الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 36

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

لِيَكُونُوا مَعَهُ وَيَتَظَاهَرُوا إِنْ حَزَبَهُمْ أَمْرٌ، وَلِيَتَعَلَّمُوا مِنْهُ أَمْرَ دِينِهِمْ، وَقَطَعَ اللَّهُ الْوِلاَيَةَ بَيْنَ مَنْ هَاجَرَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ، كَمَا قَال جَل ذِكْرُهُ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلاَيَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا (١)﴾ .

وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى أَبُو الْوَلِيدِ ابْنُ رُشْدٍ حَيْثُ قَال: فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَبْل فَتْحِ مَكَّةَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِهَا وَاجِبَةً مُؤَبَّدَةً، افْتَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فِيهَا الْبَقَاءَ مَعَ رَسُولِهِ ﷺ حَيْثُ اسْتَقَرَّ، وَالتَّحَوُّل مَعَهُ حَيْثُ تَحَوَّل، لِنُصْرَتِهِ وَمُؤَازَرَتِهِ وَصُحْبَتِهِ، وَلِيَحْفَظُوا عَنْهُ مَا يَشْرَعُهُ لأُِمَّتِهِ، وَيُبَلِّغُوا ذَلِكَ عَنْهُ إِلَيْهِمْ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لأَِحَدٍ مِنْهُمْ فِي الرُّجُوعِ إِلَى وَطَنِهِ وَتَرْكِ رَسُول اللَّهِ ﷺ، أَلاَ تَرَى أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: لاَ يُقِيمَنَّ مُهَاجِرٌ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ فَوْقَ ثَلاَثٍ (٢)، خَصَّ اللَّهُ بِهَذَا مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَهَاجَرَ إِلَيْهِ؛ لِيُتِمَّ لَهُ بِالْهِجْرَةِ إِلَيْهِ وَالْمُقَامِ مَعَهُ وَتَرْكِ الْعَوْدَةِ إِلَى الْوَطَنِ الْغَايَةَ مِنَ الْفَضْل الَّذِي سَبَقَ لَهُمْ فِي سَابِقِ عِلْمِهِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ

_________

(١) سُورَة الأَْنْفَال / ٧٢

(٢) حَدِيث: " لاَ يُقِيمَنَّ مُهَاجِر بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاء. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٢ / ٩٨٥ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ الْعَلاَءِ بْن الْحَضْرَمِيّ بِلَفْظ: " يُقِيمُ الْمُهَاجِرُ بِمَكَّةَ بَعْدَ قَضَاء نُسُكه ثَلاَثًا "

اللَّهُ بِالْمُهَاجِرِينَ، وَمَدَحَهُمْ بِذَلِكَ، فَلاَ يَنْطَلِقُ هَذَا الاِسْمُ عَلَى أَحَدٍ سِوَاهُمْ (١) .

بَقَاءُ الْهِجْرَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ:

٨ - رُوِيَتْ أَحَادِيثُ ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ:

فَبَعْضُ الأَْحَادِيثِ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ، مِثْل مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ (٢) . وَمَا رُوِيَ أَيْضًا " أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ سَأَل عَائِشَةَ ﵂ عَنِ الْهِجْرَةِ؟ فَقَالَتْ: لاَ هِجْرَةَ الْيَوْمَ، كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رَسُولِهِ ﷺ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الإِْسْلاَمَ، وَالْيَوْمَ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ " (٣) .

وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَال: انْطَلَقْتُ بِأَبِي مَعْبَدٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ، قَال ﷺ: " مَضَتِ الْهِجْرَةُ

_________

(١) الْمقدمات الْمُمَهِّدَات لاِبْن رُشْد ٢ / ١٥٢

(٢) حَدِيث: " لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٦ / ٣٧ ط السَّلَفِيَّة)، مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ

(٣) حَدِيث: " أَنَّ عُبَيْد بْن عُمَيْرٍ سَأَل عَائِشَة. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٧ / ٢٢٦ ط السَّلَفِيَّة)

لأَِهْلِهَا، أُبَايِعُهُ عَلَى الإِْسْلاَمِ وَالْجِهَادِ (١) .

وَبَعْضُهَا الآْخَرُ يَدُل عَلَى أَنَّ الْهِجْرَةَ بَاقِيَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، مِثْل مَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ ﵁، قَال: سَمِعْتُ رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا (٢)، وَمَا رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِل (٣)، وَمَا رُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ (٤) .

٩ - وَقَدِ اخْتَلَفَ طَرَائِقُ الْفُقَهَاءِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ تِلْكَ الأَْحَادِيثِ الَّتِي ظَاهِرُهَا التَّعَارُضُ،

_________

(١) حَدِيث: " مَضَتِ الْهِجْرَة لأَِهْلِهَا. . . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٨ / ٢٥ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٣ / ١٤٨٧ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ

(٢) حَدِيث: " لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَة. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ٧ - ٨ ط حِمْص)، وأحمد فِي الْمُسْنَدِ (٤ / ٩٩ ط الميمنية)

(٣) حَدِيث: " لاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَة مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِل ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (١ / ١٩٢ ط الميمنية)، وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٥ / ٢٥٠ ط الْقُدْس) وَقَال: وَرِجَال أَحْمَدَ ثِقَات

(٤) حَدِيث: " إِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَاد ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد فِي الْمُسْنَدِ (٤ / ٦٢ ط الميمنية)، وذكره الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٥ / ٢٥١ ط الْقُدْس)، وَقَال: رِجَالُهُ رِجَال الصَّحِيحِ

وَتَأْوِيلُهَا عَلَى ثَلاَثِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا، ثُمَّ فُرِضَتْ بَعْدَ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ ارْتَفَعَ وُجُوبُ الْهِجْرَةِ، وَعَادَ الأَْمْرُ فِيهَا إِلَى النَّدْبِ وَالاِسْتِحْبَابِ، فَهُمَا هِجْرَتَانِ: الْمُنْقَطِعَةُ هِيَ الْمَفْرُوضَةُ، وَالْبَاقِيَةُ هِيَ الْمَنْدُوبَةُ. وَهُوَ قَوْل الْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ (١) .

وَالثَّانِي: أَنَّ الْهِجْرَةَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ ارْتَفَعَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ؛ لأَِنَّ مَكَّةَ صَارَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ دَارَ إِسْلاَمٍ، وَكَانَتِ الْهِجْرَةُ عَنْهَا قَبْل ذَلِكَ وَاجِبَةً؛ لِكَوْنِهَا مَسَاكِنَ أَهْل الشِّرْكِ، فَمَنْ حَصَل عَلَيْهَا فَازَ بِهَا وَانْفَرَدَ بِفَضْلِهَا دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ. وَهَذَا هُوَ الْفَرْضُ الَّذِي سَقَطَ. أَمَّا الْهِجْرَةُ الْبَاقِيَةُ الدَّائِمَةُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَهِيَ هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ بِدَارِ الْكُفْرِ؛ إِذْ يَلْزَمُهُ أَنْ لاَ يُقِيمَ بِهَا حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ، وَأَنْ يُهَاجِرَ وَيَلْحَقَ بِدَارِ الْمُسْلِمِينَ حَيْثُ تُجْرَى عَلَيْهِ أَحْكَامُهُمْ (٢)، إِلاَّ أَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ لاَ يَحْرُمُ عَلَى

_________

(١) مَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ ٣ / ٣٥٢، ومرقاة الْمَفَاتِيح ٤ / ١٨٢، والمبسوط لِلسَّرَخْسِيِّ ١٠ / ٦

(٢) شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ ٧ / ٢٩٥، ١٠ / ٣٧٣، ومرقاة الْمَفَاتِيح شَرْح مِشْكَاة الْمَصَابِيح لِلْمَلاَ عَلي الْقَارِّيّ ٤ / ١٨٢، والمقدمات الْمُمَهِّدَات ٢ / ١٥٣، وعارضة الأَْحْوَذِيّ ٧ / ٨٨، ونيل الأَْوْطَار ٧ / ٢٦، وشرح الأُْبِّيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ٥ / ٢١١، والنووي عَلَى مُسْلِمِ ١٣ / ٨، وعمدة الْقَارِّيّ ١١ / ٣١٧، وفتح الْبَارِي ٦ / ٣٩، ٧ / ٢٢٩، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٨ / ٤٥٦

الْمُهَاجِرِ بِهَا الرُّجُوعُ إِلَى وَطَنِهِ إِنْ عَادَ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ كَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُول اللَّهِ ﷺ الرُّجُوعُ إِلَى مَكَّةَ لِلَّذِي ادَّخَرَهُ اللَّهُ لَهُمْ مِنَ الْفَضْل فِي ذَلِكَ (١) .

وَقَدْ تَوَسَّعَ بَعْضُ أَصْحَابِ هَذَا الْقَوْل فِي دَوَاعِي الْهِجْرَةِ الْبَاقِيَةِ، فَقَال: إِنَّ مُفَارَقَةَ الأَْوْطَانِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ الَّتِي هِيَ الْهِجْرَةُ الْمُعْتَبَرَةُ الْفَاضِلَةُ الْمُمَيِّزَةُ لأَِهْلِهَا مِنْ سَائِرِ النَّاسِ امْتِيَازًا ظَاهِرًا، لَكِنَّ الْمُفَارَقَةَ مِنَ الأَْوْطَانِ بِسَبَبِ نِيَّةٍ خَالِصَةٍ لِلَّهِ تَعَالَى كَطَلَبِ الْعِلْمِ، وَالْفِرَارِ بِدِينِهِ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ وَمِمَّا لاَ يُقَامُ فِيهَا الأَْمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَزِيَارَةِ بَيْتِ اللَّهِ وَحَرَمِ رَسُول اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الأَْقْصَى وَغَيْرِهَا أَوْ بِسَبَبِ الْجِهَادِ فِي سَبِيل اللَّهِ بَاقِيَةٌ مَدَى الدَّهْرِ (٢) .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ الْهِجْرَةَ الْفَاضِلَةَ الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِالْجَنَّةِ، كَانَ الرَّجُل يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ وَيَدَعُ أَهْلَهُ وَمَالَهُ، لاَ يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ، انْقَطَعَتْ

_________

(١) الْمُقَدِّمَات الْمُمَهِّدَات لاِبْن رُشْد ٢ / ١٥٣

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ١٨٢، والكشاف لِلزَّمَخْشَرِيِّ ١ / ٢٩٤

بِفَتْحِ مَكَّةَ. أَمَّا الْهِجْرَةُ الْبَاقِيَةُ فَهِيَ هَجْرُ السَّيِّئَاتِ (١) حَيْثُ وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنْ تَهْجُرَ السَّيِّئَاتِ، وَالأُْخْرَى أَنْ تُهَاجِرَ إِلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ، وَلاَ تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتِ التَّوْبَةُ، وَلاَ تَزَال التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنَ الْمَغْرِبِ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُل قَلْبٍ بِمَا فِيهِ، وَكُفِيَ النَّاسُ الْعَمَل (٢) .

وَوَرَدَ مِنْ حَدِيثِ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبَ (٣) .

وَوَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (٤) .

هَذَا وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ حُكْمَ الْهِجْرَةِ

_________

(١) طَرْح التَّثْرِيب ٢ / ٢٣ - ٢٤، وعمدة الْقَارِّيّ ١١ / ٣١٨

(٢) حَدِيث " إِنَّ الْهِجْرَةَ خَصْلَتَانِ إِحْدَاهُمَا. . . ". أَخْرَجَهُ أَحْمَد (١ / ١٩٢ ط الميمنية)، وقال الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٥ / ٢٥١ ط الْقُدْس): رِجَالُهُ ثِقَات

(٣) حَدِيث: " الْمُهَاجِر مِنْ هَجْرِ الْخَطَايَا وَالذُّنُوبِ " أَخْرَجَهُ ابْن مَاجَهْ (٢ / ١٢٩٨ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ)، وقال الْبُوصَيْرِيّ فِي مِصْبَاحِ الزُّجَاجَةِ (٢ / ٢٨٥ ط الْجِنَان) إِسْنَاده صَحِيح

(٤) حَدِيث: " الْمُهَاجِر مِنْ هَجْرٍ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٣ ط السَّلَفِيَّة) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو

بَاقٍ لاَ يَنْقَطِعُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي قَوْل عَامَّةِ أَهْل الْعِلْمِ (١) .

الْهِجْرَةُ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ:

١٠ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِلْهِجْرَةِ بَعْدَ الْفَتْحِ عَلَى أَقْوَالٍ:

الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْصِيل فَقَالُوا: إِنْ كَانَ الْمُسْلِمُ قَادِرًا عَلَى إِظْهَارِ دِينِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ، وَلَمْ يَخَفِ الْفِتْنَةَ فِي الدِّينِ، فَالْهِجْرَةُ فِي حَقِّهِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ، وَلَكِنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ؛ لِئَلاَّ يُكَثِّرَ سَوَادَ الْكُفَّارِ، وَلِيَتَخَلَّصَ مِنْ مُخَالَطَتِهِمْ وَرُؤْيَةِ الْمُنْكَرِ بَيْنَهُمْ، وَلِيَتَمَكَّنَ مِنْ جِهَادِهِمْ، وَلأَِنَّهُ لاَ يُؤْمَنُ أَنْ يَمِيل إِلَيْهِمْ أَوْ يَكِيدُوا لَهُ، وَلِيُكَثِّرَ الْمُسْلِمِينَ وَيُعِينَهُمْ بِهِجْرَتِهِ إِلَيْهِمْ (٢) . أَمَّا عَدَمُ وُجُوبِهَا عَلَيْهِ فَلإِمْكَانِهِ إِقَامَةَ وَاجِبِ دِينِهِ بِدُونِ الْهِجْرَةِ (٣) . قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: دَلَّتْ سُنَّةُ رَسُول اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ

_________

(١) الْمُبْدِع لاِبْن مُفْلِح ٣ / ٣١٤، والمغني لاِبْنِ قُدَامَةَ ٨ / ٤٥٦ ط الرِّيَاض

(٢) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٢٨٢، والمهذب ٢ / ٢٢٨، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٩٤، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٣٨، والمبدع ٣ / ٣١٤، والمحرر ٢ / ١٧٠، والهداية لأَِبِي الْخَطَّاب ١ / ١١٢، ومجموع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢٤٠، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ٧٧ وَمَا بَعْدَهَا، وأسنى الْمَطَالِب ٤ / ٢٠٤

(٣) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٨ / ٤٥٧ ط الرِّيَاض، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٢٦٩

فَرْضَ الْهِجْرَةِ عَلَى مَنْ أَطَاقَهَا إِنَّمَا هُوَ عَلَى مَنْ فُتِنَ عَنْ دِينِهِ بِالْبَلَدِ الَّذِي يُسْلِمُ بِهَا؛ لأَِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَذِنَ لِقَوْمٍ بِمَكَّةَ أَنْ يُقِيمُوا بِهَا بَعْدَ إِسْلاَمِهِمْ؛ مِنْهُمُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَغَيْرُهُ، ﵁؛ إِذْ لَمْ يَخَافُوا الْفِتْنَةَ (١) . وَحَمَلُوا حَدِيثَ الْبَرَاءَةِ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ مَعَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ لاَ يَأْمَنُ عَلَى دِينِهِ فِي دَارِهِمْ (٢) .

غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ اسْتَثْنَوْا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِمْ بِالاِسْتِحْبَابِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ ثَلاَثَ صُوَرٍ:

الأُْولَى: أَنَّ الْمُسْلِمَ لَوْ رَجَا ظُهُورَ الإِْسْلاَمِ بِمُقَامِهِ فِي دَارِ الْكُفْرِ كَانَ مُقَامُهُ فِيهَا أَفْضَل.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى الاِمْتِنَاعِ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَالاِعْتِزَال، وَلَمْ يَرْجُ نُصْرَةَ الْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ، وَجَبَ عَلَيْهِ الْمُقَامُ فِي دَارِ الْكُفْرِ؛ لأَِنَّ مَوْضِعَهُ فِيهَا دَارُ إِسْلاَمٍ، فَلَوْ هَاجَرَ لَصَارَ دَارَ الْحَرْبِ، وَيَحْرُمُ ذَلِكَ.

وَالثَّالِثَةُ: أَنَّهُ إِنْ قَدَرَ عَلَى قِتَال الْكُفَّارِ أَوْ دُعَائِهِمْ إِلَى الإِْسْلاَمِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِلاَّ فَلاَ (٣) .

وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمُسْلِمُ عَاجِزًا عَنْ إِظْهَارِ دِينِهِ

_________

(١) الأُْمّ ٤ / ٨٤، وأحكام الْقُرْآن لِلشَّافِعِيِّ ٢ / ١٧، ١٨

(٢) فَتْح الْبَارِي ٦ / ٣٩ ط السَّلَفِيَّة

(٣) تُحْفَة الْمُحْتَاج ٩ / ٢٦٩، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ٧٨، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٢٨٢، وأسنى الْمَطَالِب ٤ / ٢٠٤

فِي دَارِ الْكُفْرِ، فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الإِْقَامَةُ فِيهَا، وَتَجِبُ عَلَيْهِ الْهِجْرَةُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ إِنِ اسْتَطَاعَهَا، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِلَى أَنْ يَقْدِرَ (١) .

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلاَئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَْرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٢)﴾، قَال ابْنُ قُدَامَةَ: وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُل عَلَى الْوُجُوبِ (٣) .

وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُل مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ. قَالُوا: يَا رَسُول اللَّهِ، وَلِمَ؟ قَال: لاَ تَرَاءَى نَارَاهُمَا (٤) أَيْ لاَ يَكُونُ بِمَوْضِعٍ يَرَى نَارَهُمْ

_________

(١) الْمُهَذَّب ٢ / ٢٢٧، وكشاف الْقِنَاع ٣ / ٣٨، وشرح مُنْتَهَى الإِْرَادَاتِ ٢ / ٩٤، والمبدع ٣ / ٣١٣ وَمَا بَعْدَهَا، والمحرر ٢ / ١٧٠، ومختصر الْفَتَاوَى الْمِصْرِيَّة لاِبْن تَيْمِيَّةَ ص ٥٠٥، والهداية لأَِبِي الْخَطَّاب ١ / ١١٢، وروضة الطَّالِبِينَ ١٠ / ٢٨٢، ونهاية الْمُحْتَاج ٨ / ٧٨، وتحفة الْمُحْتَاج ٩ / ٢٦٩

(٢) سُورَة النِّسَاء / ٩٧

(٣) الْمُغْنِي ٨ / ٤٥٧ ط الرِّيَاض

(٤) حَدِيث: " أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِم يُقِيمُ بَيْن أَظْهَرَ الْمُشْرِكِينَ. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٣ / ١٠٤ ط حِمْص)، والترمذي (٤ / ١٥٥ ط الْحَلَبِيّ)

وَيَرَوْنَ نَارَهُ إِذَا أُوقِدَتْ.

وَقَالُوا: إِنَّ الْقِيَامَ بِأَمْرِ الدِّينِ وَاجِبٌ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَالْهِجْرَةُ مِنْ ضَرُورَةِ الْوَاجِبِ وَتَتِمَّتِهِ، وَمَا لاَ يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلاَّ بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ.

وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْهِجْرَةِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (١)﴾ .

وَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ حَالَةً أُخْرَى لِهِجْرَةٍ لاَ تُوصَفُ بِوُجُوبٍ وَلاَ اسْتِحْبَابٍ، كَمَنْ عَجَزَ عَنِ الْهِجْرَةِ إِمَّا لِمَرَضٍ أَوْ إِكْرَاهٍ عَلَى الإِْقَامَةِ أَوْ ضَعْفٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَشَبَهِهِمْ، فَهَذَا لاَ هِجْرَةَ عَلَيْهِ (٢) لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَال وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلًا فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .

الْقَوْل الثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالْخَطَّابِيِّ وَالْقَاضِي مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ أَنَّ الْهِجْرَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ لَيْسَتْ وَاجِبَةً، بَل هِيَ مَنْدُوبَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وَهِيَ الْهِجْرَةُ مِنْ أَرْضٍ يُهْجَرُ فِيهِ الْمَعْرُوفُ، وَيَشِيعُ

_________

(١) سُورَة النِّسَاء / ٩٨، ٩٩

(٢) الْمُغْنِي ٨ / ٤٥٧، وأسنى الْمَطَالِب ٤ / ٢٠٤