الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 37

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

بِهِ الْمُنْكَرُ أَوْ مِنْ أَرْضٍ أَصَابَ فِيهِ الذَّنْبَ وَارْتَكَبَ الأَْمْرَ الْفَظِيعَ (١) .

قَال الْمُلاَّ الْقَارِيُّ: إِنَّ الْهِجْرَةَ الَّتِي هِيَ مُفَارَقَةُ الْوَطَنِ الَّتِي كَانَتْ مَطْلُوبَةً عَلَى الأَْعْيَانِ إِلَى الْمَدِينَةِ انْقَطَعَتْ، إِلاَّ أَنَّ الْمُفَارَقَةَ بِسَبَبِ الْجِهَادِ أَوْ بِسَبَبِ نِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَالْفِرَارِ مِنْ دِيَارِ الْكُفْرِ أَوِ الْبِدْعَةِ أَوِ الْجَهْل أَوْ مِنَ الْفِتَنِ أَوْ لِطَلَبِ الْعِلْمِ بَاقِيَةٌ غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ (٢) .

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ: اسْتَثْنَى فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ مِنْ نَسْخِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ مَا إِذَا أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ، فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ (٣) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: قَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ الذَّهَابَ فِي الأَْرْضِ قِسْمَيْنِ: هَرَبًا وَطَلَبًا.

فَالأَْوَّل يَنْقَسِمُ إِلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ:

الأَْوَّل: الْهِجْرَةُ وَهِيَ الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ، وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ

_________

(١) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ١٨٢، والبحر الرَّائِق ١ / ٣٦٨، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ ١٠ / ٦، وشرح السِّيَر الْكَبِير ١ / ٩٤ ط مَطْبَعَة الإِْعْلاَنَات الشَّرْقِيَّة، ومعالم السُّنَن لِلْخَطَّابِيِّ ٣ / ٣٥٢، والفروع لاِبْن مُفْلِح ٦ / ١٨٢

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ١٨٢

(٣) الْبَحْر الرَّائِق ١ / ٣٦٨

النَّبِيِّ ﷺ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَإِنْ بَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ عَصَى، وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ.

الثَّانِي: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ. قَال ابْنُ الْقَاسِمِ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُول: لاَ يَحِل لأَِحَدٍ أَنْ يُقِيمَ بِأَرْضٍ يُسَبُّ فِيهَا السَّلَفُ. قَال ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إِذَا لَمْ تَقْدِرْ أَنْ تُغَيِّرَهُ فَزُل عَنْهُ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١)﴾ .

الثَّالِثُ: الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ، فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلاَل فَرْضٌ عَلَى كُل مُسْلِمٍ.

الرَّابِعُ: الْفِرَارُ مِنَ الأَْذِيَّةِ فِي الْبَدَنِ، وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ أَرْخَصَ فِيهِ، فَإِذَا خَشِيَ عَلَى نَفْسِهِ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ. وَأَوَّل مَنْ فَعَلَهُ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلاَمُ، فَإِنَّهُ لَمَّا خَافَ مِنْ قَوْمِهِ قَال: ﴿إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي (٢)﴾ . وَقَال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٣)﴾، وَقَال مُخْبِرًا

_________

(١) سُورَة الإِْنْعَام / ٦٨

(٢) سُورَة الْعَنْكَبُوتِ / ٢٦

(٣) سُورَة الصَّافَّات / ٩٩

عَنْ مُوسَى: ﴿فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ (١)﴾ .

الْخَامِسُ: خَوْفُ الْمَرَضِ فِي الْبِلاَدِ الْوَخِمَةِ وَالْخُرُوجُ مِنْهَا إِلَى الأَْرْضِ النَّزِهَةِ. وَقَدْ أَذِنَ ﷺ لِلرُّعَاةِ حِينَ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَخْرُجُوا إِلَى الْمَسْرَحِ فَيَكُونُوا فِيهِ حَتَّى يَصِحُّوا (٢) .

وَقَدِ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنَ الطَّاعُونِ، فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ نَبِيِّهِ ﷺ (٣) وَهُوَ مَكْرُوهٌ.

السَّادِسُ: الْفِرَارُ خَوْفَ الأَْذِيَّةِ فِي الْمَال، فَإِنَّ حُرْمَةَ مَال الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ، وَالأَْهْل مِثْلُهُ وَأَوْكَدُ.

وَقَالُوا: وَلاَ يُسْقِطُ هَذِهِ الْهِجْرَةَ الْوَاجِبَةَ إِلاَّ تَصَوُّرُ الْعَجْزِ عَنْهَا بِكُل وَجْهٍ وَحَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٤)﴾ .

_________

(١) سُورَة الْقَصَصِ / ٢١

(٢) حَدِيث: " أَذِنَ الرَّسُول ﷺ لِلرُّعَاةِ حِينَ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَة. . . "

(٣) حَدِيث: " الْمَنْع مِنَ الْخُرُوجِ مِنَ الطَّاعُونِ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٦ / ٥١٣ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٤ / ١٧٣٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أُسَامَة بْن زَيْد ﵁

(٤) سُورَة النِّسَاء / ٩٨ - ٩٩

قَالُوا: فَهَذَا الاِسْتِضْعَافُ الْمَعْفُوُّ عَمَّنِ اتَّصَفَ بِهِ غَيْرُ الاِسْتِضْعَافِ الْمُعْتَذَرِ بِهِ فِي أَوَّل الآْيَةِ وَصَدْرِهَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَْرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (١)﴾، وَهُوَ قَوْل الظَّالِمِي أَنْفُسِهِمْ: ﴿كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَْرْضِ﴾ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَقْبَل قَوْلَهُمْ فِي الاِعْتِذَارِ بِهِ، فَدَل عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ وَجْهٍ مَا، وَعَفَا عَنِ الاِسْتِضْعَافِ الَّذِي لاَ يُسْتَطَاعُ مَعَهُ حِيلَةٌ وَلاَ يُهْتَدَى بِهِ سَبِيلٌ بِقَوْلِهِ ﴿فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وَعَسَى مِنَ اللَّهِ وَاجِبَةٌ. فَالْمُسْتَضْعَفُ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ فِي الْعَجْزِ عَنِ الْهِجْرَةِ هُوَ الْعَاجِزُ مِنْ كُل وَجْهٍ. فَإِذَا عَجَزَ الْمُبْتَلَى بِهَذِهِ الإِْقَامَةِ عَنِ الْفِرَارِ بِدِينِهِ، وَلَمْ يَسْتَطِعْ سَبِيلًا إِلَيْهَا، وَلاَ ظَهَرَتْ لَهُ حِيلَةٌ وَلاَ قُدْرَةٌ عَلَيْهَا بِوَجْهٍ وَلاَ حَالٍ، أَوْ كَانَ بِمَثَابَةِ الْمُقْعَدِ أَوِ الْمَأْسُورِ، أَوْ كَانَ مَرِيضًا جِدًّا، أَوْ ضَعِيفًا جِدًّا، فَحِينَئِذٍ يُرْجَى لَهُ الْعَفْوُ، وَيَصِيرُ بِمَثَابَةِ الْمُكْرَهِ عَلَى التَّلَفُّظِ بِالْكُفْرِ، وَمَعَ هَذَا لاَ بُدَّ أَنْ تَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ قَائِمَةٌ أَنَّهُ لَوْ قَدَرَ وَتَمَكَّنَ لَهَاجَرَ، وَعَزْمٌ صَادِقٌ مُسْتَصْحَبٌ أَنَّهُ إِنْ ظَفِرَ بِمَكِنَةٍ وَقْتًا

_________

(١) سُورَة النِّسَاء / ٩٧

مَا فِيهَا هَاجَرَ، وَأَمَّا الْمُسْتَطِيعُ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَبِأَيِّ حِيلَةٍ تَمَكَّنَ مِنْهَا فَهُوَ غَيْرُ مَعْذُورٍ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ إِنْ أَقَامَ (١) .

وَأَمَّا قِسْمُ الطَّلَبِ فَيَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ: طَلَبُ دِينٍ وَطَلَبُ دُنْيَا.

فَأَمَّا طَلَبُ الدِّينِ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ إِلَى تِسْعِ أَقْسَامٍ:

الأَْوَّل: سَفَرُ الْعِبْرَةِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ (٢)﴾ وَهُوَ كَثِيرٌ. وَيُقَال: إِنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّمَا طَافَ الأَْرْضَ لِيَرَى عَجَائِبَهَا. وَقِيل: لِيُنَفِّذَ الْحَقَّ فِيهَا.

الثَّانِي: سَفَرُ الْحَجِّ. وَالأَْوَّل وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَهَذَا فَرْضٌ.

الثَّالِثُ: سَفَرُ الْجِهَادِ وَلَهُ أَحْكَامُهُ.

الرَّابِعُ: سَفَرُ الْمَعَاشِ، فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الرَّجُل مَعَاشُهُ مَعَ الإِْقَامَةِ فَيَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ لاَ يَزِيدُ عَلَيْهِ، مِنْ صَيْدٍ أَوِ احْتِطَابٍ أَوِ احْتِشَاشٍ، فَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ.

_________

(١) الْمِعْيَارَ الْمُعَرَّب للونشريسي (ط دَار الْغَرْبِ الإِْسْلاَمِيّ) ٢ / ١٢١ وَمَا بَعْدَهَا، وانظر فَتْح الْعَلِيّ الْمَالِك لعليش ١ / ٣٧٥

(٢) سُورَة الرُّومِ / ٩

الْخَامِسُ: سَفَرُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ الزَّائِدِ عَلَى الْقُوتِ، وَذَلِكَ جَائِزٌ بِفَضْل اللَّهِ ﷾، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ (١)﴾ يَعْنِي التِّجَارَةَ، وَهِيَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ بِهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ، فَكَيْفَ إِذَا انْفَرَدَتْ.

السَّادِسُ: فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ.

السَّابِعُ: قَصْدُ الْبِقَاعِ، قَال ﷺ: لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ (٢) .

الثَّامِنُ: الثُّغُورُ لِلرِّبَاطِ بِهَا وَتَكْثِيرِ سَوَادِهَا لِلذَّبِّ عَنْهَا.

التَّاسِعُ: زِيَارَةُ الإِْخْوَانِ فِي اللَّهِ تَعَالَى، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخًا لَهُ فِي قَرْيَةٍ أُخْرَى، فَأَرْصَدَ اللَّهُ لَهُ عَلَى مَدْرَجَتِهِ مَلَكًا، فَلَمَّا أَتَى عَلَيْهِ قَال: أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَال: أُرِيدُ أَخًا لِي فِي هَذِهِ الْقَرْيَةِ. قَال: هَل لَكَ عَلَيْهِ مِنْ نِعْمَةٍ تَرُبُّهَا؟ قَال: لاَ، غَيْرَ أَنِّي أَحْبَبْتُهُ فِي اللَّهِ ﷿. قَال: فَإِنِّي رَسُول

_________

(١) سُورَة الْبَقَرَة / ١٩٨

(٢) حَدِيث: " لاَ تُشَدُّ الرِّحَال إِلاَّ إِلَى ثَلاَثَةِ مَسَاجِدَ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٣ / ٦٣ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٢ / ١٠١٤ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁

اللَّهِ إِلَيْكَ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّكَ كَمَا أَحْبَبْتَهُ فِيهِ (١) .

هِجْرَةُ الْمَرْأَةِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ:

١١ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا إِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ إِظْهَارَ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ - إِلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْمَرْأَةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ شُرُوطِ السَّفَرِ فِي حَقِّهَا عَلَى النَّحْوِ التَّالِي (٢) .

قَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ أَسْلَمَتِ الْمَرْأَةُ بِدَارِ الْحَرْبِ فَإِنَّهَا تَخْرُجُ مِنْهَا مَعَ رُفْقَةٍ مَأْمُونَةٍ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْهَا وَكَانَ يَحْصُل بِكُلٍّ مِنْ بَقَائِهَا وَخُرُوجِهَا ضَرَرٌ فَإِنْ خَفَّ أَحَدُهُمَا ارْتَكَبَتْهُ، وَإِنْ تَسَاوَيَا خُيِّرَتْ (٣) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: تَجِبُ الْهِجْرَةُ عَلَى مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ إِظْهَارَ دِينِهِ وَخَافَ فِتْنَةً فِيهِ، إِنْ أَطَاقَهَا، وَيُعَدُّ عَاصِيًا بِإِقَامَتِهِ، وَلَوْ أُنْثَى لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا مَعَ أَمْنِهَا عَلَى نَفْسِهَا، أَوْ كَانَ خَوْفُ الطَّرِيقِ أَقَل مِنْ خَوْفِ الإِْقَامَةِ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ قَوْلِهِمْ

_________

(١) حَدِيث: " أَنَّ رَجُلًا زَارَ أَخَا لَهُ فِي قَرْيَة. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤ / ١٩٨٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)

(٢) نِهَايَة الْمُحْتَاجِ ٨ / ٧٨، وكفاية الطَّالِب الرَّبَّانِيّ مَعَ حَاشِيَةِ الْعَدَوِيّ ٢ / ٤٥٠، والزرقاني ٢ / ٢٣٧، والمبدع ٣ / ٣١٤

(٣) شَرح الزُّرْقَانِيّ ٢ / ٢٣٧

بِوُجُوبِ الْهِجْرَةِ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهَا مِمَّنْ لاَ يَسْتَطِيعُ إِظْهَارَ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ: مَنْ فِي إِقَامَتِهِ مَصْلَحَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ فَتَجُوزُ لَهُ الإِْقَامَةُ فِيهَا. قَال الرَّمْلِيُّ: بَل تُرَجَّحُ عَلَى الْهِجْرَةِ (١)، أَخْذًا مِمَّا جَاءَ أَنَّ الْعَبَّاسَ ﵁ أَسْلَمَ قَبْل بَدْرٍ، وَاسْتَمَرَّ مُخْفِيًا إِسْلاَمَهُ إِلَى فَتْحِ مَكَّةَ، يَكْتُبُ بِأَخْبَارِهِمْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، وَكَانَ يُحِبُّ الْقُدُومَ عَلَيْهِ فَيَكْتُبُ لَهُ أَنَّ مَقَامَكَ بِمَكَّةَ خَيْرٌ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِذَا وَجَبَتِ الْهِجْرَةُ لِعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَى إِظْهَارِ الدِّينِ وَإِطَاقَتِهَا، فَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُل وَالْمَرْأَةِ، وَلَوْ كَانَتْ فِي عِدَّةٍ بِلاَ رَاحِلَةٍ وَلاَ مَحْرَمٍ.

وَفِي عُيُونِ الْمَسَائِل وَالرِّعَايَتَيْنِ: إِنْ أَمِنَتْ عَلَى نَفْسِهَا مِنَ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهَا لَمْ تُهَاجِرْ إِلاَّ بِمَحْرَمٍ كَالْحَجِّ. وَزَادَ فِي الشَّرْحِ وَشَرْحِ الْهِدَايَةِ لِلْمَجْدِ: وَإِنْ لَمْ تَأْمَنْهُمْ فَلَهَا الْخُرُوجُ حَتَّى وَحْدَهَا (٣) .

_________

(١) تُحْفَة الْمُحْتَاج وَحَاشِيَة الشرواني عَلَيْهِ ٩ / ٢٦٩ وَمَا بَعْدَهَا، وأسنى الْمَطَالِب وَحَاشِيَة الرَّمْلِيّ عَلَيْهِ ٤ / ٢٠٤، ونهاية المحتاج ٨ / ٧٨

(٢) حَدِيث: " أَنَّ الْعَبَّاس ﵁ أَسْلَمَ قَبْل بَدْر، وَاسْتَمَرَّ مُخْفِيًا. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن سَعْد فِي الطَّبَقَاتِ (٤ / ٣١ ط دَار بَيْرُوتَ)، وذكره الذَّهَبِيّ فِي السَّيْرِ (٢ / ٩٨ - ٩٩ ط مُؤَسَّسَة الرِّسَالَة)، وَقَال: إِسْنَادُهُ ضَعِيف

(٣) كَشَّاف الْقِنَاع ٣ / ٤٤، والمبدع ٣ / ٣١٤، والفروع لاِبْن مُفْلِح ٦ / ١٩٧

أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ: فَقَدْ نَصُّوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَسْلَمَتْ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً أَسِيرَةً - كَانَ لَهَا أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ بِدُونِ مَحْرَمٍ؛ لأَِنَّهَا لاَ تَقْصِدُ سَفَرًا، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ الْخَلاَصَ حَتَّى لَوْ وَصَلَتْ إِلَى جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ، وَلَهُمْ مَنَعَةٌ لاَ يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ مِنْ عِنْدِهِمْ وَتُسَافِرَ (١) .

عِدَّةُ الْمُهَاجِرِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ.

١٢ - نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ: تُنْكَحُ الْمُهَاجِرَةُ الْحَائِل بِلاَ عِدَّةٍ، فَيَجُوزُ تَزَوُّجُ مَنْ هَاجَرَتْ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً وَلاَ عِدَّةَ عَلَيْهَا. أَمَّا الْحَامِل فَلاَ يَجُوزُ تَزَوُّجُهَا حَتَّى تَضَعَ وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: يَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لأَِنَّهَا حُرَّةٌ فَارَقَتْ زَوْجَهَا بَعْدَ الإِْصَابَةِ، وَفُرْقَتُهَا وَقَعَتْ فِي دَارِ الإِْسْلاَمِ، فَتَلْزَمُهَا الْعِدَّةُ كَالْمُطَلَّقَةِ فِي دَارِنَا، وَهَذَا لأَِنَّ الْعِدَّةَ حَقُّ الشَّرْعِ، كَيْلاَ يَجْتَمِعَ مَاءُ رَجُلَيْنِ فِي رَحِمِهَا وَذَلِكَ مُحْتَرَمٌ حَتَّى يَثْبُتَ نَسَبُهُ إِلَى سَنَتَيْنِ، بِخِلاَفِ الْمُطَلَّقَةِ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَهِيَ حَرْبِيَّةٌ ثُمَّ خَرَجَتْ إِلَيْنَا حَيْثُ لاَ تَجِبُ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ؛ لأَِنَّ الطَّلاَقَ وَقَعَ غَيْرَ مُوجِبٍ لِلْعِدَّةِ لِكَوْنِهَا غَيْرَ مُخَاطَبَةٍ، فَلاَ

_________

(١) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٣ / ١٧٤، والبحر الرَّائِق ٢ / ٣٣٨

يَنْقَلِبُ مُوجِبًا، وَلأَِبِي حَنِيفَةَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ (١)﴾ فَأَبَاحَ نِكَاحَ الْمُهَاجِرَةِ مُطْلَقًا فَتَقْيِيدُهُ بِمَا بَعْدَ الْعِدَّةِ زِيَادَةٌ، الزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ (٢)﴾، فَمَنْ مَنَعَ فَقَدْ أَمْسَكَ وَلأَِنَّهَا فُرْقَةٌ وَقَعَتْ بِتَبَايُنِ الدَّارَيْنِ فَلاَ تُوجِبُ الْعِدَّةَ كَمَا فِي الْمَسْبِيَّةِ، وَهَذَا لأَِنَّ تَبَايُنَ الدَّارَيْنِ مُنَافٍ لِلنِّكَاحِ فَيَكُونُ مُنَافِيًا لأَِثَرِهِ، وَالْعِدَّةُ مِنْ أَثَرِهِ، وَلأَِنَّهُ لَوْ وَجَبَ لَوَجَبَ حَقًّا لِلزَّوْجِ وَلاَ حُرْمَةَ لِلْحَرْبِيِّ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ حَامِلًا فَلاَ نَقُول بِوُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ لاَ يَصِحُّ نِكَاحُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لأَِنَّ فِي بَطْنِهَا وَلَدًا ثَابِتَ النَّسَبِ مِنَ الْغَيْرِ، وَذَلِكَ يَمْنَعُ النِّكَاحَ كَأُمِّ الْوَلَدِ إِذَا حَبِلَتْ مِنْ مَوْلاَهَا لاَ يُزَوِّجُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا. وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَصِحُّ النِّكَاحُ وَلَكِنْ لاَ يَقْرَبُهَا حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا؛ لأَِنَّهُ لاَ حُرْمَةَ لِمَاءِ الْحَرْبِيِّ فَكَانَ كَالزَّانِي وَالأَْوَّل أَصَحُّ؛ لأَِنَّ نَسَبَهُ ثَابِتٌ، فَكَانَ الرَّحِمُ مَشْغُولًا بِحَقِّ الْحَمْل مِنَ الزِّنَا (٣) .

_________

(١) سُورَة / ١٠

(٢) سُورَة / ١٠

(٣) تَبْيِين الْحَقَائِقِ ٢ / ١٧٧، وحاشية ابْن عَابِدِينَ ٢ / ٣٩٢، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ ص ٣ / ٥٣٨ - ٥٤١