الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 34

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

وَدَلِيلُهُمْ قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ: وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلاَمِ (١) وَقَالُوا: فَلَوْلاَ أَنَّ السَّلاَمَ يَقْطَعُ الْهِجْرَةَ لَمَا كَانَ أَفْضَلُهَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ (٢) .

وَالثَّانِي: لأَِحْمَدَ وَابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ، وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الْكَلاَمِ إِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لَمْ تَنْقَطِعِ الْهِجْرَةُ بِالسَّلاَمِ (٣) .

قَال أَبُو يَعْلَى: ظَاهِرُ كَلاَمِ أَحْمَدَ أَنَّهُ لاَ يَخْرُجُ عَنِ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلاَمِ، بَل حَتَّى يَعُودَ إِلَى حَالِهِ مَعَ الْمَهْجُورِ قَبْل الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَال: وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْهُ أَحْمَدُ خَارِجًا عَنِ الْهِجْرَةِ بِمُجَرَّدِ السَّلاَمِ حَتَّى يَعُودَ إِلَى عَادَتِهِ مَعَهُ فِي الاِجْتِمَاعِ وَالْمُؤَانَسَةِ؛ لأَِنَّ الْهِجْرَةَ لاَ تَزُول إِلاَّ بِعَوْدَتِهِ إِلَى عَادَتِهِ مَعَهُ (٤) .

_________

(١) حَدِيث: " وَخَيْرهمَا. . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٦.

(٢) النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَالْمُنْتَقَى ٧ / ٢١٥.

(٣) الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦، وَالنَّوَوِيِّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَعُمْدَة الْقَارِئ ١٨ / ١٧٩.

(٤) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٥٤، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني ١ / ٢٧٤.

وَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُزَنِيَّةِ فِي الَّذِي يُسَلِّمُ عَلَى أَخِيهِ وَلاَ يُكَلِّمُهُ بِغَيْرِ ذَلِكَ، بَل يَجْتَنِبُ كَلاَمَهُ: إِذَا كَانَ - أَيِ اجْتِنَابُ مُكَالَمَتِهِ - غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ، فَقَدْ بَرِئَ مِنَ الشَّحْنَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا لَهُ، فَلاَ يَبْرَأُ مِنْهَا (١) .

وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ إِذَا كَانَ لاَ يُؤْذِيهِ تَرْكُ مُكَالَمَتِهِ، فَإِنَّهُ يَبْرَأُ مِنَ الْهِجْرَةِ؛ لأَِنَّهُ أَتَى مِنَ الْمُوَاصَلَةِ بِمَا لاَ أَذًى فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يُؤْذِيهِ، فَلاَ يَبْرَأُ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ؛ لأَِنَّ الأَْذَى أَشَدُّ مِنَ الْمُهَاجَرَةِ (٢) .

فَضْل الْبَدْءِ بِالسَّلاَمِ بَعْدَ الْهَجْرِ:

١٣ - تَجْدُرُ الإِْشَارَةُ إِلَى أَنَّهُ إِذَا ابْتَدَأَ أَحَدُ الْمُتَهَاجِرَيْنِ صَاحِبَهُ بِالسَّلاَمِ فَلَمْ يَرُدَّ الآْخَرُ، فَإِنَّ إِثْمَ الْهَجْرِ يَسْقُطُ عَنْ مُلْقِي السَّلاَمِ، وَيَبُوءُ الْمُمْتَنِعُ عَنْ رَدِّهِ بِالإِْثْمِ، وَيَصِيرُ بِذَلِكَ فَاسِقًا، وَيَحِل هِجْرَانُهُ (٣) يَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَإِنْ مَرَّتْ بِهِ ثَلاَثٌ، فَلْيَلْقَهُ، فَلْيُسَلِّمْ عَلَيْهِ، فَإِنْ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلاَمَ فَقَدِ اشْتَرَكَا فِي الأَْجْرِ، وَإِنْ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ

_________

(١) الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي ٧ / ٢١٥.

(٢) الْمُنْتَقَى ٧ / ٢١٥.

(٣) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٧.

فَقَدْ بَاءَ بِالإِْثْمِ (١) .

وَقَال بَعْضُ الْفُقَهَاءِ: يَجِبُ هَجْرُهُ لِعَدَمِ رَدِّ السَّلاَمِ؛ لأَِنَّهُ فَاسِقٌ، وَلاَ خَيْرَ فِيهِ أَصْلًا (٢) وَذَلِكَ تَأْدِيبًا.

هَذَا، وَقَدْ نَبَّهَ الْمُصْطَفَى عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ الآْنِفِ الذِّكْرِ إِلَى أَنَّ خَيْرَ الْمُتَهَاجِرَيْنِ مَنْ يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلاَمِ، أَيْ أَفْضَلَهُمَا وَأَكْثَرَهُمَا ثَوَابًا. قَال الْبَاجِيُّ: لأَِنَّهُ الَّذِي بَدَأَ بِالْمُوَاصَلَةِ الْمَأْمُورِ بِهَا، وَتَرَكَ الْمُهَاجَرَةَ الْمَنْهِيَّ عَنْهَا، مَعَ أَنَّ الاِبْتِدَاءَ بِهَا أَشَدُّ مِنَ الْمُسَاعَدَةِ عَلَيْهَا (٣) وَقِيل: لِدَلاَلَةِ فِعْلِهِ عَلَى أَنَّهُ أَقْرَبُ لِلتَّوَاضُعِ وَأَنْسَبُ إِلَى الصَّفَاءِ وَحُسْنِ الْخُلُقِ، وَلإِشْعَارِهِ بِأَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالتَّقْصِيرِ، وَلإِيمَائِهِ إِلَى حِفْظِ الْعَهْدِ وَالْحِرْصِ عَلَى الْمَوَدَّةِ الْقَدِيمَةِ (٤) .

ثَالِثًا: هَجْرُ غَيْرِ الْمُسْلِمِ:

١٤ - أَمَّا هَجْرُ الْمُسْلِمِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ،

_________

(١) حَدِيث: " لاَ يَحْل لِمُؤْمِن أَنْ يَهْجُرَ مُؤْمِنًا. . ". . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٢١٤ - ٢١٥ ط حِمْصَ)، وَصَحَّحَ إِسْنَاده ابْن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي (١٠ / ٤٩٥ط السَّلَفِيَّة) .

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٧.

(٣) الْمُنْتَقَى شَرْح الْمُوَطَّأ ٧ / ٢١٥.

(٤) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٧.

فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ ثَلاَثٍ؛ لأَِنَّ الْمُرَادَ بِالأُْخُوَّةِ فِي الْحَدِيثِ أُخُوَّةُ الإِْسْلاَمِ، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ جَازَ هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ (١) . قَال الطِّيبِيُّ: وَتَخْصِيصُهُ بِالذِّكْرِ إِشْعَارٌ بِالْعِلِّيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ أُخُوَّةُ الإِْسْلاَمِ، وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا خَالَفَ هَذِهِ الشَّرِيطَةَ وَقَطَعَ هَذِهِ الرَّابِطَةَ جَازَ هَجْرُهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ (٢) .

رَابِعًا: تَأْدِيبُ الزَّوْجَةِ لِنُشُوزِهَا بِالْهَجْرِ:

١٥ - لِلزَّوْجِ تَأْدِيبُ زَوْجَتِهِ إِذَا نَشَزَتْ بِأُمُورٍ مِنْهَا هَجْرُهَا فِي الْمَضْجَعِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (٣)﴾ .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نُشُوز ف ١٥) .

مَا يَنْقَضِي بِهِ جَوَازُ هَجْرِ الزَّوْجَةِ:

١٦ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ هَجْرَ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ النَّاشِزَةِ يَنْقَضِي جَوَازُهُ بِانْقِضَاءِ نُشُوزِهَا وَرُجُوعِهَا عَنْهُ وَعَوْدَتِهَا إِلَى طَاعَةِ الزَّوْجِ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهَا طَاعَتَهُ فِيهِ؛ لأَِنَّهَا بِذَلِكَ تَكُونُ قَدْ أَقْلَعَتْ عَمَّا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْهَجْرَ

_________

(١) الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦.

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٦.

(٣) سُورَة النِّسَاء / ٣٤.

وَاعْتُبِرَتْ بِهِ نَاشِزًا (١)، وَذَلِكَ لِقَوْل اللَّهِ ﷿ فِي آيَةِ النُّشُوزِ: ﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٢)﴾ .

خَامِسًا: هَجْرُ الْمُجَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي زَجْرًا وَتَأْدِيبًا:

١٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ هَجْرِ الْمُجَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ أَوِ الْبِدَعِ وَالأَْهْوَاءِ، لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، عَلَى سَبِيل الزَّجْرِ وَالتَّأْدِيبِ (٣) قَال الْبَغَوِيُّ: فَأَمَّا هِجْرَانُ أَهْل الْعِصْيَانِ وَالرَّيْبِ فِي الدِّينِ، فَشُرِعَ إِلَى أَنْ تَزُول الرِّيبَةُ عَنْ حَالِهِمْ وَتَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ (٤) وَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: إِذَا عَلِمَ أَنَّهُ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَةٍ، وَهُوَ يَعْلَمُ بِذَلِكَ، لَمْ يَأْثَمْ إِنْ جَفَاهُ حَتَّى يَرْجِعَ، وَإِلاَّ كَيْفَ يَتَبَيَّنُ لِلرَّجُل مَا هُوَ عَلَيْهِ، إِذَا لَمْ يَرَ مُنْكِرًا، وَلاَ جَفْوَةً مِنْ صَدِيقٍ (٥) .

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٢ / ٣٣٤، وَتَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ٥ / ١٧٤، وَالأُْمّ لِلشَّافِعِيِّ (٥ / ١١٢ و١٩٤ دَار الْمَعْرِفَة - بَيْرُوت)، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩، وَمَنَار السَّبِيل فِي شَرْحِ الدَّلِيل (دَار الْحِكْمَةِ) ٢ / ٢٢٧.

(٢) سُورَة النِّسَاء / ٣٤.

(٣) الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَعُمْدَة الْقَارِّيّ ١٨ / ١٨٦، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٤٤، الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْن تَيْمِيَّةَ (ط الرَّيَّان بِمِصْرَ) ٣ / ٤٣٥.

(٤) شَرْح السُّنَّة لِلْبَغْوَيْ ١٣ / ١٠١.

(٥) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٢٩، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني ١ / ٢٥٦.

وَقَال ابْنُ رُشْدٍ: لأَِنَّ الْحُبَّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضَ فِي اللَّهِ وَاجِبٌ، وَلأَِنَّ فِي تَرْكِ مُؤَاخَاةِ الْبِدْعِيِّ حِفْظًا لِدِينِهِ، إِذْ قَدْ يَسْمَعُ مِنْ شُبَهِهِ مَا يَعْلَقُ بِنَفْسِهِ، وَفِي تَرْكِ مُؤَاخَاةِ الْفَاسِقِ رَدْعٌ لَهُ عَنْ فُسُوقِهِ (١) .

وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ: الصَّحَابَةُ ﵃ آثَرُوا فِرَاقَ نُفُوسِهِمْ لأَِجْل مُخَالَفَتِهَا لِلْخَالِقِ ﷾، فَهَذَا يَقُول: زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي. وَنَحْنُ لاَ نَسْخُوا أَنْ نُقَاطِعَ أَحَدًا فِيهِ لِمَكَانِ الْمُخَالَفَةِ! (٢)

وَهِجْرَانُ الْمُجَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي عَلَى مَرْتَبَتَيْنِ: الْهِجْرَانِ بِالْقَلْبِ، وَالْهِجْرَانِ بِاللِّسَانِ. فَهِجْرَانُ الْكَافِرِ بِالْقَلْبِ، وَبِتَرْكِ التَّوَدُّدِ وَالتَّعَاوُنِ وَالتَّنَاصُرِ، لاَ سِيَّمَا إِذَا كَانَ حَرْبِيًّا.

وَإِنَّمَا لَمْ يَشْرَعْ هِجْرَانُهُ بِالْكَلاَمِ لِعَدَمِ ارْتِدَاعِهِ بِذَلِكَ عَنْ كُفْرِهِ، بِخِلاَفِ الْعَاصِي الْمُسْلِمِ، فَإِنَّهُ يَنْزَجِرُ بِذَلِكَ غَالِبًا. وَيَشْتَرِكُ كُلٌّ مِنَ الْكَافِرِ وَالْعَاصِي فِي مَشْرُوعِيَّةِ مُكَالَمَتِهِ بِالدُّعَاءِ إِلَى الطَّاعَةِ وَالأَْمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (٣) .

_________

(١) الْمُقْدِمَات الْمُمَهِّدَات لاِبْن رُشْد (ط دَار الْغَرْبِ الإِْسْلاَمِيّ) ٣ / ٤٤٦.

(٢) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٣٥

(٣) فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٧.

١٨ - وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ لِذَلِكَ وَمَا يُشْتَرَطُ لَهُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْوَالٍ:

أَحَدُهَا: يُسَنُّ هَجْرُ مَنْ جَهَرَ بِالْمَعَاصِي الْفِعْلِيَّةِ أَوِ الْقَوْلِيَّةِ أَوِ الاِعْتِقَادِيَّةِ. قَالَهُ ابْنُ مُفْلِحٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَالثَّانِي: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا، فَلاَ يُكَلَّمُ وَلاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا نُقِل عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ، وَبِهِ قَطَعَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي مُعْتَقَدِهِ، وَقَال: لِيَكُونَ ذَلِكَ كَسْرًا لَهُ وَاسْتِصْلاَحًا.

وَالثَّالِثُ: يَجِبُ هَجْرُهُ مُطْلَقًا إِلاَّ مِنَ السَّلاَمِ بَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ.

وَالرَّابِعُ: يَجِبُ هَجْرُهُ إِنِ ارْتَدَعَ بِذَلِكَ، وَإِلاَّ كَانَ مُسْتَحَبًّا (٢) .

وَالْخَامِسُ: يَجِبُ هَجْرُ مَنْ كَفَرَ أَوْ فَسَقَ بِبِدْعَةٍ أَوْ دَعَا إِلَى بِدْعَةٍ مُضِلَّةٍ أَوْ مُفَسِّقَةٍ عَلَى مَنْ عَجَزَ عَنِ الرَّدِّ عَلَيْهِ أَوْ خَافَ الاِغْتِرَارَ بِهِ وَالتَّأَذِّيَ دُونَ غَيْرِهِ. أَمَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى الرَّدِّ أَوْ كَانَ مِمَّنْ يَحْتَاجُ إِلَى مُخَالَطَتِهِمْ لِنَفْعِ الْمُسْلِمِينَ وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَصَالِحِ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْهَجْرُ؛ لأَِنَّ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ

_________

(١) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٢٩

(٢) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٢٩، ٢٣٧، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني ١ / ٢٥٩، ٢٦٨.

وَيُنَاظِرُهُمْ يَحْتَاجُ إِلَى مُشَافَهَتِهِمْ وَمُخَالَطَتِهِمْ لأَِجْل ذَلِكَ. وَكَذَا مَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُ دُونَ غَيْرِهِ. وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ (١) .

وَالسَّادِسُ: أَنَّ هِجْرَانَ ذِي الْبِدْعَةِ الْمُحَرَّمَةِ أَوِ الْمُتَجَاهِرِ بِالْكَبَائِرِ وَاجِبٌ بِشَرْطَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى عُقُوبَتِهِ الشَّرْعِيَّةِ - كَالْحَدِّ وَبَقِيَّةِ أَنْوَاعِ التَّعْزِيرِ فِي كُل شَيْءٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ - إِذَا كَانَ لاَ يَتْرُكُهَا إِلاَّ بِالْعُقُوبَةِ، بِحَيْثُ إِذَا قَدَرَ عَلَى عُقُوبَتِهِ بِالْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ لَزِمَهُ. وَلَيْسَ ذَلِكَ إِلاَّ لِمَنْ بُسِطَتْ يَدُهُ فِي الأَْرْضِ، هَذَا إِذَا لَمْ يَخَفْ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا خَافَ مِنْهُ إِذَا تَرَكَ مُخَالَطَتَهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يُدَارِيَهُ. وَالْمُدَارَاةُ هِيَ أَنْ يُظْهِرَ خِلاَفَ مَا يُضْمِرُ لاِكْتِفَاءِ الشَّرِّ وَحِفْظِ الْوَقْتِ، بِخِلاَفِ الْمُدَاهَنَةِ الَّتِي مَعَهَا إِظْهَارُ ذَلِكَ لِطَلَبِ الْحَظِّ وَالنَّصِيبِ مِنَ الدُّنْيَا.

وَالثَّانِي: أَنْ لاَ يَقْدِرَ عَلَى مَوْعِظَتِهِ، لِشِدَّةِ تَجَبُّرِهِ، أَوْ يَقْدِرَ عَلَيْهَا لَكِنَّهُ لاَ يَقْبَلُهَا؛ لِعَدَمِ عَقْلٍ وَنَحْوِهِ.

أَمَّا لَوْ كَانَ يَتَمَكَّنُ مِنْ زَجْرِهِ عَنْ مُخَالَطَةِ الْكَبَائِرِ بِعُقُوبَتِهِ بِيَدِهِ - إِنْ كَانَ حَاكِمًا أَوْ فِي وِلاَيَتِهِ أَوْ بِرَفْعِهِ لِلْحَاكِمِ - أَوْ بِمُجَرَّدِ وَعْظِهِ،

_________

(١) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٣٧، وَغِذَاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٦٩.

لَوَجَبَ عَلَيْهِ زَجْرُهُ وَإِبْعَادُهُ عَنْ فِعْل الْكَبَائِرِ، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهُ بِهَجْرِهِ. وَهُوَ قَوْل الْمَالِكِيَّةِ (١) .

وَالسَّابِعُ: أَنَّ هِجْرَانَ أَهْل الْبِدَعِ كَافِرِهِمْ وَفَاسِقِهِمْ وَالْمُتَظَاهِرِينَ بِالْمَعَاصِي وَتَرْكِ السَّلاَمِ عَلَيْهِمْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَمَكْرُوهٌ لِسَائِرِ النَّاسِ. وَهُوَ قَوْل ابْنِ تَمِيمٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

وَالثَّامِنُ: أَنَّ الرَّجُل إِذَا أَظْهَرَ الْمُنْكَرَاتِ وَجَبَ الإِْنْكَارُ عَلَيْهِ عَلاَنِيَةً، وَلَمْ يَبْقَ لَهُ غِيبَةٌ، وَوَجَبَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلاَنِيَةً بِمَا يَرْدَعُهُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ هَجْرٍ وَغَيْرِهِ، فَلاَ يُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَلاَ يُرَدُّ عَلَيْهِ السَّلاَمُ إِذَا كَانَ الْفَاعِل لِذَلِكَ مُتَمَكِّنًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ رَاجِحَةٍ، فَإِنْ أَظْهَرَ التَّوْبَةَ أَظْهَرَ لَهُ الْخَيْرَ. وَهُوَ قَوْل تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ (٣) وَقَال: الْهَجْرُ الشَّرْعِيُّ نَوْعَانِ:

أَحَدُهُمَا: بِمَعْنَى التَّرْكِ لِلْمُنْكَرَاتِ. وَالثَّانِي: بِمَعْنَى الْعُقُوبَةِ عَلَيْهَا. وَهُوَ الْهَجْرُ عَلَى وَجْهِ التَّأْدِيبِ، وَهُوَ هَجْرُ مَنْ يُظْهِرُ الْمُنْكَرَاتِ،

_________

(١) كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٣٩٥، ٣٩٦.

(٢) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٢٩، ٢٣٧، وَغِذَاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٥٩، ٢٦٩.

(٣) الْفَتَاوَى الْكُبْرَى لاِبْن تَيْمِيَّةَ (ط دَار الرَّيَّان بِالْقَاهِرَةِ) ٣ / ٤٣٥، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢١٧، ٢١٨.

يُهْجَرُ حَتَّى يَتُوبَ مِنْهَا، كَمَا هَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى أَنْزَل اللَّهُ تَوْبَتَهُمْ (١)، حِينَ ظَهَرَ مِنْهُمْ تَرْكُ الْجِهَادِ الْمُتَعَيَّنِ عَلَيْهِمْ بِغَيْرِ عُذْرٍ، وَلَمْ يَهْجُرْ مَنْ أَظْهَرَ الْخَيْرَ وَإِنْ كَانَ مُنَافِقًا، فَهُنَا الْهَجْرُ هُوَ بِمَنْزِلَةِ التَّعْزِيرِ (٢) .

وَهَذَا الْهَجْرُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الْهَاجِرِينَ فِي قُوَّتِهِمْ وَضَعْفِهِمْ وَقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَتِهِمْ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ زَجْرُ الْمَهْجُورِ وَتَأْدِيبُهُ وَرُجُوعُ الْعَامَّةِ عَنْ مِثْل حَالِهِ، فَإِنْ كَانَتِ الْمَصْلَحَةُ فِي ذَلِكَ رَاجِحَةً بِحَيْثُ يُفْضِي هَجْرُهُ إِلَى ضَعْفِ الشَّرِّ وَخُفْيَتِهِ كَانَ مَشْرُوعًا، وَإِنْ كَانَ لاَ الْمَهْجُورُ وَلاَ غَيْرُهُ يَرْتَدِعُ بِذَلِكَ، بَل يَزِيدُ الشَّرُّ، وَالْهَاجِرُ ضَعِيفٌ بِحَيْثُ تَكُونُ مَفْسَدَةُ ذَلِكَ رَاجِحَةً عَلَى مَصْلَحَتِهِ لَمْ يُشْرَعِ الْهَجْرُ، بَل يَكُونُ التَّأْلِيفُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ الْهَجْرِ، وَالْهَجْرُ لِبَعْضِ النَّاسِ أَنْفَعَ مِنَ التَّأْلِيفِ.

وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَتَأَلَّفُ قَوْمًا وَيَهْجُرُ آخَرِينَ، كَمَا أَنَّ الثَّلاَثَةَ الَّذِينَ خُلِّفُوا كَانُوا خَيْرًا مِنْ أَكْثَرِ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ لَمَّا كَانَ أُولَئِكَ كَانُوا

_________

(١) حَدِيث " هَجْرِ النَّبِيِّ ﷺ وَالْمُسْلِمُونَ الثَّلاَثَة الَّذِينَ خَلَّفُوا. . . " سَبَقَ تَخْرِيجَهُ ف ٦.

(٢) مَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢٠٣.