الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٧ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ هَجْوِ الْكَافِرِ غَيْرِ الْمَعْصُومِ، وَكَذَا الْمُرْتَدُّ؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ ﵁ بِهَجْوِ الْكُفَّارِ (١) .
كَمَا ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ هَجْوِ الْمُسْلِمِ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ الْمُبْتَدِعَ وَالْفَاسِقَ الْمُعْلِنَ بِفِسْقِهِ، فَيَجُوزُ هَجْوُهُمْ.
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ هَجْوُ الْمُسْلِمِ الْمُنَافِقِ (٢) .
وَقَدِ اسْتَدَل الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ هَجْوِ الْمُسْلِمِ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٣)﴾، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا
_________
(١) حَدِيث: " أَمْر النَّبِيِّ ﷺ حَسَّانًا بِهَجْو الْكُفَّار. . . " أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٦ / ٣٠٤ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٤ / ١٩٣٣ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاء بْن عَازِب.
(٢) الْوَسِيلَة الأَْحْمَدِيَّة بِهَامِشٍ بِرِيقَة مَحْمُودِيَّة ٤ / ٢٦، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٤٢٢ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ، وَالْفَوَاكِهِ الدَّوَانِي ٢ / ٤٥٨، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٤ / ٤٣٠، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٤ / ٣٢١، وَالْمُغْنِي ٩ / ١٧٦ - ١٧٩، وَالْقُرْطُبِيّ ١٤ / ٢٤٠، وَدَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤١٧.
(٣) سُورَة الأَْحْزَابِ / ٥٨.
خَيْرًا مِنْهُمْ وَلاَ نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلاَ تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلاَ تَنَابَزُوا بِالأَْلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الإِْيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١)﴾، وَقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ (٢)، وَقَوْلِهِ ﷺ: لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلاَ بِاللَّعَّانِ وَلاَ الْفَاحِشِ وَلاَ الْبَذِيءِ (٣) .
٨ - وَحُكْمُ هِجَاءِ الأَْمْوَاتِ كَحُكْمِ هِجَاءِ الأَْحْيَاءِ (٤)، فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: لاَ تَسُبُّوا الأَْمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا (٥)، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال: لاَ تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا فَتُؤْذُوا بِهِ الأَْحْيَاءَ (٦) .
_________
(١) سُورَة الْحُجُرَاتِ / ١١
(٢) حَدِيث: " الْمُسْلِم مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٣ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (١ / ٦٥ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاصِ، وَاللَّفْظ لِلْبُخَارِيِّ.
(٣) حَدِيث: " لَيْسَ الْمُؤْمِن بِالطَّعَّانِ وَلاَ اللَّعَّان وَلاَ الْفَاحِش وَلاَ الْبَذِيء ". أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ (٤ / ٣٥٠ ط الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود، وَقَال التِّرْمِذِيّ: حَسَن غَرِيب.
(٤) الْمَرَاجِع الْفِقْهِيَّة السَّابِقَة.
(٥) حَدِيث: " لاَ تَسُبُّوا الأَْمْوَاتَ فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا إِلَيْهِ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١١ / ٣٦٢ ط السَّلَفِيَّة) .
(٦) حَدِيث: " لاَ تَسُبُّوا أَمْوَاتَنَا فَتُؤْذُوا بِهِ الأَْحْيَاءَ ". أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرِكِ (٣ / ٣٢٩ ط دَار الْكِتَابِ الْعَرَبِيِّ) وَقَال: صَحِيحٌ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيّ.
تَرَتُّبُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى مَا يُنْطَقُ بِالتَّهَجِّي:
٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الأَْحْكَامَ الْفِقْهِيَّةَ تَتَرَتَّبُ عَلَى أَلْفَاظِ الْعُقُودِ أَوِ التَّصَرُّفَاتِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِهَا هَذِهِ الأَْحْكَامُ (١) .
وَنَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ هِجَاءَ اللَّفْظِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ أَوِ الْعِتْقُ يَقَعُ بِهِ الطَّلاَقُ أَوِ الْعِتْقُ كَذَلِكَ، قَال ابْنُ الْهُمَامِ: يَقَعُ الطَّلاَقُ بِالتَّهَجِّي كَأَنْتِ (ط ال ق) وَكَذَا لَوْ قِيل لَهُ: طَلَّقْتَهَا؟ فَقَال: (ن ع م) إِذَا نَوَى وَصَرَّحَ بِقَيْدِ النِّيَّةِ فِي الْبَدَائِعِ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يُشْتَرَطُ قَصْدُ لَفْظِ الطَّلاَقِ لِمَعْنَاهُ، وَلاَ يَكْفِي قَصْدُ حُرُوفِ الطَّلاَقِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ مَعْنَاهُ (٣) .
حُكْمُ التَّهَاجِي:
١٠ - إِذَا هَجَا شَخْصٌ آخَرَ دُونَ حَقٍّ، فَبَادَلَهُ الْمَهْجُوُّ الْهِجَاءَ، فَهَل يَأْثَمَانِ أَوْ يَأْثَمُ
_________
(١) الْمُغْنِي لاِبْن قُدَامَةَ ٧ / ١٢١ (مَطْبَعَة أَنْصَار السُّنَّة الْمُحَمَّدِيَّةِ - الْقَاهِرَةِ) .
(٢) شُرِحَ فَتْح الْقَدِير ٣ / ٣٢٥، ٣٥٤ " دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ - بَيْرُوت - لُبْنَان ".
(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج إِلَى مَعْرِفَةِ أَلْفَاظ الْمِنْهَاج ٣ / ٢٨٠ (دَار الْفِكْرِ) .
الْبَادِي مِنْهُمَا؟ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالاَ، فَعَلَى الْبَادِئِ مِنْهُمَا مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ (١) .
وَنَقَل ابْنُ عَلاَّنٍ عَنِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: مَعْنَاهُ أَنَّ إِثْمَ السِّبَابِ الْوَاقِعِ بَيْنَهُمَا يَخْتَصُّ بِالْبَادِي مِنْهُمَا كُلَّهُ، إِلاَّ أَنْ يُجَاوِزَ الثَّانِي قَدْرَ الاِنْتِصَارِ فَيُؤْذِي الظَّالِمَ بِأَكْثَرَ مِمَّا قَالَهُ.
وَقَال: وَفِيهِ جَوَازُ الاِنْتِصَارِ، وَلاَ خِلاَفَ فِيهِ، وَتَظَاهَرَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَمَعَ ذَلِكَ فَالصَّبْرُ وَالْعَفْوُ أَفْضَل كَمَا قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ (٢)﴾، قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ: ". . . وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا (٣) .
وَإِذَا حَدَثَ الاِنْتِصَارُ دُونَ تَجَاوُزٍ يَبْرَأُ الْمُنْتَصِرُ، وَيَبْرَأُ الْبَادِئُ عَنْ ظُلْمِهِ بِوُقُوعِ الْقَصَاصِ، وَمَعَ ذَلِكَ يَكُونُ إِثْمُ الاِبْتِدَاءِ عَلَى الْبَادِئِ (٤) .
_________
(١) حَدِيث: " الْمُسْتَبَّان مَا قَالاَ، فَعَلَى الْبَادِي. . . ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤ / ٢٠٠٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(٢) سُورَة الشُّورَى / ٤٣.
(٣) حَدِيث: " مَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عَزَا ". أَخْرَجَهُ مُسْلِم (٤ / ٢٠٠١ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁.
(٤) دَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤١٤.
وَقَال الْقُرْطُبِيُّ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْل مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ (١) . . .﴾، حَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ فِرْقَةٍ أَنَّهَا قَالَتْ: إِنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الآْيَةُ فِيمَنْ أُصِيبَ بِظُلاَمَةٍ أَلاَّ يَنَال مِنْ ظَالِمِهِ إِذَا تَمَكَّنَ إِلاَّ مِثْل ظُلاَمَتِهِ لاَ يَتَعَدَّاهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ وَمُجَاهِدٍ (٢) .
تَعْزِيرُ الْهِجَاءِ:
١١ - لِلإِْمَامِ أَنْ يُعَزِّرَ مَنْ يَهْجُو النَّاسَ بِغَيْرِ حَقٍّ؛ وَذَلِكَ لأَِنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْهِجَاءِ مُحَرَّمٌ وَفِعْلَهُ مَعْصِيَةٌ، وَكُل مَعْصِيَةٍ لَيْسَ فِيهَا حَدٌّ وَجَبَ فِيهَا التَّعْزِيرُ.
وَيُنْظَرُ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِير ف ٨) .
_________
(١) سُورَة النَّحْل / ١٢٦.
(٢) تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ ١٠ / ٢٠١، ٢٠٢ و١ / ٢٠٧، ٢٠٨.
هَجْرٌ
التَّعْرِيفُ:
ا - الْهَجْرُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ هَجَرَ، وَهُوَ ضِدُّ الْوَصْل، يُقَال: هَجَرْتُهُ هَجْرًا: قَطَعْتُهُ، وَهَجَرَ فُلاَنٌ هَجْرًا: تَبَاعَدَ، وَهَجَرَ الْفَحْل: تَرَكَ الضِّرَابَ، وَهَجَرَ الشَّيْءَ أَوِ الشَّخْصَ: تَرَكَهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ، وَهَجَرَ زَوْجَتَهُ: اعْتَزَل عَنْهَا وَلَمْ يُطَلِّقْهَا. . . وَفِي التَّنْزِيل الْعَزِيزِ: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ (١)﴾ وَاصْطِلاَحًا: قَال الْبَرَكَتِيُّ وَالرَّاغِبُ: الْهَجْرُ: تَرْكُ مَا يَلْزَمُ تَعَهُّدُهُ، وَمُفَارَقَةُ الإِْنْسَانِ غَيْرَهُ، إِمَّا بِالْبَدَنِ أَوْ بِاللِّسَانِ أَوْ بِالْقَلْبِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ﴾ كِنَايَةٌ عَنْ عَدَمِ قُرْبِهِنَّ.
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٢)﴾ فَهَذَا هَجْرٌ بِالْقَلْبِ أَوْ بِالْقَلْبِ وَاللِّسَانِ، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَاهْجُرْهُمْ هَجْرًا جَمِيلًا (٣)﴾
_________
(١) سُورَة النِّسَاء / ٣٤.
(٢) سُورَة الْفُرْقَانِ / ٣٠.
(٣) سُورَة الْمُزَّمِّل / ١٠.
يَحْتَمِل الثَّلاَثَةَ (١) .
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - التَّرْكُ:
٢ - التَّرْكُ فِي اللُّغَةِ: مَصْدَرُ تَرَكَ، يُقَال: تَرَكَ الشَّيْءَ تَرْكًا: طَرَحَهُ وَخَلاَّهُ، وَتَرَكْتُ الْمَنْزِل: رَحَلْتُ عَنْهُ، وَتَرَكْتُ الرَّجُل: فَارَقْتُهُ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلإِْسْقَاطِ فِي الْمَعَانِي فَقِيل: تَرَكَ حَقَّهُ: إِذَا أَسْقَطَهُ، وَتَرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلاَةِ: لَمْ يَأْتِ بِهَا، فَإِنَّهُ إِسْقَاطٌ لِمَا ثَبَتَ شَرْعًا، وَتَرَكْتُ الْبَحْرَ سَاكِنًا: لَمْ أُغَيِّرْهُ عَنْ حَالِهِ، وَتَرَكَ الْمَيِّتُ مَالًا: خَلَّفَهُ، وَالاِسْمُ التَّرِكَةُ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ: قَال الْبَرَكَتِيُّ: التَّرْكُ عَدَمُ فِعْل الْمَقْدُورِ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ، أَوْ مُفَارَقَةُ مَا يَكُونُ الإِْنْسَانُ فِيهِ (٣) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَجْرِ وَالتَّرْكِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط، وَتَهْذِيب الأَْسْمَاء وَاللُّغَات (٤ / ١٧٩ ط دَار الْكُتُبِ الْعِلْمِيَّةِ)، وَالْمُفْرَدَاتِ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ، وَقَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِي، وَالْجَامِعِ لأَِحْكَامِ الْقُرْآنِ (٥ / ١٧١ - ١٧٢، ط دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ، لُبْنَان) وَمُغْنِي الْمُحْتَاج (٣ / ٢٥٩ ط دَار الْفِكْرِ)، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٥ / ٢٠٩.
(٢) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَالْمُعْجَم الْوَسِيط.
(٣) قَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِي.
مُطْلَقٌ، وَالتَّرْكُ أَعَمُّ.
ب - النُّشُوزُ:
٣ - مِنْ مَعَانِي النُّشُوزِ فِي اللُّغَةِ: الْعِصْيَانُ وَالاِمْتِنَاعُ، يُقَال: نَشَزَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ زَوْجِهَا نُشُوزًا: عَصَتْهُ وَامْتَنَعَتْ عَلَيْهِ، وَنَشَزَ الرَّجُل مِنِ امْرَأَتِهِ نُشُوزًا: تَرَكَهَا وَجَفَاهَا.
قَال أَبُو إِسْحَاقَ: النُّشُوزُ يَكُونُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَهُوَ كَرَاهَةُ كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ (١) .
وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهَجْرِ وَالنُّشُوزِ: أَنَّ نُشُوزَ الزَّوْجَةِ يَكُونُ سَبَبًا لِهَجْرِ الزَّوْجِ لَهَا فِي الْمَضْجَعِ تَأْدِيبًا لَهَا عَلَى نُشُوزِهَا.
ج - الْبُغْضُ:
٤ - الْبُغْضُ لُغَةً: الْكُرْهُ وَالْمَقْتُ، يُقَال: بَغَضَ الشَّيْءَ بُغْضًا: كَرِهَهُ وَمَقَتَهُ، وَالْبَغْضَاءُ:
_________
(١) الْمِصْبَاح الْمُنِير، وَلِسَان الْعَرَبِ.
(٢) الدَّرّ الْمُخْتَار وَرَدّ الْمُحْتَارِ (٢ / ٤٤٦ دَار إِحْيَاء التُّرَاثِ الْعَرَبِيِّ)، وَالشَّرْح الْكَبِير مَعَ حَاشِيَةِ الدُّسُوقِيّ (٢ / ٣٤٤ دَار الْفِكْرِ)، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ ٣ / ٢٩٩، وَالْمُغْنِي (٧ / ٤٦ دَار الْمَنَار - الْقَاهِرَة)، وَالْمُفْرَدَات فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ.
شِدَّةُ الْبُغْضِ، وَهِيَ - كَمَا قَال الْبَرَكَتِيُّ - فِي الْقَلْبِ. وَاصْطِلاَحًا: قَال الرَّاغِبُ: الْبُغْضُ: نِفَارُ النَّفْسِ عَنِ الشَّيْءِ الَّذِي تَرْغَبُ عَنْهُ، وَهُوَ ضِدُّ الْحُبِّ الَّذِي هُوَ انْجِذَابُ النَّفْسِ إِلَى الشَّيْءِ الَّذِي تَرْغَبُ فِيهِ (١) .
وَالصِّلَةُ: أَنَّ الْبُغْضَ قَدْ يَكُونُ سَبَبًا مِنْ أَسْبَابِ الْهَجْرِ.
الأَْحْكَامُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْهَجْرِ:
تَتَعَلَّقُ بِالْهَجْرِ أَحْكَامٌ مِنْهَا:
أَوَّلًا: هَجْرُ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ:
٥ - وَرَدَ الأَْمْرُ بِهَجْرِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ شَرْعًا وَتَرْكِهِ وَاجْتِنَابِهِ، فَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال: الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (٢) وَفِي رِوَايَةٍ: الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ السَّيِّئَاتِ (٣) .
_________
(١) الْمُعْجَم الْوَسِيط، وَقَوَاعِد الْفِقْهِ لِلْبَرَكَتِي، وَالْمُفْرَدَاتِ فِي غَرِيبِ الْقُرْآنِ.
(٢) حَدِيث: " الْمُسْلِم مِنْ سَلَّمَ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٣ ط السَّلَفِيَّة) .
(٣) حَدِيث: " الْمُهَاجِر مِنْ هَجْرِ السَّيِّئَاتِ. . . ". أَخْرَجَهُ ابْن حِبَّانَ (الإِْحْسَان ١ / ٤٢٥ ط مُؤَسَّسَة الرِّسَالَة) .
قَال ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلاَنِيُّ: الْمُهَاجِرُ بِمَعْنَى الْهَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْمُفَاعِل يَقْتَضِي وُقُوعَ فِعْلٍ مِنِ اثْنَيْنِ، لَكِنَّهُ هُنَا لِلْوَاحِدِ كَالْمُسَافِرِ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ عَلَى بَابِهِ؛ لأَِنَّ مَنْ لاَزَمَ كَوْنَهُ هَاجِرًا وَطَنَهُ مَثَلًا أَنَّهُ مَهْجُورٌ مِنْ وَطَنِهِ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ ضَرْبَانِ: ظَاهِرَةٌ وَبَاطِنَةٌ، فَالْبَاطِنَةُ: تَرْكُ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ النَّفْسُ الأَْمَّارَةُ بِالسُّوءِ وَالشَّيْطَانُ، وَالظَّاهِرَةُ: الْفِرَارُ بِالدِّينِ مِنَ الْفِتَنِ، وَكَأَنَّ الْمُهَاجِرِينَ خُوطِبُوا بِذَلِكَ لِئَلاَّ يَتَّكِلُوا عَلَى مُجَرَّدِ التَّحَوُّل مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَمْتَثِلُوا أَوَامِرَ الشَّرْعِ وَنَوَاهِيَهُ، وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قِيل بَعْدَ انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ لَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ، بَل حَقِيقَةُ الْهِجْرَةِ تَحْصُل لِمَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (١) .
وَقَال ابْنُ عَلاَّنٍ: الْمُهَاجِرُ الْكَامِل مَنْ هَجَرَ - امْتِثَالًا لأَِمْرِ اللَّهِ وَإِجْلاَلِهِ وَخَوْفًا مِنْهُ - مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ، شَمِل صَغَائِرَ الذُّنُوبِ وَكَبَائِرَهَا، وَكَامِل الْهِجْرَةِ مَنْ هَجَرَ الْمَعَاصِيَ رَأْسًا وَتَحَلَّى بِالطَّاعَةِ (٢) وَقَدْ وَرَدَتْ آيَاتٌ وَأَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ تَأْمُرُ بِاجْتِنَابِ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ (ر: مُصْطَلَحُ تُرْك ف ٨ - ١١) .
_________
(١) فَتْح الْبَارِي ١ / ٥٤.
(٢) دَلِيل الْفَالِحِينَ ٤ / ٤١٧.