الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 33

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

ثَانِيًا: هَجْرُ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ:

٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ هَجْرُ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا، حَيْثُ وَرَدَ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الأَْنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثِ لَيَالٍ، يَلْتَقِيَانِ فَيُعْرِضُ هَذَا وَيُعْرِضُ هَذَا، وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلاَمِ (١) فَهَذَا الْحَدِيثُ نَصَّ فِي مَنْعِ مَا زَادَ عَلَى الثَّلاَثِ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ (٢) وَقَدْ عَدَّ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِيُّ هَجْرَ الْمُسْلِمِ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ مِنَ الْكَبَائِرِ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّقَاطُعِ وَالإِْيذَاءِ وَالْفَسَادِ، وَثُبُوتِ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ فِي الآْخِرَةِ (٣) لِحَدِيثِ: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَهُوَ فِي النَّارِ إِلاَّ أَنْ يَتَدَارَكَهُ اللَّهُ بِكَرَامَتِهِ (٤)

_________

(١) حَدِيث: " لاَ يَحِل لِمُسْلِم. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٢ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٤ / ١٩٨٤ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) وَاللَّفْظ لِمُسْلِم.

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح لِلْمَلاَ عَلِي الْقَارِّيّ ٤ / ٧١٦، وَالْجَامِع مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ لاِبْن رُشْد (ص ٢٦٧ ط دَارَ الْفَرْقَانِ)، وَالنَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَعُمْدَة الْقَارِّيّ ١٨ / ١٧٩، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٥، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي ٧ / ٢١٥، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْد الْقَيْرَوَانِيّ ٢ / ٣٩٤.

(٣) الزَّوَاجِر عَنِ اقْتِرَافِ الْكَبَائِرِ ٢ / ٤٢، ٤٤، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة لاِبْن مُفْلِح ١ / ٢٤٢.

(٤) حَدِيث: " مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَهُوَ. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِيرِ (١٨ / ٣١٥ ط الْعِرَاق) مِنْ حَدِيث فَضَالَّة بْن عَبِيد وَقَال الهيثمي فِي مَجْمَع الزَّوَائِد (٨ / ٦٧ ط الْقُدْسِيّ): رِجَالُهُ رِجَال الصَّحِيحِ

أَمَّا هِجْرَةُ الْمُسْلِمِ لأَِخِيهِ مُدَّةَ ثَلاَثٍ، فَجَمَاهِيرُ الْفُقَهَاءِ عَلَى إِبَاحَتِهَا اعْتِبَارًا لِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ، دَلِيل الْخِطَابِ فِي الْحَدِيثِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلاَثِ؛ لأَِنَّ الآْدَمِيَّ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَنَحْوِهِ، فَعُفِيَ عَنِ الْهِجْرَةِ فِي الثَّلاَثَةِ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ (١) . قَال الْخَطَّابِيُّ: فَرَخَّصَ لَهُ فِي مُدَّةِ ثَلاَثٍ لِقِلَّتِهَا، وَجُعِل مَا وَرَاءَهَا تَحْتَ الْحَظْرِ (٢) وَقَدْ بَيَّنَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ رُشْدٍ وَجْهَ تَحْدِيدِ التَّرْخِيصِ بِثَلاَثٍ فَقَال (٣): الثَّلاَثُ آخِرُ حَدِّ الْيَسِيرِ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ مِنْ أَحْكَامِ الشَّرْعِ، فَاسْتَخَفَّ فِي الْمُهَاجَرَةِ لِجَرْيِ الْعَادَةِ فِي الطِّبَاعِ بِهَا عِنْدَ وُقُوعِ مَا يُثِيرُهَا. وَالأَْصْل فِي تَحْدِيدِهَا فِي الْهَجْرِ وَغَيْرِهِ قَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ (٤)﴾

_________

(١) النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَانْظُرْ عُمْدَة الْقَارِّيّ ١٨ / ١٨٤، وَالْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي ٧ / ٢١٥، وَالأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَكِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ لِرِسَالَةِ ابْن أَبِي زَيْد الْقَيْرَوَانِيّ وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَيْهِ ٢ / ٣٩٥.

(٢) مَعَالِم السُّنَنِ (٧ / ٢٣١ - بِهَامِشٍ مُخْتَصِرٍ سُنَن أَبِي دَاوُد لِلْمُنْذِرِي.

(٣) الْجَامِع مِنَ الْمُقَدِّمَاتِ لاِبْن رُشْد ص ٢٦٨.

(٤) سُورَة هُود / ٦٤.

وَأَمَّا مَنْ لاَ يَعْتَدُّ بِمَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ مِنَ الْفُقَهَاءِ فَقَال: إِنَّ الْحَدِيثَ لاَ يَقْتَضِي إِبَاحَةَ الْهِجْرَةِ فِي الثَّلاَثِ (١) .

جَاءَ فِي مِرْقَاةِ الْمَفَاتِيحِ: قَال أَكْمَل الدِّينِ مِنْ أَئِمَّتِنَا - أَيِ الْحَنَفِيَّةِ -: فِي الْحَدِيثِ دَلاَلَةٌ عَلَى حُرْمَةِ هِجْرَانِ الأَْخِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ، وَأَمَّا جَوَازُ هِجْرَانِهِ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ فَمَفْهُومٌ مِنْهُ لاَ مَنْطُوقٌ، فَمَنْ قَال بِحُجِّيَّةِ الْمَفْهُومِ كَالشَّافِعِيَّةِ جَازَ لَهُ أَنْ يَقُول بِإِبَاحَتِهِ، وَمَنْ لاَ فَلاَ (٢) .

وَقَدْ حَمَل الْفُقَهَاءُ الْهَجْرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ عَلَى مَا كَانَ لِحَظِّ الإِْنْسَانِ، بِأَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فِي عَتَبٍ وَمَوْجِدَةٍ أَوْ لِنَبْوَةٍ تَكُونُ مِنْهُ أَوْ تَقْصِيرٍ فِي حُقُوقِ الْعِشْرَةِ وَالصُّحْبَةِ، دُونَ مَا كَانَ فِي جَانِبِ الدِّينِ، فَإِنَّ هِجْرَةَ أَهْل الأَْهْوَاءِ وَالْبِدَعِ دَائِمَةٌ عَلَى مَرِّ الأَْوْقَاتِ مَا لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ وَالرُّجُوعُ إِلَى الْحَقِّ، فَإِنَّهُ ﷺ لَمَّا خَافَ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ النِّفَاقَ حِينَ تَخَلَّفُوا عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ أَمَرَ بِهِجْرَانِهِمْ، وَأَمَرَهُمْ بِالْقُعُودِ فِي بُيُوتِهِمْ نَحْوَ خَمْسِينَ يَوْمًا (٣)، إِلَى

_________

(١) النَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة لاِبْن مُفْلِح ١ / ٢٤٢.

(٢) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٦، وَانْظُرِ الْمُنْتَقَى لِلْبَاجِي ٧ / ٢١٥.

(٣) حَدِيث: " أَمْر رَسُول اللَّهِ ﷺ بِهِجْرَة كَعْب وَأَصْحَابه. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٨ / ١١٤ - ١١٥ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٤ / ٢١٢٤ ط الْحَلَبِيّ) .

أَنْ أَنْزَل اللَّهُ ﷾ تَوْبَتَهُ وَتَوْبَةَ أَصْحَابِهِ، فَعَرَفَ رَسُول اللَّهِ ﷺ بَرَاءَتَهُمْ مِنَ النِّفَاقِ (١) .

وَوَرَدَ أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ ﵁ خَذَفَ (٢)، فَنَهَاهُ وَقَال: إِنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ، فَأَعَادَ. فَقَال عَبْدُ اللَّهِ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ! لاَ أُكَلِّمُكَ أَبَدًا (٣) .

قَال النَّوَوِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ عَلَى أَثَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ: فِيهِ هِجْرَانُ أَهْل الْبِدَعِ وَالْفُسُوقِ وَمُنَابِذِي السُّنَّةِ مَعَ الْعِلْمِ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ هِجْرَانُهُ دَائِمًا، وَالنَّهْيُ عَنِ الْهِجْرَانِ فَوْقَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ إِنَّمَا

_________

(١) الأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٥٢، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني ١ / ٢٥٦، وَمِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٦، وَمَجْمُوع فَتَاوَى ابْن تَيْمِيَّةَ ٢٨ / ٢٠٧، وَمَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَابِيِّ ٧ / ٢٣١، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ ٢ / ٣٩٥.

(٢) الْخَذْف هُوَ رَمْيُك حَصَاة أَوْ نَوَاة تَأْخُذُهَا بَيْنَ سَبَّابَتَيْك وَتَرْمِي بِهَا، أَوْ تَتَّخِذُ مِخْذَفَة مِنْ خَشَبٍ ثُمَّ تَرْمِي بِهَا الْحَصَاةَ (النِّهَايَة لاِبْنِ الأَْثِيرِ ٢ / ١٦) .

(٣) حَدِيث: عَبْد اللَّه بْن مُغَفَّل أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٩ / ٦٠٧ - ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٣ / ١٥٤٨ - ط الْحَلَبِيّ) .

هُوَ فِيمَنْ هَجَرَ لِحَظِّ نَفْسِهِ وَمَعَايِشِ الدُّنْيَا، وَأَمَّا أَهْل الْبِدَعِ فَهِجْرَانُهُمْ دَائِمًا (١) .

قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْهِجْرَانُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، إِلاَّ لِمَنْ خَافَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يَدْخُل مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ أَوْ دُنْيَاهُ مَضَرَّةٌ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ جَازَ، وَرُبَّ هَجْرٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ (٢) .

وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ هِجْرَانَ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَالزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَالأُْسْتَاذِ لِتِلْمِيذِهِ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمْ لاَ يَضِيقُ بِالْمَنْعِ فَوْقَ ثَلاَثٍ حَمْلًا لِلْحَدِيثِ عَلَى الْمُتَآخِيَيْنِ أَوِ الْمُتَسَاوِيَيْنِ، أَوْ حَمْلًا لِلْهِجْرَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الَّتِي تَكُونُ مَعَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّحْنَاءِ، وَأَنَّ غَيْرَهَا مُبَاحٌ أَوْ خِلاَفُ الأَْوْلَى، وَهَذَا فِي غَيْرِ الأَْبَوَيْنِ، أَمَّا الأَْبَوَانِ فَلاَ يَجُوزُ لِلْوَلَدِ هَجْرُهُمَا وَلَوْ لِطَرْفَةِ عَيْنٍ (٣) .

جَزَاءُ الْهَجْرِ الْمُحَرَّمِ:

٧ - وَرَدَ فِي حَدِيثِ رَسُول اللَّهِ ﷺ وَعِيدٌ لِمَنْ يَتَقَحَّمُ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

_________

(١) صَحِيح مُسْلِم بِشَرْح النَّوَوِيّ (ط الْمَطْبَعَة الْمِصْرِيَّة) ١٣ / ١٠٦.

(٢) فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦.

(٣) مِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٦، وَمَعَالِم السُّنَنِ لِلْخَطَابِيِّ ٧ / ٢٣١، وَانْظُرْ فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦، وَحَاشِيَة الْعَدَوِيّ الْمَالِكِيّ عَلَى كِفَايَة الطَّالِب الرَّبَّانِيّ ٢ / ٣٩٥ وَحَاشِيَة الْجُمَل ٤ / ٢٩٠.

رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ قَال: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ يَحِل لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَثٍ، فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ دَخَل النَّارَ (١) قَال ابْنُ عَلاَّنٍ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ: فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلاَثٍ فَمَاتَ مُصِرًّا عَلَى الْهَجْرِ وَالْقَطِيعَةِ دَخَل النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعْذِيبَهُ مَعَ عُصَاةِ الْمُوَحِّدِينَ، أَوْ دَخَل النَّارَ خَالِدًا مُؤَبَّدًا إِنِ اسْتَحَل ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ بِحُرْمَتِهِ وَالإِْجْمَاعِ عَلَيْهَا (٢) .

وَعَنْ أَبِي خِرَاشٍ حَدْرَدِ بْنِ أَبِي حَدْرَدٍ الأَْسْلَمِيِّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَةً فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ (٣) قَال ابْنُ عَلاَّنٍ: فَهُوَ مِنْ حَيْثُ الإِْثْمُ كَسَفْكِ دَمِهِ إِي إِرَاقَتِهِ عُدْوَانًا (٤) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ إِذَا اعْتَزَل كَلاَمَهُ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَيْهِ. قَالَهُ الْقَاضِي

_________

(١) حَدِيث: " لاَ يَحْل لِمُسْلِم أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلاَث. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٢١٥ ط حِمْص) .

(٢) دَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤٤٥ - ٤٤٦.

(٣) حَدِيث: " مَنْ هَجَرَ أَخَاهُ سَنَة فَهُوَ كَسَفْكِ دَمِهِ ". أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد (٥ / ٢١٥، ٢١٦ ط حِمْص)، وَالْحَاكِم (٤ / ١٦٣ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ الْعُثْمَانِيَّة) وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.

(٤) دَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤٤٥ - ٤٤٦.

عِيَاضٌ (١) وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَال: إِذَا اعْتَزَل كَلاَمَهُ لَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُؤْذٍ لَهُ (٢) وَعِلَّةُ ذَلِكَ أَنَّ الشَّهَادَةَ يُتَوَقَّى فِيهَا وَيُحْتَاطُ، وَتَرْكُ الْمُكَالَمَةِ يُشْعِرُ بِأَنَّ فِي بَاطِنِهِ عَلَيْهِ شَيْئًا، فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ لَمْ تُقْبَل شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ (٣) .

الْحَلِفُ عَلَى الْهَجْرِ هَل يَشْمَل الْمُكَاتَبَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ؟:

٨ - لَوْ حَلَفَ مُسْلِمٌ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَهَل يَحْنَثُ لَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ؟

قَال النَّوَوِيُّ: فِي الْجَدِيدِ لاَ يَحْنَثُ حَمْلًا لِلْكَلاَمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَفِي الْقَدِيمِ يَحْنَثُ حَمْلًا لِلْكَلاَمِ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَالْمَجَازِ.

وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ بِالإِْيذَاءِ وَالإِْيحَاشِ لاَ يَحْنَثُ بِذَلِكَ إِذَا كَانَ قَدْ حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ (٤) .

أَثَرُ الْمُرَاسَلَةِ وَالْكِتَابَةِ لِلْغَائِبِ فِي زَوَال الْهَجْرِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْمُرَاسَلَةِ

_________

(١) فَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦، وَالأُْبِّيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ٧ / ١٦.

(٢) الْمُنْتَقَى ٧ / ٢١٥.

(٣) انْظُرْ فَتْح الْبَارِي ١٥ / ٤٩٦.

(٤) رَوْضَة الطَّالِبِينَ ١١ / ٦٤، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٣٤٥.

وَالْكِتَابَةِ لِلْغَائِبِ مُزِيلَةً لِلْهَجْرِ عَلَى قَوْلَيْنِ:.

أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْهَجْرَ الْمُحَرَّمَ لاَ يَزُول بِغَيْرِ مُشَافَهَةٍ. وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيِّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْحَنَابِلَةِ (١) .

وَالثَّانِي: أَنَّهُ يَزُول بِالْكِتَابَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ لِلْغَائِبِ، لِزَوَال الْوَحْشَةِ بِذَلِكَ، وَهُوَ الْوَجْهُ الأَْصَحُّ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ (٢)، قَال ابْنُ مُفْلِحٍ: وَيَتَوَجَّهُ عَلَى قَوْل مَنْ جَعَل مِنْ أَصْحَابِنَا الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلاَمًا أَنْ يَزُول الْهَجْرُ الْمُحَرَّمُ بِهَا. ثُمَّ قَال: وَجَدْتُ ابْنَ عَقِيلٍ ذَكَرَهُ (٣) .

قَال السَّفَارِينِيُّ الْحَنْبَلِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَزُول. قَال ابْنُ رَزِينٍ فِي مُخْتَصَرِهِ فِيمَا لَوْ حَلَفَ أَنْ لاَ يُكَلِّمَهُ، فَكَتَبَ أَوْ أَرْسَل إِلَيْهِ: نَصَّ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّهُ يُنْظَرُ إِلَى سَبَبِ يَمِينِهِ، فَإِنْ كَانَتْ نِيَّتُهُ أَوْ سَبَبُ يَمِينِهِ يَقْتَضِي هِجْرَانَهُ وَتَرْكَ صِلَتِهِ حَنِثَ. فَإِنَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْكِتَابَةَ وَالْمُرَاسَلَةَ كَلاَمٌ (٤) .

_________

(١) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٥٤، وَغِذَاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٧٤.

(٢) شَرْح النَّوَوِيّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ ١٦ / ١١٧ وَمَا بَعْدَهَا.

(٣) الآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٨٩، وَغِذَاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٧٤ وَمَا بَعْدَهَا.

(٤) غِذَاء الأَْلْبَاب ١ / ٢٧٥.

وَقَال النَّوَوِيُّ: فَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ، فَهَل يَزُول الإِْثْمُ؟ نُظِرَ إِنْ كَانَتْ مُوَاصَلَتُهُمَا قَبْل الْهِجْرَانِ بِالْمُكَاتَبَةِ أَوِ الْمُرَاسَلَةِ ارْتَفَعَ الإِْثْمُ، وَإِلاَّ فَإِنْ تَعَذَّرَ الْكَلاَمُ لِغَيْبَةِ أَحَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ، وَإِلاَّ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْجَدِيدِ وَالْقَدِيمِ، حَتَّى لَوْ حَلَفَ أَنْ يُهَاجِرَهُ، فَهَل يَحْنَثُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ؟ فِيهِ هَذَا الْخِلاَفُ. وَأَطْلَقَ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يَرْتَفِعُ الإِْثْمُ بِالْمُكَاتَبَةِ وَالْمُرَاسَلَةِ، ثُمَّ لاَ يَخْفَى أَنَّ الْمُكَاتَبَةَ إِنَّمَا تَرْفَعُ الإِْثْمَ إِذَا خَلَتْ عَنِ الإِْيذَاءِ وَالإِْيحَاشِ، وَإِلاَّ فَهُوَ كَمَا لَوْ كَلَّمَهُ بِالشَّتْمِ وَالإِْيذَاءِ، فَإِنَّهُ لاَ تَزُول بِهِ الْمُهَاجَرَةُ، بَل هُوَ زِيَادَةُ وَحْشَةٍ، وَتَأْكِيدٌ لِلْمُهَاجَرَةِ، وَلاَ يَحْنَثُ بِمِثْل هَذِهِ الْمُكَاتَبَةِ إِذَا حَلَفَ عَلَى الْمُهَاجَرَةِ (١) .

الصَّلاَةُ خَلْفَ أَحَدِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ:

١٠ - جَاءَ فِي مَوَاهِبِ الْجَلِيل: سُئِل أَبُو مُحَمَّدٍ عَنِ الصَّلاَةِ خَلْفَ أَحَدِ الْمُتَهَاجِرَيْنِ، فَأَجَابَ: إِنْ كَانَ تَهَاجُرُهُمَا لأَِمْرٍ دُنْيَوِيٍّ فَالصَّلاَةُ خَلْفَ غَيْرِهِمَا أَحَبُّ إِلَيَّ، وَلاَ إِعَادَةَ عَلَى مَنْ صَلَّى خَلْفَ أَحَدِهِمَا (٢) .

_________

(١) الرَّوْضَة ١١ / ٦٤.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل بِشَرْحٍ مُخْتَصَرٍ خَلِيلٍ (دَار الْفِكْرِ - بَيْرُوت) ٢ / ٩٥.

الْهَجْرُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَمَّا يُوجِبُ الْهَجْرَ:

١١ - قَال الْعُلَمَاءُ: لاَ يَجُوزُ الْهَجْرُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ عَمَّا يُوجِبُ الْهَجْرَ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: أَنَّهُ كَانَ لاَ يَأْخُذُ بِالْقَرَفِ وَلاَ يَقْبَل قَوْل أَحَدٍ عَلَى أَحَدٍ (١)، قَال الْمُنَاوِيُّ: وُقُوفًا مَعَ الْعَدْل لأَِنَّ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِهِ عِنْدَهُ بِطَرِيقِهِ الْمُعْتَبَرِ، وَقَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: قَال مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ ﵁: " إِذَا كَانَ لَكَ أَخٌ فِي اللَّهِ تَعَالَى فَلاَ تُمَارِهِ وَلاَ تَسْمَعْ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ، فَرُبَّمَا قَال لَكَ مَا لَيْسَ فِيهِ فَحَال بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ (٢) ".

زَوَال الْهَجْرِ بِالسَّلاَمِ:

١٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ الْهَجْرِ يَزُول بِالسَّلاَمِ عَلَى قَوْلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ أَنَّ السَّلاَمَ يَقْطَعُ الْهِجْرَةَ وَيَرْفَعُ إِثْمَهَا وَيُزِيلُهُ (٣) .

_________

(١) حَدِيث: " كَانَ لاَ يَأْخُذُ بِالْقَرَفِ. . . ". أَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْم فِي الْحِلْيَةِ (٦ / ٣١٠ ط السَّعَادَة) مِنْ حَدِيثِ أَنَس بْن مَالِك، وَقَال: " غَرِيب "، وَضَعَّفَهُ السُّيُوطِيُّ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (٥ / ١٨ - بِشَرْحِهِ الْفَيْض - ط الْمَكْتَبَة التِّجَارِيَّة)، وَالْقِرْف - بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُون الرَّاءِ - التُّهْمَة.

(٢) فَيْض الْقَدِير شَرْح الْجَامِع الصَّغِير ٥ / ١٨١، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٤٠ وَمَا بَعْدَهَا.

(٣) عُمْدَة الْقَارِّيّ ١٨ / ١٧٩، وَمِرْقَاة الْمَفَاتِيح ٤ / ٧١٧، وَالنَّوَوِيّ عَلَى مُسْلِمِ ١٦ / ١١٧، وَالْمُنْتَقَى ٧ / ٢١٥، وَالأُْبِّيّ عَلَى مُسْلِم ٧ / ١٦، وَفَتْح الْبَارِي ١٠ / ٤٩٦، وَغِذَاء الأَْلْبَاب للسفاريني ١ / ٢٧٤، وَالآْدَاب الشَّرْعِيَّة ١ / ٢٤٤