الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْقَوْل الثَّانِي: لاَ يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيَّةِ فِي مُقَابِل الأَْظْهَرِ وَقَوْلٌ لِلْحَنَابِلَةِ.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ لَفْظَ الْهِبَةِ يُفِيدُ التَّبَرُّعَ فَمِنَ التَّنَاقُضِ أَنْ يُشْتَرَطَ فِيهَا الْعِوَضُ (١) .
وَبِهَذَا الْقَوْل قَال دَاوُدُ وَأَبُو ثَوْرٍ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ صَارَتْ مِنْ قَبِيل بَيْعِ الْغَرَرِ (٢) .
٣٤ - وَعَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مَعْلُومًا مُعَيَّنًا كَمَا فِي الْبَيْعِ، فَإِنْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا فَإِنَّ الأَْصَحَّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ثَوْرٍ الآْخَرُ - أَنَّ الْهِبَةَ تَفْسُدُ وَيَكُونُ حُكْمُهَا حُكْمَ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ يَرُدُّهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ إِلَى الْوَاهِبِ بِزِيَادَتِهَا الْمُتَّصِلَةِ وَالْمُنْفَصِلَةِ؛ لأَِنَّهُ نَمَاءُ مِلْكِ الْوَاهِبِ، وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً رَدَّ قِيمَتَهَا.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّهُ بَيْعٌ يَفْتَقِرُ إِلَى التَّرَاضِي بِسَبَبِ الْجَهَالَةِ.
_________
(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ١ / ١٢٩ - ١٣٠، وَالْخَرَشِيّ ٧ / ١٠٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ١١٤، وَالْمُهَذَّب ١ / ٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٤، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح ٦ / ٢٩٩، وَكَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٠٠، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٧.
(٢) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٢٤٨.
أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ فَيَرَوْنَ أَنَّ الْهِبَةَ بَاطِلَةٌ إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا، لِتَعَذُّرِ صِحَّتِهِ بَيْعًا لِجَهَالَةِ الْعِوَضِ، وَلِتَعَذُّرِ صِحَّتِهِ هِبَةً لِذِكْرِ الثَّوَابِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لاَ تَقْتَضِيهِ، وَقِيل: يَصِحُّ هِبَةً بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ (١)
وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ عِوَضٍ مَجْهُولٍ صَحِيحَةٌ، فَإِذَا أَعْطَاهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ عِوَضًا رَضِيَهُ، لَزِمَ الْعَقْدُ بِذَلِكَ.
وَلَوْ تَغَيَّرَتِ الْعَيْنُ الْمَوْهُوبَةُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ وَلَمْ يُثِبْهُ مِنْهَا، فَقَال الإِْمَامُ أَحْمَدُ: لاَ أَرَى عَلَيْهِ نُقْصَانَ مَا نَقَصَ عِنْدَهُ إِذَا رَدَّهَا إِلَى الْوَاهِبِ إِلاَّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبًا لَبِسَهُ أَوْ دَابَّةً اسْتَعْمَلَهَا، فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ إِذَا نَقَصَ فَلاَ شَيْءَ عَلَيْهِ.
لَكِنَّ الْمُرْدَاوِيَّ فِي الإِْنْصَافِ أَوْرَدَ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ عِوَضٍ مَجْهُولٍ غَيْرُ صَحِيحَةٍ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الأَْصْحَابِ. وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَال: يُرْضِيهِ بِشَيْءٍ فَيَصِحُّ، وَذَكَرَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَقَال الْحَارِثِيُّ: هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ (٢) .
وَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يُرَاعَى
_________
(١) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٥، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ ٦ / ٣٠٠
(٢) الإِْنْصَاف ٧ / ١١٧، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ ٦ / ٢٩٩ - ٣٠٢.
فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ قَبْل الْقَبْضِ وَالْبَيْعِ بَعْدَهُ، فَإِذَا وَقَعَتِ الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ الْمُعَيَّنِ فَهِيَ هِبَةٌ ابْتِدَاءً وَبَيْعٌ انْتِهَاءً.
أَمَّا لَوْ كَانَ الْعِوَضُ مَجْهُولًا بَطَل اشْتِرَاطُهُ، فَيَكُونُ هِبَةً ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، وَالْهِبَةُ لاَ تَبْطُل بِالشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ (١) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الثَّوَابُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ وَلَمْ يَحْصُل قَبْضٌ، فَإِنَّ الْهِبَةَ لاَ تَلْزَمُ الْوَاهِبَ، أَمَّا إِذَا قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ فَإِنَّهَا تَكُونُ لاَزِمَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْوَاهِبِ، أَمَّا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهَا لاَ تَلْزَمُ فِي حَقِّهِ؛ وَلِذَلِكَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بِعَيْنِهَا، فَإِنْ فَاتَتْ عِنْدَهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ دَفْعُ الْقِيمَةِ (٢) .
تَكْيِيفُ الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ:
٣٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي التَّكْيِيفِ الْفِقْهِيِّ لِلْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَزُفَرَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ بَيْعٌ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً وَتَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ، فَلاَ يَبْطُل
_________
(١) الاِخْتِيَار ٣ / ٥٣، وَالدَّرّ الْمُخْتَار ٢ / ٥١٩، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٩ / ٥٠.
(٢) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ١١٤.
بِالشُّيُوعِ، وَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبْضِ، وَلاَ يَمْلِكَانِ الرُّجُوعَ عَنِ التَّصَرُّفِ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل عِنْدَ زُفَرَ: أَنَّ مَعْنَى الْبَيْعِ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْعَقْدِ؛ لأَِنَّ الْبَيْعَ تَمْلِيكُ الْعَيْنِ بِعِوَضٍ وَقَدْ وُجِدَ، إِلاَّ أَنَّهُ اخْتَلَفَتِ الْعِبَارَةُ، وَاخْتِلاَفُهَا لاَ يُوجِبُ اخْتِلاَفَ الْحُكْمِ، كَحُصُول الْبَيْعِ بِلَفْظِ التَّمْلِيكِ (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ عَقْدُ هِبَةٍ ابْتِدَاءً بَيْعٌ انْتِهَاءً إِذَا حَصَل التَّقَابُضُ مِنَ الطَّرَفَيْنِ، قَال الْحَنَفِيَّةُ: وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَبْل الْقَبْضِ مِنَ الطَّرَفَيْنِ لاَ يَجُوزُ هِبَةُ الْمُشَاعِ الَّذِي يَنْقَسِمُ وَلاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِي كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ مَا لَمْ يَتَقَابَضَا، وَكَذَلِكَ لَوْ قَبَضَ أَحَدُهُمَا وَلَمْ يَقْبِضِ الآْخَرُ فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ، الْقَابِضُ وَغَيْرُ الْقَابِضِ فِيهِ سَوَاءٌ حَتَّى يَتَقَابَضَا جَمِيعًا.
_________
(١) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٧، وَالْحَطَّاب ٦ / ٦٦ - ٦٧، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ١١٤، وَالْقَوَانِينِ الْفِقْهِيَّةِ ص ٣١٥، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٢٤٨، والزرقاني ٧ / ١٠٧، وَالْمُهَذَّب ١ / ٤٤٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٤، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٦ / ٢٩٩، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٦، الْمَبْسُوط ١٢ / ٧٥، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٧ / ١٣٣، وَالْبَدَائِع ٦ / ٣٢.
أَمَّا إِذَا تَقَابَضَا فَإِنَّ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ تَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ، فَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَنْ يَرُدَّ بِالْعَيْبِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ، وَيَرْجِعَ فِي حَالَةِ الاِسْتِحْقَاقِ، وَتَجِبُ الشُّفْعَةُ إِذَا كَانَ غَيْرَ مَنْقُولٍ، وَهَذِهِ كُلُّهَا أَحْكَامُ بَيْعٍ. لَكِنَّ ابْنَ نُجَيْمٍ يَذْكُرُ أَنَّهُ: لَوْ أُكْرِهَ عَلَى الْهِبَةِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ كَانَ بَيْعًا ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً (١) .
وَحُجَّتُهُمْ فِيمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ وُجِدَ فِي هَذَا الْعَقْدِ لَفْظُ الْهِبَةِ وَمَعْنَى الْبَيْعِ فَيُعْمَل بِالشَّبَهَيْنِ قَدْرَ الإِْمْكَانِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْقَبْضُ وَالْحِيَازَةُ عَمَلًا بِشِبْهِ الْهِبَةِ، وَيَثْبُتُ فِيهِ حَقُّ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَعَدَمِ الرُّؤْيَةِ وَحَقُّ الشُّفْعَةِ عَمَلًا بِشِبْهِ الْبَيْعِ (٢) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: نَقَل أَبُو الْخَطَّابِ عَنِ الإِْمَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ يَغْلِبُ فِيهَا حُكْمُ الْهِبَةِ. فَلاَ تَثْبُتُ فِيهَا أَحْكَامُ الْبَيْعِ الْخَاصَّةُ.
وَانْتَصَرَ الْحَارِثِيُّ لِهَذَا الْقَوْل وَقَال: وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَفَسَّرَ الْقَاضِي هَذَا الرَّأْيَ قَائِلًا: الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ لَيْسَتْ بَيْعًا، وَإِنَّمَا الْهِبَةُ تَارَةً تَكُونُ تَبَرُّعًا، وَتَارَةً تَكُونُ بِعِوَضٍ، وَكَذَلِكَ
_________
(١) الْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٣٢٢، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٥.
(٢) الْمَبْسُوط ١٢ / ٧٥، وَبَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ٣٢، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٧ / ١٣٣، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٥٣٩.
الْعِتْقُ، وَلاَ يَخْرُجَانِ عَنْ مَوْضُوعِهِمَا (١) .
لُزُومُ الْعِوَضِ بِدُونِ اشْتِرَاطٍ:
٣٦ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ الْعِوَضِ عَنِ الْهِبَةِ الْمُجَرَّدَةِ عَنْ ذِكْرِ الْعِوَضِ عَلَى أَقْوَالٍ:
الْقَوْل الأَْوَّل: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ - إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْعِوَضِ وَإِنْ كَانَتْ دَلاَلَةُ الْحَال تُفِيدُهُ. فَإِذَا أَعْطَاهُ عِوَضًا كَانَ هِبَةً مُبْتَدَأَةً إِلاَّ أَنْ يَقُول الْمَوْهُوبُ لَهُ: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكِ أَوْ بَدَلِهَا (٢)
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: وَلَوْ دَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عِوَضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مَمْنُوعًا بَل هُوَ جَائِزٌ، إِلاَّ أَنَّهُمْ وَضَعُوا شُرُوطًا حِينَ يَدْفَعُ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِوَضَ، وَهَذِهِ الشُّرُوطُ هِيَ:
أَوَّلًا: تَصْرِيحُ الْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَنَّ الْمَدْفُوعَ مِنْ قِبَلِهِ إِنَّمَا هُوَ عِوَضٌ لِهِبَتِهِ نَحْوَ أَنْ يَقُول لَهُ: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكَ أَوْ بَدَلٌ عَنْهَا أَوْ مَكَانَهَا. وَذَلِكَ لأَِنَّ الْعِوَضَ اسْمٌ لِمَا يُقَابِل الْمُعَوَّضَ فَلاَ بُدَّ مِنْ لَفْظٍ يَدُل عَلَى الْمُقَابَلَةِ حَتَّى لَوْ وَهَبَ
_________
(١) الإِْنْصَاف ٧ / ١١٦، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٦ / ٣٠٠.
(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١٣٠، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٦، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٤ - ٤٠٥، وَحَاشِيَة البجيرمي ٣ / ٢٢١
لآِخَرَ شَيْئًا وَقَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، ثُمَّ إِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ وَهَبَ شَيْئًا لِلْوَاهِبِ وَلَمْ يَقُل: هَذَا عِوَضٌ عَنْ هِبَتِكَ، أَيْ لَمْ يُصَرِّحْ بِقَصْدِ الْعِوَضِيَّةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عِوَضًا، بَل إِنَّهُ يَكُونُ هِبَةً مُبْتَدَأَةً، وَيَثْبُتُ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّ الرُّجُوعِ.
ثَانِيًا: أَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضُ فِي الْعَقْدِ مَمْلُوكًا بِذَلِكَ الْعَقْدِ ذَاتِهِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ الْوَاهِبُ شَيْئًا ثُمَّ وَهَبَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لِلْوَاهِبِ عِوَضًا عَنِ الْهِبَةِ، فَإِنَّ هَذَا لاَ يَصِحُّ وَلاَ يَكُونُ عِوَضًا، أَمَّا لَوْ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ عَنْ بَاقِيهِ فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو مِنْ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَقْتَ عَقْدِ الْهِبَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَقْتَ الْهِبَةِ فَإِنَّهُ لاَ يَكُونُ عِوَضًا؛ لأَِنَّ التَّعْوِيضَ بِبَعْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لاَ يَكُونُ مَقْصُودَ الْوَاهِبِ فِي الْعَادَةِ، إِذْ لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُ لأَمْسَكَهُ وَلَمَا وَهَبَهُ، فَلَمْ يَحْصُل مَقْصُودُهُ بِتَعْوِيضِ بَعْضِ مَا دَخَل تَحْتَ الْعَقْدِ، فَلاَ يَبْطُل حَقُّ الرُّجُوعِ.
وَإِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ قَدْ تَغَيَّرَ عَنْ حَالِهِ تَغَيُّرًا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فَإِنَّ بَعْضَ الْمَوْهُوبِ يَكُونُ عِوَضًا عَنِ الْبَاقِي؛ لأَِنَّهُ بِالتَّغَيُّرِ صَارَ بِمَنْزِلَةِ عَيْنٍ
أُخْرَى فَصَلَحَ عِوَضًا.
هَذَا إِذَا وَهَبَ الْوَاهِبُ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ شَيْئَيْنِ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ.
وَأَمَّا إِذَا وَهَبَ شَيْئَيْنِ فِي عَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَعُوِّضَ أَحَدُهُمَا عَنِ الآْخَرِ فَقَدْ حَصَل الْخِلاَفُ فِيهِ:
فَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ عِوَضًا عَنِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ؛ لأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ وَعِوَضَهُ مُلِكَا بِعَقْدَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ، فَجَازَ جَعْل أَحَدِهِمَا عِوَضًا عَنِ الآْخَرِ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُ الْوَاهِبِ مِنْ هِبَتِهِ الثَّانِيَةِ عَوْدَ الْهِبَةِ الأُْولَى؛ لأَِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَهَبُ شَيْئًا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ.
وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يَكُونُ عِوَضًا؛ لأَِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ ثَابِتٌ فِي غَيْرِ مَا عُوِّضَ، لأَِنَّهُ مَوْهُوبٌ، وَحَقُّ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ ثَابِتٌ شَرْعًا - أَيْ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ - فَإِذَا عَوَّضَ يَقَعُ عَنِ الْحَقِّ الْمُسْتَحَقِّ شَرْعًا، فَلاَ يَقَعُ مَوْقِعَ الْعِوَضِ، وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا تَغَيَّرَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ فَجُعِل بَعْضُهُ عِوَضًا عَنِ الْبَاقِي، فَإِنَّهُ يَجُوزُ وَيَقَعُ مَوْقِعَ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ حَقَّ الرُّجُوعِ بَطَل بِالتَّغَيُّرِ فَجَازَ إِيقَاعُهُ عِوَضًا.
وَلَوْ وَهَبَ لَهُ شَيْئًا وَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ،
فَعَوَّضَهُ الصَّدَقَةَ مِنَ الْهِبَةِ كَانَتِ الصَّدَقَةُ عِوَضًا بِالإِْجْمَاعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اخْتِلاَفِ الأَْصْلَيْنِ؛ أَصْل أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ. وَصِحَّتُهُ عِوَضًا ظَاهِرٌ، وَأَصْل أَبِي يُوسُفَ؛ لأَِنَّ الصَّدَقَةَ لاَ يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِيهَا.
ثَالِثًا: سَلاَمَةُ الْعِوَضِ لِلْوَاهِبِ: وَيُرَادُ بِهِ أَنْ لاَ يَكُونَ الْعِوَضُ مُسْتَحَقًّا، فَإِنْ ظَهَرَ مُسْتَحَقًّا لَمْ يَكُنْ عِوَضًا، وَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ؛ لأَِنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّ التَّعْوِيضَ لَمْ يَصِحَّ بَعْدَ ظُهُورِ اسْتِحْقَاقِهِ.
وَعَلَيْهِ فَإِنَّ لِلْوَاهِبِ الرُّجُوعَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَهْلَكْ وَلَمْ يَزْدَدْ خَيْرًا وَلَمْ يَحْدُثْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ.
فَإِنْ كَانَ قَدْ هَلَكَ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ لَمْ يَضْمَنْهُ.
وَإِنِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ وَبَقِيَ الْبَعْضُ، فَإِنَّ الْبَاقِيَ يَكُونُ عِوَضًا عَنْ كُل الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، وَإِنْ شَاءَ رَدَّ مَا بَقِيَ مِنَ الْعِوَضِ، وَيَرْجِعُ فِي كُل الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ قَائِمًا بِيَدِهِ وَلَمْ يُحْدُثْ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَهَذَا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ.
وَحُجَّتُهُمْ: أَنَّ الْبَاقِيَ يَصْلُحُ عِوَضًا عَنْ كُل الْهِبَةِ، أَلاَ تَرَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُعَوِّضْهُ إِلاَّ بِهِ فِي الاِبْتِدَاءِ كَانَ عِوَضًا مَانِعًا عَنِ الرُّجُوعِ فَكَذَا فِي
الاِنْتِهَاءِ، بَل أَوْلَى لأَِنَّ الْبَقَاءَ أَسْهَل، إِلاَّ أَنَّ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرُدَّهُ وَيَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ؛ لأَِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ قَدْ غَرَّهُ حَيْثُ عَوَّضَهُ لإِسْقَاطِ الرُّجُوعِ بِشَيْءٍ لَمْ يُسَلَّمْ لَهُ، فَيَثْبُتُ لَهُ الْخِيَارُ.
وَقَال زُفَرُ: يَرْجِعُ فِي الْهِبَةِ بِقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ مِنَ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ثَبَتَ مِنَ الْجَانِبَيْنِ جَمِيعًا، فَكَمَا أَنَّ الثَّانِيَ عِوَضٌ عَنِ الأَْوَّل، فَكَذَا الأَْوَّل يَصِيرُ عِوَضًا عَنِ الثَّانِي. ثُمَّ لَوِ اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْهِبَةِ الأُْولَى كَانَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الرُّجُوعُ فِي بَعْضِ الْعِوَضِ، فَكَذَا إِذَا اسْتَحَقَّ بَعْضَ الْعِوَضِ كَانَ لِلْوَاهِبِ أَنْ يَرْجِعَ فِي بَعْضِ الْهِبَةِ تَحْقِيقًا لِلْمُعَاوَضَةِ (١) .
وَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ الْوَاهِبُ لِمَنْ هُوَ دُونَهُ فَلاَ يَجِبُ الْعِوَضُ؛ إِذْ لاَ تَقْتَضِيهِ لَفْظًا وَلاَ عَادَةً، وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ بِهَذَا هِبَةَ الأَْهْل وَالأَْقَارِبِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ هُوَ الصِّلَةُ، وَهِبَةَ الْعَدُوِّ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ التَّآلُفُ، وَهِبَةَ الْغَنِيِّ لِلْفَقِيرِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ نَفْعُهُ، وَالْهِبَةَ لِلْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ وَالتَّبَرُّكُ، وَهِبَةَ الْمُكَلَّفِ لِغَيْرِ الْمُكَلَّفِ؛ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاِعْتِيَاضِ عَنْهُ، وَالْهِبَةَ لِلأَْصْدِقَاءِ وَالإِْخْوَانِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ تَأَكُّدُ الْمَوَدَّةِ، وَالْهِبَةَ لِمَنْ أَعَانَ بِجَاهِهِ أَوْ مَالِهِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مُكَافَأَتُهُ.
_________
(١) الْمَبْسُوط ١٢ / ٧٦، ٨٢، وَالْبَدَائِع ٦ / ١٣٢.