْح التَّوْضِيح ٢ / ١٨٧، والتعريفات للجرجاني، والقواعد لِلْبَرَكَتِي، وابن عَابِدِينَ ٢ / ٤٢٣، وتيسير التَّحْرِير عَلَى كِتَاب التَّحْرِير ٢ / ٢٩٠

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - اللَّعِبُ:

٢ - اللَّعِبُ لُغَةً: مَصْدَرُ لَعِبَ، وَاللَّعِبُ ضِدُّ الْجِدِّ، يُقَال: لَعِبَ فُلاَنٌ إِذَا كَانَ فِعْلُهُ غَيْرَ قَاصِدٍ بِهِ مَقْصِدًا صَحِيحًا (١) .

وَاللَّعِبُ اصْطِلاَحًا: مَا لاَ يُفِيدُ فَائِدَةً أَصْلًا (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَاللَّعِبِ هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ الْمُطْلَقُ، إِذِ اللَّعِبُ أَعَمُّ مُطْلَقًا مِنَ الْهَزْل عُرْفًا، وَالْهَزْل أَخَصُّ، إِذِ الْهَزْل يَخْتَصُّ بِالْكَلاَمِ، وَاللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِغَيْرِهِ.

ب - الْمُزَاحُ:

٣ - الْمُزَاحُ لُغَةً: هُوَ تَنْحِيَةُ الشَّيْءِ عَنِ الْجِدِّ، يُقَال: مَزَحَ مَزْحًا - مِنْ بَابِ نَفَعَ - وَمَزَاحَةً بِالْفَتْحِ، وَالاِسْمُ الْمُزَاحُ بِالضَّمِّ.

وَيُقَال: إِنَّ الْمُزَاحَ مُشْتَقٌّ مِنْ: زُحْتُ الشَّيْءَ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَأَزَحْتُهُ عَنْهُ: إِذَا نَحَّيْتَهُ؛ لأَِنَّهُ تَنْحِيَةٌ عَنِ الْجِدِّ (٣) .

وَالْمُزَاحُ اصْطِلاَحًا: عَرَّفَهُ الْبَرَكَتِيُّ بِقَوْلِهِ:

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير

(٢) كَشْف الأَْسْرَارِ عَنْ أُصُول البزدوي ٤ / ٥٨١

(٣) الْمِصْبَاح الْمُنِير

الْمُزَاحُ - بِالضَّمِّ - الْمُبَاسَطَةُ إِلَى الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ التَّلَطُّفِ وَالاِسْتِعْطَافِ دُونَ أَذِيَّةٍ، حَتَّى يَخْرُجَ الاِسْتِهْزَاءُ وَالسُّخْرِيَةُ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالْمُزَاحِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا ضِدُّ الْجِدِّ.

ج - الْخَطَأُ:

٤ - الْخَطَأُ لُغَةً: ضِدُّ الصَّوَابِ، وَيُقْصَرُ وَيُمَدُّ، وَهُوَ اسْمٌ مِنْ أَخْطَأَ فَهُوَ مُخْطِئٌ، قَال أَبُو عُبَيْدَةَ: خَطِئَ خِطْأً مِنْ بَابِ عَلِمَ، وَأَخْطَأَ بِمَعْنَى وَاحِدٍ لِمَنْ يُذْنِبُ عَلَى غَيْرِ عَمْدٍ (٢) .

وَالْخَطَأُ اصْطِلاَحًا: فِعْلٌ أَوْ قَوْلٌ يَصْدُرُ عَنِ الإِْنْسَانِ بِغَيْرِ قَصْدِهِ بِسَبَبِ تَرْكِ التَّثَبُّتِ عِنْدَ مُبَاشَرَةِ أَمْرٍ مَقْصُودٍ سِوَاهُ (٣)، أَوْ هُوَ: مَا لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ فِيهِ قَصْدٌ (٤) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالْخَطَأِ، أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ عَوَارِضِ الأَْهْلِيَّةِ الْمُكْتَسَبَةِ، وَأَنَّهُمَا مُتَضَادَّانِ مِنْ حَيْثُ الرِّضَا بِالسَّبَبِ، فَالْهَازِل رَاضٍ بِالسَّبَبِ وَإِيقَاعِهِ غَيْرُ رَاضٍ بِالْحُكْمِ،

_________

(١) قَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِيِّ.

(٢) الْمِصْبَاح الْمُنِير.

(٣) كَشْف الأَْسْرَارِ ٤ / ١٥٠٠، والتلويح ٢ / ٤١١ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ

(٤) التَّعْرِيفَات للجرجاني.

وَالْمُخْطِئُ غَيْرُ رَاضٍ بِشَيْءٍ مِنْهُمَا (١) .

د - التَّلْجِئَةُ:

٥ - التَّلْجِئَةُ لُغَةً: تَرِدُ بِمَعْنَى الإِْكْرَاهِ وَالاِضْطِرَارِ، يُقَال: لَجَأَ إِلَى الْحِصْنِ وَغَيْرِهِ لَجْأً - مَهْمُوزٌ مِنْ بَابَيْ نَفَعَ وَتَعِبَ - وَالْتَجَأَ إِلَيْهِ: اعْتَصَمَ بِهِ، وَالْحِصْنُ مَلْجَأٌ - بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ - وَأَلْجَأْتُهُ إِلَيْهِ، وَلَجَّأْتُهُ - بِالْهَمْزَةِ وَالتَّضْعِيفِ - اضْطَرَرْتُهُ وَأَكْرَهْتُهُ (٢) .

وَالتَّلْجِئَةُ اصْطِلاَحًا: هِيَ أَنْ يُلْجِئَكَ إِلَى أَنْ تَأْتِيَ أَمْرًا بَاطِنُهُ بِخِلاَفِ ظَاهِرِهِ (٣) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَزْل وَالتَّلْجِئَةِ: هِيَ الْعُمُومُ وَالْخُصُوصُ (٤) .

أَثَرُ الْهَزْل عَلَى الأَْهْلِيَّةِ الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ وَلاَ الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا، وَنُوَضِّحُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أ - الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ:

٦ - نَصَّ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ

_________

(١) تَيْسِير التَّحْرِير ٢ / ٣٠٧، وفتح الْغَفَّار بِشَرْح الْمَنَار لاِبْنِ نَجِيم ٣ / ١١٩ نَقْلًا عَنِ التَّحْرِيرِ.

(٢) الْمِصْبَاح الْمُنِير

(٣) شَرْح الْمَنَار، وحاشية عَزْمِيّ زَادَهُ عَلَيْهِ ص. ٩٨، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٢٤٤.

(٤) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٢٠٩

يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ أَصْلًا، أَمَّا أَهْلِيَّةُ الْوُجُوبِ - وَهِيَ صَلاَحِيَةُ الإِْنْسَانِ لِوُجُوبِ الْحُقُوقِ الْمَشْرُوعَةِ لَهُ وَعَلَيْهِ - فَلأَِنَّهَا تُنَاطُ بِالذِّمَّةِ، وَذِمَّةُ الْهَازِل مَوْجُودَةٌ وَقَائِمَةٌ بِوُجُودِهِ حَيًّا؛ وَأَمَّا أَهْلِيَّةُ الأَْدَاءِ - وَهِيَ صَلاَحِيَتُهُ لِصُدُورِ الْفِعْل مِنْهُ عَلَى وَجْهٍ يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا - فَلأَِنَّهَا تُنَاطُ بِالْعَقْل، وَالْهَازِل عَاقِلٌ (١) .

ب - الْهَزْل لاَ يُنَافِي الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا.

٧ - نَصَّ عُلَمَاءُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْمُبَاشَرَةِ، وَالرِّضَا بِهَا (٢)، وَإِنَّمَا يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ، فَلَوْ قَال الْهَازِل: بِعْتُ لِفُلاَنٍ كَذَا، فَهُوَ لاَ يُرِيدُ نَقْل مِلْكِيَّةِ سِلْعَتِهِ إِلَى الْمُشْتَرِي (وَهُوَ الْحُكْمُ) وَلاَ يَخْتَارُ ذَلِكَ وَلاَ يَرْضَاهُ، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ بِمُبَاشَرَةِ صِيغَةِ الْعَقْدِ وَإِجْرَائِهَا عَلَى لِسَانِهِ، وَاخْتَارَ ذَلِكَ، فَصَارَ الْهَزْل بِمَنْزِلَةِ خِيَارِ الشَّرْطِ فِي الْبَيْعِ؛ لأَِنَّ الْخِيَارَ يَعْدِمُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارَ جَمِيعًا فِي حَقِّ الْحُكْمِ؛ لأَِنَّهُ فِي مُدَّةِ الْخِيَارِ حُرٌّ فِي إِمْضَاءِ الْعَقْدِ، أَوْ عَدَمِ إِمْضَائِهِ، وَلاَ يَعْدِمُ الْخِيَارُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارَ فِي حَقِّ مُبَاشَرَةِ السَّبَبِ

_________

(١) التَّوْضِيح وَالتَّلْوِيح ٢ / ٣٩٤، ٣٣٧ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ.

(٢) الاِخْتِيَار هُوَ: الْقَصْدُ إِلَى الشَّيْءِ وَإِرَادَته، وَالرِّضَا هُوَ إِيثَارُهُ، وَاسْتِحْسَانُهُ (مِشْكَاة الأَْنْوَار ٢ / ١٠٩، وَالتَّلْوِيح ٢ / ٣٩٤) .

- وَهُوَ الصِّيغَةُ - إِذْ صِيغَةُ الْعَقْدِ أَجْرَاهَا الْعَاقِدُ بِرِضَاهُ وَاخْتِيَارِهِ، وَلَكِنَّ الْخِيَارَ مَنَعَ تَرَتُّبَ الْحُكْمِ عَلَى الصِّيغَةِ فَوْرًا، فَكَذَا فِي الْهَزْل يُوجَدُ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارُ فِي حَقِّ السَّبَبِ، وَلاَ يُوجَدُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ (١) .

وَيَقُول عَبْدُ الْعَزِيزِ الْبُخَارِيُّ: إِنَّ الدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْهَزْل لاَ يُنَافِي الأَْهْلِيَّةَ، وَلاَ الاِخْتِيَارَ وَالرِّضَا بِمُبَاشَرَةِ السَّبَبِ أَنَّ الْهَزْل لاَ يُؤَثِّرُ فِي النِّكَاحِ بِالسُّنَّةِ، وَهِيَ: قَوْلُهُ ﷺ: ثَلاَثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكَاحُ، وَالطَّلاَقُ وَالرَّجْعَةُ (٢) . فَعُلِمَ بِعَدَمِ تَأْثِيرِهِ فِي النِّكَاحِ أَنَّهُ لاَ يُنَافِي الإِْيجَابَ - أَيِ السَّبَبَ - إِذْ لَوْ كَانَ مُنَافِيًا لِنَفْسِ الْكَلاَمِ وَانْعِقَادِهِ سَبَبًا لَمَا صَحَّ النِّكَاحُ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِالْكَلاَمِ الْفَاسِدِ؛ أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لاَ يَنْعَقِدُ بِعِبَارَةِ الْمَجْنُونِ لِفَسَادِهَا، فَعُلِمَ أَنَّ كَلاَمَ الْهَازِل صَحِيحٌ فِي انْعِقَادِهِ سَبَبًا.

وَإِذَا كَانَ الْهَزْل كَذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُنَافِيًا لِلأَْهْلِيَّةِ، وَلاَ لِوُجُوبِ شَيْءٍ مِنَ الأَْحْكَامِ وَلاَ عُذْرًا فِي وَضْعِ الْخِطَابِ بِحَالٍ، لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَثَرُ الْهَزْل مَا قُلْنَا: إِنَّهُ يُنَافِي اخْتِيَارَ الْحُكْمِ وَالرِّضَا بِهِ، فَيَجِبُ تَخْرِيجُ الأَْحْكَامِ مَعَ الْهَزْل

_________

(١) كُشِفَ الأَْسْرَار ٤ / ١٤٧٨، والتوضيح وَالتَّلْوِيح ٢ / ٣٩٤، وتيسير التَّحْرِير ٢ / ٢٩٠، ومشكاة الأَْنْوَار ٢ / ١٠٩.

(٢) سَبَقَ تَخْرِيجَهُ فِقْرَة (١) .

عَلَى انْقِسَامِهَا فِي حُكْمِ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ، فَكُل حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ وَلاَ يَتَوَقَّفُ ثُبُوتُهُ عَلَى الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْل، وَكُل حُكْمٍ يَتَعَلَّقُ بِالرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ لاَ يَثْبُتُ مَعَ الْهَزْل (١) .

شَرْطُ تَحَقُّقِ الْهَزْل وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:

٨ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ شَرْطَ تَحَقُّقِ الْهَزْل وَاعْتِبَارِهِ فِي التَّصَرُّفَاتِ أَنْ يَكُونَ صَرِيحًا بِاللِّسَانِ، مِثْل أَنْ يَقُول: إِنِّي أَبِيعُ هَازِلًا، وَلاَ يُكْتَفَى بِدَلاَلَةِ الْحَال، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ ذِكْرُهُ فِي الْعَقْدِ، فَيَكْفِي أَنْ تَكُونَ الْمُوَاضَعَةُ سَابِقَةً عَلَى الْعَقْدِ.

فَإِنْ تَوَاضَعَا عَلَى الْهَزْل بِأَصْل الْبَيْعِ، أَيْ تَوَافَقَا عَلَى أَنَّهُمَا يَتَكَلَّمَانِ بِلَفْظِ الْبَيْعِ عِنْدَ النَّاسِ وَلاَ يُرِيدَانِهِ، وَاتَّفَقَا عَلَى الْبِنَاءِ، أَيْ عَلَى أَنَّهُمَا لَمْ يَرْفَعَا الْهَزْل، وَلَمْ يَرْجِعَا عَنْهُ فَالْبَيْعُ مُنْعَقِدٌ لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، لَكِنْ يَفْسُدُ الْبَيْعُ لِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، فَصَارَ كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَبَدًا، لَكِنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ؛ لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ (٢) .

_________

(١) كُشِفَ الأَْسْرَار ٤ / ١٤٧٨.

(٢) مِشْكَاة الأَْنْوَار فِي أُصُول الْمَنَار ٢ / ١٠٩، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٧، وكشف الأَْسْرَار ٤ / ١٤٤٧، والتوضيح وَالتَّلْوِيح ٢ / ٣٩٤.

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَزْل

٩ - الْهَزْل قَدْ يَقَعُ فِي أَيِّ تَصَرُّفٍ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَالتَّصَرُّفَاتُ تَنْقَسِمُ بِحَسَبِ الرِّضَا وَالاِخْتِيَارِ إِلَى إِنْشَاءَاتٍ، وَإِخْبَارَاتٍ، وَاعْتِقَادَاتٍ؛ لأَِنَّ التَّصَرُّفَ إِنْ كَانَ إِحْدَاثَ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْشَاءٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْقَصْدُ مِنْهُ بَيَانَ الْوَاقِعِ فَإِخْبَارَاتٌ، وَإِلاَّ فَاعْتِقَادَاتٌ، وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي الأَْحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِكُل قِسْمٍ (١) .

الْقِسْمُ الأَْوَّل: الْهَزْل فِي الإِْنْشَاءَاتِ

١٠ - الْهَزْل فِي الإِْنْشَاءَاتِ يَأْتِي عَلَى نَوْعَيْنِ؛ لأَِنَّهُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ - أَيِ الَّتِي يُجْرَى فِيهَا الْفَسْخُ وَالإِْقَالَةُ، كَالْبَيْعِ وَالإِْجَارَةِ - أَوْ أَنْ يَكُونَ فِيمَا لاَ يَحْتَمِل النَّقْضَ، كَالنِّكَاحِ وَالطَّلاَقِ وَالرَّجْعَةِ، وَنُورِدُ فِيمَا يَلِي أَثَرَ الْهَزْل فِي كُلٍّ مِنْهُمَا:

النَّوْعُ الأَْوَّل: الْهَزْل فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَحْتَمِل النَّقْضَ:

١١ - إِنَّ الْهَزْل فِي الْعُقُودِ الَّتِي تَحْتَمِل

_________

(١) تَيْسِير التَّحْرِير ٢ / ٢٩٠، وشرح التَّلْوِيح عَلَى التَّوْضِيحِ ٢ / ١٨٧.

النَّقْضَ يَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ مَا يَهْزِل بِهِ كُلٌّ مِنَ الْمُتَعَاقِدَيْنِ؛ لأَِنَّهُمَا إِمَّا أَنْ يَهْزِلاَ فِي أَصْل الْعَقْدِ - كَالْبَيْعِ مَثَلًا - أَوْ فِي قَدْرِ الْبَدَل، أَوْ فِي جِنْسِ الْبَدَل، وَنُبَيِّنُ فِيمَا يَلِي حُكْمَ كُلٍّ مِنْهَا وَمَا يَتَفَرَّعُ عَنْهَا مِنْ صُوَرٍ (١) .

الصُّورَةُ الأُْولَى: اتِّفَاقُ الْمُتَعَاقِدَيْنِ عَلَى الْبِنَاءِ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ فِي أَصْل الْعَقْدِ:

١٢ - إِذَا اتَّفَقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى أَنْ يَبْنِيَا الْعَقْدَ عَلَى الْمُوَاضَعَةِ، أَيْ عَلَى عَدَمِ رَفْعِ الْهَزْل، وَعَدَمِ الرُّجُوعِ عَنْهُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ فِي حُكْمِ هَذَا الْعَقْدِ، فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ فَاسِدٌ، وَلَكِنَّهُ مُنْعَقِدٌ، لِصُدُورِهِ مِنْ أَهْلِهِ فِي مَحَلِّهِ، لَكِنَّهُ يُفْسِدُ الْبَيْعَ لِعَدَمِ الرِّضَا بِحُكْمِهِ، فَصَارَ اتِّفَاقُهُمَا عَلَى الْهَزْل كَالْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ أَبَدًا، لَكِنَّهُ لاَ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ - كَمَا هُوَ الشَّأْنُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ - لِعَدَمِ الرِّضَا بِالْحُكْمِ، حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ الْمُشْتَرِي بَعْدَ قَبْضِهِ لاَ يَنْفُذُ عِتْقُهُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ بَاطِلٌ.

قَال صَاحِبُ شَرْحِ الْمَنَارِ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ بَاطِلًا لِعَدَمِ وُجُودِ حُكْمِهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لاَ

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٧، ٨، ١٢٤، وشرح الْمَنَار ص ٩٨١.

يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، وَأَمَّا الْفَاسِدُ فَحُكْمُهُ أَنَّهُ يُمْلَكُ بِالْقَبْضِ، فَقَدْ صَرَّحَ فِي الْخَانِيَّةِ وَالْقُنْيَةِ بِأَنَّهُ بَيْعٌ بَاطِلٌ.

قَال ابْنُ عَابِدِينَ: وَأَجَابَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِحَمْل مَا فِي الْخَانِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبُطْلاَنِ الْفَسَادُ، كَمَا فِي حَاشِيَةِ الْحَمَوِي.

ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: قُلْتُ وَهَذَا أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ مَا فِي كُتُبِ الأُْصُول مِنْ أَنَّهُ فَاسِدٌ.

هَذَا وَقَدْ بَيَّنَ الرَّهَاوِيُّ فِي حَاشِيَتِهِ: أَنَّ عَقْدَ الْهَازِل لاَ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ عَقْدًا مَوْقُوفًا؛ لأَِنَّ عُلَمَاءَ الْمَذْهَبِ قَدْ رَتَّبُوا الأَْحْكَامَ عَلَى الْفَاسِدِ دُونَ الْمَوْقُوفِ (١) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَتَّفِقَ الْمُتَعَاقِدَانِ عَلَى الإِْعْرَاضِ عَنِ الْمُوَاضَعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَعَلَى عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ:

١٣ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْبَيْعَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَكُونُ صَحِيحًا لاَزِمًا، وَيَبْطُل الْهَزْل بِإِعْرَاضِهِمَا عَنِ الْمُوَاضَعَةِ؛ لأَِنَّ تِلْكَ الْمُوَاضَعَةَ لَيْسَتْ بِلاَزِمَةٍ؛ فَتَرْتَفِعُ بِمَا قَصَدَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مِنْ عَقْدِ الْبَيْعِ عَلَى سَبِيل الْجِدِّ، وَذَلِكَ لأَِنَّ حَقِيقَةَ

_________

(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٧، ٨، ١٢٤، وشرح الْمَنَار وَحَوَاشِيه ص ٩٨١، وفتح الْغَفَّار ٢ / ١١٠، وفواتح الرَّحَمُوت ١ / ١٦٢.