الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
أ - طَهَارَةُ الْهِرِّ:
٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي طَهَارَةِ الْهِرِّ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ الْهِرَّ طَاهِرٌ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ فِيهَا: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ " (١) .
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ، وَمِنْهُمُ الطَّحَاوِيُّ، إِلَى أَنَّ الْهِرَّةَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ لَحْمِهَا.
قَال ابْنُ عَابِدِينَ: إِنَّ الْقِيَاسَ فِي الْهِرَّةِ نَجَاسَةُ سُؤْرِهَا؛ لأَِنَّهُ مُخْتَلِطٌ بِلُعَابِهَا الْمُتَوَلِّدِ مِنْ لَحْمِهَا النَّجِسِ، لَكِنْ سَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ اتِّفَاقًا بِعِلَّةِ الطَّوَافِ الْمَنْصُوصَةِ بِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ يَعْنِي أَنَّهَا تَدْخُل الْمَضَايِقَ، وَلاَزِمُهُ شِدَّةُ الْمُخَالَطَةِ بِحَيْثُ يَتَعَذَّرُ صَوْنُ الأَْوَانِي مِنْهَا.
وَفِي مَعْنَاهَا سِوَاكِنُ الْبُيُوتِ، لِلْعِلَّةِ الْمَذْكُورَةِ، فَسَقَطَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ لِلضَّرُورَةِ، وَبَقِيَتِ الْكَرَاهَةُ، لِعَدَمِ تَحَامِيهَا النَّجَاسَةَ (٢) .
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطوا فَين. . . " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (١ / ٦٠ ط حِمْص) والترمذي (١ / ١٥٤ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة ﵁ وَقَال: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَاللَّفْظ لِلتِّرْمِذِيِّ
(٢) سُبُل السَّلاَمِ ١ / ٣٠ - ٣١، والبدائع ١ / ٦٥، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ١ / ١٤٩، والشرح الصَّغِير ١ / ٤٣ وَمَا بَعْدَهَا، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٢٤، وكفاية الأَْخْيَار ١ / ٦٩، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٩١ - ١٩٣
ب - طَهَارَةُ سُؤْرِ الْهِرِّ:
٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ سُؤْرَ الْهِرَّةِ وَمَا يُمَاثِلُهَا أَوْ دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ مِنْ سِوَاكِنِ الْبُيُوتِ طَاهِرٌ يَجُوزُ شُرْبُهُ وَالْوُضُوءُ بِهِ (١)؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ كَبْشَةَ بِنْتِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ - وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي قَتَادَةَ ﵁ أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ دَخَل عَلَيْهَا قَالَتْ: فَسَكَبْتُ لَهُ وَضَوْءًا، قَالَتْ: فَجَاءَتْ هِرَّةٌ تَشْرَبُ فَأَصْغَى لَهَا الإِْنَاءَ حَتَّى شَرِبَتْ، قَالَتْ كَبْشَةُ: فَرَآنِي أَنْظُرُ إِلَيْهِ، فَقَال: أَتَعْجَبِينَ يَا ابْنَةَ أَخِي؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ. فَقَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: " إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (سُؤْر ف ٣ - ٦) .
ج - بَوْل الْهِرَّةِ وَخُرْؤُهَا:
٤ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ بَوْل الْهِرَّةِ وَخُرْءَهَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ، وَلَوْ طُحِنَ بَعْرُ الْفَأْرَةِ مَعَ الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ.
وَفِي الْخُلاَصَةِ: إِذَا بَالَتِ الْهِرَّةُ فِي الإِْنَاءِ،
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ١٤٩، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٢٤، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ٥٠ - ٥١.
(٢) حَدِيث: " إِنَّهَا لَيْسَتْ. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٢.
أَوْ عَلَى الثَّوْبِ تَنَجَّسَ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ نَجَاسَةَ بَوْل الْهِرَّةِ، وَعُمُومُ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي نَجَاسَةِ جَمِيعِ الأَْبْوَال يَقْضِي بِنَجَاسَتِهِ (١) . وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَجَاسَة) .
د - بَيْعُ الْهِرِّ:
٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ بَيْعِ الْهِرَّةِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهِرَّةِ جَائِزٌ؛ لأَِنَّهَا طَاهِرَةٌ وَمُنْتَفَعٌ بِهَا وَوُجِدَ فِيهَا جَمِيعُ شُرُوطِ الْبَيْعِ، فَجَازَ بَيْعُهَا كَالْحِمَارِ وَالْبَغْل، وَلأَِنَّ كُل مَمْلُوكٍ أُبِيحَ الاِنْتِفَاعُ بِهِ يَجُوزُ بَيْعُهُ إِلاَّ مَا اسْتَثْنَاهُ الشَّرْعُ مِنَ الْكَلْبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ وَالْوَقْفِ؛ لأَِنَّ الْمِلْكَ لإِطْلاَقِ التَّصَرُّفِ، وَالْمَنْفَعَةُ الْمُبَاحَةُ يُبَاحُ لِلشَّخْصِ اسْتِيفَاؤُهَا، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ عِوَضِهَا، وَأُبِيحَ لِغَيْرِهِ بَذْل مَالِهِ فِيهَا تَوَصُّلًا إِلَيْهَا وَدَفْعًا لِحَاجَتِهِ بِهَا، كَسَائِرِ مَا أُبِيحَ بَيْعُهُ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ شُرِعَ طَرِيقًا لِلتَّوَصُّل إِلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ وَاسْتِيفَاءِ الْمَنْفَعَةِ الْمُبَاحَةِ، لِيَصِل كُل وَاحِدٍ إِلَى الاِنْتِفَاعِ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ مِمَّا
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ١ / ٢١٢، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٩، والدسوقي ١ / ٥٨، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٧٨، وتحفة الْمُحْتَاج ١ / ٢٩٦
يُبَاحُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ (١) .
وَلِبَعْضِ الْجُمْهُورِ قُيُودٌ فِي جَوَازِ بِيْعِ الْهِرَّةِ.
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ بَيْعُ الْهِرَّةِ بِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهَا لِلاِنْتِفَاعِ بِهِ، أَمَّا إِذَا بَاعَهَا لاَ لِقَصْدِ أَخْذِ جِلْدِهَا فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا، إِلاَّ أَنَّ الْبُنَانِيَّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَال: الصَّوَابُ أَنَّ بَيْعَ الْهِرَّةِ لِيُنْتَفَعَ بِهِ حَيًّا جَائِزٌ (٢) . وَخَصَّ الشَّافِعِيَّةُ الْجَوَازَ بِبَيْعِ الْهِرَّةِ الأَْهْلِيَّةِ، أَمَّا الْهِرَّةُ الْوَحْشِيَّةُ فَلاَ يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَهُمْ، لِعَدَمِ الاِنْتِفَاعِ بِهَا (٣) .
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ وَمُجَاهِدٌ وَطَاوُوسٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ صَحَّحَهُ الْجُزُولِيُّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهِرَّةِ مَكْرُوهٌ (٤)، لِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ قَال: " سَأَلْتُ جَابِرًا ﵁ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ فَقَال:
_________
(١) الْبَدَائِع ٥ / ١٤٢، ومواهب الْجَلِيل ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨، والمجموع لِلنَّوَوِيِّ ٩ / ٢٢٩ - ٢٣٠، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٤ / ٢٨٣ - ٢٨٥.
(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل لِلْحَطَّابِ ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨، وجواهر الإِْكْلِيل ٢ / ٥.
(٣) الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ٩ / ٢٢٩ - ٢٣٠.
(٤) مَوَاهِب الْجَلِيل لِلْحَطَّابِ ٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨، والمجموع لِلإِْمَامِ النَّوَوِيّ ٩ / ٢٢٩، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٤ / ٢٨٤
زَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ ذَلِكَ (١)، وَلأَِنَّ أَكْلَهَا مَكْرُوهٌ فَكُرِهَ بَيْعُهَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ.
وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ بَيْعَ الْهِرَّةِ لاَ يَجُوزُ (٢)، لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ (٣)، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ الْمُتَقَدِّمِ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ زَجَرَ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ.
ص - ضَمَانُ مَا يُتْلِفُهُ الْهِرُّ:
٦ - نَصَّ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَتْلَفَتِ الْهِرَّةُ طَيْرًا أَوْ طَعَامًا أَوْ غَيْرَهُمَا ضَمِنَ مَالِكُهَا - أَيْ صَاحِبُهَا الَّذِي يُؤْوِيهَا - مَا أَتْلَفَتْهُ إِنْ عَهِدَ مِنْهَا ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا، كَمَا يَضْمَنُ مُرْسِل الْكَلْبِ الْعَقُورِ مَا يُتْلِفُهُ، لأَِنَّ مِثْل هَذِهِ الْهِرَّةِ يَنْبَغِي أَنْ تُرْبَطَ وَيُكَفَّ شَرُّهَا، وَمِثْلُهَا كُل حَيَوَانٍ مُولَعٍ بِالتَّعَدِّي كَالْجَمَل وَالْحِمَارِ اللَّذَيْنِ عُرِفَا بِعَقْرِ الدَّوَابِّ وَإِتْلاَفِهَا.
_________
(١) حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر: " سَأَلَتْ جَابِرًا ﵁ عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْرِ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١١٩٩ - ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) .
(٢) الْمَجْمُوعِ لِلنَّوَوِيِّ ٩ / ٢٢٩ - ٢٣٠، وانظر كُلًّا مِنْ مَوَاهِبَ الْجَلِيل ٤ / ٢٦٨ والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٤ / ٢٨٤ - ٢٨٥.
(٣) حَدِيث جَابِر: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالسِّنَّوْر ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ٧٥٢ - ط حِمْص) والترمذي (٣ / ٥٧٧ - ط الْحَلَبِيّ) .
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: لاَ يَضْمَنُ لَيْلًا وَلاَ نَهَارًا لأَِنَّ الْعَادَةَ لَمْ تَجْرِ بِرَبْطِ الْهِرَّةِ، وَقَضِيَّةُ هَذِهِ الْعِلَّةِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ الْمُفْسِدُ مِمَّا يُرْبَطُ عَادَةً فَتَرَكَهُ صَاحِبُهُ ضَمِنَ مَا يُتْلِفُهُ قَطْعًا. وَبِهِ صَرَّحَ الإِْصْطَخْرِيُّ، لأَِنَّهُ مُقَصِّرٌ حِينَئِذٍ بِإِرْسَالِهَا (١) .
أَمَّا إِذَا لَمْ يَعْهَدْ مِنَ الْهِرَّةِ أَوْ نَحْوِهَا - وَالْمُرَادُ هُوَ تَعَهُّدُ صَاحِبِ الْهِرَّةِ وَنَحْوِهِ مِنْهَا إِتْلاَفَ مَا ذُكِرَ - فَلاَ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَفِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ الإِْتْلاَفُ فِي اللَّيْل أَوْ فِي النَّهَارِ؛ لأَِنَّ الْعَادَةَ حِفْظُ الطَّعَامِ عَنْهَا، لاَ رَبْطُهَا.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ فِي اللَّيْل دُونَ مَا أَتْلَفَتْهُ فِي النَّهَارِ كَالدَّابَّةِ (٢) .
وَانْظُرْ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي حُكْمِ ضَمَانِ مَا أَتْلَفَهُ الْحَيَوَانُ فِي مُصْطَلَحِ (ضَمَان ف ١٠٧ - ١٠٩) .
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٠٧، والقليوبي وَعَمِيرَة ٤ / ٢١٣، والمغني ٨ / ٣٣٨.
(٢) الْمُغْنِي ٨ / ٣٣٨، وتحفة الْمُحْتَاج مَعَ الْحَوَاشِي ٩ / ٢٠٩ - ٢١٠، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ٤٠ - ٤١، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٠٧ والقليوبي ٤ / ٢١٣.
و- قَتْل الْهِرَّةِ الصَّائِلَةِ:
٧ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَتِ الْهِرَّةُ فِي الدَّفْعِ عَنْ حَمَامٍ وَنَحْوِهِ فَهَدَرٌ؛ لِصِيَالِهَا، وَذَلِكَ إِذَا تَعَيَّنَ قَتْلُهَا طَرِيقًا لِدَفْعِهَا، وَلَمْ يُمْكِنْ دَفْعُهَا بِدُونِهِ كَالصَّائِل، أَمَّا إِذَا لَمْ يَتَعَيَّنْ قَتْلُهَا طَرِيقًا لِدَفْعِهَا بِأَنْ أَمْكَنَ دَفْعُهَا بِضَرْبٍ أَوْ زَجْرٍ فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهَا، بَل يَدْفَعُهَا بِالأَْخَفِّ فَالأَْخَفِّ كَدَفْعِ الصَّائِل، فَلَوْ كَانَتِ الْهِرَّةُ صَغِيرَةً مَثَلًا وَلاَ يُفِيدُ مَعَهَا الدَّفْعُ بِالضَّرْبِ الْخَفِيفِ، وَلَكِنْ يُمْكِنُ دَفْعُهَا بِأَنْ يُخْرِجَهَا مِنَ الْبَيْتِ وَيُغْلِقَهُ دُونَهَا، أَوْ بِأَنْ يُكَرِّرَ دَفْعَهَا عَنْهُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهَا وَلاَ ضَرْبُهَا ضَرْبًا شَدِيدًا.
وَيَشْمَل حُكْمُ وُجُوبِ دَفْعِ الْهِرَّةِ بِالأَْخَفِّ فَالأَْخَفِّ كَالصَّائِل مَا لَوْ خَرَجَتْ أَذِيَّتُهَا عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهَا، وَاخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ هَذِهِ الْعَادَةِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَقَال الدَّمِيرِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَأْتِي فِيهِ الْخِلاَفُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثَةً، كَمَا فِي الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ.
وَلَوْ صَارَتِ الْهِرَّةُ ضَارِيَةً مُفْسِدَةً فَهَل يَجُوزُ قَتْلُهَا فِي حَال سُكُونِهَا؟ وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا - وَبِهِ قَال الْقَفَّال - لاَ يَجُوزُ؛ لأَِنَّ ضَرَاوَتَهَا عَارِضَةٌ وَالتَّحَرُّزَ عَنْهَا سَهْلٌ، وَجَوَّزَ الْقَاضِي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ قَتْلَهَا مُطْلَقًا؛ أَيْ سَوَاءٌ فِي حَال صِيَالِهَا أَوْ حَال سُكُونِهَا، وَسَوَاءٌ أَمْكَنَ دَفْعُهَا
بِدُونِ الْقَتْل أَمْ لَمْ يُمْكِنْ؛ لأَِنَّهَا قَدْ تَعُودُ وَتُتْلِفُ مَا دُفِعَ عَنْهَا مَعَ التَّغَافُل عَنْهُ؛ وَلأَِنَّهَا - فِي هَذِهِ الْحَالَةِ - لاَ يُكَفُّ شَرُّهَا إِلاَّ بِالْقَتْل (١) .
وَاعْتَمَدَ هَذَا الْقَوْل ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ حَيْثُ أَفْتَى بِقَتْل الْهِرِّ إِذَا خَرَجَ أَذَاهُ عَنِ الْعَادَةِ وَتَكَرَّرَ مِنْهُ وَاخْتَارَهُ الأَْذْرَعِيُّ: فِي هِرٍّ مُهْمَلٍ لاَ مَالِكَ لَهُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ، وَأَلْحَقَهُ الْقَاضِي بِالْفَوَاسِقِ الْخَمْسَةِ.
وَالْوَجْهُ جَوَازُ الدَّفْعِ كَذَلِكَ فِي الْهِرَّةِ الْحَامِل، بَل وُجُوبُهُ وَلاَ نَظَرَ لِكَوْنِهَا حَامِلًا أَوْ غَيْرَ حَامِلٍ، وَإِنْ قُلْنَا أَنَّهُ يُعْلَمُ الْحَمْل؛ لأَِنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ حَيَاتَهُ، وَتَيَقَّنَّا إِضْرَارَهَا لَوْ لَمْ يَدْفَعْهَا فَرُوعِيَ (٢) .
وَسُئِل الْبُلْقِينِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ عَمَّا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ مِنْ وِلاَدَةِ هِرَّةٍ فِي مَحَلٍّ وَتَأْلَفُ ذَلِكَ الْمَحَل بِحَيْثُ تَذْهَبُ وَتَعُودُ إِلَيْهِ لِلإِْيوَاءِ فَهَل يَضْمَنُ مَالِكُ الْمَحَل مُتْلَفَهَا؟ وَأَجَابَ بِعَدَمِ الضَّمَانِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ فِي يَدِ أَحَدٍ وَإِلاَّ ضَمِنَ ذُو الْيَدِ (٣)
_________
(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج مَعَ الْحَوَاشِي ٩ / ٢٠٩ - ٢١٠، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ٤٠ - ٤١، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٠٧ وقليوبي ٤ / ٢١٣.
(٢) تُحْفَة الْمُحْتَاج بِشَرْحِ الْمِنْهَاجِ مَعَ حَاشِيَة الشرواني ٩ / ٢١٠.
(٣) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ بِشَرْحِ الْمِنْهَاجِ ٨ / ٤١، وحاشية الشرواني مَعَ تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ٢١٠
وَأَجَازَ الْحَنَفِيَّةُ ذَبْحَ الْهِرَّةِ إِذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً بِسِكِّينٍ حَادٍّ وَيُكْرَهُ ضَرْبُهَا وَفَرْكُ أُذُنِهَا، وَفِي الْقُنْيَةِ: يَجُوزُ ذَبْحُ الْهِرَّةِ لِنَفْعٍ مَا (١) . وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ قَتْل الْهِرِّ إِذَا خَرَجَتْ إِذَايَتُهُ عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ وَتَكَرَّرَتْ إِذَايَتُهُ، فَإِنْ لَمْ تَخْرُجْ إِذَايَتُهُ عَنْ عَادَةِ الْقِطَطِ، وَوَقَعَتِ الإِْذَايَةُ مِنْهُ فَلْتَةً فَلاَ يُقْتَل (٢) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (صِيَال ف ٥) .
ز - حُكْمُ أَكْل لَحْمِ الْهِرِّ:
٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَكْل لَحْمِ الْهِرَّةِ.
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ بِالنِّسْبَةِ لِلْهِرَّةِ الْوَحْشِيَّةِ وَفِي الصَّحِيحِ بِالنِّسْبَةِ لِلْهِرَّةِ الأَْهْلِيَّةِ، وَالْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى حُرْمَةِ أَكْل الْهِرَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَهْلِيَّةً أَوْ وَحْشِيَّةً، لِحَدِيثِ: كُل ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكْلُهُ حَرَامٌ (٣)؛ وَلأَِنَّهَا تَعْدُو بِنَابِهَا فَتُشْبِهُ الأَْسَدَ،
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٨ / ٢٣٢، وحاشية الطحطاوي ٤ / ٢٣٢، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٥ / ٣٦١.
(٢) الْحَطَّاب ٣ / ٢٣٦.
(٣) حَدِيث: " كُلّ ذِي نَابٍ مِنَ السِّبَاعِ فَأَكَلَهُ حَرَام ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٥٣٤ - ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
وَلأَِنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ: الْهِرُّ سَبُعٌ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي رِوَايَةٍ إِلَى أَنَّهُ يُكْرَهُ أَكْل لَحْمِهَا.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْصَحِّ، وَرِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِرَّةَ الْوَحْشِيَّةَ يَحِل أَكْل لَحْمِهَا، وَكَذَا الأَْهْلِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَطْعِمَة ف ٢٤ - ٢٩) .
_________
(١) حَدِيث: " الْهِرّ سَبْع ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (٢ / ٤٤٢ - ط الميمنية) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٤ / ٤٥ - ط الْقُدْسِيّ) وَقَال فِيهِ عِيسَى بْن الْمُسَيِّب وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم وَضِعْفه غَيْره.
(٢) الْبِنَايَة ١ / ٤٥٠، ومواهب الْجَلِيل ٤ / ٢٦٨، والدسوقي ٢ / ١١٧، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٣٠٠، وتحفة الْمُحْتَاج مَعَ الْحَاشِيَتَيْنِ ٩ / ٣٨٠، والإنصاف ١٠ / ٣٥٥، ٣٦٠ - ٣٦١.