الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 49

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

الاِدِّخَارُ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ:

٣١ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِ الاِدِّخَارِ مِنْ لَحْمِ مَا يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ مِنَ الْهَدَايَا (١) . لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الضَّحَايَا بَعْدَ ثَلاَثٍ ثُمَّ قَال: كُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَادَّخِرُوا (٢) .

الْقَدْرُ الْمُدَّخَرُ:

٣٢ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَدِيمِ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَفْعَل بِهِ كَمَا يَفْعَل بِالأُْضْحِيَةِ. فَيَأْكُل وَيَدَّخِرُ بِالثُّلُثِ، وَيَتَصَدَّقُ بِالثُّلُثِ وَيُطْعِمُ الأَْغْنِيَاءَ بِالثُّلُثِ.

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: مَا أُبِيحَ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنْهُ فَلَهُ أَكْلُهُ جَمِيعُهُ وَالتَّصَدُّقُ بِجَمِيعِهِ. قَال فِي الطِّرَازِ: وَهُوَ أَحْسَنُ، إِلاَّ أَنَّهُ لاَ يَدَعُ الأَْكْل وَالصَّدَقَةَ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ (٣)﴾ .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الْجَدِيدِ: الْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُل وَيَدَّخِرَ النِّصْفَ، وَيَتَصَدَّقَ بِالنِّصْفِ عَلَى

_________

(١) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ٧٦، والحاوي الْكَبِير ٥ / ٤٩٩ - ٥٠٠، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٩.

(٢) حَدِيث: " جَابِر بْن عَبْد اللَّه عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومِ الضَّحَايَا. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٥٦٢ - ط الْحَلَبِيّ) .

(٣) سُورَةُ الْحَجِّ / ٣٦.

الْمَسَاكِينِ، وَقَالُوا: وَالأَْفْضَل وَالأَْحْسَنُ. أَنْ يَتَصَدَّقَ بِالْجَمِيعِ إِلاَّ لُقَيْمَاتٍ يَأْكُلُهَا تَبَرُّكًا.

وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنَ الْهَدْيِ كَالأُْضْحِيَةِ وَلَهُ التَّزَوُّدُ وَالأَْكْل كَثِيرًا (١) .

عَطَبُ الْهَدْيِ

٣٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ نَحَرَهُ صَاحِبُهُ، فَإِنْ كَانَ وَاجِبًا فَهُوَ لِصَاحِبِهِ يَصْنَعُ بِهِ مَا يَشَاءُ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ بِهَذَا إِسْقَاطَ الْوَاجِبِ عَنْ ذِمَّتِهِ؛ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَالِحًا لإِسْقَاطِ الْوَاجِبِ بِهِ بَقِيَ الْوَاجِبُ فِي ذِمَّتِهِ كَمَا كَانَ، وَهَذَا مِلْكُهُ فَيَصْنَعُ بِهِ مَا شَاءَ. وَإِنْ كَانَ تَطَوُّعًا نَحَرَهُ وَصَبَغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ ثُمَّ ضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهُ وَلَمْ يَأْكُل مِنْهُ شَيْئًا، بَل يَتَصَدَّقُ بِهِ، وَذَلِكَ أَفْضَل مِنْ أَنْ يَتْرُكَهُ لِلسِّبَاعِ. هَكَذَا نُقِل عَنْ عَائِشَةَ ﵂. وَالأَْصْل فِيهِ مَا وَرَدَ عَنْ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدَبٍ الْخُزَاعِيِّ صَاحِبِ بُدْنِ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: قُلْتُ: يَا رَسُول اللَّهِ، كَيْفَ أَصْنَعُ بِمَا عَطِبَ مِنَ الْبُدْنِ؟ قَال: انْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ خَل بَيْنَ

_________

(١) الْبَحْر الرَّائِق ٤ / ٧٦، والحاوي الْكَبِير ٥ / ٤٩٩ - ٥٠٠، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٩، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ١٩٠.

النَّاسِ وَبَيْنَهَا فَيَأْكُلُوهَا (١) وَمَقْصُودُهُ مِمَّا ذُكِرَ أَنْ يَجْعَل عَلَيْهَا عَلاَمَةً، يُعْلَمُ بِتِلْكَ الْعَلاَمَةِ أَنَّهَا هَدْيٌ، فَيَتَنَاوَل مِنْهَا الْفُقَرَاءُ دُونَ الأَْغْنِيَاءِ وَإِنَّمَا نَهَاهُ أَنْ يَتَنَاوَل مِنْهَا لأَِنَّهُ كَانَ غَنِيًّا مَعَ رُفْقَتِهِ، ثُمَّ الْمُتَطَوِّعُ بِالْهَدَايَا إِنَّمَا يَتَنَاوَل بِإِذْنِ مَنْ لَهُ الْحَقُّ، وَالإِْذْنُ مُعَلَّقٌ بِشَرْطِ بُلُوغِهِ مَحِلَّهُ قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا (٢)﴾، فَإِذَا لَمْ تَبْلُغْ مَحِلَّهَا لاَ يُبَاحُ لَهُ التَّنَاوُل مِنْهَا وَلاَ أَنْ يُطْعِمَ غَنِيًّا، بَل يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَى الْفُقَرَاءِ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ بِهَا التَّقَرُّبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى؛ فَإِذَا فَاتَ مَعْنَى التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِإِرَاقَةِ الدَّمِ تَعَيَّنَ التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِالتَّصَدُّقِ، وَذَلِكَ بِالصَّرْفِ إِلَى الْفُقَرَاءِ دُونَ الأَْغْنِيَاءِ، فَإِنْ أَعْطَى مِنْ ذَلِكَ غَنِيًّا ضَمِنَ قِيمَتَهُ. وَيَتَصَدَّقُ بِجِلاَلِهَا وَخَطْمِهَا أَيْضًا كَمَا يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا بَلَغَتْ مَحِلَّهَا (٣) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: الْهَدْيُ هَدْيَانِ: وَاجِبٌ وَتَطَوُّعٌ، وَيَأْكُل مِنَ الْهَدْيِ كُلِّهِ

_________

(١) حَدِيثُ نَاجِيَةَ بْنِ جُنْدُبٍ الْخُزَاعِيِّ صَاحِبِ بَدْنِ رَسُول اللَّهِ ﷺ. أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ ٣ / ٢٤٤ - ط الْحَلَبِيّ)، وَقَال حَدِيث حَسَن صَحِيح.

(٢) سُورَةُ الْحَجِّ / ٣٦

(٣) الْمَبْسُوط ٤ / ١٤٥.

وَاجِبِهِ وَتَطَوُّعِهِ إِلاَّ أَرْبَعَةَ أَشْيَاءَ: جَزَاءَ الصَّيْدِ، وَفِدْيَةَ الأَْذَى، وَنَذْرَ الْمَسَاكِينِ، وَهَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا عَطِبَ قَبْل مَحِلِّهِ. وَأَمَّا الْهَدْيُ الْوَاجِبُ إِذَا عَطِبَ قَبْل مَحِلِّهِ فَإِنَّهُ يَأْكُل مِنْهُ صَاحِبُهُ إِنْ شَاءَ لأَِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهُ، وَلاَ بَدَل عَلَيْهِ فِي الْوَاجِبِ إِنْ عَطِبَ قَبْل مَحِلِّهِ إِلاَّ أَنْ يَأْكُل مِنْهُ، وَمَنْ أَكَل مِنْ هَدْيٍ لاَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ فَفِيهِ قَوْلاَنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُبَدَّل الْهَدْيُ كُلُّهُ، وَالآْخَرُ: أَنَّهُ لاَ يُبَدَّل إِلاَّ مِقْدَارُ مَا أَكَل مِنْهُ وَالأَْوَّل أَشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ، وَالآْخَرُ اخْتِيَارُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ أَكَل مِنْ نَذْرِ الْمَسَاكِينِ شَيْئًا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إِلاَّ مِقْدَارُ مَا أَكَل، وَإِنْ أَكَل مِنْ جَزَاءِ الصَّيْدِ أَوْ مِنْ فِدْيَةِ الأَْذَى جَزَاهُ كُلُّهُ وَأَتَى بِفِدْيَتِهِ كَامِلَةً.

وَالسُّنَّةُ أَنْ يَنْحَرَ الْهَدْيَ التَّطَوُّعَ إِذَا عَطِبَ قَبْل مَحِلِّهِ، ثُمَّ يَضَعُ قِلاَدَتَهُ فِي دَمِهِ وَيُخَلِّي بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ يَأْكُلُونَهُ، وَلاَ يَأْكُل مِنْهُ صَاحِبُهُ وَلاَ يُطْعِمُ وَلاَ يَتَصَدَّقُ، فَإِنْ أَكَل أَوْ أَطْعَمَ أَوْ تَصَدَّقَ فَالأَْشْهَرُ عَنْ مَالِكٍ: أَنَّهُ إِنْ أَكَل مِنْهُ شَيْئًا ضَمِنَهُ كُلَّهُ (١) . وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الْهَدْيُ تَطَوُّعًا فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ إِلَى أَنْ يُنْحَرَ، وَإِنْ كَانَ

_________

(١) الْكَافِي لاِبْن عَبْد الْبَرّ ١ / ٣٤٩ - ٣٥٠.

نَذْرًا زَال مِلْكُهُ عَنْهُ وَصَارَ لِلْمَسَاكِينِ، فَلاَ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلاَ إِبْدَالُهُ بِغَيْرِهِ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: أُهْدِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ نَجِيبًا، فَأُعْطِيَ بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أُهْدِيتُ نَجِيبًا وَأُعْطِيتُ بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَفَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا؟ قَال: " لاَ، انْحَرْهَا إِيَّاهَا (١) .

وَإِنْ عَطِبَ وَخَافَ أَنْ يَهْلِكَ نَحَرَهُ وَغَمَسَ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهُ؛ لِمَا رَوَى أَبُو قَبِيصَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُول: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا وَلاَ تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ أَهَل مِنْ رُفْقَتِكَ (٢) وَلأَِنَّهُ هَدْيٌ مَعْكُوفٌ عَنِ الْحَرَمِ فَوَجَبَ نَحْرُهُ مَكَانَهُ كَهَدْيِ الْمُحْصَرِ.

وَهَل يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُ عَلَى فُقَرَاءِ الرُّفْقَةِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ، أَحَدُهُمَا: لاَ يَجُوزُ؛ لِحَدِيثِ أَبِي قَبِيصَةَ، وَلأَِنَّ فُقَرَاءَ الرُّفْقَةِ يُتَّهَمُونَ فِي سَبَبِ

_________

(١) حَدِيث ابْن عُمَر: " أَهْدَى عُمَر بْن الْخَطَّابِ نَجِيبًا. . . " تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (١٨) .

(٢) حَدِيث أَبِي قَبِيصَةَ: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْهَدْي ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩٦٣ - ط الْحَلَبِيّ) .

عَطَبِهَا فَلَمْ يَطْعَمُوا مِنْهَا. وَالثَّانِي: يَجُوزُ؛ لأَِنَّهُمْ مِنْ أَهْل الصَّدَقَةِ فَجَازَ أَنْ يَطْعَمُوا كَسَائِرِ الْفُقَرَاءِ.

فَإِنْ أَخَّرَ ذَبْحَهُ حَتَّى مَاتَ ضَمِنَهُ؛ لأَِنَّهُ مُفَرِّطٌ فِي تَرْكِهِ فَضَمِنَهُ كَالْمُودَعِ إِذَا رَأَى مَنْ يَسْرِقُ الْوَدِيعَةَ فَسَكَتَ عَنْهُ حَتَّى سَرَقَهَا؛ وَإِنْ أَتْلَفَهَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ لأَِنَّهُ أَتْلَفَ مَال الْمَسَاكِينِ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُ، وَيَضْمَنُهُ بِأَكْثَرِ الأَْمْرَيْنِ مِنْ قِيمَتِهِ، أَوْ هَدْيٍ مِثْلِهِ لأَِنَّهُ لَزِمَهُ الإِْرَاقَةُ وَالتَّفْرِقَةُ وَقَدْ فَوَّتَ الْجَمِيعَ فَلَزِمَهُ ضَمَانُهُمَا، كَمَا لَوْ أَتْلَفَ شَيْئَيْنِ، فَإِنْ كَانَتِ الْقِيمَةُ مِثْل ثَمَنِ مِثْلِهِ اشْتَرَى مِثْلَهُ وَأَهْدَاهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَقَل لَزِمَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ مِثْلَهُ وَيَهْدِيَهُ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ نَظَرْتَ: فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِهِ هَدْيَيْنِ اشْتَرَاهُمَا وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ اشْتَرَى هَدْيًا.

وَإِنْ كَانَ فِي ذِمَّتِهِ هَدْيٌ فَعَيَّنَهُ بِالنَّذْرِ فِي هَدْيٍ تَعَيَّنَ؛ لأَِنَّ مَا وَجَبَ مُعَيَّنًا جَازَ أَنْ يَتَعَيَّنَ بِهِ مَا فِي الذِّمَّةِ كَالْبَيْعِ؛ وَيَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ فَلاَ يَمْلِكُ بَيْعَهُ وَلاَ إِبْدَالَهُ، فَإِنْ هَلَكَ بِتَفْرِيطٍ أَوْ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ رَجَعَ الْوَاجِبُ إِلَى مَا فِي الذِّمَّةِ، وَإِنْ عَطِبَ فَنَحَرَهُ عَادَ الْوَاجِبُ إِلَى مَا فِي الذِّمَّةِ.

وَهَل يَعُودُ مَا نَحَرَهُ إِلَى مِلْكِهِ؟ فِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ؛ لأَِنَّهُ إِنَّمَا نَحَرَهُ لِيَكُونَ

عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ، فَإِذَا لَمْ يَقَعْ عَمَّا فِي ذِمَّتِهِ عَادَ إِلَى مِلْكِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لاَ يَعُودُ؛ لأَِنَّهُ صَارَ لِلْمَسَاكِينِ فَلاَ يَعُودُ إِلَيْهِ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ يَعُودُ إِلَى مِلْكِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَهُ وَيُطْعِمَ مَنْ شَاءَ.

ثُمَّ يَنْظُرُ فِيهِ: فَإِنْ كَانَ الَّذِي فِي ذِمَّتِهِ مِثْل الَّذِي عَادَ إِلَى مِلْكِهِ نَحَرَ مِثْلَهُ فِي الْحَرَمِ، وَإِنْ كَانَ أَعْلَى مِمَّا فِي ذِمَّتِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُهْدِي مِثْل مَا نَحَرَ؛ لأَِنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ فَصَارَ مَا فِي ذِمَّتِهِ زَائِدًا فَلَزِمَهُ نَحْرُ مِثْلِهِ، وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُهْدِي مِثْل الَّذِي كَانَ فِي ذِمَّتِهِ؛ لأَِنَّ الزِّيَادَةَ فِيمَا عَيَّنَهُ وَقَدْ هَلَكَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَسَقَطَ (١) .

وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ: أَنَّ مَنْ سَاقَ هَدْيًا يَنْوِي بِهِ الْوَاجِبَ الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُعَيِّنَهُ بِالْقَوْل فَهَذَا لاَ يَزُول مِلْكُهُ عَنْهُ إِلاَّ بِذَبْحِهِ وَدَفْعِهِ إِلَى أَهْلِهِ، وَلَهُ التَّصَرُّفُ بِمَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ وَهِبَةٍ وَأَكْلٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَتَعَلَّقُ حَقُّ غَيْرِهِ بِهِ وَلَهُ نَمَاؤُهُ.

وَإِنْ عَطِبَ تَلِفَ مِنْ مَالِهِ، وَإِنْ تَعَيَّبَ لَمْ يُجْزِئْهُ ذَبْحُهُ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ الَّذِي كَانَ وَاجِبًا، فَإِنَّ وُجُوبَهُ فِي الذِّمَّةِ فَلاَ يَبْرَأُ مِنْهُ إِلاَّ بِإِيصَالِهِ إِلَى مُسْتَحِقِّهِ.

أَمَّا إِذَا عُيِّنَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ بِالْقَوْل،

_________

(١) الْمُهَذَّب ١ / ٢٤٣ - ٢٤٤.

كَأَنْ يَقُول: هَذَا الْوَاجِبُ عَلَيَّ، فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْوُجُوبُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَبْرَأَ الذِّمَّةُ مِنْهُ؛ لأَِنَّهُ لَوْ أَوْجَبَ هَدْيًا وَلاَ هَدْيَ عَلَيْهِ لَتَعَيَّنَ، فَإِذَا كَانَ وَاجِبًا فَعَيَّنَهُ فَكَذَلِكَ إِلاَّ أَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ عَطِبَ أَوْ سُرِقَ أَوْ ضَل أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِهِ وَعَادَ الْوُجُوبُ إِلَى ذِمَّتِهِ، وَإِنْ ذَبَحَهُ فَسُرِقَ أَوْ عَطِبَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، قَال أَحْمَدُ: إِذَا نَحَرَ فَلَمْ يَطْعَمْهُ حَتَّى سُرِقَ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ إِذَا نَحَرَ فَقَدْ فَرَغَ، وَهَذَا قَوْل الثَّوْرِيِّ (١) .

أَمَّا مَنْ تَطَوَّعَ بِهَدْيٍ غَيْرِ وَاجِبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْل مِنْ حَالَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْوِيَهُ هَدْيًا، وَلاَ يُوجِبُ بِلِسَانِهِ وَلاَ بِإِشْعَارِهِ وَتَقْلِيدِهِ، فَهَذَا لاَ يَلْزَمُهُ إِمْضَاؤُهُ، وَلَهُ أَوْلاَدُهُ وَنَمَاؤُهُ وَالرُّجُوعُ فِيهِ مَتَى شَاءَ مَا لَمْ يَذْبَحْهُ؛ لأَِنَّهُ نَوَى الصَّدَقَةَ بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِدِرْهَمٍ.

الثَّانِي: أَنْ يُوجِبَ بِلِسَانِهِ فَيَقُول: هَذَا هَدْيٌ، أَوْ يُقَلِّدَهُ أَوْ يُشْعِرَهُ، يَنْوِي بِذَلِكَ إِهْدَاءَهُ، فَيَصِيرُ وَاجِبًا مُعَيَّنًا يَتَعَلَّقُ الْوُجُوبُ بِعَيْنِهِ دُونَ ذِمَّةِ صَاحِبِهِ، وَيَصِيرُ فِي يَدَيْ صَاحِبِهِ كَالْوَدِيعَةِ يَلْزَمُهُ حِفْظُهُ وَإِيصَالُهُ إِلَى مَحَلِّهِ.

فَإِنْ تَلِفَ بِغَيْرِ تَفْرِيطٍ مِنْهُ، أَوْ سُرِقَ، أَوْ ضَل

_________

(١) الْمُغْنِي ٣ / ٥٣٤ ط الرِّيَاض، و٥ / ٤٣٤ ط هُجِرَ.

لَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجِبْ فِي الذِّمَّةِ إِنَّمَا تَعَلَّقَ الْحَقُّ بِالْعَيْنِ فَسَقَطَ بِتَلَفِهَا كَالْوَدِيعَةِ.

وَقَدْ وَرَدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَال: " مَنْ أَهْدَى بَدَنَةً ثُمَّ ضَلَّتْ أَوْ مَاتَتْ فَإِنَّهَا إِنْ كَانَتْ نَذْرًا أَبْدَلَهَا، وَإِنْ كَانَتْ تَطَوُّعًا فَإِنْ شَاءَ أَبْدَلَهَا وَإِنْ شَاءَ أَكَل وَتَرَكَهَا " (١) .

وَأَمَّا إِنْ أَتْلَفَهُ أَوْ تَلِفَ بِتَفْرِيطِهِ فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ لأَِنَّهُ أَتْلَفَ وَاجِبًا لِغَيْرِهِ فَضَمِنَهُ كَالْوَدِيعَةِ.

وَإِنْ خَافَ عَطَبَهُ أَوْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ وَصُحْبَةِ الرِّفَاقِ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ، وَخَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَسَاكِينِ، وَلَمْ يُبَحْ لَهُ أَكْل شَيْءٍ مِنْهُ وَلاَ لأَِحَدٍ مِنْ صَحَابَتِهِ وَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ (٢) .

وَقْتُ ذَبْحِ الْهَدْيِ:

الْهَدْيُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَدْيَ تَطَوُّعٍ، أَوْ يَكُونَ هَدْيَ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ، أَوْ هَدْيًا لِجَبْرِ نُقْصَانٍ، أَوْ هَدْيَ نَذْرٍ، وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

٣٤ - أَمَّا هَدْيُ التَّطَوُّعِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ ذَبْحِهِ، فَالْحَنَفِيَّةُ قَالُوا: يَجُوزُ ذَبْحُ دَمِ التَّطَوُّعِ قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ، لأَِنَّ الْقُرْبَةَ فِي التَّطَوُّعَاتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهَا هَدَايَا، وَذَلِكَ يَتَحَقَّقُ

_________

(١) أَثَر ابْن عُمَر: " مَنْ أَهْدَى بَدَنَة ثُمَّ ضَلَّتْ. . . " أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (١ / ٣٨١ - ط الْحَلَبِيّ) .

(٢) الْمُغْنِي ٣ / ٥٣٧.

بِتَبْلِيغِهَا إِلَى الْحَرَمِ، وَذَبْحُهُ أَيَّامَ النَّحْرِ أَفْضَل لأَِنَّ مَعْنَى الْقُرْبَةِ فِيهِ أَظْهَرُ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ وَقْتَ ذَبْحِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ هُوَ أَيَّامُ النَّحْرِ الثَّلاَثَةُ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ يَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ.

وَلاَ تُجْزِئُ لَيْلًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَتُجْزِئُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَعَ الْكَرَاهَةِ.

٣٥ - وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي وَقْتِ ذَبْحِ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ الثَّلاَثَةِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (١)﴾ .

وَجْهُ الاِسْتِدْلاَل بِالآْيَةِ: أَنَّ قَضَاءَ التَّفَثِ (أَيْ إِزَالَةَ الْوَسِخِ)، وَالطَّوَافُ يَخْتَصُّ بِأَيَّامِ النَّحْرِ، فَكَذَا الذَّبْحُ، لِيَكُونَ مَسْرُودًا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ؛ لأَِنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَخْتَصُّ بِيَوْمِ النَّحْرِ كَالأُْضْحِيَةِ؛ وَلَوْ ذَبَحَ بَعْدَهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ فَيَلْزَمُهُ دَمٌ.

_________

(١) سُورَةُ الْحَجِّ / ٢٩ - ٣٠.