الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 40

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

٨ - وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِيمَا يَجِبُ بِسَبَبِ الْجُرْحِ السَّابِقِ: فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْظْهَرِ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجُرْحِ إِنْ كَانَ مِمَّا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيهِ، كَقَطْعِ الْيَدِ أَوِ الرِّجْل أَوِ الْمُوضِحَةِ مَثَلًا؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ فِي الطَّرَفِ مُنْفَرِدٌ عَنِ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، فَيَسْتَقِرُّ وَلاَ يَتَغَيَّرُ بِمَا يَحْدُثُ بَعْدَهُ، بِدَلِيل أَنَّهُ لَوْ قُطِعَ طَرَفٌ غَيْرُهُ ثُمَّ حَزَّ رَقَبَتَهُ آخَرُ لَزِمَ الأَْوَّل قِصَاصُ الطَّرَفِ، فَهُوَ كَمَا لَوْ لَمْ يَسْرِ الْجُرْحُ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ مُقَابِل الأَْظْهَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ قِصَاصَ عَلَى الْجَارِحِ؛ لأَِنَّ الْجِرَاحَةَ صَارَتْ نَفْسًا، وَالنَّفْسُ مُهْدَرَةٌ بِاتِّفَاقٍ، فَكَذَا الطَّرَفُ، وَلأَِنَّهُ صَارَ إِلَى مَا أَحَل دَمَهُ (٢) .

قَال الْحَنَابِلَةُ: وَإِنْ قَطَعَ مُكَلَّفٌ طَرَفًا، أَوْ أَكْثَرُ مِنْ مُسْلِمٍ فَارْتَدَّ الْمَقْطُوعُ وَمَاتَ مِنْ جِرَاحَةٍ فَلاَ قَوَدَ عَلَى الْقَاطِعِ فِي النَّفْسِ؛ لأَِنَّهَا نَفْسُ مُرْتَدٍّ غَيْرِ مَعْصُومٍ وَلاَ مَضْمُونٍ، بِدَلِيل مَا لَوْ قَطَعَ

_________

(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣، وأسنى الْمُطَالِب ٤ / ١٩، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٤٤ - ٢٤٥

(٢) الْمَرَاجِع السَّابِقَة، وكشاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢٢، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٧ / ٦٩٤ وَمَا بَعْدَهَا

طَرَفَ ذِمِّيٍّ فَصَارَ حَرْبِيًّا ثُمَّ مَاتَ مِنْ جِرَاحِهِ لاَ شَيْءَ عَلَيْهِ، وَعَلَى الْقَاطِعِ الْمُكَلَّفِ الأَْقَل مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ أَوِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ؛ لأَِنَّهُ إِذَا لَمْ يَرْتَدَّ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ فَمَعَ الرِّدَّةِ أَوْلَى (١) .

وَإِلَى وُجُوبِ الأَْقَل مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ وَأَرْشِ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا، وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَقْتَضِ الْجُرْحُ مَالًا وَلَمْ يَجِبْ فِيهِ قِصَاصٌ.

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَهُمْ وَجَبَ أَرْشُ الْعُضْوِ الْمَقْطُوعِ بَالِغًا مَا بَلَغَ، وَلَوْ زَادَ عَلَى الدِّيَةِ، فَفِي قَطْعِ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ دِيَتَانِ.

وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُرْحَ مُهْدَرٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ؛ لأَِنَّ الْجِرَاحَةَ إِذَا سَرَتْ صَارَتْ قَتْلًا، وَصَارَتِ الأَْطْرَافُ تَابِعَةً لِلنَّفْسِ وَالنَّفْسُ مُهْدَرَةٌ فَكَذَلِكَ مَا يَتْبَعُهَا (٢) .

٩ - وَهَذَا كُلُّهُ إِذَا طَرَأَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الْجُرْحِ، فَلَوْ طَرَأَتِ الرِّدَّةُ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْل الإِْصَابَةِ فَلاَ ضَمَانَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ) لأَِنَّهُ حِينَ جَنَى عَلَيْهِ كَانَ مُرْتَدًّا مُهْدَرَ الدَّمِ.

_________

(١) كَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢٢

(٢) أَسْنَى الْمَطَالِب شَرْح رَوْضِ الطَّالِبِ ٤ / ١٩، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣ - ٢٤

وَيَرَى أَبُو حَنِيفَةَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ حَالَةُ الرَّمْيِ، فَتَجِبُ الدِّيَةُ عَلَى الرَّامِي بِرِدَّةِ الْمَرْمِيِّ إِلَيْهِ قَبْل وُصُول السَّهْمِ إِلَيْهِ ثُمَّ وُقُوعِ السَّهْمِ بِهِ؛ لأَِنَّ الضَّمَانَ يَجِبُ بِفِعْلِهِ - وَهُوَ الرَّمْيُ - إِذْ هُوَ الَّذِي يَدْخُل تَحْتَ قُدْرَتِهِ دُونَ الإِْصَابَةِ، وَلاَ فِعْل لَهُ أَصْلًا بَعْدَهُ، فَيَصِيرُ قَاتِلًا بِالرَّمْيِ، وَالْمَرْمِيُّ إِلَيْهِ مُتَقَوِّمٌ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ، وَكَانَ الْقِيَاسُ أَنْ يَجِبَ الْقِصَاصُ لِمَا ذَكَرْنَا أَيْ - أَنَّهُ مُتَقَوِّمٌ - وَلَكِنْ فِيهِ شُبْهَةٌ لِسُقُوطِ الْعِصْمَةِ فِي حَالَةِ التَّلَفِ فَتَجِبُ الدِّيَةُ.

وَيَرَى أَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ فِيهِ الْقَوَدَ (١) .

١٠ - وَأَمَّا لَوْ رَمَى مُسْلِمٌ مُرْتَدًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ، أَوْ رَمَى حَرْبِيًّا فَأَسْلَمَ أَوْ أُمِّنَ ثُمَّ أَصَابَهُ السَّهْمُ فَلاَ قِصَاصَ قَطْعًا لِعَدَمِ الْمُكَافَأَةِ فِي أَوَّل أَجْزَاءِ الْجِنَايَةِ؛ وَلأَِنَّهُ رَمَى مَنْ هُوَ مَأْمُورٌ بِرَمْيِهِ فَلَمْ يَضْمَنْ؛ لأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي التَّضْمِينِ بِابْتِدَاءِ حَال الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّهَا مُوجِبَةٌ، وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ.

_________

(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٦ / ٢٢٤، وتكملة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٢٦٨، والبحر الرَّائِق ٨ / ٣٧١، وأسنى الْمَطَالِب شُرِحَ رَوَّضَ الطَّالِبُ ٤ / ٢٠، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٤، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٧ / ٦٩٤ - ٦٩٥، وكشاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢١ - ٥٢٢، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٣١، ٢٤٤ - ٢٤٥

١١ - وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ عَلَى الْقَاتِل دِيَةَ مُسْلِمٍ فِي حَالَةِ إِسْلاَمِ الْمُرْتَدِّ أَوِ الْحَرْبِيِّ اعْتِبَارًا بِحَال الإِْصَابَةِ؛ لأَِنَّهَا حَالَةُ اتِّصَال الْجِنَايَةِ. وَالرَّمْيُ كَالْمُقَدِّمَةِ الَّتِي يُتَسَبَّبُ بِهَا إِلَى الْجِنَايَةِ، كَمَا لَوْ حَفَرَ بِئْرًا عُدْوَانًا وَهُنَاكَ حَرْبِيٌّ أَوْ مُرْتَدٌّ فَأَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ أَوْ الْمُرْتَدُّ، ثُمَّ وَقَعَ فِي الْبِئْرِ فَإِنَّهُ يَضْمَنُهُ، وَإِنْ كَانَ عِنْدَ السَّبَبِ مُهْدَرًا.

إِلاَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ قَالُوا: الأَْصَحُّ أَنَّ وُجُوبَ هَذِهِ الدِّيَةِ مُخَفِّفَةً مَضْرُوبٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ لأَِنَّهَا دِيَةُ خَطَأٍ، كَمَا لَوْ رَمَى إِلَى صَيْدٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَقِيل: دِيَةُ شِبْهِ عَمْدٍ، وَقِيل: عَمْدٍ.

وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: إِنَّ الدِّيَةَ حَالَّةٌ فِي مَال الْجَانِي.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَسَحْنُونٌ وَأَشْهَبُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لاَ شَيْءَ عَلَى الْقَاتِل، أَيْ لاَ قَوَدَ وَلاَ دِيَةَ؛ لأَِنَّ الرَّمْيَ لَمْ يَنْعَقِدْ مُوجِبًا لِلضَّمَانِ بِصَيْرُورَتِهِ مُتَقَوِّمًا بَعْدَ ذَلِكَ؛ لأَِنَّ الْمُرْتَدَّ وَالْحَرْبِيَّ لاَ عِصْمَةَ لِدَمِهِمَا (١) .

_________

(١) تَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٢٦٨، تبيين الْحَقَائِق ٦ / ١٢٤، والبحر الرَّائِق ٨ / ٣٧١، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٤٤، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣ - ٢٤، وأسنى الْمَطَالِب شُرِحَ رَوَّضَ الطَّالِبُ ٤ / ١٩، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٧ / ٦٩٤، وكشاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢٢

١٢ - وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَنْ يَسْتَوْفِي مَا وَجَبَ عَلَى الْجَانِي فِي هَذِهِ الْمَسَائِل:

فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَسْتَوْفِيهِ قَرِيبُهُ الْمُسْلِمُ وَهُوَ وَارِثُهُ لَوْلاَ الرِّدَّةُ؛ لأَِنَّ الْقِصَاصَ لِلتَّشَفِّي وَهُوَ لِلْقَرِيبِ، وَذَلِكَ إِذَا كَانَ الْوَاجِبُ قِصَاصًا، وَيَجُوزُ لِقَرِيبِهِ أَنْ يَعْفُوَ عَنِ الْجَانِي عَلَى مَالٍ يَأْخُذُهُ الإِْمَامُ؛ لأَِنَّ مَال الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ لَيْسَ لِلْوَارِثِ مِنْهُ شَيْءٌ.

وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ - وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - إِلَى أَنَّ الإِْمَامَ هُوَ الَّذِي يَسْتَوْفِي؛ لأَِنَّ الْمُرْتَدَّ كَمَا قَال الشَّافِعِيَّةُ لاَ وَارِثَ لَهُ، فَيَسْتَوْفِيهِ الإِْمَامُ كَمَا يَسْتَوْفِي قِصَاصَ مَنْ لاَ وَارِثَ لَهُ، وَلأَِنَّ مَال الْمُرْتَدِّ فَيْءٌ لَيْسَ لِلْوَارِثِ مِنْهُ شَيْءٌ فَيَسْتَوْفِيهِ الإِْمَامُ (١) .

مَنْعُ الْمَاءِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ عَنْ مُهْدَرِ الدَّمِ:

١٣ - إِذَا كَانَ الْمُحْتَاجُ إِلَى الْمَاءِ أَوْ ثَمَنِ الْمَاءِ مُهْدَرَ الدَّمِ - كَالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَالْمُرْتَدِّ وَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْمُحَارِبِ الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ - أَوِ الَّذِي لاَ نَفْعَ فِيهِ عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ - وَالْخِنْزِيرِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ إِعْطَاءُ الْمَاءِ

_________

(١) أَسْنَى الْمُطَالِب شَرْح رَوْضِ الطَّالِبِ ٤ / ١٩ - ٢٠، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣ - ٢٤، وكشاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢٢

لِهَؤُلاَءِ، بَل يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِالْمَاءِ مَعَ حَاجَتِهِمْ إِلَيْهِ لأَِنَّهُ لاَ حُرْمَةَ لَهُمْ (١) .

وَيُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (تَيَمَّم ف ٢٤) .

جَوَازُ قَتْل الْمُضْطَرِّ لِمُهْدَرِ الدَّمِ لإِنْقَاذِ نَفْسِهِ:

١٤ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ الْمُضْطَرِّ قَتْل الْمُرْتَدِّ أَوِ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ بَالِغًا، أَوِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ أَوِ الْمُحَارِبِ الْقَاطِعِ لِلطَّرِيقِ قَبْل تَوْبَتِهِ وَتَارِكِ الصَّلاَةِ عَمْدًا، لأَِكْل لُحُومِهِمْ، إِنْقَاذًا لِنَفْسِهِ مِنَ الْهَلاَكِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ؛ لأَِنَّ قَتْلَهُمْ مُسْتَحَقٌّ وَدَمَهُمْ مُهْدَرٌ، وَإِنَّمَا اعْتُبِرَ إِذْنُ الإِْمَامِ فِي غَيْرِ حَال الضَّرُورَةِ تَأَدُّبًا مَعَهُ، وَفِي حَال الضَّرُورَةِ لَيْسَ فِيهَا رِعَايَةُ أَدَبٍ (٢) .

كَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُضْطَرِّ قَتْل مَنْ لَهُ عَلَيْهِ قِصَاصٌ لأَِكْل لَحْمِهِ لإِنْقَاذِ حَيَاتِهِ مِنَ الْهَلاَكِ؛ لأَِنَّ قَتْلَهُ مُسْتَحَقٌّ لَهُ (٣) .

_________

(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ١ / ١٥٧، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٩٠، وكشاف الْقِنَاع ١ / ١٦٤، ومواهب الْجَلِيل ١ / ٣٣٤ - ٣٣٥

(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٣٠٧ - ٣٠٨، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ١٩٩

(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٣٠٧ - ٣٠٨

قَتْل مُهْدَرِ الدَّمِ لِنَفْسِهِ:

١٥ - إِذَا أُهْدِرَ دَمُ إِنْسَانٍ بِسَبَبِ جِنَايَةٍ كَالزَّانِي الْمُحْصَنِ وَقَاطِعِ الطَّرِيقِ الْمُتَحَتَّمِ قَتْلُهُ فَقَتَل نَفْسَهُ، فَإِنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا الْقَتْل مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى قَاتِل نَفْسِهِ الْمَعْصُومَةِ مِنَ الْوَعِيدِ؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ وَإِنْ أُهْدِرَ دَمُهُ لاَ يُبَاحُ لَهُ هُوَ إِرَاقَتُهُ، بَل لَوْ أَرَاقَهُ لاَ يَكُونُ كَفَّارَةً لَهُ، لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا حَكَمَ بِالْكَفَّارَةِ عَلَى مَنْ عُوقِبَ بِذَنْبِهِ (١)، وَأَمَّا مَنْ عَاقَبَ نَفْسَهُ فَهُوَ لَيْسَ فِي مَعْنَى مَنْ عُوقِبَ، نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ (٢) .

_________

(١) حَدِيث: " وَمَنْ أَصَابَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (الْفَتْح ١ / ٦٤ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٣ / ١٣٣٣ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عِبَادَة بْن الصَّامِتِ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ

(٢) الزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٩٦ - ٩٧

هَدْم

التَّعْرِيفُ:

أ - الْهَدْمُ لُغَةً: يُطْلَقُ عَلَى نَقْضِ الْبِنَاءِ وَعَلَى نَقِيضِ الْبِنَاءِ وَعَلَى التَّخْرِيبِ وَعَلَى السُّقُوطِ (١)، مِنْ هَدَمَهُ يَهْدِمُهُ هَدْمًا، وَهَدَمَهُ فَانْهَدَمَ، وَتَهَدَّمَ وَهَدَمُوا بُيُوتَهُمْ، شَدَّدَ لِلْكَثْرَةِ، قَال ابْنُ الأَْعْرَابِيِّ: الْهَدْمُ قَلْعُ الْمَدَرِ: يَعْنِي الْبُيُوتَ (٢) .

وَلاَ يَخْرُجُ مَعْنَى الْهَدْمِ اصْطِلاَحًا عَنْ مَعْنَاهُ فِي اللُّغَةِ.

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

الْبِنَاءُ:

٢ - الْبِنَاءُ لُغَةً: نَقِيضُ الْهَدْمِ، مِنْ بَنَاهُ يَبْنِيهِ بَنْيًا وَبِنَاءً، وَبَنَى مَقْصُورٌ، وَيُجْمَعُ عَلَى أَبْنِيَةٍ، وَجَمْعُ الْجَمْعِ أَبِنِيَاتٌ (٣) .

_________

(١) الْقَامُوس الْمُحِيط، ولسان الْعَرَب، والكليات ٥ / ٨٥

(٢) الْمِصْبَاح الْمُنِير، ولسان الْعَرَب، والقاموس الْمُحِيط

(٣) الْقَامُوس الْمُحِيط، ولسان الْعَرَب

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْهَدْمِ وَالْبِنَاءِ هِيَ التَّنَاقُضُ.

أَنْوَاعُ الْهَدْمِ:

٣ - الْهَدْمُ نَوْعَانِ:

النَّوْعُ الأَْوَّل: هَدْمٌ حَقِيقِيٌّ: وَهُوَ مَا كَانَ فِي الْبِنَاءِ وَنَحْوِهِ.

النَّوْعُ الثَّانِي: هَدْمٌ تَقْدِيرِيٌّ (مَعْنَوِيٌّ) وَهُوَ مَا كَانَ فِي غَيْرِ الْبِنَاءِ كَالْعُقُودِ، وَيُرَادُ بِهِ حِينَئِذٍ الإِْبْطَال وَالنَّقْضُ، يُقَال: هَدَمَ مَا أَبْرَمَهُ أَيْ أَبْطَلَهُ وَنَقَضَهُ (١) .

وَلِذَا كَانَ الْهَدْمُ فِي هَذَا النَّوْعِ اسْتِعَارَةً وَلَيْسَ حَقِيقَةً. وَمِنْهُ هَدْمُ الإِْسْلاَمِ لِمَا قَبْلَهُ لِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِْسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ (٢) .

أَوَّلًا: الْهَدْمُ الْحَقِيقِيُّ:

٤ - الْهَدْمُ الْحَقِيقِيُّ يَجِبُ فِي صُوَرٍ مِنْهَا:

الصُّورَةُ الأُْولَى: إِذَا بَنَى أَهْل الْكِتَابِ كَنِيسَةً وَنَحْوَهَا كَبِيعَةٍ وَصَوْمَعَةٍ بِبَلَدٍ أَحْدَثْنَاهُ كَبَغْدَادَ وَالْقَاهِرَةِ وَجَبَ هَدْمُهَا لِقَوْلِهِ ﷺ: لاَ

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير

(٢) شَرْح صَحِيح مُسْلِم ٢ / ٤٩٧، ٤٩٨ ط دَارَ الْقَلَم. وحديث: " أَمَّا عَلِمَتْ أَنَّ الإِْسْلاَمَ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (١ / ١١٢ ط الْحَلَبِيّ)

تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ وَلاَ يُجَدَّدُ مَا خُرِّبَ مِنْهَا (١) . وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ (أَهْل الذِّمَّةِ ف ٢٤) .

الصُّورَةُ الثَّانِيَةُ: إِذَا بَنَى فِي حَرِيم النَّهْرِ كَالنِّيل وَلَوْ مَسْجِدًا وَجَبَ هَدْمُهُ.

انْظُرْ تَفْصِيل الْقَوْل فِي ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (حَرِيم ف ١٤) .

الصُّورَةُ الثَّالِثَةُ: إِذَا أَخْرَجَ جَنَاحًا لِبَيْتِهِ أَوْ رَوْشَنًا أَوْ سَابَاطًا فِي الطَّرِيقِ النَّافِذِ - وَنَحْوَهَا كَالْمِيزَابِ - وَأَضَرَّ ذَلِكَ الْمَارَّ فِي الطَّرِيقِ هَدَمَهُ الْحَاكِمُ.

وَالْقَوْل مُفَصَّلٌ فِي ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَرِيق ف ١٤) .

الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ: الْحَائِطُ الْمَائِل يَجِبُ هَدْمُهُ وَلاَ شَيْءَ عَلَى هَادِمِهِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْحَائِطُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ أَمْ لاَ.

وَالْقَوْل فِي ذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي مُصْطَلَحِ (حَائِط ف ٦، ١١) .

_________

(١) حَدِيث: " لاَ تُبْنَى كَنِيسَةٌ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن عَدِيٍّ فِي الْكَامِل (٣ / ١١٩٩ - ط دَار الْفِكْرِ) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك، وَأَعُلْهُ بِالرَّاوِي عَنْ أَنَس بْن مَالِك