الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
أَمَّا إِنْ أَضَرَّ بِهَا أَوْ بِوَلَدِهَا فَيَحْرُمُ وَعَلَيْهِ الصَّدَقَةُ بِهِ، فَإِنْ شَرِبَهُ ضَمِنَهُ لِتَعَدِّيهِ بِأَخْذِهِ (١) .
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: إِنْ كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ قَرِيبًا لَمْ يَحْلِبْهَا، وَيَنْضَحُ ضَرْعَهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ حَتَّى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ، وَإِنْ كَانَ وَقْتُ الذَّبْحِ بَعِيدًا يَحْلِبُهَا وَيَتَصَدَّقُ بِهِ كَيْ لاَ يَضُرَّ ذَلِكَ بِهَا، وَإِنْ صَرَفَ اللَّبَنَ إِلَى حَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ إِلَى غَنِيٍّ تَصَدَّقَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ (٢) .
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ يَشْرَبُ الْمُهْدِي مِنْ لَبَنِهَا بَعْدَ التَّقْلِيدِ أَوِ الإِْشْعَارِ وَإِنْ فَضَل عَنْ رَيِّ فَصِيلِهَا بَل يُكْرَهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ الشُّرْبُ إِنْ لَمْ يَفْضُل أَوْ أَضَرَّ بِالأُْمِّ أَوِ الْوَلَدِ فَإِنْ شَرِبَ فَيَغْرَمُ مُوجَبَ فِعْلِهِ الأَْرْشَ أَوِ الْبَدَل (٣) .
جَزُّ وَبَرِ الْهَدْيِ:
٢١ - لاَ يَجُوزُ جَزُّ وَبَرِ الْهَدْيِ، فَإِنْ جَزَّهُ تَصَدَّقَ بِهِ أَوْ بِقِيمَتِهِ إِنِ اسْتَهْلَكَهُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالدَّارِمِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ إِنْ كَانَ فِي بَقَائِهِ ضَرَرٌ.
_________
(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٢ / ٤٨٢، والمجموع ٨ / ٣٦٦ - ٣٦٧.
(٢) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٢ / ٩١، وفتح الْقَدِير ٣ / ١٦٧.
(٣) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٩٢.
وَأَجَازَ ذَلِكَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ إِنْ كَانَ فِي جَزِّهِ مَصْلَحَةٌ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ بَقَى إِلَى وَقْتِ النَّحْرِ مُدَّةً طَوِيلَةً، وَأَجَازُوا لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ، وَالأَْفْضَل أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي بَقَاءِ الصُّوفِ مَصْلَحَةٌ لِدَفْعِ ضَرَرِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ كَانَ وَقْتُ ذَبْحِهِ قَرِيبًا وَلَمْ يَضُرَّ بَقَاؤُهُ لَمْ يَجُزْ جَزُّهُ (١) .
ثَانِيًا: هَدْيُ التَّطَوُّعِ:
٢٢ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ هَدْيِ التَّطَوُّعِ، كَمَا يَجُوزُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ، وَتَمْلِيكُ مَنَافِعِهِ بِبَدَلٍ، وَهُوَ الإِْجَارَةُ، وَبِدُونِ بَدَلٍ، وَهُوَ الإِْعَارَةُ.
وَذَلِكَ لأَِنَّهُ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ وَتَصَرُّفِهِ إِلَى أَنْ يَنْحَرَ لأَِنَّ مَا وُجِدَ مِنْهُ مُجَرَّدُ نِيَّةِ ذَبْحِ الْهَدْيِ وَهَذَا لاَ يُزِيل الْمِلْكَ (٢) .
التَّصَرُّفُ فِي الْهَدْيِ بَعْدَ نَحْرِهِ:
بَيْعُ شَيْءٍ مِنَ الْهَدْيِ:
٢٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ لَحْمِ الْهَدْيِ وَجِلْدِهِ وَشَحْمِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ
_________
(١) الْمَجْمُوع ٨ / ٢٧٩ - ٢٨٠، والمغني ٣ / ٥٤٠، والمبسوط ٤ / ١٤٤.
(٢) شَرْح مَعَانِي الآْثَارِ ٢ / ١٦٢، والمجموع ٨ / ٣٦٤ - ٣٦٥.
أَجْزَائِهِ، سَوَاءٌ كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا (١) .
قِسْمَةُ الْهَدْيِ وَتَفْرِقَتُهُ:
٢٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَفْرِقَةِ لَحْمِ مَا وَجَبَ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ خَارِجَ الْحَرَمِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تَجِبُ تَفْرِقَةُ لَحْمِ مَا وَجَبَ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ فِي الْحَرَمِ لأَِنَّهُ أَحَدُ مَقْصُودَيِ النُّسُكِ فَلَمْ يَجُزْ فِي الْحِل، وَلأَِنَّ الْمَعْنَى فِي ذَبْحِ الْهَدْيِ بِالْحَرَمِ التَّوْسِعَةُ عَلَى مَسَاكِينِهِ وَهَذَا لاَ يَحْصُل بِإِعْطَاءِ غَيْرِهِمْ؛ وَلأَِنَّهُ نُسُكٌ يَخْتَصُّ بِالْحَرَمِ فَكَانَ جَمِيعُهُ مُخْتَصًّا بِهِ كَالطَّوَافِ وَسَائِرِ الْمَنَاسِكِ (٢) . وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّ مَسَاكِينَ الْحَرَمِ يَشْمَل الْغُرَبَاءَ الطَّارِئِينَ وَالْمُسْتَوْطِنِينَ، وَقَالُوا: الصَّرْفُ إِلَى الْمُسْتَوْطِنِينَ أَفْضَل (٣) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ ذَبْحُ الْهَدَايَا إِلاَّ فِي الْحَرَمِ، وَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى مَسَاكِينِ الْحَرَمِ وَغَيْرِهِمْ، إِلاَّ أَنَّ مَسَاكِينَ
_________
(١) شَرْح اللُّبَاب ٣١٢ و٣١٣، والحطاب ٣ / ١٩٣، والمجموع ٨ / ٣٣٢، والكافي ١ / ٤٧٤.
(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٣ / ٥٤٦، وروضة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٨٧.
(٣) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٨٧.
الْحَرَمِ أَفْضَل إِلاَّ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ (١) .
الأَْكْل مِنَ الْهَدَايَا:
الْهَدْيُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بَالِغًا الْكَعْبَةَ وَإِمَّا أَنْ لاَ يَكُونَ كَذَلِكَ.
وَنُوَضِّحُ حُكْمَ كُلٍّ فِيمَا يَلِي:
أَوَّلًا: الْهَدْيُ الْبَالِغُ مَحِلَّهُ:
وَيَخْتَلِفُ حُكْمُ الأَْكْل مِنْهُ بِاخْتِلاَفِ نَوْعِ الْهَدْيِ:
أ - دِمَاءُ الْكَفَّارَاتِ وَهَدْيُ الإِْحْصَارِ:
٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الأَْكْل مِنْ هَدَايَا الْكَفَّارَاتِ وَالإِْحْصَارِ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُل مِنْ هَدَايَا الْكَفَّارَاتِ وَالإِْحْصَارِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّصَدُّقُ بِلَحْمِهَا بَعْدَ الذَّبْحِ، لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَجُزْ أَكْلُهُ لِلْمُهْدِي وَلاَ يَتَصَدَّقُ بِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِضَاعَةِ الْمَال وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ شَرْعًا (٢) .
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٦٢ - ٢٦٣.
(٢) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ٧٦، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٢٠، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣٠ - ٥٣١.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنْ هَذِهِ الْهَدَايَا (١) .
وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْ هَدْيِ الإِْحْصَارِ وَهَدَايَا الْكَفَّارَاتِ عَدَا جَزَاءِ الصَّيْدِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى اسْتِثْنَاءِ جَزَاءِ الصَّيْدِ مِنْ جَوَازِ الأَْكْل مِنْهُ بِأَنَّهُ بَدَلٌ.
وَقَال ابْنُ أَبِي مُوسَى بِجَوَازِ الأَْكْل مِنْ هَدْيِ الإِْحْصَارِ (٢) .
ب - الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ:
٢٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الأَْكْل مِنَ الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنَ الْهَدْيِ الْمَنْذُورِ وَهُوَ رَأْيُ الْمَالِكِيَّةِ إِذَا كَانَ الْهَدْيُ الْمَنْذُورُ مُعَيَّنًا، أَمَّا غَيْرُ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنْهُ (٣) .
_________
(١) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٩.
(٢) الْمُغْنِي ٣ / ٥٤٢.
(٣) الْبَحْر الرَّائِق ٢ / ٧٦، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥٣١، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٢٠، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٣ / ٥٤١، والشرح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٩.
ج - هَدْيُ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ:
٢٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَكْل الْمُهْدِي مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُل مِنْ هَدْيِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ بَل صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي أَنْ يَأْكُل مِنْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُطْعِمَ الْغَنِيَّ (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي أَكْل شَيْءٍ مِنْهُ (٢) .
د - هَدْيُ التَّطَوُّعِ:
٢٨ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدِي الأَْكْل مِنْ هَدْيِ التَّطَوُّعِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا (٣)﴾ .
وَأَقَل أَحْوَال الأَْمْرِ الاِسْتِحْبَابُ، وَبِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَكَل مِنْ بَدَنَةٍ، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ٧٦، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٦٢، وفتح الْقَدِير ٣ / ١٦٧، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٠ ٢، والمغني ٣ / ٥٤١، والشرح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٩.
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥٣١.
(٣) سُورَةُ الْحَجِّ / ٢٨.
وَالسَّلاَمُ نَحَرَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً بِيَدِهِ وَنَحَرَ عَلِيٌّ مَا بَقِيَ مِنَ الْمِائَةِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُل بَدَنَةٍ بِبِضْعَةٍ فَجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ فَطُبِخَتْ فَأَكَلاَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبَا مِنْ مَرَقِهَا (١) .
وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِأَنَّهُ دَمُ النُّسُكِ، فَيَجُوزُ مِنْهُ الأَْكْل كَالأُْضْحِيَةِ.
وَبِهَذَا يَقُول الْمَالِكِيَّةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هَدْيُ التَّطَوُّعِ مُعَيَّنًا، أَمَّا إِذَا نَوَى الْمُهْدِي الْهَدْيَ لِلْمَسَاكِينِ أَوْ سَمَّاهُ لَهُمْ - عَيَّنَ أَمْ لاَ - فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الأَْكْل مِنْهُ (٢) .
ثَانِيًا: الْهَدْيُ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ:
أ - هَدْيُ التَّطَوُّعِ:
٢٩ - صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِأَنَّهُ إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ وَلَمْ يَبْلُغِ الْحَرَمَ نَحَرَهُ فِي مَوْضِعِهِ وَصَبَغَ نَعْلَهُ بِدَمِهِ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُلُهُ الْفَقِيرُ، وَلاَ يَأْكُل الْمُهْدِي مِنْهُ، وَصَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لِلأَْغْنِيَاءِ الأَْكْل مِنْهُ كَذَلِكَ، وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ لاَ يَجُوزُ
_________
(١) حَدِيث: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَحَرَ ثَلاَثًا وَسِتِّينَ بَدَنَة بِيَدِهِ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٨٩٢ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ جَابِر بْن عَبْد اللَّه.
(٢) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ٧٦، والحاوي ٥ / ٢٥٢، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٩، والشرح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٩.
لِرُفْقَةِ الْمُهْدِي الأَْكْل مِنَ الْهَدْيِ إِذَا عَطِبَ. وَاخْتَارَ فِي التَّبْصِرَةِ إِبَاحَةَ الأَْكْل مِنْهُ لِرَفِيقِ الْمُهْدِي الْفَقِيرِ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ إِذَا عَطِبَ هَدْيُ التَّطَوُّعِ فِي الطَّرِيقِ فَعَل بِهِ الْمُهْدِي مَا شَاءَ مِنْ بَيْعٍ أَوْ أَكْلٍ وَغَيْرِهِمَا (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ هَدْيَ التَّطَوُّعِ إِذَا نَوَاهُ الْمُهْدِي لِلْمَسَاكِينِ أَوْ سَمَّاهُ لَهُمْ سَوَاءٌ أَعَيَّنَ أَمْ لاَ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ لِلْمُهْدِي الأَْكْل بَلَغَ مَحِلَّهُ أَمْ لاَ وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ يَجُوزُ الأَْكْل مِنْهُ (٣) .
ب - الْهَدْيُ الْوَاجِبُ: ٣٠ - لاَ يَنْبَغِي لِلْمُهْدِي أَنْ يَصْرِفَ شَيْئًا مِنْ عَيْنِ الْهَدْيِ أَوْ مِنْ مَنَافِعِهِ إِلَى نَفْسِهِ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ (٤) .
أَمَّا إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الطَّرِيقِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَكْل الْمُهْدِي مِنْهُ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ أَقَامَ الْمُهْدِي غَيْرَهُ مَقَامَهُ وَصَنَعَ بِهِ مَا
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ٧٦، والإنصاف ٤ / ٩٧ - ٩٨، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٥.
(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٩٠.
(٣) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٩.
(٤) فَتْح الْقَدِير ٣ / ١٦٥.
شَاءَ لأَِنَّهُ لَمْ يَبْقَ صَالِحًا لِمَا عَيَّنَهُ، وَهُوَ مِلْكُهُ كَسَائِرِ أَمْلاَكِهِ (١) .
وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ الأَْكْل مِنْ هَدْيٍ وَاجِبٍ لِنَقْصٍ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ مِنْ تَرْكٍ وَاجِبٍ أَوْ فَسَادٍ أَوْ فَوَاتٍ أَوْ تَعَدِّي مِيقَاتٍ أَوْ مُتْعَةٍ أَوْ قِرَانٍ أَوْ نَذْرٍ لَمْ يُعَيَّنْ بَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ أَوْ لاَ (٢) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ عَطِبَ الْهَدْيُ الْوَاجِبُ فِي الطَّرِيقِ قَبْل مَحِلِّهِ أَوْ عَجَزَ عَنِ الْمَشْيِ إِلَى مَحِلِّهِ لَزِمَ الْمُهْدِيَ نَحْرُهُ مَوْضِعَهُ مُجَزِّئًا، وَصَبَغَ نَعْل الْهَدْيِ الَّتِي فِي عُنُقِهِ فِي دَمِهِ وَضَرَبَ بِهِ صَفْحَتَهُ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ، وَيَحْرُمُ عَلَى الْمُهْدِي وَعَلَى خَاصَّةِ رُفْقَتِهِ الأَْكْل مِنَ الْهَدْيِ الْعَاطِبِ - وَلَوْ كَانُوا فُقَرَاءَ - مَا لَمْ يَبْلُغْ مَحِلَّهُ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ إِنَّ ذُؤَيْبًا أَبَا قَبِيصَةَ حَدَّثَهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبُدْنِ ثُمَّ يَقُول: إِنْ عَطِبَ مِنْهَا شَيْءٌ فَخَشِيتَ عَلَيْهِ مَوْتًا فَانْحَرْهَا ثُمَّ اغْمِسْ نَعْلَهَا فِي دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، وَلاَ تَطْعَمْهَا أَنْتَ وَلاَ أَحَدٌ مِنْ أَهْل رُفْقَتِكَ (٣) .
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٣ / ١٦٧.
(٢) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ٣ / ٨٩.
(٣) حَدِيث:، " ذُؤَيْب أَبِي قَبِيصَةَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَ يَبْعَثُ مَعَهُ بِالْبَدَنِ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩٦٣ ط الْحَلَبِيّ) .
وَاسْتَثْنَى الْحَنَابِلَةُ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ دَمَ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ حَيْثُ أَجَازُوا الأَْكْل مِنْهُمَا، جَاءَ فِي الإِْنْصَافِ: وَلاَ يَأْكُل مِنْ وَاجِبٍ إِلاَّ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ، هَذَا الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَغَيْرِهِ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ: أَنَّهُ لاَ يَأْكُل إِلاَّ مِنْ دَمِ الْمُتْعَةِ فَقَطْ.
وَقَال الآْجُرِّيُّ: لاَ يَأْكُل مِنْ هَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ أَيْضًا.
وَعَنْ أَحْمَدَ: يَأْكُل مِنَ الْكُل إِلاَّ مِنَ النَّذْرِ - وَجَزَاءُ الصَّيْدِ. وَأَلْحَقَ ابْنُ أَبِي مُوسَى بِهِمَا الْكَفَّارَةَ، وَجَوَّزَ الأَْكْل مِمَّا عَدَا ذَلِكَ (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا عَطِبَ الْهَدْيُ فِي الطَّرِيقِ وَكَانَ وَاجِبًا لَزِمَهُ ذَبْحُهُ. فَلَوْ تَرَكَهُ حَتَّى هَلَكَ ضَمِنَهُ، وَإِذَا ذَبَحَهُ غَمَسَ النَّعْل الَّتِي قَلَّدَهُ فِي دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا سِنَامَهُ، وَتَرَكَهُ لِيَعْلَمَ مَنْ مَرَّ بِهِ أَنَّهُ هَدْيٌ فَيَأْكُل مِنْهُ، وَصَارَ لِلْمَسَاكِينِ، وَلاَ يَجُوزُ لِلْمُهْدِي وَلاَ لأَِغْنِيَاءِ الرُّفْقَةِ الأَْكْل مِنْهُ قَطْعًا، وَلاَ لِفُقَرَاءِ الرُّفْقَةِ عَلَى الصَّحِيحِ (٢) .
_________
(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ١٥، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٤٨٣ - ٤٨٤، والإنصاف ٤ / ١٠٤.
(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٩٠ - ١٩١.