الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ جَوَازَ اشْتِرَاطِ رَدِّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَال مُسْلِمًا لَيْسَ عَلَى إِطْلاَقِهِ بَل يُعْتَبَرُ بِأَحْوَالِهِمْ عِنْدَ قَوْمِهِمْ وَفِي عَشَائِرِهِمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ أَوْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى قَهْرِ طَالِبِيهِمْ وَالْهَرَبِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانُوا مُسْتَذَلِّينَ فِيهِمْ لَيْسَ لَهُمْ عَشِيرَةٌ تَكُفُّ عَنْهُمُ الأَْذَى وَطَلَبُوهُمْ لِيُعَذِّبُوهُمْ وَيَفْتِنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، لَمْ يَجُزْ رَدُّهُمْ إِلَيْهِمْ. وَكَانَ الشَّرْطُ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِرَدِّهِمْ بَاطِلًا كَمَا بَطَل فِي رَدِّ النِّسَاءِ، حَقْنًا لِلدِّمَاءِ وَكَفًّا عَنْ تَعْذِيبِهِمْ وَاسْتِذْلاَلِهِمْ، فَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ (١)، وَلأَِنَّهُ لَمَّا وَجَبَ عَلَى الإِْمَامِ فَكُّ الأَْسِيرِ الْمُسْلِمِ وَجَبَ أَنْ لاَ يَكُونَ عَوْنًا عَلَى أَسْرِ مُسْلِمٍ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ وَمَنَعَةٍ مِنْ عَشِيرَتِهِ قَدْ أَمِنَ أَنْ يُفْتَنَ عَنْ دِينِهِ أَوْ يَسْتَذِلَّهُ مُسْتَطِيلٌ عَلَيْهِ فَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ وَصَحَّتِ الْهُدْنَةُ بِاشْتِرَاطِ
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْكُمْ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٦٣ - ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر
رَدِّهِ، فَقَدْ رَدَّ النَّبِيُّ ﷺ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَبَا جَنْدَل بْنَ سُهَيْل بْنِ عَمْرٍو عَلَى أَبِيهِ، وَرَدَّ أَبَا بَصِيرٍ عَلَى أَبِيهِ؛ لأَِنَّهُمَا كَانَ ذَوِي عَشِيرَةٍ، وَطَلَبَهُمَا أَهْلُوهُمَا إِشْفَاقًا عَلَيْهِمَا فِي زَعْمِهِمْ (١) .
وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّ الصِّبْيَانَ وَالْمَجَانِينَ لاَ يَجُوزُ الصُّلْحُ بِشَرْطِ رَدِّهِمْ وَلاَ يُرَدُّونَ لِضَعْفِهِمْ وَلاَ غُرْمَ فِي تَرْكِ رَدِّهِمْ، فَإِذَا بَلَغَ الصَّبِيُّ وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ فَإِنْ وَصَفَا الإِْسْلاَمَ رُدَّا إِنْ كَانَا مُمْتَنِعَيْنِ بِعَشِيرَةٍ وَأَهْلٍ، وَإِنْ كَانَا مُسْتَضْعَفَيْنِ لَمْ يُرَدَّا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا لاَ يُقَرُّ أَهْلُهُ عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا، وَإِنْ وَصَفَا كُفْرًا يُقَرُّ أَهْلُهُ فَإِمَّا أَنْ يُسْلِمَا وَإِمَّا أَنْ يَقْبَلاَ الْجِزْيَةَ، وَإِمَّا أَنْ يُرَدَّا إِلَى مَأْمَنِهِمَا (٢) .
وَبِهَذَا يَقُول الْحَنَابِلَةُ فِي صَبِيٍّ مُمَيِّزٍ أَسْلَمَ لأَِنَّهُ مُسْلِمٌ يَضْعُفُ عَنِ التَّخَلُّصِ مِنَ الْكُفَّارِ؛ أَمَّا شَرْطُ رَدِّ الطِّفْل مِنْهُمْ لاَ يَصِحُّ إِسْلاَمُهُ كَكَوْنِهِ دُونَ التَّمْيِيزِ فَيَصِحُّ؛ لأَِنَّهُ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ شَرْعًا وَلاَ يَصْحُّ مِنْهُ الإِْسْلاَمُ لَوْ أَتَى بِهِ لِعَدَمِ صِحَّةِ الْعِبَادَةِ مِنْهُ (٣) .
_________
(١) الْحَاوِي الْكَبِير ١٨ / ٤١٢ - ٤١٣، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٢، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٨
(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٣٤٥، وشرح الْمَحَلِّيّ عَلَى الْمِنْهَاجِ ٤ / ٢٣٩
(٣) مَطَالِب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٨٧ - ٥٨٨
دَفْعُ مَهْرِ مَنْ جِئْنَ مِنَ الْمُسْلِمَاتِ لأَِزْوَاجِهِنَّ:
١٠ - إِذَا شَرَطَ الإِْمَامُ أَوْ نَائِبُهُ رَدَّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا مِنْهُمْ، أَوْ أَطْلَقَ وَلَمْ يَذْكُرْ رَدًّا وَلاَ عَدَمَهُ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ لَمْ يَجِبْ دَفْعُ مَهْرٍ لِزَوْجِهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ - الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ وَالْحَنَابِلَةِ - قَالُوا: لأَِنَّ الْبُضْعَ لَيْسَ بِمَالٍ حَتَّى يَشْمَلَهُ الأَْمَانُ وَلاِرْتِفَاعِ نِكَاحِهَا قَبْل الدُّخُول وَبَعْدَهُ بِالإِْسْلاَمِ، أَمَّا غُرْمُ النَّبِيِّ ﷺ الْمَهْرَ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِيعِ فَإِنَّهُ كَانَ قَبْل مَنْعِ رَدِّهِنَّ وَدُخُولِهِنَّ فِي عُمُومِ: مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ (١) .
وَقَال بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ ﷺ كَانَ قَدْ شَرَطَ لَهُمْ رَدَّ مَنْ جَاءَتْهُ مُسْلِمَةً ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ (٢)﴾ فَغَرِمَ حِينَئِذٍ لاِمْتِنَاعِ رَدِّهَا بَعْدَ الشَّرْطِ بِهِ نَصًّا، أَوْ دُخُولَهُنَّ فِي عُمُوم " مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا ".
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ: إِذَا أُمْسِكَتِ الْمُسْلِمَةُ وَلَمْ يَرُدَّهَا رَدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَهُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَءَاتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا (٣)﴾،
_________
(١) حَدِيث: مَنْ جَاءَنَا مُسْلِمًا مِنْكُمْ رَدَدْنَاهُ وَرَدّ مَعْنَاهُ فِي حَدِيثِ اشْتِرَاطِ قُرَيْش عَلَى الرَّسُول ﷺ، أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٤١١ - ط الْحَلَبِيّ)
(٢) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / ١٠
(٣) سُورَةُ الْمُمْتَحَنَةِ / ١٠
وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَهْرُ، وَبِهِ قَال عَطَاءٌ، وَقَالُوا: أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى إِذَا أُمْسِكَتِ الزَّوْجَةُ الْمُسْلِمَةُ أَنْ يُرَدَّ عَلَى زَوْجِهَا مَا أَنْفَقَ وَفَاءً بِالْعَهْدِ؛ وَلأَِنَّهُ لَمَّا مُنِعَ مِنْ أَهْلِهِ بِحُرْمَةِ الإِْسْلاَمِ أُمِرَ بِرَدِّ الْمَال إِلَيْهِ؛ حَتَّى لاَ يَقَعَ عَلَيْهِ خُسْرَانٌ فِي الْوَجْهَيْنِ: الزَّوْجَةِ وَالْمَال؛ وَلأَِنَّ الْعَهْدَ قَدْ أَوْجَبَ الأَْمَانَ عَلَى الأَْمْوَال، وَبُضْعُ الزَّوْجَةِ فِي حُكْمِ الْمَال لِصِحَّةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ نِكَاحًا وَخُلْعًا؛ فَاقْتَضَى أَنْ يَجِبَ بِالْمَنْعِ مِنْهُ الرُّجُوعُ بِبَدَلِهِ وَهُوَ الْمَهْرُ (١) .
شَرْطُ رَدِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَيْهِمْ مُرْتَدًّا:
١١ - نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ شَرَطَ الإِْمَامُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَرُدُّوا مَنْ أَتَى إِلَيْهِمْ مُرْتَدًّا لَزِمَهُمُ الْوَفَاءُ بِالشَّرْطِ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا، ذَكَرًا كَانَ أَمْ أُنْثَى، عَمَلًا بِالْتِزَامِهِمْ فَإِنْ أَبَوْا فَقَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ لِمُخَالَفَتِهِمُ الشَّرْطَ.
وَيَجُوزُ شَرْطُ أَنْ لاَ يَرُدُّوا مَنْ جَاءَهُمْ مُرْتَدًّا مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَِنَّ الْمُشْرِكِينَ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ ﷺ فِي
_________
(١) الْجَامِع لأَِحْكَام الْقِرَان ١٨ / ٥٨، وأحكام الْقُرْآن لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ٤ / ١٧٧٦ - ١٧٧٨، والحاوي الْكَبِير ١٨ / ٤١٩، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٣، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٩، والمغني ٨ / ٤٦٤، وفتح الْقَدِير ٥ / ٢٠٨ - ٢٠٩
صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ: أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكُمْ، وَمَنْ جَاءَكُمْ مِنَّا رَدَدْتُمُوهُ عَلَيْنَا، فَقَال الصَّحَابَةُ: يَا رَسُول اللَّهِ، أَنَكْتُبُ هَذَا؟ قَال: نَعَمْ، إِنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إِلَيْهِمْ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، وَمَنْ جَاءَنَا مِنْهُمْ سَيَجْعَل اللَّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا (١)، وَحِينَئِذٍ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الرَّدُّ، وَكَذَا إِنْ أَطْلَقَ الْعَقْدَ فَلاَ يَلْزَمُهُمُ الرَّدُّ، وَلَكِنْ يُغَرَّمُونَ مَهْرَ الْمُرْتَدَّةِ؛ لأَِنَّهُمْ فَوَّتُوا عَلَيْنَا الاِسْتِتَابَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْنَا؛ وَكَذَلِكَ يُغَرَّمُونَ قِيمَةَ الرَّقِيقِ الْمُرْتَدِّ (٢) .
عَقْدُ الْهُدْنَةِ بِشَرْطٍ مَحْظُورٍ لِلضَّرُورَةِ:
١٢ - يَجُوزُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ عَقْدُ الْهُدْنَةِ بِشَرْطٍ مَحْظُورٍ، وَمِنْ أَمْثِلَةِ ذَلِكَ اشْتِرَاطُ بَذْل الْمَال لِلْكُفَّارِ.
فَقَدِ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عَلَى مَالٍ يَبْذُلُهُ الْمُسْلِمُونَ لأَِهْل الْحَرْبِ مَا لَمْ تَدْعُ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَزَّ الإِْسْلاَمَ وَأَهْلَهُ وَأَظْهَرَهُ عَلَى الأَْدْيَانِ كُلِّهَا وَجَعَل لَهُمُ الْجَنَّةَ قَاتِلِينَ وَمَقْتُولِينَ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيل
_________
(١) حَدِيث: " إِنَّ الْمُشَارِكِينَ اشْتَرَطُوا عَلَيْهِ ﷺ. . . " أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٤١١ - ط الْحَلَبِيّ)
(٢) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ٣١١، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٤٦٣ وَمَا بَعْدَهَا، وشرح رَوَّضَ الطَّالِبُ ٤ / ٢٢٨
اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ (١)﴾، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ ثَوَابِ الشَّهَادَةِ وَعِزِّ الإِْسْلاَمِ أَنْ يَدْخُلُوا فِي ذُل الْبَذْل وَصَغَارِ الدَّفْعِ، أَمَّا إِذَا دَعَتْ إِلَيْهِ الضَّرُورَةُ فَيَجُوزُ (٢) .
وَمِنْ صُوَرِ الضَّرُورَةِ:
أ - أَنْ يُحَاطَ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي قِتَالٍ أَوْ وَطْءٍ يَخَافُونَ مَعَهُ الاِصْطِلاَمَ، فَلاَ بَأْسَ أَنْ يَبْذُلُوا فِي الدَّفْعِ عَنِ اصْطِلاَمِهِمْ مَالًا يَحْقِنُونَ بِهِ دِمَاءَهُمْ، فَقَدَ هَمَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَامَ الْخَنْدَقِ أَنْ يُصَالِحَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الثُّلُثِ مِنْ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَشَاوَرَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ وَسَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَقَالاَ: إِنْ كُنْتَ أُمِرْتَ بِشَيْءٍ فَامْضِ لأَِمْرِ اللَّهِ، بِأَمْرِ اللَّهِ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ نَقْبَلْهُ (٣) .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو
_________
(١) سُورَةُ التَّوْبَةِ / ١١١
(٢) الْحَاوِي ١٨ / ٤١٠، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٦، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٩٧، وشرح السِّيَر الْكَبِير ٥ / ١٦٩٢، والمغني ٨ / ٤٦٠، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ ٣ / ٧٠ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ
(٣) حَدِيث: " هُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَام الْخَنْدَق أَنْ يُصَالِحَ الْمُشْرِكِينَ. . . ". أَخْرَجَهُ عَبْد الرَّزَّاق فِي الْمُصَنَّفِ (٥ / ٣٦٧، ٣٦٨ - ط الْمَجْلِس الْعِلْمِيّ - بُومْبَاي)
الْغَطَفَانِيَّ رَئِيسَ غَطَفَانَ قَال لِلنَّبِيِّ ﷺ: يَا مُحَمَّدُ، شَاطِرْنَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ. فَقَال: حَتَّى أَسْتَأْمِرَ السُّعُودَ، فَبَعَثَ إِلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ وَسَعْدِ بْنِ خَيْثَمٍ وَسَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ. فَقَال: " إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّ الْحَارِثَ سَأَلَكُمْ تُشَاطِرُوهُ تَمْرَ الْمَدِينَةِ، فَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَدْفَعُوهُ عَامَكُمْ هَذَا فِي أَمْرِكُمْ بَعْدُ. فَقَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، أَوَحْيٌ مِنَ السَّمَاءِ فَالتَّسْلِيمُ لأَِمْرِ اللَّهِ، أَوْ عَنْ رَأْيِكَ وَهَوَاكَ فَرَأَيْنَا نَتَّبِعُ هَوَاكَ وَرَأْيَكَ، فَإِنْ كُنْتَ إِنَّمَا تُرِيدُ الإِْبْقَاءَ عَلَيْنَا فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتَنَا وَإِيَّاهُمْ عَلَى سَوَاءٍ، مَا يَنَالُونَ مِنَّا تَمْرَةً إِلاَّ شِرَاءً أَوْ قِرًى. فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: هُوَ ذَا تَسْمَعُونَ مَا يَقُولُونَ (١)، هُوَ - وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِمْ - فَقَدْ نَبَّهَ بِالرُّجُوعِ إِلَى الأَْنْصَارِ عَلَى جَوَازِ إِعْطَائِهِمْ عِنْدَ الضَّرُورَةِ وَلأَِنَّ مَا يَنَال الْمُسْلِمِينَ مِنْ نِكَايَةِ الاِصْطِلاَمِ أَعْظَمُ ضَرَرًا مِنْ ذِلَّةِ الْبَذْل، فَافْتَدَى بِهِ أَعْظَمَ الضَّرَرَيْنِ.
ب - افْتِدَاءُ مَنْ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الأَْسْرَى إِذَا خِيفَ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَكَانُوا يَسْتَذِلُّونَهُمْ بِعَذَابٍ أَوِ امْتِهَانٍ، فَيَجُوزُ أَنْ يَبْذُل لَهُمُ الإِْمَامُ فِي
_________
(١) حَدِيث: " يَا مُحَمَّد شَاطَرْنَا تَمْر الْمَدِينَةِ. . . " عَزَّاهُ الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٦ / ١٣٢، ١٣٣ - ط الْقُدْسِيّ) إِلَى الْبَزَّارِ والطبراني، وَقَال: فِيهِمَا مُحَمَّد بْن عَمْرو وَحَدِيثه حَسَن، وَبَقِيَّة رُوَاتِهِ ثِقَات
افْتِكَاكِهِمْ مَالًا لِيَسْتَنْقِذَهُمْ بِهِ مِنَ الذُّل، وَإِنِ افْتَدَاهُمْ بِأَسْرَى كَانَ أَوْلَى (١) .
وَرَوَى عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَادَى رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ (٢) .
أَثَرُ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ عَلَى عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
١٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي فَسَادِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ عِنْدَ اقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مِنَ الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الصَّحِيحِ إِلَى أَنَّهُ لَوْ شُرِطَ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ شَرْطٌ فَاسِدٌ بَطَل الشَّرْطُ وَلاَ يَجِبِ الْوَفَاءُ بِهِ وَلاَ تَبْطُل الْهُدْنَةُ (٣) لأَِنَّهَا لَيْسَتْ كَالْبُيُوعِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَبْطُل بِفَسَادِ الشَّرْطِ؛ لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَنِ؛ وَلَيْسَتْ بِأَوْكَدَ مِنْ عُقُودِ الْمُنَاكَحَاتِ الَّتِي لاَ تَبْطُل بِفَسَادِ الْمَهْرِ (٤) .
_________
(١) الْحَاوِي للماوردي ١٨ / ٤١٠، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٣٠٦، وحاشية الدُّسُوقِيّ ٢ / ٢٠٦، والفتاوى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٩٧، والمغنى لاِبْنِ قُدَامَةَ ٨ / ٤٦٠ - ٤٦١
(٢) حَدِيث " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ فَادَى رَجُلًا بِرَجُلَيْنِ. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٣ / ١٢٦٢ - ط الْحَلَبِيّ)
(٣) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٢ / ١٩٧، ومطالب أُولِي النُّهَى ٢ / ٥٨٧، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٨ / ٤٦٦، والحاوي للماوردي ١٨ / ٤١٢، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦١
(٤) الْحَاوِي ١٨ / ٤١٢
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى فَسَادِ الشَّرْطِ وَالْعَقْدِ مَعًا، أَمَّا فَسَادُ الشَّرْطِ فَلأَِنَّهُ أَحَل حَرَامًا؛ وَأَمَّا فَسَادُ الْعَقْدِ فَلاِقْتِرَانِهِ بِشَرْطٍ مُفْسِدٍ (١) .
صِفَةُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ:
١٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي صِفَةِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ أَهُوَ لاَزِمٌ أَمْ جَائِزٌ؟ فَذَهَبَ جُمْهُورُهُمْ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّهُ عَقْدٌ لاَزِمٌ، فَإِنْ وَقَعَ صَحِيحًا فَلَيْسَ لِلإِْمَامِ الْعَاقِدِ وَلاَ لِلأَْئِمَّةِ بَعْدَهُ نَقَضُهُ، وَلَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ حَتَّى تَنْقَضِيَ الْمُدَّةُ، أَوْ يَصْدُرَ مِنْهُمْ مَا يَقْتَضِي الاِنْتِقَاضَ مِنْ قِتَالٍ أَوْ غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (٢)﴾، وَقَوْلِهِ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: ﴿فَأَتِمُّوا إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ (٣)﴾ فَإِذَا مَاتَ الإِْمَامُ الَّذِي عَقَدَ الْعَهْدَ أَوْ عُزِل فَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ نَقْضُ الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الإِْمَامَ الأَْوَّل عَقَدَهَا بِاجْتِهَادِهِ فَلَمْ يَجُزْ نَقْضُهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ، وَإِنْ تَبَيَّنَ الْعَقْدُ فَاسِدًا بِاجْتِهَادِ الإِْمَامِ الْجَدِيدِ، كَمَا لاَ يَجُوزُ لِلْقَاضِي نَقْضُ أَحْكَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْقُضَاةِ قَبْلَهُ بِاجْتِهَادِهِ.
_________
(١) حَاشِيَة الشَّرْقَاوَيَّ عَلَى التَّحْرِيرِ ٢ / ٤١٩ ط الْحَلَبِيّ، والمغني ٨ / ٤٦٦، والدسوقي ٢ / ٢٠٦، والخرشي ٣ / ١٥٠، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٣
(٢) سُورَةُ الْمَائِدَةِ / ١
(٣) سُورَةُ التَّوْبَةِ / ٤
وَلأَِنَّهُ إِنْ لَمْ يَفِ بِالْعُهُودِ لَمْ يَسْكُنْ إِلَى عُقُودِهِ وَقَدْ نَحْتَاجُ إِلَيْهَا؛ أَمَّا إِنْ بَانَ فَسَادُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ بِنَصٍّ أَوْ إِجْمَاعٍ فَيُلْغَى، وَيُعْلَنُ إِلَيْهِمْ بِفَسَادِ الْهُدْنَةِ وَيُبْلَغُونَ مَأْمَنَهُمْ، فَإِنْ دَخَل بَعْضُهُمْ دَارَ الإِْسْلاَمِ بِهَذَا الصُّلْحِ كَانَ آمِنًا؛ لأَِنَّهُ دَخَل مُعْتَقِدًا بِالأَْمَانِ وَيُرَدُّ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، وَلاَ يُقَرُّ بِدَارِ الإِْسْلاَمِ؛ لأَِنَّ الْهُدْنَةَ لَمْ تَصِحَّ (١) .
١٥ - وَإِنْ شَرَطَ الإِْمَامُ لِنَفْسِهِ فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ مَا يَنْفِي لُزُومَهُ فَقَدْ أَجَازَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْقَاضِي أَبُو يَعْلَى مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَمَنَعَهُ الْحَنَابِلَةُ.
فَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ تَعْلِيقُ اسْتِدَامَةِ الْهُدْنَةِ عَلَى مَشِيئَةِ الإِْمَامِ يَنْقُضُهَا مَتَى شَاءَ، فَإِنْ عُلِّقَتْ بِمَشِيئَتِهِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُقَدَّرَةِ الْمُدَّةِ؛ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ حِينَ وَادَعَ يَهُودَ خَيْبَرَ قَال: " نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا (٢) وَيَكُونُ الإِْمَامُ مُخَيَّرًا فِيهَا إِذَا أَرَادَ نَقْضَهَا؛ لأَِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَةِ الَّتِي تُمْنَعُ الْجَهَالَةُ فِيهَا؛ وَإِذَا جَازَ إِطْلاَقُهَا بِغَيْرِ مُدَّةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقُول لَهُمْ:
_________
(١) أَسْنَى الْمَطَالِب ٤ / ٢٢٥، ومغني الْمُحْتَاج ٤ / ٢٦٢، والمغني ٨ / ٤٦٢، وكشاف الْقَاع ٣ / ١١١ - ١١٢، والإنصاف ٤ / ٢١٣، والدسوقي ٢ / ٢٠٦ وَمَا بَعْدَهَا
(٢) حَدِيث: " نُقِرُّكُمْ بِهَا عَلَى ذَلِكَ مَا شِئْنَا " أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٢١ - ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٣ / ١١٨٨ - ط الْحَلَبِيّ)، مِنْ حَدِيثِ ابْن عُمَر