الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْمُشَاهَدَةَ، وَيُطْلَقُ عَلَى الْبَوَّابِ: لأَِنَّهُ يَمْنَعُ الدُّخُول.
وَهُوَ فِي الاِصْطِلاَحِ: الشَّعْرُ فَوْقَ الْعَيْنَيْنِ، وَيُسَمَّى: حَاجِبَانِ.
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهُدْبِ وَالْحَاجِبِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا شَعْرٌ خُلِقَ لِحِمَايَةِ الْعَيْنِ (١) .
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهُدْبِ:
يَتَعَلَّقُ بِالْهُدْبِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
الْجِنَايَةُ عَلَى الْهُدْبِ:
٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ فِي الْجِنَايَةِ عَلَى أَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ وَهِيَ الشَّعْرَةُ الَّتِي عَلَى الأَْجْفَانِ بِقَلْعِهَا بِمُفْرَدِهَا.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ بِقَلْعِهَا بِمُفْرَدِهَا بِدُونِ الْجَفْنِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إِذَا قَلَعَهَا وَلَمْ يَنْبُتْ تَحْتَهَا؛ لأَِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْجَمَال عَلَى الْكَمَال كَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا دَفْعُ الأَْذَى وَالْقَذَى عَنِ الْعَيْنَيْنِ، وَتَفْوِيتُ ذَلِكَ يُنْقِصُ الْبَصَرَ وَيُورِثُ الْعَمَى (٢) .
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، ومغني الْمُحْتَاج ١ / ٥١، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٨ / ٧، وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ١٣١
(٢) رَدَّ الْمُحْتَارِ مَعَ حَاشِيَة ابْنَ عَابِدِينَ ٥ / ٣٧٠ - ٣٧١. وتبيين الْحَقَائِق ٦ / ١٢٩ - ١٣١، والمغني ٨ / ٧
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبْ فِي إِزَالَةِ الْهُدْبِ قِصَاصٌ وَلاَ دِيَةٌ إِنَّمَا تَجِبُ فِيهَا حُكُومَةٌ إِنْ أُزِيلَتْ وَلَمْ يَنْبُتِ الشَّعْرُ (١) .
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ دِيَات (ف ٥٢) .
غَسْل الأَْهْدَابِ فِي الْوُضُوءِ:
٤ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ شَعْرُ الْهُدْبِ كَثِيفًا لاَ يَصِفُ الْبَشَرَةَ أَجْزَأَ غَسْل ظَاهِرِهِ وَيُنْدَبُ تَخْلِيلُهُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ، وَإِنْ كَانَ شَعْرُ الْهُدْبِ خَفِيفًا يَصِفُ الْبَشَرَةَ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ (٢) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّهُ يَجِبُ إِمْرَارُ الْمَاءِ عَلَى شُعُورِ الْوَجْهِ وَلاَ يَجِبُ غَسْل مَا تَحْتَ الشَّعْرِ، قَالُوا: فَإِنَّ هَذِهِ الشُّعُورَ وَإِنْ كَانَتْ دَاخِلَةً فِي حَدِّ الْوَجْهِ، إِلاَّ أَنَّهَا لاَ يَجِبُ غَسْل أُصُولِهَا لِلْحَرَجِ. وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ - وَعَزَاهُ لِلدُّرَرِ -: إِنَّ عِلَّةَ عَدَمِ وُجُوبِ غَسْل مَا تَحْتَ هَذِهِ الشُّعُورِ - وَهِيَ فِي حَدِّ الْوَجْهِ - أَنَّ مَحَل الْفَرْضِ اسْتَتَرَ
_________
(١) الشَّرْح الصَّغِير ٤ / ٣٥٣ - ٣٩١، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٦٢، وتحفة الْمُحْتَاج ٨ / ٤٦٦، وروض الطَّالِب ٤ / ٥٣
(٢) الشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ ١ / ٨٦، والشرح الصَّغِير ١ / ١٠٦، ١٠٧، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ١ / ١١٥ - ١١٦
بِالْحَائِل الَّذِي هُوَ الشَّعْرُ، وَصَارَ بِحَالَةٍ لاَ يُوَاجِهُ النَّاظِرَ إِلَيْهِ، فَسَقَطَ الْفَرْضُ عَنْهُ وَتَحَوَّل إِلَى الْحَائِل الَّذِي هُوَ الشَّعْرُ.
وَقَال ابْنُ عَابِدِينَ: هَذَا كُلُّهُ إِذَا كَانَ كَثِيفًا، أَمَّا إِذَا بَدَتِ الْبَشَرَةُ فَيَجِبُ غَسْلُهَا (١) .
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ غَسْل الأَْهْدَابِ فِي الْوُضُوءِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؛ لأَِنَّهُ مِنْ شُعُورِ الْوَجْهِ فَيَجِبُ غَسْلُهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ (٢)﴾ وَشَعْرُ الْوَجْهِ مِنْهُ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَإِنْ كَثُفَ الشَّعْرُ؛ لأَِنَّ كَثَافَتَهُ نَادِرَةٌ فَأُلْحِقَ بِالْغَالِبِ (٣) .
_________
(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ١ / ٣، وابن عَابِدِينَ ١ / ٦٦ - ٦٧
(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ / ٦
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ١ / ٥١
هَدْر
التَّعْرِيفُ:
١ - الْهَدْرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ هَدَرَ الدَّمُ هَدْرًا - وَبَابُهُ ضَرَبَ وَقَتَل - بَطَل، وَأُهْدِرَ لُغَةٌ، وَهَدَرْتُهُ: أَبْطَلْتُهُ، وَأَهْدَرَ الشَّيْءَ أَبْطَلَهُ، يُقَال: أَهْدَرَ دَمَهُ: أَبَاحَهُ، وَتَهَادَرَ الْقَوْمُ: أَبْطَلُوا دِمَاءَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَبَاحُوهَا، وَذَهَبَ دَمُهُ هَدْرًا بِالسُّكُونِ وَبِالتَّحْرِيكِ: أَيْ بَاطِلًا لاَ قَوَدَ فِيهِ وَلاَ عَقْل، وَالْهَدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ اسْمٌ مِنْهُ، وَذَهَبَ سَعْيُهُ هَدَرًا: أَيْ بَاطِلًا (١) .
وَاصْطِلاَحًا النَّفْسُ الْهَدْرُ: هِيَ الَّتِي لاَ قَوَدَ فِيهَا وَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ (٢) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
الْعِصْمَةُ:
٢ - الْعِصْمَةُ بِالْكَسْرِ لُغَةً: الْمَنْعُ، مَأْخُوذَةٌ
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، والمعجم الْوَسِيط
(٢) فَتْح الْقَدِير ١٠ / ٢٣٢ ط دَار الْفِكْرِ، وابن عَابِدِينَ ٥ / ٣٤٢، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣، والتاج والأكليل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٣١، ٢٣٣، والمطلع عَلَى أَبْوَاب الْمُقْنِع ص٣٦١
مِنْ عَصَمَ يَعْصِمُ بِمَعْنَى اكْتَسَبَ وَمَنَعَ وَوَقَى، يُقَال: عَصَمَهُ اللَّهُ مِنَ الْمَكْرُوهِ يَعْصِمُهُ - مِنْ بَابِ ضَرَبَ - حَفِظَهُ وَوَقَاهُ، وَالْعِصْمَةُ أَيْضًا: الْقِلاَدَةُ (١) .
وَالْعِصْمَةُ فِي الاِصْطِلاَحِ: عَرَّفَهَا الْجُرْجَانِيُّ بِأَنَّهَا: مَلَكَةُ اجْتِنَابِ الْمَعَاصِي مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهَا، وَالْعِصْمَةُ الْمُقَوِّمَةُ: هِيَ الَّتِي يَثْبُتُ بِهَا لِلإِْنْسَانِ قِيمَةٌ بِحَيْثُ مَنْ هَتَكَهَا فَعَلَيْهِ الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ.
وَالْعِصْمَةُ الْمُؤَثِّمَةُ: هِيَ الَّتِي تَجْعَل مَنْ هَتَكَهَا آثِمًا (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَدْرِ وَالْعِصْمَةِ التَّضَادُّ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَدْرِ.
تَتَعَلَّقُ بِالْهَدْرِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا: الْمُهْدَرُ دِمَاؤُهُمْ:
الأَْصْل أَنَّ دَمَ الإِْنْسَانِ مَعْصُومٌ إِلاَّ فِي حَالاَتٍ مِنْهَا:
أ - الْمُرْتَدُّ:
٣ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِ تُهْدِرُ دَمَهُ؛ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ
_________
(١) الْقَامُوس الْمُحِيط، والمصباح الْمُنِير
(٢) التَّعْرِيفَات للجرجاني، والقواعد لِلْبَرَكَتِي
مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ (١)، وَلِقَوْلِهِ ﷺ: مَنْ بَدَّل دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ (٢) .
وَيَقْتُلُهُ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ؛ لأَِنَّهُ قَتْلٌ مُسْتَحَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى، فَكَانَ لِلإِْمَامِ وَلِمَنْ أَذِنَ لَهُ الإِْمَامُ، فَإِذَا قَتَلَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ بِغَيْرِ إِذْنِ الإِْمَامِ فَلاَ قِصَاصَ عَلَى الْقَاتِل وَلاَ دِيَةَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُسْلِمًا، لَكِنَّهُ يُعَزَّرُ، لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى حَقِّ الإِْمَامِ (٣) .
قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ قَاتَل الْمُرْتَدُّ - ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ - جَازَ أَنْ يَقْتُلَهُ كُل مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ، وَحِينَ أَذِنَ فَلاَ تَعْزِيرَ عَلَى قَاتِلٍ (٤) .
(ر: رِدَّة ف ٣١، ٤٠) .
_________
(١) حَدِيث " لاَ يَحُل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١٢ / ٢٠١ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٣ / ١٣٠٢ - ١٣٠٣ - ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن مَسْعُود وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ
(٢) حَدِيث: " مِنْ بَدَل دِينِهِ فَاقْتُلُوهُ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١٢ / ٢٦٧ - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ
(٣) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٥ / ٣٤٢، والتاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٣١ - ٢٣٣، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ١٤٠، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ١٧٤ - ١٧٥
(٤) أَسْنَى الْمَطَالِب شَرْح رَوْض الطَّالِبِ ٤ / ١٢٢، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ١٤٠
ب - الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً مُكَفِّرَةً:.
٤ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْمُبْتَدِعَ بِدَعَةً مُكَفِّرَةً يُهْدَرُ دَمُهُ لِكُفْرِهِ (١) .
ج - الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ:
٥ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ - وَهُوَ غَيْرُ الذِّمِّيِّ وَالْمُعَاهَدِ وَالْمُؤَمَّنِ - مُهْدَرٌ، فَإِنْ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ فَلاَ تَبِعَةَ عَلَيْهِ إِذَا كَانَ مُقَاتِلًا، أَمَّا إِذَا كَانَ الْكَافِرُ الْحَرْبِيُّ غَيْرَ مُقَاتِلٍ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَجَزَةِ وَالرُّهْبَانِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسُوا أَهْلًا لِلْقِتَال أَوْ لِتَدْبِيرِهَا فَلاَ يَجُوزُ قَتْلُهُ، وَيُعَزَّرُ قَاتِلُهُ، إِلاَّ إِذَا اشْتَرَكَ فِي حَرْبٍ ضِدَّ الْمُسْلِمِينَ أَوْ أَعَانَهُمْ بِرَأْيٍ أَوْ تَدْبِيرٍ أَوْ تَحْرِيضٍ (٢)، لِحَدِيثِ: لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلًا صَغِيرًا وَلاَ امْرَأَةً (٣) وَلِقَوْلِهِ ﷺ فِي شَأْنِ امْرَأَةٍ وُجِدَتْ مَقْتُولَةً: " مَا كَانَتْ
_________
(١) حَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٩٧، وتحفة الْمُحْتَاج مَعَ حَاشِيَةٍ الشرواني ١٠ / ٢٣٦، ومجموع الْفَتَاوَى لاِبْن تَيْمِيَّةَ ٣٥ / ٤١٢ - ٤١٥
(٢) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٨ / ٤٧٥ وَمَا بَعْدَهَا، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٢٢، وجواهر الإِْكْلِيل ١ / ٢٥٢ - ٢٥٣، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٣ / ٢٢٤ - ٢٢٥
(٣) حَدِيث: " لاَ تَقْتُلُوا شَيْخًا فَانِيًا وَلاَ طِفْلًا صَغِيرًا. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن أَبِي شَيْبَة فِي الْمُصَنَّفِ (١٢ / ٣٨٣ - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك
هَذِهِ لِتُقَاتِل (١) .
(ر: أَهْل الْحَرْبِ ف ١١ وَمَا بَعْدَهَا، وَكُفْر ف٦) .
د - الزَّانِي الْمُحْصَنُ:
٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ دَمَ الزَّانِي الْمُحْصَنِ مُهْدَرٌ، وَأَنَّهُ لَوْ أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ غَيْرُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ مِنْ أَفْرَادِ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لأَِنَّهُ غَيْرُ مَعْصُومٍ؛ لِحَدِيثِ: لاَ يَحِل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّي رَسُول اللَّهِ إِلاَّ بِإِحْدَى ثَلاَثٍ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ، وَالثَّيِّبُ الزَّانِي، وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ (٢)، لَكِنْ يُعَزَّرُ، لاِفْتِيَاتِهِ عَلَى الإِْمَامِ؛ لأَِنَّ الأَْصْل أَنَّ إِقَامَةَ الْحُدُودِ وَاسْتِيفَاءَهَا لِلإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ لأَِنَّهُ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَفْتَقِرُ إِلَى اجْتِهَادٍ، وَلاَ يُؤْمَنُ مَعَهُ الْحَيْفُ، فَوَجَبَ تَفْوِيضُهُ إِلَى نَائِبِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ، وَلأَِنَّهُ ﷺ كَانَ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ (٣) .
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ لإِهْدَارِ دَمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ
_________
(١) حَدِيث: " مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِل ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ١٢٢ - ط حِمْص)، والحاكم (٢ / ١٢٢ - ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة)
(٢) حَدِيث: " لاَ يَحُل دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ. . . ". تَقَدَّمَ تَخْرِيجه فِقْرَة (٣)
(٣) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٤٥، المواق بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٣١، وكشاف الْقِنَاع ٦ / ٧٨
إِذَا قَتَلَهُ غَيْرُ الإِْمَامِ أَوْ نَائِبِهِ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْقَضَاءِ بِهِ، فَلَوْ قَتَلَهُ شَخْصٌ قَبْل الْقَضَاءِ بِهِ وَجَبَ الْقِصَاصُ عَلَى الْقَاتِل إِذَا كَانَ الْقَتْل عَمْدًا، وَوَجَبَتِ الدِّيَةُ إِذَا كَانَ خَطَأً؛ لأَِنَّ الشَّهَادَةَ قَبْل الْحُكْمِ بِهَا لاَ حُكْمَ لَهَا (١) . قَال الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَإِنَّمَا لَمْ يُفَوَّضْ إِقَامَةُ الْحَدِّ فِي الزِّنَى لأَِوْلِيَاءِ الْمَزْنِيِّ بِهَا كَالْقِصَاصِ؛ لأَِنَّهُمْ قَدْ يَتْرُكُونَ ذَلِكَ خَوْفًا مِنَ الْعَارِ (٢) .
تَغَيُّرُ حَال الْمَجْرُوحِ:
٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَا إِذَا تَغَيَّرَ حَال الْمَجْرُوحِ مِنْ وَقْتِ الْجُرْحِ إِلَى الْمَوْتِ بِعِصْمَةٍ أَوْ إِهْدَارٍ عَلَى النَّحْوِ التَّالِي:
الْحَالَةُ الأُْولَى: تَغَيُّرُهُ مِنْ حَال الإِْهْدَارِ إِلَى الْعِصْمَةِ، وَذَلِكَ كَأَنْ يَجْرَحَ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ حَرْبِيًّا أَوْ مُرْتَدًّا، فَأَسْلَمَ الْحَرْبِيُّ أَوِ الْمُرْتَدُّ أَوْ أُمِّنَ الْحَرْبِيُّ، ثُمَّ مَاتَ بِسِرَايَةِ الْجُرْحِ، وَلِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَوْلاَنِ:
الْقَوْل الأَْوَّل: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (الْحَنَفِيَّةِ
_________
(١) رَدّ الْمُحْتَارِ عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٣ / ١٤٥
(٢) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ١٥١، وحاشية الشرواني مَعَ تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ١١٥، وحاشية الْجُمَل عَلَى شَرْحِ الْمَنْهَجِ ٥ / ١٣٥
وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ) (١) وَهُوَ أَنَّهُ لاَ ضَمَانَ فِي ذَلِكَ بِقِصَاصٍ وَلاَ مَالٍ، بَل دَمُهُ مُهْدَرٌ؛ لأَِنَّ الْجُرْحَ السَّابِقَ غَيْرُ مَضْمُونٍ؛ لأَِنَّهُ لَمْ يَجْنِ عَلَى مَعْصُومٍ، وَلأَِنَّ الاِعْتِبَارَ فِي التَّضْمِينِ بِابْتِدَاءِ حَال الْجِنَايَةِ؛ لأَِنَّهَا مُوجِبَةٌ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَةِ " كُل جُرْحٍ أَوَّلُهُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لاَ يَنْقَلِبُ مَضْمُونًا بِتَغَيُّرِ الْحَال فِي الاِنْتِهَاءِ ".
الْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: تَجِبُ فِي هَذَا دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ فِي مَال الْجَانِي حَالَّةٌ (٢) .
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: تَجِبُ فِيهِ دِيَةٌ مُخَفَّفَةٌ، أَيْ دِيَةُ حُرٍّ مُسْلِمٍ مُخَفَّفَةٌ اعْتِبَارًا بِحَال اسْتِقْرَارِ الْجِنَايَةِ (٣) .
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ: تَغَيُّرُ حَال الْمَجْرُوحِ مِنْ مَعْصُومٍ إِلَى مُهْدَرِ الدَّمِ، كَأَنِ ارْتَدَّ الْمُسْلِمُ الْمَجْرُوحُ وَمَاتَ بِالسِّرَايَةِ مُرْتَدًّا وَجَارِحُهُ مُسْلِمٌ أَوْ ذِمِّيٌّ، فَالنَّفْسُ مُهْدَرَةٌ لاَ قَوَدَ فِيهَا وَلاَ دِيَةَ وَلاَ كَفَّارَةَ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ قُتِل حِينَئِذٍ مُبَاشَرَةً لَمْ يَجِبْ فِيهِ شَيْءٌ فَكَذَا بِالسِّرَايَةِ.
_________
(١) رَدَّ الْمُحْتَار عَلَى الدَّرِّ الْمُخْتَارِ ٥ / ٣٤١ - ٣٤٥، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٧ / ٦٩٣، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣، والمواق بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٣١، ٢٤٤، ٢٤٥، وكشاف الْقِنَاع ٥ / ٥٢١ - ٥٢٢
(٢) التَّاج وَالإِْكْلِيل بِهَامِش الْحَطَّاب ٦ / ٢٤٤
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٢٣