الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
سَوْقُ الْهَدْيِ: ١٢ - سَوْقُ الْهَدْيِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ وَمَعَالِمِ النُّسُكِ، وَمِنْ أَحْكَامِهِ مَا يَلِي:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَجِبُ الذَّهَابُ بِالْهَدْيِ إِلَى عَرَفَةَ وَلاَ التَّشْهِيرُ بِالتَّقْلِيدِ لأَِنَّ الْهَدْيَ يُنْبِئُ عَنِ النَّقْل إِلَى مَكَانٍ لِيَتَقَرَّبَ بِإِرَاقَةِ دَمِهِ فِيهِ، لاَ عَنِ الذَّهَابِ بِهِ إِلَى عَرَفَةَ، فَلاَ يَجِبُ.
فَإِنْ ذَهَبَ إِلَى عَرَفَاتٍ بِهَدْيِ الْمُتْعَةِ وَالْقِرَانِ فَحَسَنٌ؛ لأَِنَّهُ يَتَوَقَّتُ بِيَوْمِ النَّحْرِ، فَعَسَى أَلاَّ يَجِدَ مَنْ يُمْسِكُهُ فَيَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُعَرِّفَ بِهِ، وَلأَِنَّهُ دَمُ نُسُكٍ فَيَكُونُ مَبْنَاهُ عَلَى التَّشْهِيرِ تَحْقِيقًا لِمَعْنَى الشَّعَائِرِ، بِخِلاَفِ دِمَاءِ الْكَفَّارَاتِ لأَِنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ، وَسَبَبُهَا الْجِنَايَةُ فَيَلِيقُ بِهَا السَّتْرُ، وَيَجُوزُ ذَبْحُهَا قَبْل يَوْمِ النَّحْرِ فَلاَ حَاجَةَ إِلَى التَّعْرِيفِ بِهَا (١) .
وَيَشْتَرِطُ الْمَالِكِيَّةُ لِصِحَّةِ الْهَدْيِ أَنْ يَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ حِلٍّ وَحَرَمٍ، فَلاَ يُجْزِئُ مَا اشْتَرَاهُ بِمِنًى أَيَّامَ النَّحْرِ وَذَبَحَهُ بِهَا، بِخِلاَفِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْ عَرَفَةَ لأَِنَّهَا مِنَ الْحِل، فَإِنِ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ فَلاَ بُدَّ أَنْ يَخْرُجَ بِهِ لِلْحِل؛ عَرَفَةَ أَوْ غَيْرِهَا، سَوَاءٌ
_________
(١) فَتْح الْقَدِير ٣ / ٨١، وتبيين الْحَقَائِق ٢ / ٩٠، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ١ / ٢٦٢.
خَرَجَ بِهِ هُوَ أَوْ نَائِبُهُ مُحْرِمًا أَمْ لاَ، كَانَ الْهَدْيُ وَاجِبًا أَوْ تَطَوُّعًا (١) .
وَقَال ابْنُ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: لاَ هَدْيَ إِلاَّ مَا أُحْضِرَ عَرَفَاتٍ (٢) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ: إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْحَاجِّ أَنْ يَسُوقَ هَدْيَهُ مِنْ بَلَدِهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل فَشِرَاؤُهُ مِنَ الطَّرِيقِ أَفْضَل مِنْ شِرَائِهِ مِنْ مَكَّةَ، ثُمَّ مِنْ مَكَّةَ ثُمَّ مِنْ عَرَفَاتٍ، فَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ أَصْلًا بَل اشْتَرَاهُ مِنْ مِنًى جَازَ وَحَصَل أَصْل الْهَدْيِ. وَبِهِ قَال ابْنُ عَبَّاسٍ (٣) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ مِنَ الْحِل مَسْنُونٌ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَعَلَهُ، فَسَاقَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مِائَةَ بَدَنَةٍ (٤)، وَكَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيِهِ إِلَى الْحَرَمِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ (٥) .
وَلاَ يَجِبُ سَوْقُ الْهَدْيِ إِلاَّ بِالنَّذْرِ لأَِنَّهُ ﷺ لَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَالأَْصْل عَدَمُ الْوُجُوبِ.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ الْهَدْيُ بِعَرَفَةَ، وَيُسَنُّ أَنْ
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير ٢ / ٤٤٨.
(٢) الْمَجْمُوع ٨ / ٣٥٧.
(٣) الْمَجْمُوع ٨ / ٣٥٧ طَبْعَة دَار الْفِكْرِ.
(٤) سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٤.
(٥) حَدِيث: " أَنَّ الرَّسُول ﷺ كَانَ يَبْعَثُ بِهَدْيهِ إِلَى الْحَرَمِ وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٥٤٣ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٩٥٧ - ط الْحَلَبِيّ) .
يَجْمَعَ فِي الْهَدْيِ بَيْنَ الْحِل وَالْحَرَمِ، فَلَوِ اشْتَرَاهُ فِي الْحَرَمِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ إِلَى عَرَفَةَ وَذَبَحَهُ كَفَاهُ (١) .
تَقْلِيدُ الْهَدْيِ:
١٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسَنُّ وَضْعُ الْقِلاَدَةِ لِلإِْبِل وَالْبَقَرِ، لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، ثُمَّ دَعَا بِنَاقَتِهِ فَأَشْعَرَهَا فِي صَفْحَةِ سَنَامِهَا الأَْيْمَنِ، وَسَلَتَ الدَّمَ، وَقَلَّدَهَا نَعْلَيْنِ (٢) .
وَاخْتَلَفُوا فِي تَقْلِيدِ الْغَنَمِ، وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (تَقْلِيد ف ٣ - ٨) .
إِشْعَارُ الْهَدْيِ: ١٤ - الإِْشْعَارُ فِي اللُّغَةِ: الإِْعْلاَمُ وَصِفَةُ الإِْشْعَارِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ هِيَ: أَنْ يُضْرَبَ بِالْمِبْضَعِ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الدَّمُ مِنْهُ، ثُمَّ يُلَطِّخَ بِذَلِكَ الدَّمِ سَنَامَهُ. وَسُمِّيَ ذَلِكَ إِشْعَارًا بِمَعْنَى أَنَّهُ جَعَل ذَلِكَ
_________
(١) الإِْنْصَاف ٤ / ١٠٠، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١٧ - ١٨، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٤٨٦.
(٢) حَدِيث ابْن عَبَّاسٍ: " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظَّهْر بِذِي الْحَلِيفَةِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩١٢ - ط الْحَلَبِيّ) .
عَلاَمَةً لَهُ (١) . وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ سُنِّيَّةِ إِشْعَارِ الْغَنَمِ.
أَمَّا إِشْعَارُ الإِْبِل وَالْبَقَرِ فَقَالُوا بِسُنِّيَّتِهِ، فَقَدْ صَحَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَشْعَرَ الْبُدْنَ بِيَدِهِ، قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂ " فَتَلْتُ قَلاَئِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ قَلَّدَهَا وَأَشْعَرَهَا (٢)، وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ ﵃، وَقَالُوا: الإِْشْعَارُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ إِيلاَمٌ فَهُوَ إِيلاَمٌ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، فَجَاءَ كَالْكَيِّ وَالْوَسْمِ وَالْفَصْدِ وَالْحِجَامَةِ، وَالْغَرَضُ أَنْ لاَ تُخْلَطَ بِغَيْرِهَا.
وَقَال الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ عَمَّا نُقِل مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ كَرَاهَةِ الإِْشْعَارِ: أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَكْرَهْ أَصْلًا الإِْشْعَارَ، وَكَيْفَ يَكْرَهُهُ مَعَ مَا اشْتُهِرَ فِيهِ مِنَ الأَْخْبَارِ، وَإِنَّمَا كَرِهَ إِشْعَارَ أَهْل زَمَانِهِ الَّذِي يَخَافُ مِنْهُ الْهَلاَكَ، خُصُوصًا فِي حَرِّ الْحِجَازِ، فَرَأَى الصَّوَابَ حِينَئِذٍ سَدَّ هَذَا الْبَابِ عَلَى الْعَامَّةِ، فَأَمَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى الْحَدِّ بِأَنْ قَطَعَ الْجِلْدَ دُونَ اللَّحْمِ فَلاَ بَأْسَ بِذَلِكَ، قَال الْكِرْمَانِيُّ: هَذَا هُوَ الأَْصَحُّ وَهُوَ اخْتِيَارُ
_________
(١) الْمَبْسُوط لِلسَّرْخَسِيَ ٤ / ١٣٨، والمغني ٣ / ٥٤٩، ومطالب أُولِي النُّهَى ٣ / ٤٨٦، والشرح الصَّغِير ٣ / ٥٤٩، وروضة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٨٩.
(٢) حَدِيث عَائِشَة: " فَتَلَتْ قَلاَئِد هَدْي النَّبِيِّ ﷺ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٥٤٢ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٩٥٧ - ط الْحَلَبِيّ) وَالسِّيَاق لِلْبُخَارِيِّ.
قِوَامِ الدِّينِ الْكَاكِيِّ وَابْنِ الْهُمَامِ فَهُوَ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ أَحْسَنَهُ (١) .
مَوْضِعُ الإِْشْعَارِ:
١٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوْضُوعِ الإِْشْعَارِ مِنَ السَّنَامِ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الإِْشْعَارَ يَكُونُ فِي أَحَدِ جَانِبَيْ سَنَامِ الْبَدَنَةِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ الدَّمُ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَانِبِ الأَْيْسَرِ مِنَ السَّنَامِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى فِي قَوْلٍ لَهُ أَنَّهُ يَكُونُ فِي الْجَانِبِ الأَْيْمَنِ مِنَ السَّنَامِ.
وَأَضَافَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْبَقَرَ لاَ تُشْعَرُ إِلاَّ إِذَا كَانَتْ لَهَا أَسْنِمَةٌ فَحِينَئِذٍ تُشْعَرُ كَالإِْبِل.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِنَّ مَا لاَ سَنَامَ لَهُ مِنَ الإِْبِل وَالْبَقَرِ يَشُقُّ مَحَل السَّنَامِ (٢) .
_________
(١) الْمَبْسُوط ٤ / ١٣٨، وابن عَابِدِينَ ٢ / ١٩٧، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٨٨ - ٨٩، وروضة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٨٩، والمغني ٣ / ٥٤٩، ومطالب أُولِي النُّهَى ٣ / ٤٨٦.
(٢) الْمَبْسُوط ٤ / ١٣٨، وابن عَابِدِينَ ٢ / ١٩٧، وروضة الطَّالِبِينَ ٣ / ١٨٩، ومطالب أُولِي النُّهَى ٣ / ٤٨٦، والمغني ٣ / ٥٤٩، والمجموع ٨ / ٣٦٠.
تَجْلِيل الْهَدْيِ:
١٦ - التَّجْلِيل هُوَ أَنْ يَجْعَل عَلَى الْهَدْيِ شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ بِقَدْرِ وُسْعِهِ، وَقَدْ ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَجْلِيل الْهَدْيِ، وَالتَّصَدُّقُ بِالْجُل، قَال الْحَنَفِيَّةُ إِنَّ التَّجْلِيل حَسَنٌ؛ لأَِنَّ هَدَايَا رَسُول اللَّهِ ﷺ كَانَتْ مُقَلَّدَةً مُجَلَّلَةً حَيْثُ أَمَرَ عَلِيًّا ﵁: " أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجِلاَلِهَا وَجُلُودِهَا (١)، وَإِنْ تَرَكَ التَّجْلِيل لَمْ يَضُرَّ وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ التَّجْلِيل بِالْبُدْنِ دُونَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ (٢) .
التَّصَرُّفُ فِي الْهَدْيِ قَبْل نَحْرِهِ
أَوَّلًا: الْهَدْيُ الْوَاجِبُ:
إِجَارَةُ الْهَدْيِ الْوَاجِبِ:
١٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ الْهَدَايَا، وَلاَ يَتَعَوَّضَ بِمَنَافِعِهَا بَدَلًا؛ فَلَمَّا كَانَ لَيْسَ لَهُ تَمْلِيكُ مَنَافِعِهَا بِبَدَلٍ، كَانَ كَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا؛ وَلاَ يَكُونُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِشَيْءٍ إِلاَّ شَيْءٌ لَهُ التَّعَوُّضُ بِمَنَافِعِهِ إِبْدَالًا مِنْهَا، وَقَدْ نَقَل الْقَاضِي عِيَاضٌ إِجْمَاعَ
_________
(١) حَدِيث: أَمَرَ الرَّسُول ﷺ عُلْيَا أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَلاَلِهَا وَجُلُودهَا. أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٥٥٧ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٩٥٥ - ط الْحَلَبِيّ) .
(٢) الْمَبْسُوط ٤ / ١٣٨، ومواهب الْجَلِيل لِلْحَطَّابِ ٣ / ١٩٠، والمجموع ٨ / ٢٧٤، والفروع ٣ / ٥٤٧.
الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَذَا.
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ خَالَفَ وَأَجَّرَهَا، فَرَكِبَهَا الْمُسْتَأْجِرُ فَتَلِفَتْ ضَمِنَ الْمُؤَجِّرُ قِيمَتَهَا، وَالْمُسْتَأْجِرُ الأُْجْرَةَ، وَفِي قَدْرِهَا وَجْهَانِ: أَصَحُّهُمَا أُجْرَةُ الْمِثْل، وَالثَّانِي الأَْكْثَرُ مِنْ أُجْرَةِ الْمِثْل وَالْمُسَمَّى، ثُمَّ فِي مَصْرِفِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: الْفُقَرَاءُ فَقَطْ، وَأَصَحُّهُمَا تُصْرَفُ مَصْرَفَ الضَّحَايَا (١) .
أَمَّا إِعَارَتُهُ فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِعَارَةُ الْهَدْيِ؛ لأَِنَّهَا إِرْفَاقٌ، كَمَا يَجُوزُ الاِرْتِفَاقُ بِهِ (٢) .
إِبْدَال الْهَدْيِ الْوَاجِبِ: ١٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ إِبْدَال الْهَدْيِ الْوَاجِبِ إِلَى ثَلاَثَةِ آرَاءٍ:
الرَّأْيُ الأَْوَّل: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَأَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ) إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَ بِمِثْلِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ، لأَِنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَال عَنْهُ بِالنَّذْرِ وَالتَّعْيِينِ وَعَلَيْهِ ذَبْحُهُ بِعَيْنِهِ.
_________
(١) شَرْح مَعَانِي الآْثَارِ للطحاوي ٢ / ٣٢٨، والمجموع ٨ / ٣٢٨، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٤٨١ - ٤٨٢، والمنتقى شَرْح الْمُوَطَّأ ٢ / ٣٠٩.
(٢) الْمَجْمُوع ٨ / ٣٢٨.
لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ ﵄ قَال: أَهْدَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَجِيبًا، فَأَعْطَى بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ إِنِّي أَهْدَيْتُ نَجِيبًا فَأَعْطَيْتُ بِهَا ثَلاَثَمِائَةِ دِينَارٍ، أَفَأَبِيعُهَا وَأَشْتَرِي بِثَمَنِهَا بُدْنًا؟ قَال: لاَ، انْحَرْهَا إِيَّاهَا (١) . فَلَوْ كَانَ إِبْدَالُهَا أَوْ بَيْعُهَا جَائِزًا بَعْدَ النَّذْرِ أَوِ التَّعْيِينِ عَمَّا فِي الذِّمَّةِ مِنْ دَمٍ وَاجِبٍ لأَِذِنَ فِيهِ لأَِنَّ الْبُدْنَ أَكْثَرُ لَحْمًا مِنَ النَّجِيبَةِ، وَهُوَ أَنْفَعُ لِلْمَسَاكِينِ (٢) .
الرَّأْيُ الثَّانِي: ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ بِخَيْرٍ مِنْهُ وَبَيْعُهُ لِيَشْتَرِيَ بِثَمَنِهِ خَيْرًا مِنْهُ، وَلاَ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِدُونِهِ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ فِي ذَلِكَ. وَقَال ابْنُ قُدَامَةَ: نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ أَكْثَرِ الأَْصْحَابِ، وَقَالُوا: لأَِنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ عَلَى أُصُولِهَا فِي الْفَرْضِ وَهُوَ الزَّكَاةُ يَجُوزُ فِيهَا الإِْبْدَال، كَذَلِكَ هَذَا؛ وَلأَِنَّهُ لَوْ زَال مِلْكُهُ لَمَا عَادَ إِلَيْهِ بِالْهَلاَكِ كَسَائِرِ الأَْمْلاَكِ إِذَا زَالَتْ (٣) .
_________
(١) حَدِيث ابْن عُمَر: " أُهْدِي عُمَر بْن الْخَطَّابِ نَجِيبًا ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٢ / ٣٦٥ - ط حِمْص) وَالْبَيْهَقِيّ (٥ / ٢٤١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)، وذكر ابْن التُّرْكُمَانِيِّ أَنَّ فِي إِسْنَادِهِ رَاوِيًا مَجْهُولًا.
(٢) الْحَاوِي الْكَبِير ٥ / ٤٨٥ - ٤٧٦، والمجموع ٨ / ٣٦٢ وَمَا بَعْدَهَا، والمغني ٣ / ٥٣٩، والمدونة ١ / ٣٨٥.
(٣) الْمُغْنِي ٣ / ٥٣٩.
الرَّأْيُ الثَّالِثُ: لِلْحَنَفِيَّةِ رِوَايَتَانِ فِي جَوَازِ إِبْدَال الْهَدْيِ الْمُعَيَّنِ: رِوَايَةُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَرِوَايَةُ أَبِي حَفْصٍ، فَفِي رِوَايَةِ أَبِي سُلَيْمَانَ يَجُوزُ إِبْدَال الْهَدْيِ بِقِيمَتِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ أَوْ بِمِثْلِهِ مِنْ بَابِ أَوْلَى.
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ لاَ يَجُوزُ إِبْدَالُهُ بِقِيمَتِهِ، وَيَجُوزُ إِبْدَالُهُ بِمِثْلِهِ أَوْ بِخَيْرٍ مِنْهُ بِالأَْوْلَى.
وَجْهُ الرِّوَايَةِ الأُْولَى: اعْتِبَارُ الْبَدَنَةِ بِالأَْمْرِ، ثُمَّ فِيمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ مِنَ النَّعَمِ: يَجُوزُ الْقِيمَةُ فِيهِ وَكَذَا فِي النُّذُورِ. وَوَجْهُ الثَّانِيَةِ: إِنَّ الْقُرْبَةَ تَعَلَّقَتْ بِشَيْئَيْنِ: إِرَاقَةُ الدَّمِ، وَالتَّصَدُّقُ بِاللَّحْمِ لَمْ يُوجَدْ أَحَدُهُمَا فِي الْقِيمَةِ، وَهُوَ إِرَاقَةُ الدَّمِ فَلَمْ يُجْزِئْ (١) .
الاِنْتِفَاعُ بِالْهَدْيِ وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ:
١٩ - يَجُوزُ رُكُوبُ الْهَدْيِ، إِذَا احْتَاجَ إِلَيْهِ بِلاَ ضَرَرٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ يُكْرَهُ رُكُوبُهَا فِي غَيْرِ ضَرُورَةٍ لِحَدِيثِ جَابِرٍ ﵁ قَال: " سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا حَتَّى
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٢٢٤ - ٢٢٥، والمبسوط ٤ / ١٤٦ - ١٤٧، وحاشية الطحطاوي عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٢ / ٥٥٥.
تَجِدَ ظَهْرًا (١) فَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ حَاجَةٌ لِرُكُوبِهَا فَإِنَّهُ يَحْرُمُ الرُّكُوبُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: يَجُوزُ الرُّكُوبُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ. أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَال: ارْكَبْهَا فَقَال لَهُ: يَا رَسُول اللَّهِ إِنَّهَا بَدَنَةٌ قَال: ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ، فِي الثَّانِيَةِ أَوْ فِي الثَّالِثَةِ (٢) .
فَإِنْ رَكِبَهَا بِسَبَبِ مَا ذُكِرَ فَانْتَقَصَتْ بِهِ، ضَمِنَ قِيمَةَ النُّقْصَانِ، وَيَتَصَدَّقُ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لأَِنَّهُ صَرَفَ جُزْءًا مِنْهَا إِلَى حَاجَتِهِ (٣) .
حُكْمُ شُرْبِ لَبَنِ الْهَدْيِ:
٢٠ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُهْدِيَ لاَ يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ الْهَدْيِ إِلاَّ مَا فَضَل عَنْ وَلَدِهَا وَلَمْ يَضُرَّهَا وَلاَ يُنْقِصْ لَحْمَهَا، لأَِنَّهُ انْتِفَاعٌ لاَ يَضُرُّهَا وَلاَ وَلَدَهَا.
_________
(١) حَدِيث: " ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إِذَا إلجئت إِلَيْهَا. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩٦١ - ط الْحَلَبِيّ) .
(٢) حَدِيث: " أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَة. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٥٣٦ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ٩٦٠ - ط الْحَلَبِيّ) وَالسِّيَاق لِمُسْلِم.
(٣) الْمَبْسُوط ٤ / ١٤٤ - ١٤٥، والدسوقي ٢ / ٩٢، والمجموع ٨ / ٢٧٨، والمغني ٣ / ٤٥٠.