الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 35

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

سَادَةً مُطَاعِينَ فِي عَشَائِرِهِمْ، فَكَانَ الْمَصْلَحَةُ الدِّينِيَّةُ فِي تَأْلِيفِ قُلُوبِهِمْ. وَهَؤُلاَءِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ، وَالْمُؤْمِنُونَ سِوَاهُمْ كَثِيرٌ، فَكَانَ فِي هَجْرِهِمْ عِزُّ الدِّينِ وَتَطْهِيرُهُمْ مِنْ ذُنُوبِهِمْ، وَهَذَا كَمَا أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْعَدْوِ الْقِتَال تَارَةً، وَالْمُهَادَنَةُ تَارَةً، وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ تَارَةً. كُل ذَلِكَ بِحَسَبِ الأَْحْوَال وَالْمَصَالِحِ (١) .

هَجْرُ الْمُسْتَتِرِ بِالْمَعْصِيَةِ:

١٩ - أَمَّا الْمُسْتَتِرُونَ مِنْ أَهْل الْفِسْقِ وَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرُ الْمُجَاهِرِينَ بِمَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَالْبِدَعِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ هَجْرِهِمْ عَلَى ثَلاَثَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: يَجِبُ هَجْرُهُمْ؛ لِيَكُفُّوا عَنْهَا. قَال ابْنُ حَجَرٍ مُعَلِّقًا عَلَى تَرْجَمَةِ الْبُخَارِيِّ - بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ الْهِجْرَانِ لِمَنْ عَصَى - فَتَبَيَّنَ هُنَا السَّبَبُ الْمُسَوِّغُ لِلْهَجْرِ، هُوَ لِمَنْ صَدَرَتْ مِنْهُ مَعْصِيَةٌ، فَيَسُوغُ لِمَنِ اطَّلَعَ عَلَيْهَا مِنْهُ هَجْرُهُ عَلَيْهَا لِيَكُفَّ عَنْهَا (٢) .

وَقَال أَبُو الْحُسَيْنِ الْفَرَّاءُ الْحَنْبَلِيُّ: لاَ تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ - أَيْ عَنْ أَحْمَدَ - فِي وُجُوبِ

_________

(١) مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢٠٤ - ٢٠٦، وانظرها ٢٨ / ٢١٦ أَيْضًا.

(٢) فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٧

هَجْرِ أَهْل الْبِدَعِ وَفُسَّاقِ الْمِلَّةِ، وَظَاهِرُ إِطْلاَقِهِ أَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْمُجَاهِرِ وَغَيْرِهِ فِي الْمُبْتَدِعِ الْفَاسِقِ. قَال: وَلاَ فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ ذِي رَحِمٍ وَالأَْجْنَبِيِّ إِذَا كَانَ الْحَقُّ لِلَّهِ تَعَالَى. فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْحَقُّ لآِدَمِيٍّ كَالْقَذْفِ وَالسَّبِّ وَالْغِيبَةِ أَخَذَ مَالَهُ غَصْبًا وَنَحْوَ ذَلِكَ نَظَرَ: فَإِنْ كَانَ الْهَاجِرُ وَالْفَاعِل لِذَلِكَ مِنْ أَقَارِبِهِ وَأَرْحَامِهِ لَمْ تَجُزْ هِجْرَتُهُ.

وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ فَهَل تَجُوزُ هِجْرَتُهُ أَمْ لاَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ (١) .

وَالْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَهْجُرُونَ. حَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى عَنْ ظَاهِرِ كَلاَمٍ لِلإِْمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ (٢) .

وَالثَّالِثُ: أَنَّ فَاعِل الْمُنْكَرِ إِنْ كَانَ مُسْتَتِرًا بِذَلِكَ وَلَيْسَ مُعْلِنًا لَهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِ سِرًّا وَسَتَرَ عَلَيْهِ كَمَا قَال النَّبِيُّ ﷺ: مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (٣)، إِلاَّ أَنْ يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ، وَالْمُتَعَدِّي لاَ بُدَّ مِنْ كَفِّ عُدْوَانِهِ. وَإِذَا نَهَاهُ

_________

(١) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٣٨، وغذاء الأَْلْبَاب ٩ / ٢٥٩)

(٢) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٣٣، وغذاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٦٠

(٣) حَدِيث: " منْ ستر مُسْلِمًا. . ". أَخْرَجَهُ البخاري (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٩٧ ط السَّلَفِيَّة)، ومسلم (٤ / ١٩٩٦ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عُمَر، وأخرجه مُسْلِم (٤ / ٢٠٧٤) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظ: " سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآْخِرَةِ "

الْمَرْءُ سِرًّا فَلَمْ يَنْتَهِ، فَعَل مَا يُنْكَفُ بِهِ مِنْ هَجْرٍ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْفَعَ فِي الدِّينِ. وَهُوَ قَوْل تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (١) .

هَجْرُ مَكَانِ الْمَعْصِيَةِ:

٢٠ - قَال الْعُلَمَاءُ: مُجَالَسَةُ أَهْل الْمُنْكَرِ لاَ تَحِل، وَقَال ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادُ: مَنْ خَاضَ فِي آيَاتِ اللَّهِ تُرِكَتْ مُجَالَسَتُهُ وَهُجِرَ، مُؤْمِنًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢)﴾ . وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ نَزَّل عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ (٣)﴾ .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: فَدَل بِهَذَا عَلَى وُجُوبِ اجْتِنَابِ أَصْحَابِ الْمَعَاصِي إِذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ مُنْكَرٌ؛ لأَِنَّ مَنْ لَمْ يَجْتَنِبْهُمْ فَقَدْ رَضِيَ فِعْلَهُمْ، وَالرِّضَا بِالْكُفْرِ كُفْرٌ.

وَقَال الْجَصَّاصُ: وَفِي هَذِهِ الآْيَةِ دَلاَلَةٌ عَلَى وُجُوبِ إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى فَاعِلِهِ، وَأَنَّ مِنْ

_________

(١) الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْن تَيْمِيَّةَ (ط الرَّيَّان) ٣ / ٤٣٤، ومجموع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢١٧

(٢) سُورَة الأَْنْعَام / ٦٨

(٣) سُورَة النِّسَاء / ١٤٠

إِنْكَارِهِ إِظْهَارُ الْكَرَاهِيَةِ إِذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إِزَالَتُهُ وَتَرْكُ مُجَالَسَةِ فَاعِلِهِ وَالْقِيَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَيَصِيرَ إِلَى حَالٍ غَيْرِهَا (١) .

_________

(١) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ٤١٧ - ٤١٨، ٧ / ١٣، وأحكام الْقُرْآن لِلْجَصَّاصِ ٢ / ٣٥٣، وَأَحْكَام الْقُرْآنِ لاِبْنِ الْعَرَبِيِّ ٢ / ٢٦٠، ودليل الْفَالِحِينَ ١ / ٩٨ ط الْحَلَبِيّ

هِجْرَةٌ

التَّعْرِيفُ:

أ - الْهِجْرَةُ لُغَةً: مُفَارَقَةُ بَلَدٍ إِلَى غَيْرِهِ، وَهِيَ اسْمٌ مِنْ هَاجَرَ مُهَاجَرَةً.

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: الاِنْتِقَال مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ. فَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً لِلَّهِ فَهِيَ الْهِجْرَةُ الشَّرْعِيَّةُ (١) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - دَارُ الإِْسْلاَمِ:

٢ - دَارُ الإِْسْلاَمِ: هِيَ كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ فِيهَا أَحْكَامُ الإِْسْلاَمِ ظَاهِرَةً (ر: دَارُ الإِْسْلاَمِ ف ١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِجْرَةِ وَدَارِ الإِْسْلاَمِ أَنَّهَا الدَّارُ الَّتِي يُهَاجِرُ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُ قُرْبَةً لِلَّهِ تَعَالَى.

ب - دَارُ الْحَرْبِ:

٣ - دَارُ الْحَرْبِ: هِيَ كُل بُقْعَةٍ تَكُونُ

_________

(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، والقاموس الْمُحِيط، وتحرير أَلْفَاظ التَّنْبِيهِ لِلنَّوَوِيِّ ص ٣١٣، وبصائر ذَوِي التَّمْيِيزِ ٥ / ٣٠٥، والتعريفات للجرجاني، ومفردات الرَّاغِب، والمطلع ص ٩٨، وفتح الْمُعِين لاِبْنِ حَجَر الهيتمي ص ٥٢

أَحْكَامُ الْكُفْرِ فِيهَا ظَاهِرَةً (ر: دَارُ الْحَرْبِ ف١) .

وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِجْرَةِ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ أَنَّهَا الدَّارُ الَّتِي يُهَاجِرُ مِنْهَا الْمُسْلِمُ إِلَى دَارِ الإِْسْلاَمِ قُرْبَةً إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.

أَقْسَامُ الْهِجْرَةِ:

٤ - قُسِّمَتِ الْهِجْرَةُ إِلَى أَنْوَاعٍ، وَمِنْ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهُوَ أَنَّ اسْمَ الْهِجْرَةِ يَقَعُ عَلَى أُمُورٍ:

أ - الْهِجْرَةُ الأُْولَى إِلَى الْحَبَشَةِ عِنْدَمَا آذَى الْكُفَّارُ الصَّحَابَةَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ.

ب - الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ.

ج - الْهِجْرَةُ الثَّالِثَةُ: هِجْرَةُ الْقَبَائِل إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِتَعَلُّمِ الشَّرَائِعِ، ثُمَّ يَرْجِعُونَ إِلَى الْمَوَاطِنِ وَيُعَلِّمُونَ قَوْمَهُمْ.

د - الْهِجْرَةُ الرَّابِعَةُ: هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْل مَكَّةَ لِيَأْتِيَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يَرْجِعَ إِلَى مَكَّةَ.

هـ - الْهِجْرَةُ الْخَامِسَةُ: هَجْرُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (١) .

_________

(١) إِحْكَام الأَْحْكَامِ شَرْح عُمْدَة الأَْحْكَام لاِبْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ ١ / ١١

وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْقَيِّمِ أَنَّ الْهِجْرَةَ هِجْرَتَانِ:

الأُْولَى: هِجْرَةٌ بِالْجِسْمِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ، وَهَذِهِ أَحْكَامُهَا مَعْلُومَةٌ.

الثَّانِيَةُ: الْهِجْرَةُ بِالْقَلْبِ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَهِيَ هِجْرَةٌ تَتَضَمَّنُ (مِنْ) وَ(إِلَى)، فَيُهَاجِرُ بِقَلْبِهِ مِنْ مَحَبَّةِ غَيْرِ اللَّهِ إِلَى مَحَبَّتِهِ، وَمِنْ عُبُودِيَّةِ غَيْرِهِ إِلَى عُبُودِيَّتِهِ، وَمِنْ خَوْفِ غَيْرِهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ إِلَى خَوْفِ اللَّهِ وَرَجَائِهِ وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ، وَمِنْ دُعَاءِ غَيْرِهِ وَسُؤَالِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالذُّل وَالاِسْتِكَانَةِ لَهُ إِلَى دُعَائِهِ وَسُؤَالِهِ وَالْخُضُوعِ لَهُ وَالذُّل وَالاِسْتِكَانَةِ لَهُ (١) .

ثُمَّ تَعَرَّضَ لِحَال الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ الْمُهَاجِرِ إِلَى رَبِّهِ فَقَال: وَلَهُ فِي كُل وَقْتٍ هِجْرَتَانِ: هِجْرَةٌ إِلَى اللَّهِ بِالطَّلَبِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالتَّوَكُّل وَالإِْنَابَةِ وَالتَّسْلِيمِ وَالتَّفْوِيضِ وَالْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ وَالإِْقْبَال عَلَيْهِ وَصِدْقِ الْمَلْجَأِ وَالاِفْتِقَارِ فِي كُل نَفْسٍ إِلَيْهِ. وَهِجْرَةٌ إِلَى رَسُولِهِ ﷺ فِي حَرَكَاتِهِ، وَسَكَنَاتِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ مُوَافِقَةً لِشَرْعِهِ الَّذِي هُوَ تَفْصِيل مَحَابِّ اللَّهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَلاَ يَقْبَل اللَّهُ مِنْ أَحَدِ دِينًا سِوَاهُ، وَكُل عَمَلٍ سِوَاهُ، فَعَيْشُ النَّفْسِ وَحَظُّهَا لاَ زَادَ الْمَعَادِ (٢) .

_________

(١) الرِّسَالَة التبوكية لاِبْن الْقَيِّمِ ص ٢٤، ٢٥

(٢) طَرِيق الْهِجْرَتَيْنِ لاِبْن الْقَيِّمِ ص ٧

الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهِجْرَةِ:

تَتَعَلَّقُ بِالْهِجْرَةِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:

هِجْرَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَسَاسُ التَّارِيخِ الْهِجْرِيِّ:

٥ - التَّارِيخُ الْهِجْرِيِّ: هُوَ تَعْرِيفُ الْوَقْتِ بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَوَّل الْعَامِ الَّذِي هَاجَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ. جَاءَ فِي " الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ ": سَبَبُ وَضْعِ التَّارِيخِ أَوَّل الإِْسْلاَمِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ أُتِيَ بِصَكٍّ مَكْتُوبٍ إِلَى شَعْبَانَ، فَقَال: أَهُوَ شَعْبَانُ الْمَاضِي أَمْ شَعْبَانُ الْقَابِل؟ ثُمَّ أَمَرَ بِوَضْعِ التَّارِيخِ، وَاتَّفَقَتِ الصَّحَابَةُ ﵃ عَلَى ابْتِدَاءِ التَّارِيخِ مِنْ هِجْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَجَعَلُوا أَوَّل السَّنَةِ الْمُحَرَّمَ (١) . وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَال: كَتَبَ أَبُو مُوسَى إِلَى عُمَرَ أَنَّهُ تَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكَ كُتُبٌ لَيْسَ لَهَا تَأْرِيخٌ فَأَرِّخْ. فَاسْتَشَارَ عُمَرُ فِي ذَلِكَ، فَقَال بَعْضُ الصَّحَابَةِ: أَرِّخْ بِمَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ. وَقَال بَعْضُهُمْ: بِوَفَاتِهِ. فَقَال عُمَرُ: لاَ، بَل نُؤَرِّخُ بِمُهَاجَرِهِ؛ فَإِنَّ مُهَاجَرَهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِل، فَأُرِّخَ بِهِ (٢) .

_________

(١) الْعُقُود الدُّرِّيَّة فِي تَنْقِيحِ الْفَتَاوَى الحامدية لاِبْنِ عَابِدِينَ ٢ / ٣٣٥ ط بُولاَق

(٢) الشَّمَارِيخ فِي عِلْمِ التَّارِيخِ لِلسُّيُوطِيَ ص ٢٣

الْهِجْرَةُ قَبْل فَتْحِ مَكَّةَ:

تَتَضَمَّنُ الْهِجْرَةُ قَبْل فَتْحِ مَكَّةَ مَرْحَلَتَيْنِ: مَرْحَلَةَ الإِْذْنِ بِالْهِجْرَةِ، وَمَرْحَلَةَ فَرْضِ الْهِجْرَةِ:

أ - الإِْذْنُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ:

٦ - قَال الإِْمَامُ الشَّافِعِيُّ: كَانَ الْمُسْلِمُونَ مُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ زَمَانًا، لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِيهِ بِالْهِجْرَةِ مِنْهَا، ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ ﷿ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ، وَجَعَل لَهُمْ مَخْرَجًا. فَيُقَال: نَزَلَتْ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَهُ مَخْرَجًا (١)﴾ . فَأَعْلَمَهُمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنْ قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ مَخْرَجًا. وَقَال تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيل اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَْرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً (٢)﴾ . وَأَمَرَهُمْ بِبِلاَدِ الْحَبَشَةِ، فَهَاجَرَتْ إِلَيْهَا مِنْهُمْ طَائِفَةٌ، ثُمَّ دَخَل أَهْل الْمَدِينَةِ الإِْسْلاَمَ، فَأَمَرَ رَسُول اللَّهِ ﷺ طَائِفَةً فَهَاجَرَتْ إِلَيْهِمْ، غَيْرَ مُحَرِّمٍ عَلَى مَنْ بَقِيَ تَرْكَ الْهِجْرَةِ إِلَيْهِمْ (٣) . فَكَانَتِ الْهِجْرَةُ فِي أَوَّل الإِْسْلاَمِ مَنْدُوبًا إِلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ.

ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ ﵎ لِرَسُولِهِ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْ فِي هَذَا عَلَى مَنْ بَقِيَ بِمَكَّةَ الْمُقَامَ بِهَا، وَهِيَ دَارُ شِرْكٍ، وَإِنْ قَلُّوا بِأَنْ يُفْتَنُوا، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ بِجِهَادٍ.

_________

(١) سُورَة الطلاق / ٢

(٢) سُورَة النِّسَاء / ١٠٠

(٣) الأُْمّ ٤ / ٨٣، ٨٤ ط بُولاَق

ثُمَّ أَذِنَ اللَّهُ ﷿ لَهُمْ بِالْجِهَادِ، ثُمَّ فَرَضَ بَعْدَ هَذَا عَلَيْهِمْ أَنْ يُهَاجِرُوا مِنْ دَارِ الشِّرْكِ (١) .

ب - فَرْضُ الْهِجْرَةِ:

٧ - لَمَّا فَرَضَ اللَّهُ ﷿ الْجِهَادَ عَلَى رَسُولِهِ ﷺ، وَجَاهَدَ الرَّسُول ﷺ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ إِذْ كَانَ أَبَاحَهُ، وَأَثْخَنَ رَسُول اللَّهِ ﷺ فِي أَهْل مَكَّةَ، وَرَأَوْا كَثْرَةَ مَنْ دَخَل فِي دِينِ اللَّهِ ﷿ اشْتَدُّوا عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ، فَفَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ أَوْ مَنْ فَتَنُوا مِنْهُمْ، فَعَذَرَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنَ الْمَفْتُونِينَ، فَقَال: ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِْيمَانِ (٢)﴾، وَبَعَثَ إِلَيْهِمْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّ اللَّهَ ﷿ جَعَل لَكُمْ مَخْرَجًا، وَفَرَضَ عَلَى مَنْ قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ الْخُرُوجَ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُفْتَنُ عَنْ دِينِهِ وَلاَ يَمْتَنِعُ (٣) .

وَقَال الْبَغَوِيُّ (٤): فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الْمَدِينَةِ، أُمِرُوا بِالْهِجْرَةِ وَالاِنْتِقَال إِلَى حَضْرَتِهِ،

_________

(١) الأُْمّ ٤ / ٨٤

(٢) سُورَة النَّحْل / ١٠٦

(٣) الأُْمّ ٤ / ٨٤، وانظر مَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ (بِهَامِشٍ مُخْتَصِرٍ سُنَن أَبِي دَاوُد لِلْمُنْذِرِي ٣ / ٣٥٢)، وأحكام الْقُرْآن لِلشَّافِعِيِّ ٢ / ١٦

(٤) شَرْح السُّنَّة لِلْبَغَوِيِّ ١٠ / ٣٧٢