الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 42

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

لَهُمُ الْمُوَادَعَةُ سَنَةً كَامِلَةً وَجَبَ رَدُّ الْمَال كُلِّهِ إِلَيْهِمْ، وَهَذَا لأَِنَّهُمْ رُبَّمَا يَكُونُ خَوْفُهُمْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ دُونَ بَعْضٍ، قَدْ يَأْمَنُونَ مَثَلًا الشِّتَاءَ أَنْ يَأْتِيَهُمُ الْعَدُوُّ دُونَ الصَّيْفِ وَيَخَافُونَ ذَلِكَ فِي الصَّيْفِ، فَإِذَا نَبَذَ الْعَهْدَ إِلَيْهِمْ فِي وَقْتِ خَوْفِهِمْ وَمَنَعَ مِنْهُمْ بَعْضَ الْمَال لَمْ يَحْصُل لَهُمْ شَيْءٌ مِنْ مَقْصُودِهِمْ بِهَذَا الشَّرْطِ، وَذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى الْغُرُورِ فَيَرُدُّ الْمَال كُلَّهُ إِنْ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ قَبْل مُضِيِّ الْمُدَّةِ.

وَإِنْ كَانُوا وَادَعُوهُ ثَلاَثَ سِنِينَ كُل سَنَةٍ بِأَلْفِ دِينَارٍ وَقُبِضَ الْمَال كُلُّهُ، ثُمَّ أَرَادَ الإِْمَامُ نَقْضَ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ سَنَةٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْهِمُ الثُّلُثَيْنِ لأَِنَّ الْمُوَادَعَةَ كَانَتْ هُنَا بِحَرْفِ " الْبَاءِ " وَهُوَ يَصْحَبُ الأَْعْوَاضَ فَيَكُونُ الْمَال عِوَضًا فَيَنْقَسِمُ عَلَى الْمُعَوَّضِ بِاعْتِبَارِ الأَْجْزَاءِ (١) .

الشَّرْطُ الثَّانِي: الْمَصْلَحَةُ:

٦ - يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ، وَلاَ يَكْفِي انْتِفَاءُ الْمَفْسَدَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ مُوَادَعَتِهِمْ بِلاَ مَصْلَحَةٍ وَلاَ حَاجَةَ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٢)﴾ .

_________

(١) السِّيَر الْكَبِير لِمُحَمَّد بْن الْحَسَن ٢ / ٥٨٢، وَمَا بَعْدَهَا

(٢) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / ٣٥

وَالْمَصْلَحَةُ الْمُبِيحَةُ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ هِيَ كُل مَا يُحَقِّقُ لِلْمُسْلِمِينَ غَرَضًا مَقْصُودًا شَرْعًا، بِأَنْ يَكُونَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ مِنْ قِلَّةِ عَدَدٍ أَوْ عُدَّةٍ أَوْ مَالٍ، وَالْعَدُوُّ قَوِيٌّ، أَوْ بِالْمُسْلِمِينَ قُوَّةٌ وَفِي الْمُوَادَعَةِ مَصْلَحَةٌ مِنْ نَوْعٍ آخَرَ: بِأَنْ يُرْجَى إِسْلاَمُهُمْ بِالْمُوَادَعَةِ بِاخْتِلاَطِهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ، أَوْ يُطْمَعَ فِي قَبُولِهِمْ بَذْل الْجِزْيَةِ، أَوْ يَكُفُّوا عَنْ مَعُونَةِ عَدُوٍّ ذِي شَوْكَةٍ، أَوْ يُعِينُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَال غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، فَإِنْ لَمْ تَدْعُ إِلَى عَقْدِهَا حَاجَةٌ فَلاَ يَجُوزُ عَقْدُهَا بِالاِتِّفَاقِ (١) .

الشَّرْطُ الثَّالِثُ: تَعْيِينُ مُدَّةِ الْهُدْنَةِ:

٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ تَحْدِيدِ مُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ لِصِحَّةِ الْهُدْنَةِ:

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهَا لاَ تَنْعَقِدُ مُطْلَقَةً؛ لأَِنَّ إِطْلاَقَهَا بِلاَ تَحْدِيدِ مُدَّتِهَا يُؤَدِّي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ (٢) .

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ١٠٨، وفتح الْقَدِير ٥ / ٤٠٤، والبحر الرَّائِق ٥ / ٨٥، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٥، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠ - ٢٦١، والدسوقي ٢ / ٢٠٦، والمغني ٨ / ٤٥٩، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٥١٢

(٢) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، مغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، والمغني ٨ / ٤١٠

وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ: فَقَال الْمَالِكِيَّةُ لاَ حَدَّ وَاجِبٌ لِمُدَّةِ الْهُدْنَةِ بَل هِيَ عَلَى حَسَبِ اجْتِهَادِ الإِْمَامِ وَرَأْيِهِ؛ إِذْ شَرْطُهَا أَنْ تَكُونَ فِي مُدَّةٍ بِعَيْنِهَا لاَ عَلَى التَّأْبِيدِ وَلاَ عَلَى الإِْبْهَامِ، ثُمَّ تِلْكَ الْمُدَّةُ لاَ حَدَّ لَهَا بَل يُعَيِّنُهَا الإِْمَامُ بِاجْتِهَادِهِ.

لَكِنْ يُنْدَبُ أَنْ لاَ تَزِيدَ الْمُدَّةُ عَنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ لاِحْتِمَال حُصُول قُوَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا لِلْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا إِذَا اسْتَوَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي تِلْكَ الْمُدَّةِ وَغَيْرِهَا وَإِلاَّ تَعَيَّنَ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ (١) .

وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهَا تَوْقِيفِيَّةٌ، فَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُونَ بِقُوَّةٍ وَكَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي عَقْدِهَا رَجَاءَ إِسْلاَمِهِمْ أَوْ بَذْلِهِمُ الْجِزْيَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ، غَيْرَ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ.

وَهِيَ عَشْرُ سِنِينَ وَمَا دُونَهَا إِنْ كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ عَامَ الْفَتْحِ رَجَاءَ إِسْلاَمِهِ وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي قُوَّةٍ، وَهَادَنَ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَكَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ.

وَقَالُوا: إِنْ زَادَ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَعَلَى الْعَشْرِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ لأَِنَّهَا مَخْصُوصَةٌ عَنْ حَظْرٍ فَوَجَبَ

_________

(١) حَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦

الاِقْتِصَارُ عَلَى مُدَّةِ الاِسْتِثْنَاءِ وَالتَّخْصِيصِ؛ لأَِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ عَامٌّ خُصَّ مِنْهُ مُدَّةُ الأَْرْبَعَةِ الأَْشْهُرِ وَمُدَّةُ الْعَشْرِ سِنِينَ، لِمُصَالَحَةِ النَّبِيِّ ﷺ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَقُرَيْشًا عَشْرَ سِنِينَ، وَفِيمَا زَادَ يَبْقَى عَلَى مُقْتَضَى الْعُمُومِ. فَعَلَيْهِ إِنْ زَادَ الإِْمَامُ الْمُدَّةَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فِي الْحَالَةِ الأُْولَى، وَعَلَى الْعَشْرِ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ بَطَل الْعَقْدُ فِي الزَّائِدِ، وَفِي بُطْلاَنِهَا عَلَى الْجَائِزِ قَوْلًا: تَفْرِيقُ الصَّفْقَةِ فِي عَقْدِهَا؛ لأَِنَّهُ جَمَعَ فِي الْعَقْدِ الْوَاحِدِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِ، وَمَا لاَ يَجُوزُ عَلَيْهِ، أَظْهَرُهُمَا الْمَنْصُوصُ: يَبْطُل بِالزَّائِدِ فَقَطْ، تَفْرِيقًا لِلصَّفْقَةِ، وَالْقَوْل الآْخَرُ: يَبْطُل الْعَقْدُ كُلُّهُ (١) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ مَتَى رَأَى الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ الْمَصْلَحَةَ فِي عَقْدِهَا لِضَعْفٍ فِي الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْقِتَال، أَوْ لِمَشَقَّةِ الْغَزْوِ أَوْ لِطَمَعِهِ فِي إِسْلاَمِهِمْ، أَوْ فِي أَدَائِهِمُ الْجِزْيَةَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ جَازَ لَهُ عَقْدُهَا مُدَّةً مَعْلُومَةً؛ لأَِنَّ مَا وَجَبَ تَقْدِيرُهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا كَخِيَارِ الشَّرْطِ وَلَوْ فَوْقَ عَشْرِ سِنِينَ؛ لأَِنَّهَا تَجُوزُ فِي أَقَل مِنْ عَشْرٍ، فَجَازَتْ فِي أَكْثَرَ مِنْهَا كَمُدَّةِ الإِْجَارَةِ، وَلأَِنَّهُ إِنَّمَا جَازَ عَقْدُهَا

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٥، والحاوي الْكَبِير ١٨ / ٤٠٦

لِلْمَصْلَحَةِ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ تَحْصِيلًا لِلْمَصْلَحَةِ. وَإِنْ هَادَنَهُمْ مُطْلَقًا بِأَنْ لَمْ يُقَيِّدْ بِمُدَّةٍ لَمْ يَصِحَّ؛ لأَِنَّ الإِْطْلاَقَ يَقْتَضِي التَّأْيِيدَ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى تَرْكِ الْجِهَادِ بِالْكُلِّيَّةِ وَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ (١) .

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ عَقْدَ الْمُوَادَعَةِ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُطْلَقًا عَنِ الْمُدَّةِ، وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مُؤَقَّتًا بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ، فَإِذَا رَأَى الإِْمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَهْل الْحَرْبِ أَوْ فَرِيقًا مِنْهُمْ وَكَانَ فِي ذَلِكَ الصُّلْحِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَلاَ بَأْسَ بِهِ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّل عَلَى اللَّهِ (٢)﴾ وَالآْيَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَكِنْ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَقْيِيدِهَا بِرُؤْيَةِ مَصْلَحَةٍ لِلْمُسْلِمِينَ فِي ذَلِكَ بِآيَةٍ أُخْرَى هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ (٣)﴾ وَوَادَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَهْل مَكَّةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَضَعَ الْحَرْبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ، وَلاَ يَقْتَصِرَ جَوَازُ الْمُوَادَعَةِ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ لِتَعَدِّي الْمَعْنَى - وَهُوَ حَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ - أَوْ ثُبُوتِ مَصْلَحَتِهِمْ وَدَفْعِ الشَّرِّ عَنْهُمْ إِلَى مَا زَادَ عَلَيْهَا؛ لأَِنَّ مُدَّةَ الْمُوَادَعَةِ تَدُورُ مَعَ

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ١١٢، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ١٢٥،١٢٦

(٢) سُورَةُ الأَْنْفَال / ٦١

(٣) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / ٣٥

الْمَصْلَحَةِ، وَهِيَ قَدْ تَزِيدُ وَتَنْقُصُ (١) .

الشَّرْطُ الرَّابِعُ: خُلُوُّ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَنْ شَرْطٍ فَاسِدٍ:

٨ - لاَ يَجُوزُ لِلإِْمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عَلَى شُرُوطٍ مَحْظُورَةٍ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا: كَأَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى خَرَاجٍ يَضْرِبُونَهُ عَلَى بِلاَدِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ الإِْمَامُ إِلَيْهِمْ أَوْ عَلَى رَدِّ مَا غَنِمَ مِنْ سَبِّيِ ذَرَارِيهِمْ؛ لأَِنَّهَا أَمْوَالٌ مَغْنُومَةٌ، أَوْ عَلَى دُخُول الْحَرَمِ أَوِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ، أَوْ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال أَبَدًا. أَوْ عَلَى أَلاَّ يَسْتَنْقِذَ أَسْرَانَا مِنْهُمْ، فَهَذِهِ وَمَا شَاكَلَهَا شُرُوطٌ مَحْظُورَةٌ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا فَلاَ يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ، فَإِنْ شَرَطَ بَطَلَتِ الشُّرُوطُ وَعَلَى الإِْمَامِ نَقْضُهَا (٢)، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَْعْلَوْنَ (٣)﴾ وَلِقَوْل عُمَرَ ﵁: تُرَدُّ النَّاسُ مِنَ الْجَهَالاَتِ إِلَى السُّنَّةِ (٤) .

_________

(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٣ / ٢٤٥، والبحر الرَّائِق ٥ / ٨٥، وفتح الْقَدِير ٥ / ٣٧١

(٢) الْبَدَائِع ٧ / ١٠٩، والبحر الرَّائِق ٥ / ٨٥، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٦ - ٣٠٧، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠ - ٢٦١، والمغني ٨ / ٤٦٠ - ٤٦١

(٣) سُورَةُ مُحَمَّدٍ / ٣٥

(٤) قَوْل عُمَر ﵁: " تَرُدُّ النَّاسَ مِنَ الْجَهَالاَتِ. . . " أَوْرَدَهُ السُّيُوطِيُّ فِي مِفْتَاحِ الْجَنَّةِ (ص ٨٨ - ط الرَّيَّان) وَعَزَاهُ إِلَى الْبَيْهَقِيّ فِي الْمَدْخَل إِلَى السُّنَنِ

٩ - مِنْ أَمْثِلَةِ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ اشْتِرَاطُ رَدِّ مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنَ الْكُفَّارِ.

فَإِنْ شَرَطَ عَدَمَ الرَّدِّ أَوْ أَطْلَقَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِي عِقْدِ الْهُدْنَةِ رَدًّا وَلاَ عَدَمَهُ أَوْ خَصَّ بِالنِّسَاءِ فَلاَ رَدَّ بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ خَصَّ الرَّدَّ بِالرِّجَال، أَوْ ذَكَرَ الرَّدَّ وَلَمْ يُخَصَّصْ بِنَوْعٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الرَّدِّ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ إِنْ شَرَطَ فِي عَقْدِ الصُّلْحِ رَدَّ مَنْ جَاءَ مُسْلِمًا مِنْهُمْ عَلَيْهِمْ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ، وَقَالُوا: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (١)﴾ هُوَ دَلِيل النَّسْخِ فِي حَقِّ الرِّجَال أَيْضًا، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ، بَل مَفْسَدَةُ رَدِّ الْمُسْلِمِ إِلَيْهِمْ أَكْبَرُ، وَلاَ يَغْرَمُ لأَِزْوَاجِ الْمُسْلِمَاتِ مَا أَنْفَقُوا مِنْ مُهُورِهِنَّ، وَحِينَ شَرَعَ الرَّدَّ كَانَ فِي قَوْمٍ لاَ يُبَالِغُونَ فِي تَعْذِيبِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ؛ لأَِنَّ كُل قَبِيلَةٍ لاَ تَتَعَرَّضُ لِمَنْ فَعَل ذَلِكَ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى؛ وَإِنَّمَا تَتَوَلَّى رَدْعَهُ عَشِيرَتُهُ وَهُمْ لاَ يَبْلُغُونَ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنَ الْقَيْدِ وَالسَّبِّ وَالإِْهَانَةِ.

_________

(١) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / ١٠

وَكَانَ بِمَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ جَمَاعَةٌ أَسْلَمُوا مِثْل أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ إِلَى سَبْعِينَ رَجُلًا وَلَمْ يَبْلُغْ فِيهِمُ الْمُشْرِكُونَ النِّكَايَةَ لِعَشِيرَتِهِمْ، وَالأَْمْرُ الآْنَ عَلَى خِلاَفِ ذَلِكَ (١) .

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَطْلُبُهُ - إِلَى أَنَّهُ عَلَى الإِْمَامِ أَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِالشَّرْطِ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّجَال (٢)؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَالَحَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَنْ يَرُدَّ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُ أَبُو جَنْدَل بْنُ سُهَيْلٍ، فَقَال سُهَيْل بْنُ عَمْرٍو: هَذَا يَا مُحَمَّدُ أَوَّل مَنْ أُقَاضِيكَ أَنْ تَرُدَّهُ عَلَيَّ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ لأَِبِي جَنْدَلٍ: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ، اصْبِرْ وَاحْتَسِبْ، فَإِنَّا لاَ نَغْدِرُ، وَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (٣) . ثُمَّ جَاءَ أَبُو بَصِيرٍ

_________

(١) فَتْح الْقَدِير ٥ / ٢٠٨ - ٢٠٩، ومواهب الْجَلِيل وَالتَّاج وَالإِْكْلِيل ٣ / ٣٨٦ - ٣٨٧، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، وعقد الْجَوَاهِر الثَّمِينَة ١ / ٤٩٨

(٢) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤١٦، والجامع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ ١٨ / ٥٤. وَالْمُغْنِي ٨ / ٤٦٥، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٣ - ٢٦٤، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ٣٨٦، والإنصاف ٤ / ٢١٣ - ٢١٤

(٣) حَدِيث: " صَالِح النَّبِيِّ ﷺ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةَ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٣٢٩، ٣٣٠ - ط السَّلَفِيَّة) . وقوله ﷺ لأَِبِي جَنْدَل: " يَا أَبَا جَنْدَلٍ اصْبِرْ واحستب. . . " أَخْرَجَهُ ابْن إِسْحَاق فِي سِيرَتِهِ كَمَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (٥ / ٣٤٥ - ط السَّلَفِيَّة)

فَرَدَّهُ (١) . ثُمَّ جَاءَتْ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ فَجَاءَ أَخَوَاهَا فِي طَلَبِهَا: عُمَارَةُ وَوَلِيدٌ ابْنَا عُقْبَةَ (٢)، وَجَاءَتْ سَعِيدَةُ زَوْجَةُ الصَّيْفِيِّ الرَّاهِبِ الْمُشْرِكِ مَسْلَمَةً فَجَاءَ فِي طَلَبِهَا زَوْجُهَا، قَالُوا: يَا مُحَمَّدُ قَدْ شَرَطْتَ لَنَا رَدَّ النِّسَاءِ وَطِينُ الْكِتَابِ لَمْ يَجِفَّ بَعْدُ فَارْدُدْ عَلَيْنَا نِسَاءَنَا فَتَوَقَّفَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ رَدِّهِنَّ تَوَقُّعًا لأَِمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِنَّ حَتَّى نَزَل قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لاَ هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلاَ هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٣)﴾ .

_________

(١) حَدِيث: " رَدَّ الرَّسُول ﷺ لأَِبِي بَصِيرٍ. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٣٣٢ - ط السَّلَفِيَّة)، مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكْم

(٢) حَدِيث: " مَجِيء أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٣٢٩ - ط السَّلَفِيَّة)، مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكم

(٣) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / ١٠ - ١١

فَامْتَنَعَ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَئِذٍ مِنْ رَدِّهِنَّ، وَمِنْ رَدِّ النِّسَاءِ كُلِّهِنَّ، وَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُّلْحَ بِالنِّسَاءِ (١) .

وَتُفَارِقُ الْمَرْأَةُ الرَّجُل فِي ثَلاَثِ أُمُورٍ:

أَحَدُهَا: أَنَّهَا لاَ تَأْمَنُ أَنْ تَتَزَوَّجَ كَافِرًا يَسْتَحِلُّهَا، أَوْ يُكْرِهُهَا مَنْ يَنَال مِنْهَا.

الثَّانِي: إِنَّهَا رُبَّمَا فُتِنَتْ عَنْ دِينِهَا؛ لأَِنَّهَا أَضْعَفُ قَلْبًا وَأَقَل مَعْرِفَةً مِنَ الرَّجُل.

الثَّالِثُ: إِنَّ الْمَرْأَةَ لاَ يُمْكِنُهَا عَادَةً الْهَرَبُ وَالتَّخَلُّصُ، وَإِنَّ النِّسَاءَ ذَوَاتِ الأَْزْوَاجِ يُحَرَّمْنَ عَلَى أَزْوَاجِهِنَّ بِالإِْسْلاَمِ وَلاَ يَقْدِرْنَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْهُمْ، فَلِهَذَا وَقَعَ الْفَرْقُ فِي الرَّدِّ بَيْنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ. فَإِنْ شَرَطَ رَدَّ النِّسَاءِ فِي الْعَقْدِ فَسَدَ الشَّرْطُ قَطْعًا سَوَاءٌ كَانَ لَهَا عَشِيرَةٌ أَمْ لاَ؛ لأَِنَّهُ أَحَل حَرَامًا. وَكَذَا الْعَقْدُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَوَجْهٌ عَنِ الْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَوَجْهٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ يَصِحُّ الْعَقْدُ (٢) .

_________

(١) حَدِيث: مَجِيءُ سَعِيدَةِ زَوْجَةٍ الصَّيْفِيّ الرَّاهِب وَنُزُول الآْيَةِ. . . ذَكَرَهُ ابْن حَجَرٍ فِي الإِْصَابَةِ (٧ / ٧٠٠ - نَشْر دَار الْجِيل)، ثُمَّ قَال: ذَكَرَ ذَلِكَ مُقَاتِل بْن حَيَّانِ فِي تَفْسِيرِهِ. وَأَخْرَجَهَا أَبُو مُوسَى

(٢) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤١٢ - ٤١٣، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٢، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٨، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، والجامع لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ لِلْقُرْطُبِيِّ ١٨ / ٥٥ وَمَا بَعْدَهَا، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ٣٨٧، والمغني ٨ / ٤٦٦ وَمَا بَعْدَهَا، والإنصاف ٤ / ٢١٤