الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 41

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

الآْثَارُ الْمُتَرَتِّبَةُ عَلَى الْهَدْمِ الْحَقِيقِيِّ:

٥ - قَدْ يَكُونُ الْهَدْمُ سَبَبًا لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَذَلِكَ فِي صُوَرٍ نَذْكُرُ مِنْهَا مَا يَلِي:

الصُّورَةُ الأُْولَى: إِذَا هَدَمَ إِنْسَانٌ حَائِطَ مَسْجِدٍ وَجَبَ عَلَيْهِ تَسْوِيَتُهُ وَإِصْلاَحُهُ (١) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا هَدَمَ الْمُشْتَرِي شَيْئًا مِنَ الدَّارِ مَحَل الشِّرَاءِ كَانَ إِمْضَاءً لِلْبَيْعِ (٢) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا هَدَمَ بَيْتًا مُصَوَّرًا بِالأَْصْبَاغِ بِصُوَرِ التَّمَاثِيل ضِمْنَ قِيمَتَهُ وَقِيمَةَ أَصْبَاغِهِ غَيْرَ مُصَوَّرٍ؛ لأَِنَّ التَّمَاثِيل فِي الْبَيْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهَا (٣) .

ثَانِيًا: الْهَدْمُ الْحُكْمِيُّ:

٦ - مِنْ صُوَرِ الْهَدْمِ الْحُكْمِيِّ فِي الطَّلاَقِ، وَذَلِكَ فِيمَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاَثًا ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ بَعْدَ زَوْجٍ آخَرَ، فَإِنَّهَا تَعُودُ إِلَيْهِ بِمَلِكٍ جَدِيدٍ بَعْدَ هَدْمِ الطَّلاَقِ السَّابِقِ عَلَى الزَّوَاجِ الأَْخِيرِ فَإِنْ كَانَ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً أَوِ اثْنَتَيْنِ فَفِيهِ خِلاَفٌ وَتَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف ٦٧) .

_________

(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ١٢٩ ط دَارَ الأَْمِيرِيَّة

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٣ / ٤٩

(٣) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٥ / ١٣١

هُدْنَة

التَّعْرِيف:

١ - الْهُدْنَةُ فِي اللُّغَةِ: السُّكُونُ: مَأْخُوذٌ مِنْ هَدَنَ الأَْمْرُ، أَوِ الشَّخْصُ يَهْدِنُ هُدُونًا. سَكَنَ بَعْدَ الْهَيْجِ، وَيُقَال: هَادَنَهُ مُهَادَنَةً: صَالَحَهُ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْفُقَهَاءُ بِتَعَارِيفَ مُتَقَارِبَةٍ، فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: هِيَ الصُّلْحُ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً بِمَالٍ أَوْ بِغَيْرِ مَالٍ إِذَا رَأَى الإِْمَامُ مَصْلَحَةً فِي ذَلِكَ (٢) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: هِيَ عَقْدُ الْمُسْلِمِ مَعَ الْحَرْبِيِّ عَلَى الْمُسَالَمَةِ مُدَّةً لَيْسَ هُوَ فِيهَا تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا مُصَالَحَةُ أَهْل الْحَرْبِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مُدَّةً مُعَيَّنَةً بَعِوَضٍ أَوْ غَيْرِ عِوَضٍ، سَوَاءٌ مَنْ يُقَرُّ بِدِينِهِ وَمَنْ لاَ يُقَرُّ بِهِ (٤) .

_________

(١) لِسَان الْعَرَبِ، والمصباح الْمُنِير

(٢) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٩٦، والاختيار ٤ / ١٢٠، وتحفة الفقهاء ٣ / ٤٠٤

(٣) جَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٦٩، ومواهب الْجَلِيل ٣ / ٣٦٠

(٤) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ١٠٠، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٤

وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ هِيَ: عَقْدُ إِمَامٍ أَوْ نَائِبِهِ عَلَى تَرْكِ الْقِتَال مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ مُدَّةً مَعْلُومَةً بِقَدْرِ الْحَاجَّةِ (١) .

وَتُسَمَّى الْهُدْنَةُ مُوَادَعَةً، وَمُعَاهَدَةً، وَمُسَالَمَةً وَمُصَالَحَةً.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الأَْمَانُ:

٢ - الأَْمَانُ فِي اللُّغَةِ: عَدَمُ تَوَقُّعِ مَكْرُوهٍ فِي الزَّمَنِ الآْتِي.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: رَفْعُ اسْتِبَاحَةِ دَمِ الْحَرْبِيِّ وَرِقِّهِ وَمَالِهِ حِينَ قِتَالِهِ، أَوِ الْعَزْمُ عَلَيْهِ مَعَ اسْتِقْرَارِهِ تَحْتَ حُكْمِ الإِْسْلاَمِ مُدَّةً مَا (٢) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهُدْنَةِ وَالأَْمَانِ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا تَأْمِينَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَعِرْضِهِ.

ب - عَقْدُ الذِّمَّةِ:

٣ - عَقْدُ الذِّمَّةِ هُوَ الْتِزَامُنَا لِلْكُفَّارِ صِيَانَةَ أَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ بِشُرُوطٍ

_________

(١) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٨٥، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ١١١

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٣ / ٣٦٠، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣٦، والسير الْكَبِير ١ / ٢٨٣، وقواعد الْفِقْه لِلْبَرَكَتِي

نَشْتَرِطُهَا عَلَيْهِمْ (١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهُدْنَةِ وَعَقْدِ الذِّمَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُفِيدُ الأَْمَانَ إِلاَّ أَنَّ الْهُدْنَةَ أَمَانٌ مُؤَقَّتٌ، وَعَقْدَ الذِّمَّةِ أَمَانٌ مُؤَبَّدٌ.

مَشْرُوعِيَّةُ الْهُدْنَةِ:

٤ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْهُدْنَةِ فِي الْجُمْلَةِ (٢) وَدَلِيل مَشْرُوعِيَّتِهَا: الْكِتَابُ، وَالسُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ، وَإِجْمَاعُ الأُْمَّةِ.

فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ ﴿فَسِيحُوا فِي الأَْرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ﴾ ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَْكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَْشْهُرُ

_________

(١) تَهْذِيب الْفُرُوق بِهَامِش الْفُرُوق ٣ / ٢٣ الْقَاعِدَة (١١٨)، وانظر جَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٦٦

(٢) جَوَاهِر الإِْكْلِيل ١ / ٢٦٦، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٤، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، والمغني ٨ / ٤٥٩

الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُل مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ ﴿كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (١)﴾ . وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا (٢)﴾ .

وَمِنَ السُّنَّةِ: مُهَادَنَتُهُ ﷺ قُرَيْشًا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ عَشْرَ سِنِينَ (٣) .

أَمَّا الإِْجْمَاعُ: فَقَدَ أَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْمُوَادَعَةِ مَعَ غَيْرِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجُمْلَةِ، وَهِيَ جَائِزَةٌ لاَ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ تَجِبُ لِضَرُورَةٍ كَأَنْ يَتَرَتَّبَ عَلَى تَرْكِهَا إِلْحَاقُ ضَرَرٍ بِالْمُسْلِمِينَ لاَ يُتَدَارَكُ (٤) .

_________

(١) سُورَةُ التَّوْبَةِ / ١ - ٧

(٢) سُورَةُ الأَْنْفَال / ٦١

(٣) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ قُرَيْشًا عَام الْحُدَيْبِيَةَ عَشْر سِنِينَ. أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (٤ / ٣٢٥ - ط الميمنية) مِنْ حَدِيث الْمِسْوَر بْن مَخْرَمَةَ وَمَرْوَان بْن الْحُكْم

(٤) الْبَحْر الرَّائِق ٥ / ٨٥، والبدائع ٧ / ١٠٨، شرح الزُّرْقَانِيّ ٣ / ١٤٨، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٠، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٤، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٤، والمغني ٨ / ٤٦٠، والحاوي ١٨ / ٤٠٦

شُرُوطُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ:

يُشْتَرَطُ فِي صِحَّةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ شُرُوطٌ وَهِيَ:

الشَّرْطُ الأَْوَّل: الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ:

٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ لَهُ وِلاَيَةُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَلَى رَأْيَيْنِ:

الرَّأْيُ الأَْوَّل: يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ) أَنْ يَكُونَ الْعَاقِدُ لِلْهُدْنَةِ هُوَ الإِْمَامَ أَوْ نَائِبَهُ. فَلاَ يَصِحُّ أَنْ يَعْقِدَهَا غَيْرُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْخَطَرِ، وَلأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ هَادَنَ بَنِي قُرَيْظَةَ بِنَفْسِهِ (١) وَهَادَنَ قُرَيْشًا بِالْحُدَيْبِيَةِ بِنَفْسِهِ (٢)، وَأَمَّنَ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ عَامَ الْفَتْحِ بِنَفْسِهِ (٣) .

وَلأَِنَّ الإِْمَامَ لإِشْرَافِهِ عَلَى جَمِيعِ الأُْمُورِ الْعَامَّةِ أَعْرَفُ بِمَصَالِحِهَا مِنْ أَشْتَاتِ النَّاسِ،

_________

(١) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ بَنِي قُرَيْظَة بِنَفْسِهِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ٤٠٦ - ط حِمْص)

(٢) حَدِيث مُهَادَنَتِهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةَ، تَقَدَّمَ فِقْرَة (٤)

(٣) حَدِيث تَأْمِينِهِ ﷺ صَفْوَان بْن أُمَيَّة عَام الْفَتْحِ. أَخْرَجَهُ مَالِك فِي الْمُوَطَّأِ (٢ / ٥٤٤ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن شِهَاب مُرْسَلًا

وَلأَِنَّ تَجْوِيزَهُ لِغَيْرِهِ يَتَضَمَّنُ تَعْطِيل الْجِهَادِ، وَفِيهِ افْتِيَاتٌ عَلَى الإِْمَامِ (١) .

وَلأَِنَّ عَقْدَ الْهُدْنَةِ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّبِيِّ ﷺ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ تَصَرُّفَاتِهِ ﷺ كَالتَّبْلِيغِ، وَالْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ، وَكُل مَا تَصَرَّفَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ بِصِفَةِ الإِْمَامَةِ لاَ يَجُوزُ لأَِحَدٍ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ إِلاَّ بِإِذْنِ الإِْمَامِ اقْتِدَاءً بِهِ ﷺ؛ وَلأَِنَّ سَبَبَ تَصَرُّفِهِ فِيهِ بِوَصْفِ الإِْمَامَةِ يَقْتَضِي ذَلِكَ (٢)؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرُ الإِْمَامِ بِالْوِلاَيَةِ أَنْفَذَ، وَهُوَ عَلَى التَّدْبِيرِ وَالْحِرَاسَةِ أَقْدَرُ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِي عَقْدِهَا مِنْ أَمْرِهِ صَحَّ لأَِنَّهَا صَدَرَتْ عَنْ رَأْيِهِ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُبَاشِرَهَا بِنَفْسِهِ لأَِنَّهُ عَامُّ النَّظَرِ، فَلَمْ يَفْرُغْ لِمُبَاشَرَةِ كُل عَمَلٍ، فَإِنِ اسْتَنَابَ فِيهَا مَنْ فَوَّضَ عَقْدَهَا إِلَى رَأْيِهِ جَازَ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْل الاِجْتِهَادِ وَالرَّأْيِ، وَكَانَ عَقْدُهَا مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنَابِ الْمُبَاشِرِ، وَمِنْ قَبْلِهِ مَنْسُوبًا إِلَى الْمُسْتَنِيبِ الآْمِرِ، وَهُمَا فِي اللُّزُومِ سَوَاءٌ، وَلِخَبَرِ: إِنَّمَا الإِْمَامُ جُنَّةٌ يُقَاتَل مِنْ وَرَائِهِ وَيُتَّقَى بِهِ (٣)، وَقَال الْخَطَّابِيُّ: وَمَعْنَاهُ أَنَّ الإِْمَامَ هُوَ

_________

(١) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤٢٧، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٥، والمغني ٨ / ٤٦١ - ٤٦٢، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٦٩

(٢) الْفُرُوق للقرافي ١ / ٢٠٦

(٣) حَدِيث: " إِنَّمَا الإِْمَامُ جَنَّة. . . " أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ٦ / ١١٦ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٣ / ١٤٧١ - ط الْحَلَبِيّ)، مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ

الَّذِي يَعْقِدُ الْعَهْدَ وَالْهُدْنَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَإِنْ رَأَى ذَلِكَ صَلاَحًا وَهَادَنَهُمْ فَقَدْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجِيزُوا أَمَانَهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: أَمَّا وُلاَةُ الثُّغُورِ فَإِنْ كَانَ تَقْلِيدُهُمْ يَتَضَمَّنُ الْجِهَادَ فَقَطْ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ أَنْ يَعْقِدَ هُدْنَةً إِلاَّ قَدْرَ الاِسْتِرَاحَةِ فِي السَّنَةِ: وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَلاَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ سَنَةً؛ لأَِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُجَاهِدَ فِي كُل سَنَةٍ.

وَفِيمَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَسَنَةٍ قَوْلاَنِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَقْعُدَ عَنِ الْجِهَادِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ هُدْنَةٍ فَكَانَ مَعَ الْهُدْنَةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ.

وَإِنْ تَضَمَّنْ تَقْلِيدُ وَالِي الثُّغُورِ الْعَمَل بِرَأْيِهِ فِي الْجِهَادِ وَالْمُوَادَعَةِ جَازَ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا لِدُخُولِهَا فِي وِلاَيَتِهِ، وَالأَْوْلَى أَنْ يَسْتَأْذِنَ الإِْمَامَ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنِ انْعَقَدَتْ (٢) .

هَذَا فِي مُهَادَنَةِ الْكُفَّارِ مُطْلَقًا أَوْ أَهْل إِقْلِيمٍ كَبِيرٍ، وَيَجُوزُ لِوَالِي الإِْقْلِيمِ الْمُهَادَنَةُ مَعَ أَهْل بَلْدَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ فِي إِقْلِيمِهِ لِلْمَصْلَحَةِ، وَكَأَنَّهُ مَأْذُونٌ.

_________

(١) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤٢٧، والخطابي شَرْح سُنَنِ أَبِي دَاوُد ٢ / ٣١٦

(٢) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤٢٧، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٤، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠ - ٢٦١

فِيهِ بِتَفْوِيضِ مَصْلَحَةِ الإِْقْلِيمِ إِلَيْهِ (١) .

الرَّأْيُ الثَّانِي - لِلْحَنَفِيَّةِ -: وَهُوَ أَنَّهُ لاَ يُشْتَرَطُ إِذْنُ الإِْمَامِ لِلْمُوَادَعَةِ، فَيَجُوزُ عَقْدُ الْمُوَادَعَةِ لِفَرِيقٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يَجُوزُ لِلإِْمَامِ وَنَائِبِهِ وَلَوْ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ الْمُعَوَّل عَلَيْهِ وُجُودُ الْمَصْلَحَةِ فِي عَقْدِهَا؛ فَحَيْثُ وُجِدَتْ جَازَتْ، وَلأَِنَّ مُوَادَعَةَ الْمُسْلِمِينَ أَهْل الْحَرْبِ جَائِزَةٌ بِالاِتِّفَاقِ كَإِعْطَاءِ الأَْمَانِ مَثَلًا وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْمُوَادَعَةِ (٢) .

وَفَرَّعُوا عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ بَعْضَ الأَْحْكَامِ وَقَالُوا: لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا وَادَعَ أَهْل حَرْبٍ سَنَةً عَلَى أَلْفِ دِينَارٍ جَازَتْ مُوَادَعَتُهُ وَلاَ يَحِل لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوهُمْ، وَإِنْ قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ غَرِمُوا دِيَتَهُ لأَِنَّ مُوَادَعَةَ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ مُوَادِعَتِهِمْ جَمِيعًا، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمِ الإِْمَامُ حَتَّى مَضَتْ سَنَةٌ أَمْضَى مُوَادَعَتَهُ وَأَخَذَ الْمَال فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَال لأَِنَّ مَنْفَعَةَ الْمُسْلِمِينَ مُتَعَيِّنَةٌ فِي إِمْضَاءِ الْمُوَادَعَةِ بَعْدَ مُضِيِّ الْمُدَّةِ؛ وَلأَِنَّهُ أَخَذَ الْمَال بِقُوَّةِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّ خَوْفَ أَهْل الْحَرْبِ مِنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ لاَ وَاحِدٍ

_________

(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٠، والحاوي الْكَبِير ١٨ / ٤٢٧، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٣٤

(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٧ / ١٠٨، والبحر الرَّائِق ٥ / ٨٥

مِنْهُمْ، لِهَذَا يَأْخُذُ الإِْمَامُ الْمَال مِنَ الْعَاقِدِ فَيَجْعَلُهُ فِي بَيْتِ الْمَال.

وَإِنْ عَلِمَ الإِْمَامُ مُوَادَعَتَهُ قَبْل مُضِيِّ السَّنَةِ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي إِمْضَاءِ تِلْكَ الْمُوَادَعَةِ أَمْضَاهَا وَأَخَذَ الْمَال فَجَعَلَهُ فِي بَيْتِ الْمَال؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يُنْشِئَ الْمُوَادَعَةَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ إِذَا كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِيهَا؛ فَلأَنْ يُمْضِيَهَا وَهِيَ قَائِمَةٌ أَوْلَى. فَإِنْ رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي إِبْطَالِهَا رَدَّ الْمَال إِلَيْهِمْ ثُمَّ نَبَذَ إِلَيْهِمُ الْعَهْدَ وَقَاتَلَهُمْ؛ لأَِنَّ أَمَانَ الْمُسْلِمِ كَانَ صَحِيحًا وَالتَّحَرُّزَ عَنِ الْغَدْرِ وَاجِبٌ. فَإِنْ كَانَ قَدْ مَضَى نِصْفُ السَّنَةِ فَفِي الْقِيَاسِ: يَرُدُّ نِصْفَ الْمَال وَيُمْسِكُ النِّصْفَ الآْخَرَ لِلْمُسْلِمِينَ اعْتِبَارًا لِلْبَعْضِ بِالْكُل، وَقِيَاسًا بِالْمُوَادَعَةِ فِي مُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ بِعِوَضٍ مَعْلُومٍ، وَقِيَاسًا عَلَى الإِْجَارَةِ. فَهُنَاكَ إِذَا انْفَسَخَ الْعَقْدُ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ سَقَطَ مِنَ الأُْجْرَةِ مَا بَقَّى وَيَتَقَرَّرُ بِحِسَابِ مَا مَضَى. وَفِي الاِسْتِحْسَانِ يَرُدُّ الْمَال كُلَّهُ؛ لأَِنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا الْمَال إِلاَّ بِشَرْطِ أَنْ تُسَلَّمَ الْمُوَادَعَةُ لَهُمْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ، وَالْجَزَاءُ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِاعْتِبَارِ الشَّرْطِ جُمْلَةً وَلاَ يَتَوَزَّعُ عَلَى أَجْزَائِهِ، وَكَلِمَةُ " عَلَى " لِلشَّرْطِ حَقِيقَةً، وَالْمُوَادَعَةُ فِي الأَْصْل لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ، قَالُوا: فَجَعَلْنَا هَذِهِ الْكَلِمَةَ فِيهَا عَامِلَةً بِحَقِيقَتِهَا. فَإِذَا لَمْ تُسَلَّمْ