الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (١)﴾، وَقَوْلُهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿وَآتَى الْمَال عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى (٢)﴾ الآْيَةَ. وَمِنَ السُّنَّةِ الْقَوْلِيَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: يَا نِسَاءَ الْمُسْلِمَاتِ، لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ (٣)، وَقَوْلُهُ ﷺ: لَوْ دُعِيتُ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كُرَاعٍ لأَجَبْتُ، وَلَوْ أُهْدِيَ إِلَيَّ ذِرَاعٌ أَوْ كُرَاعٌ لَقَبِلْتُ (٤)، وَخَبَرُ: كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا (٥)، وَقَال عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: تَهَادُوا تَحَابُّوا (٦) .
وَمِنَ السُّنَّةِ الْعَمَلِيَّةِ: قَبُولُهُ ﷺ هَدِيَّةَ
_________
(١) سُورَة النِّسَاء / ٤.
(٢) سُورَةُ الْبَقَرَةِ ١٧٧.
(٣) حَدِيث: " يَا نِسَاء الْمُسْلِمَاتِ لاَ تُحَقِّرْنَ جَارَّة لِجَارَتِهَا. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ١٩٧ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٧١٤ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(٤) حَدِيث: " لَوْ دُعِيَتْ إِلَى ذِرَاعٍ أَوْ كَرَاعٍ لأَجَبْت. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ١٩٩ ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
(٥) حَدِيث: " كَانَ رَسُول اللَّهِ ﷺ يَقْبَل الْهَدِيَّةَ وَيُثِيبُ عَلَيْهَا " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٢١٠ ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة.
(٦) حَدِيث: " تَهَادَوْا تُحَابُوا " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي الأَْدَبِ الْمُفْرِدِ (ص ٢٠٨) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وحسن إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي التَّلْخِيصِ (٣ / ١٦٣ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) .
الْمُقَوْقِسِ الْكَافِرِ (١)، وَقَبُولُهُ ﷺ هَدِيَّةَ النَّجَاشِيِّ الْمُسْلِمِ وَتَصَرُّفُهُ فِيهَا وَمُهَادَاتُهُ (٢) .
وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهَا وَاسْتِحْبَابِهَا. وَصَرْفُهَا إِلَى الْجِيرَانِ وَالأَْقَارِبِ أَفْضَل مِنْهُ إِلَى غَيْرِهِمْ.
وَلاَ يَحْتَقِرُ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إِلَيْهِ الْقَلِيل، فَيَمْتَنِعُ الأَْوَّل مِنْ إِهْدَائِهِ، وَالثَّانِي مِنْ قَبُولِهِ؟ لِلْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ (٣) .
شُرُوطُ الْهَدِيَّةِ:
٩ - الْهَدِيَّةُ إِحْدَى أَنْوَاعِ الْهِبَةِ فَتَجْرِي فِيهَا أَحْكَامُهَا وَشُرُوطُهَا (٤)، وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (هِبَة) .
_________
(١) حَدِيث: قَبُولُهُ ﷺ هَدِيَّة الْمُقَوْقِسُ الْكَافِرُ. أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلاَئِل النُّبُوَّةِ (٤ / ٣٩٥ - ٣٩٦ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ) .
(٢) حَدِيث: قَبُولُهُ ﷺ هَدِيَّة النَّجَاشِيّ. أَخْرَجَهُ أَبُو الشَّيْخِ الأَْصْبَهَانِيّ فِي كِتَاب أَخْلاَقِ النَّبِيِّ ﷺ (١٦٢ ط الْهِلاَلِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ.
(٣) رَوَّضَ الطَّالِبُ ٢ / ٤٧٨، ومغني الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٦، وابن عَابِدِينَ ٤ / ٥٠٨.
(٤) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٨، والمحلي عَلَى الْمِنْهَاجِ ٣ / ١١١، والمغني ٥ / ٦٥٤، وابن عَابِدِينَ ٤ / ٥٠٨ - ٥٠٩، والشرح الصَّغِير ٤ / ١٤١.
١٠ - وَلاَ يُشْتَرَطُ فِي الْهَدِيَّةِ: صِيغَةٌ بَل يَكْفِي الْبَعْثُ مِنَ الْمُهْدِي وَقَبْضُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، فَيَقُومُ ذَلِكَ مَقَامَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، كَمَا جَرَتْ أَعْرَافُ النَّاسِ فِي الأَْعْصَارِ وَالأَْزْمَانِ.
وَقَدْ أَهْدَى الْمُلُوكُ إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ الْكِسْوَةَ وَالدَّوَابَّ وَالْجَوَارِيَ، وَلَمْ يُنْقَل إِيجَابٌ وَلاَ قَبُولٌ (١) .
١١ - وَلاَ يَمْلِكُ الْمُهْدَى إِلَيْهِ الْهَدِيَّةَ إِلاَّ بِالْقَبْضِ بِإِذْنِ الْمُهْدِي أَوْ وَارِثِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ قَبْل الْقَبْضِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (هِبَة ف ٢٧ - ٣٠) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَدِيَّةِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْهَدِيَّةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أ - الرُّجُوعُ فِي الْهَدِيَّةِ:
١٢ - لِلْمُهْدِي الرُّجُوعُ فِي الْهَدِيَّةِ قَبْل الْقَبْضِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ، أَمَّا بَعْدَ الْقَبْضِ فَفِيهِ تَفْصِيلٌ وَخِلاَفٌ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ (٢) .
_________
(١) الْمُغْنِي ٥ / ٦٥١، وفتح الْمُعِين ٣ / ١٤٥، ومغني الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٨، والمحلي شَرْح الْمِنْهَاج ٣ / ١١١.
(٢) فَتْح الْمُعِين ٣ / ١٤٥، ومغني الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٠ - ٤٠١، والمحلي عَلَى الْمِنْهَاجِ ٣ / ١١١، والمغني ٥ / ٦٥١.
يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (هِبَة ف ٢١) .
ب - وِعَاءُ الْهَدِيَّةِ:
١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ كَمَا جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: رَجُلٌ بُعِثَ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فِي إِنَاءٍ أَوْ ظَرْفٍ هَل يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا فِي ذَلِكَ الإِْنَاءِ إِنْ كَانَ ثَرِيدًا أَوْ نَحْوَهُ؟ يُبَاحُ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهَا فِي ذَلِكَ الإِْنَاءِ لأَِنَّهُ مَأْذُونٌ فِي ذَلِكَ دَلاَلَةً؛ لأَِنَّهُ إِذَا جَعَلَهُ فِي إِنَاءٍ آخَرَ ذَهَبَتْ لَذَّتُهُ، وَإِنْ كَانَ شَيْءٌ مِنَ الْفَوَاكِهِ أَوْ نَحْوِهَا إِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا انْبِسَاطٌ يُبَاحُ لَهُ أَيْضًا وَإِلاَّ فَلاَ، وَيُقَال: إِذَا بُعِثَ إِلَيْهِ بِهَدِيَّةٍ فِي ظَرْفٍ أَوْ إِنَاءٍ وَمِنَ الْعَادَةِ رَدُّ الظَّرْفِ وَالإِْنَاءِ لَمْ يَمْلِكِ الظَّرْفَ وَالإِْنَاءَ، وَذَلِكَ كَالْقِصَاعِ وَالْجِرَابِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ مِنَ الْعَادَةِ أَنْ لاَ يَرُدَّ الظَّرْفَ كَقَوَاصِرِ التَّمْرِ فَالظَّرْفُ هَدِيَّةٌ أَيْضًا لاَ يَلْزَمُهُ رَدُّهُ.
ثُمَّ إِذَا لَمْ يَكُنِ الظَّرْفُ هَدِيَّةً كَانَ أَمَانَةً فِي يَدِ الْمُهْدَى إِلَيْهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِي غَيْرِ الْهَدِيَّةِ وَلَهُ أَنْ يَأْكُل الْهَدِيَّةَ فِيهِ إِذَا لَمْ تَقْتَضِ الْعَادَةُ تَفْرِيغَهُ فَإِنِ اقْتَضَتْ تَفْرِيغَهُ وَتَحْوِيلَهُ عَنْهُ لَزِمَهُ تَفْرِيغُهُ، كَذَا فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ (١) .
وَيُفْهَمُ مِنْ عِبَارَاتِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ وِعَاءَ الْهَدِيَّةِ يُرَدُّ إِلَى الْمُهْدِي (٢) .
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٨٣.
(٢) الْحَطَّاب ٦ / ٦٧.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا بَعَثَ شَخْصٌ لآِخَرَ هَدِيَّةً فِي وِعَاءٍ فَإِنْ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ كَقَوْصَرَةِ التَّمْرِ فَالْوِعَاءُ هَدِيَّةٌ أَيْضًا كَالَّذِي فِي الظَّرْفِ تَحْكِيمًا لِلْعُرْفِ الْمُطَّرِدِ، وَإِنْ جَرَتِ الْعَادَةُ بِرَدِّهِ أَوِ اضْطَرَبَتِ الْعَادَةُ فَلاَ يَكُونُ هَدِيَّةً، بَل أَمَانَةً فِي يَدِهِ كَالْوَدِيعَةِ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهُ إِلاَّ فِي أَكْل الْهَدِيَّةِ مِنْهُ، إِنِ اقْتَضَتْهُ الْعَادَةُ عَمَلًا بِهَا وَتَكُونُ عَارِيَةً حِينَئِذٍ (١) .
ج - هَدَايَا الْخِتَانِ وَالزِّفَافِ:
١٤ - إِذَا عَمِل أَحَدٌ دَعْوَةً لِخِتَانِ وَلَدِهِ فَأَهْدَى الْمَدْعُوُّونَ هَدَايَا وَوَضَعُوهَا بَيْنَ يَدَيْهِ: قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ مِمَّا يَصْلُحُ لِلصِّبْيَانِ مِثْل ثِيَابِ الصِّبْيَانِ، أَوْ شَيْئًا يَسْتَعْمِلُهُ الصِّبْيَانُ فَهِيَ لِلصَّبِيِّ؛ لأَِنَّ مِثْلَهُ يَكُونُ هَدِيَّةً لِلصَّبِيِّ عَادَةً، وَإِنْ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يُرْجَعُ إِلَى الْمُهْدِي، فَإِنْ قَال: هِيَ لِلصَّغِيرِ كَانَتْ لِلصَّغِيرِ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ: يُنْظَرُ إِنْ كَانَ الْمُهْدِي مِنْ أَقَارِبِ الأَْبِ أَوْ مَعَارِفِهِ فَهِيَ لِلأَْبِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ الأُْمِّ أَوْ مَعَارِفِهَا فَهِيَ لِلأُْمِّ (٢) .
١٥ - وَكَذَلِكَ إِنِ اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ لِزِفَافِ بِنْتِهِ
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٥، وفتح الْمُعِين ٣ / ١٤٥، والإنصاف ٧ / ١٦٤.
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَحَاشِيَته لاِبْنِ عَابِدِينَ ٤ / ٥١٣.
إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا فَأَهْدَى النَّاسَ هَدَايَا فَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَرَابَةِ الأَْبِ أَوْ مِنْ قَرَابَةِ الأُْمِّ. وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ لَوْ كَانَ الْمُهْدِي مِنْ مَعَارِفِ الزَّوْجِ أَوْ مِنْ أَقَارِبِهِ أَوْ مِنْ مَعَارِفِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ أَقَارِبِهَا، إِلاَّ إِذَا بَيَّنَ الْمُهْدِي وَقَال: أَهْدَيْتُ لِهَذَا أَوْ لِهَذَا فَيَكُونُ الْقَوْل قَوْلَهُ.
وَقَال بَعْضُهُمْ: فِي الأَْحْوَال كُلِّهَا تَكُونُ الْهَدِيَّةُ لِلْوَالِدِ؛ لأَِنَّهُ هُوَ الَّذِي اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ (١) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: تَكُونُ لِلْوَلَدِ لأَِنَّ الْوَالِدَ اتَّخَذَ الْوَلِيمَةَ لأَِجْل الْوَلَدِ، وَلاَ يُعْتَبَرُ قَوْل الْمُهْدِي عِنْدَ الإِْهْدَاءِ: أَهْدَيْتُ لِلْوَالِدِ؛ لأَِنَّ الْوَالِدَ أَوْ صَاحِبَ الْوَلِيمَةِ إِذَا كَانَ رَجُلًا عَظِيمًا مُحْتَرَمًا يَقُول الْمُهْدِي عَادَةً: هَذَا لِخِدْمَتِكُمْ.
قَال النَّابُلُسِيُّ: وَالاِعْتِمَادُ عَلَى مَا قُلْنَا أَوَّلًا. وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ إِنْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَجَاءَ بِالتُّحَفِ إِلَى مَنْ نَزَل عِنْدَهُ وَقَال: اقْسِمْ هَذَا بَيْنَ أَوْلاَدِكَ وَامْرَأَتِكَ وَنَفْسِكَ، فَإِنْ أَمْكَنَ الرُّجُوعُ إِلَى بَيَانِ الْمُهْدِي فَالْقَوْل قَوْلُهُ، وَإِنْ تَعَذَّرَ الرُّجُوعُ إِلَيْهِ فَمَا يَصْلُحُ لِلرِّجَال فَلَهُ وَمَا يَصْلُحُ لِلنِّسَاءِ فَهُوَ لِلزَّوْجَةِ وَمَا يَصْلُحُ لِلصِّغَارِ
_________
(١) تَحْقِيق الْقَضِيَّةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِلنَّابْلُسِيِّ ص ١١٤ - ١١٦، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٤٣٨٣، وابن عَابِدِينَ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٤ / ٥١٣.
مِنَ الإِْنَاثِ فَهُوَ لَهُنَّ وَمَا يَصْلُحُ لِلصِّغَارِ مِنَ الذُّكُورِ فَهُوَ لَهُمْ، وَمَا يَصْلُحُ لِكِلَيْهِمَا يُنْظَرُ إِلَى الْمُهْدِي: فَإِنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ الرَّجُل أَوْ مَعَارِفِهِ فَلَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَقَارِبِ الْمَرْأَةِ أَوْ مِنْ مَعَارِفِهَا فَلَهَا، فَإِذَنِ التَّعْوِيل عَلَى الْعَادَةِ تَحْقِيقُ الْقَضِيَّةِ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ الرِّشْوَةِ وَالْهَدِيَّةِ لِعَبْدِ الْغَنِيِّ النَّابُلُسِيِّ ص ١١٤ - ١١٦، وَالْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ ٤ / ٣٨٣.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الْهَدَايَا الْمَحْمُولَةُ عِنْدَ الْخِتَانِ مِلْكٌ لِلأَْبِ. وَقَال جَمْعٌ: هِيَ لِلاِبْنِ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْل يَقْبَل لَهُ الأَْبُ وُجُوبًا، إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قَبُولِهِ مَحْذُورٌ، وَمِنَ الْمَحْذُورِ أَنْ يَقْصِدَ الْمُهْدِي التَّقَرُّبَ لِلأَْبِ وَهُوَ قَاضٍ وَنَحْوُهُ مِنْ أَرْبَابِ الْوِلاَيَاتِ وَالْعُمَّال فَحِينَئِذٍ لاَ يَجُوزُ لَهُ الْقَبُول لِنَفْسِهِ وَلاَ لِلاِبْنِ، وَمَحَل الْخِلاَفِ إِذَا أَطْلَقَ الْمُهْدِي فَلَمْ يُعَيِّنْ أَحَدًا فَإِنْ عَيَّنَهُ فَهِيَ لِمَنْ قَصَدَهُ اتِّفَاقًا (١) .
د - الْهَدَايَا أَثْنَاءَ الْخِطْبَةِ:
١٦ - إِذَا أَهْدَى الْخَاطِبُ إِلَى مَخْطُوبَتِهِ أَوْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا ثُمَّ لَمْ يَتِمَّ الزَّوَاجُ، فَفِي الرُّجُوعِ بِالْهَدِيَّةِ وَالنَّفَقَةِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (خُطْبَة ف ٣٩) .
_________
(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج بِهَامِش حَاشِيَتِي الشرواني وَابْن الْقَاسِم ٦ / ٣١٦ ط دَارَ صَادِر، وروض الطَّالِب ٢ / ٤٧٩.
هـ - أَقْسَامُ الْهَدِيَّةِ:
١٧ - الْهَدِيَّةُ أَرْبَعَةُ أَقْسَامٍ كَمَا جَاءَ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلًا عَنْ أَقْضِيَةِ مُحَمَّدٍ صَاحِبِ أَبِي حَنِيفَةَ:
أ - حَلاَلٌ مِنَ الْجَانِبَيْنِ كَالإِْهْدَاءِ لِلتَّوَدُّدِ.
ب - وَحَرَامٌ مِنْهُمَا كَالإِْهْدَاءِ لِيُعِينَهُ عَلَى ظُلْمٍ.
ج - وَحَرَامٌ عَلَى الآْخِذِ فَقَطْ وَهِيَ أَنْ يُهْدِيَهُ لِيَكُفَّ عَنْهُ الظُّلْمَ.
د - أَنْ يَدْفَعَهُ لِدَفْعِ الْخَوْفِ مِنَ الْمُهْدِي إِلَيْهِ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَوْ عِيَالِهِ أَوْ عِرْضِهِ، فَهَذِهِ حَلاَلٌ لِلدَّافِعِ حَرَامٌ عَلَى الْمَدْفُوعِ إِلَيْهِ، فَإِنَّ دَفْعَ الضَّرَرِ عَنِ الْمُسْلِمِ وَاجِبٌ وَلاَ يَجُوزُ أَخْذُ الْمَال لِيَفْعَل الْوَاجِبَ (١) .
١٨ - وَمِنَ الْهَدَايَا الْمُحَرَّمَةِ: هَدَايَا الْعُمَّال وَأَرْبَابِ الْوِلاَيَاتِ مِنْ قَاضٍ وَغَيْرِهِ مِنَ الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ وَظَائِفَ عَامَّةً لِلْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ كَانَتِ الْهَدِيَّةُ عَيْنًا أَوْ مَنْفَعَةً أَمْ تَمَّتْ فِي صُورَةِ مُحَابَاةٍ.
وَلاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي وَنَحْوِهِ قَبُول هَدِيَّةٍ وَيَجِبُ عَلَيْهِ رَدُّهَا، وَإِنْ تَأَذَّى الْمُهْدِي بِالرَّدِّ يُعْطَى قِيمَتَهَا. وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا لِعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ أَوْ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٣٠٣.
بُعْدِ مَكَانِهِ وُضِعَ فِي بَيْتِ الْمَال (١) إِلَى أَنْ يَحْضُرَ صَاحِبُهَا فَيُدْفَعَ إِلَيْهِ، وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ اللُّقَطَةِ، هَذَا إِذَا أَهْدَاهُ مَنْ لَهُ خُصُومَةٌ، أَوْ مَنْ لاَ خُصُومَةَ لَهُ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُهْدَى إِلَيْهِ قَبْل الْوِلاَيَةِ؛ لأَِنَّهُ فِي حَالَةِ وُجُودِ الْخُصُومَةِ تَدْعُو إِلَى الْمَيْل، وَفِي حَالَةِ عَدَمِهَا فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ سَبَبَ الإِْهْدَاءِ الْعَمَل (٢) . (ر: قَضَاء ف ٣٥) .
وَيَجُوزُ لَهُ قَبُول الْهَدِيَّةِ مِنْ قَرِيبٍ أَوْ صَدِيقٍ كَانَ يُهْدَى لَهُ قَبْل الْوِلاَيَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ خُصُومَةٌ حَاضِرَةٌ أَوْ مُرْتَقَبَةٌ، وَكَانَتِ الْهَدِيَّةُ بِالْقَدْرِ الَّذِي كَانَ يُهْدِيهِ قَبْل الْوِلاَيَةِ أَوِ التَّرْشِيحِ، لاِنْتِفَاءِ التُّهْمَةِ حِينَئِذٍ، بِخِلاَفِهَا بَعْدَ التَّرْشِيحِ أَوْ مَعَ الزِّيَادَةِ، فَيَحْرُمُ الْكُل إِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ بِالْوَصْفِ، كَأَنْ كَانَ يُهْدَى أَثْوَابًا مِنَ الْكَتَّانِ، فَأُهْدِيَ إِلَيْهِ بَعْدَ الْوِلاَيَةِ الْحَرِيرُ.
وَسَائِرُ الْعُمَّال مِمَّنْ يَتَوَلَّوْنَ وِلاَيَةً عَامَّةً كَالْقَاضِي فِي حُرْمَةِ الْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا عَلَيْهِمْ
_________
(١) ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٣١٠ - ٣١١، وروض الطَّالِب ٤ / ٣٠٠، والمحلي ٤ / ٣٠٣، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ٣١٦.
(٢) ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٣١٠ - ٣١١، وروض الطَّالِب ٤ / ٣٠٠، وتحفة الْمُحْتَاج ١٠ / ١٣٧، والمحلي وَحَاشِيَته الْقَلْيُوبِيّ ٤ / ٣٠٢ - ٣٠٣، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ٣١٦ - ٣١٧، والشرح الصَّغِير ٤ / ١٩٢، وتبيين الْحَقَائِق ٤ / ١٧٨.
وَمِنْهُمْ مَشَائِخُ الأَْسْوَاقِ وَالْبُلْدَانِ وَالْقُرَى وَمُبَاشِرُو الأَْوْقَافِ وَكُل مَنْ يَعْمَل لِلْمُسْلِمِينَ عَمَلًا حُكْمُهُ فِي الْهَدِيَّةِ حُكْمُ الْقَاضِي (١) .
وَالأَْصْل فِي حُرْمَةِ قَبُول هَؤُلاَءِ الْهَدَايَا قَوْلُهُ ﷺ: هَدَايَا الْعُمَّال غُلُولٌ (٢)، وَفِي لَفْظٍ: هَدَايَا السُّلْطَانِ سُحْتٌ (٣)، وَوَرَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " اسْتَعْمَل رَجُلًا مِنَ الأَْسْدِ يُقَال لَهُ ابْنُ اللُّتْبِيَّةِ عَلَى صَدَقَةٍ فَلَمَّا قَدِمَ قَال: هَذَا لَكُمْ وَهَذَا لِي أُهْدِيَ لِي. فَقَامَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى الْمِنْبَرِ: فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، وَقَال: " مَا بَال عَامِلٍ أَبْعَثُهُ فَيَقُول: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ لِي؟ أَفَلاَ قَعَدَ فِي بَيْتِ أَبِيهِ أَوْ فِي بَيْتِ أُمِّهِ حَتَّى يَنْظُرَ أَيُهْدَى إِلَيْهِ أَمْ لاَ؟ وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَنَال أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْهَا شَيْئًا إِلاَّ جَاءَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُهُ
_________
(١) ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٣١٠، وروض الطَّالِب ٤ / ٣٠٠، وتحفة الْمُحْتَاج ١٠ / ١٣٧، والمحلي وَحَاشِيَته الْقَلْيُوبِيّ ٤ / ٣٠٢ - ٣٠٣، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ٣١٦ - ٣١٧، والشرح الصَّغِير ٤ / ١٩٢، وتبيين الْحَقَائِق ٤ / ١٧٨.
(٢) حَدِيث: " هَدَايَا الْعُمَّال غُلُول " أَخْرَجَهُ أَحْمَد (٥ / ٤٢٤ ط الْمَيْمَنَة) . وأورده الهيثمي فِي الْمَجْمَعِ (٤ / ١٥١ ط مَكْتَبَة الْقُدْسِيّ)، وَقَال: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ وَأَحْمَد مِنْ طَرِيقِ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ أَهْل الْحِجَازِ وَهِيَ ضَعِيفَة.
(٣) حَدِيث: " هَدَايَا السُّلْطَان سُحْت " أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فِي تَلْخِيصِ الْمُتَشَابِهِ (١ / ٣٣١، ط طلاس) مِنْ حَدِيثِ أَنَس.