الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
أَمَّا إِنْ وَهَبَ الْوَاهِبُ لِمَنْ هُوَ أَعْلَى مِنْهُ كَهِبَةِ الْغُلاَمِ لأُِسْتَاذِهِ، فَلاَ عِوَضَ فِي الأَْظْهَرِ، وَمُقَابِل الأَْظْهَرِ: يَجِبُ الثَّوَابُ؛ لاِطِّرَادِ الْعَادَةِ بِذَلِكَ.
وَإِنْ وَهَبَ لِنَظِيرِهِ فَلاَ عِوَضَ عَلَى الْمَذْهَبِ الْمَقْطُوعِ بِهِ؛ لأَِنَّ الْقَصْدَ مِنْ مِثْلِهِ الصِّلَةُ وَتَأَكُّدُ الصَّدَاقَةِ، وَقِيل: فِيهَا الْقَوْلاَنِ السَّابِقَانِ.
وَحَيْثُ وَجَبَ الْعِوَضُ عَلَى مُقَابِل الأَْظْهَرِ، فَإِنَّهُ يَجِبُ قِيمَةُ الْمَوْهُوبِ أَيْ قَدْرُهُ عَلَى الأَْصَحِّ؛ لأَِنَّ الْعَقْدَ إِذَا اقْتَضَى الْعِوَضَ وَلَمْ يُسَمَّ فِيهِ شَيْءٌ، تَجِبُ فِيهِ الْقِيمَةُ، وَالاِعْتِبَارُ بِقِيمَةِ وَقْتِ الْقَبْضِ لاَ وَقْتِ الْعِوَضِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: يَلْزَمُهُ مَا يُعَدُّ عِوَضًا لِمِثْلِهِ عَادَةً، فَإِنْ لَمْ يُثِبْهُ هُوَ وَلاَ غَيْرُهُ، فَلِلْوَاهِبِ الرُّجُوعُ فِي الْمَوْهُوبِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا، وَبِبَدَلِهِ إِنْ تَلَفَ.
وَلَوْ تَنَازَعَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي وُجُودِ الْعِوَضِ فَإِنَّ الْقَوْل قَوْل الْمَوْهُوبِ لَهُ؛ لأَِنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى أَنَّهُ مِلْكُهُ، وَالأَْصْل عَدَمُ ذِكْرِ الْبَدَل (١) .
الْقَوْل الثَّانِي: يَرَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ وُجُوبَ الْعِوَضِ إِذَا دَل الْعُرْفُ وَحَال
_________
(١) الْمُهَذَّب ١ / ٤٤٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٤ - ٤٠٥، وَحَاشِيَة البجيرمي ٣ / ٢٢١.
الْوَاهِبِ عَلَيْهِ (١) .
وَيُفَرِّعُ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَذْهَبِهِمْ هَذَا: أَنَّهُ لَوْ تَنَازَعَ الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ فِي وُجُوبِ الثَّوَابِ فَإِنَّ الْقَوْل قَوْل الْوَاهِبِ إِنْ شَهِدَ لَهُ الْعُرْفُ أَوْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ وَلاَ عَلَيْهِ.
أَمَّا إِنْ شَهِدَ الْعُرْفُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ بِأَنْ كَانَ مِثْل الْوَاهِبِ لاَ يَطْلُبُ فِي هِبَتِهِ عِوَضًا، فَإِنَّ الْقَوْل حِينَئِذٍ قَوْل الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَفِي طَلَبِ حَلْفِ الْوَاهِبِ مَعَ تَصْدِيقِهِ قَوْلاَنِ.
وَمِنْ تَفْرِيعَاتِ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا طَلَبَ الْعِوَضَ وَلَمْ تَكُنْ هِبَتُهُ مَدْفُوعَةً لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فَلاَ إِلْزَامَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ فِي دَفْعِ الْعِوَضِ، أَمَّا إِذَا كَانَتْ مَدْفُوعَةً، فَدَفَعَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعِوَضَ فَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُولُهُ وَلَيْسَ بِلاَزِمٍ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ دَفْعُ الْعِوَضِ؛ لأَِنَّ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْهِبَةَ وَيَرْفُضَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ، اللَّهُمَّ إِلاَّ أَنْ يُفَوِّتَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ بِيَدِهِ بِزِيَادَةٍ، كَمَا لَوْ سَمَّنَ الْهَزِيل، أَوْ بِنَقْصٍ كَمَا لَوْ هَرِمَ الْكَبِيرُ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ لَهُ حِينَئِذٍ الْقِيمَةُ يَوْمَ قَبْضِ الْهِبَةِ، وَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُول الْقِيمَةِ (٢) .
_________
(١) بِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٢٤٨، وَالْخَرَشِيّ ٧ / ١١٨، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٦.
(٢) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٤.
وَمِنْ تَفْرِيعَاتِهِمْ أَيْضًا: أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ حَبْسُ الْهِبَةِ عِنْدَهُ حَتَّى يَقْبِضَ الْعِوَضَ الْمُشْتَرَطَ أَوْ مَا يَرْضَى بِهِ، وَلَوْ قَبَضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْهِبَةَ قَبْل دَفْعِ الْعِوَضِ وُقِفَ: فَإِمَّا يُعَوِّضُ أَوْ يَرُدُّ الْهِبَةَ، وَيَتَلَوَّمُ لَهَا تَلَوُّمًا لاَ يَضُرُّ بِهِمَا فِيهِ (١) .
وَلَوْ مَاتَ الْوَاهِبُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ وَالشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ بِيَدِهِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ نَافِذَةٌ كَالْبَيْعِ، وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْضُهَا إِنْ دَفَعَ الْعِوَضَ لِلْوَرَثَةِ، وَإِنْ مَاتَ الْمَوْهُوبُ لَهُ قَبْل أَنْ يَدْفَعَ الْعِوَضَ فَإِنَّهُ يَثْبُتُ لِوَرَثَتِهِ مَا كَانَ لَهُ مِنَ الْحُقُوقِ (٢) .
وَالْعِوَضُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ مِمَّا يُعَاوِضُ بِهِ النَّاسَ فِي الْبَيْعِ، وَعَلَى الْوَاهِبِ قَبُولُهُ وَإِنْ كَانَ مَعِيبًا طَالَمَا أَنَّ فِي قِيمَتِهِ وَفَاءً أَوْ يُكْمِلُهُ لَهُ. أَمَّا إِذَا كَانَ الْعِوَضُ مِمَّا لَمْ يَعْتَدَّ النَّاسُ التَّعَاوُضَ بِهِ كَالْحَطَبِ وَالتِّبْنِ، فَإِنَّهُ لاَ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ قَبُولُهُ (٣) . عَلَى أَنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ الْوَاهِبُ فِي طَلَبِ الْعِوَضِ عَلَى النُّقُودِ الْمَسْكُوكَةِ أَوِ السَّبَائِكِ أَوِ الْحُلِيِّ الْمُكَسَّرِ إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ فِي الْعَقْدِ، فَإِذَا اشْتَرَطَهُ عُوِّضَ عُرُوضًا أَوْ طَعَامًا، وَمِثْل الشَّرْطِ: الْعُرْفُ وَالْعَادَةُ (٤) .
_________
(١) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٤.
(٢) الْمَرْجِع السَّابِق.
(٣) الْخَرَشِيّ ٧ / ١٢٠.
(٤) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٨.
وَلَوْ وَهَبَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ شَيْئًا لِلآْخَرِ ثُمَّ طَلَبَ الْعِوَضَ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لاَ يُصَدَّقُ؛ لأَِنَّ الْعُرْفَ قَاضٍ بِنَفْيِ الثَّوَابِ بَيْنَهُمَا (١) .
الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ تَقْتَضِي عِوَضًا (٢) .
التَّكْيِيفُ الْفِقْهِيُّ لِلْعِوَضِ الْمُتَأَخِّرِ عَنِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ:
٣٧ - صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ (الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ) الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْهِبَةَ الْمُطْلَقَةَ لاَ تَقْتَضِي عِوَضًا بِأَنَّ التَّعْوِيضَ الْمُتَأَخِّرَ عَنِ الْهِبَةِ الْمُطْلَقَةِ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
فَقَدْ جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: التَّعْوِيضُ الْمُتَأَخِّرُ عَنِ الْهِبَةِ هِبَةٌ مُبْتَدَأَةٌ بِلاَ خِلاَفٍ بَيْنِ أَصْحَابِنَا، يَصِحُّ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الْهِبَةُ وَيَبْطُل بِمَا تَبْطُل بِهِ الْهِبَةُ، لاَ يُخَالِفُهَا إِلاَّ فِي إِسْقَاطِ الرُّجُوعِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ يَثْبُتُ حَقُّ الرُّجُوعِ فِي الأُْولَى وَلاَ يَثْبُتُ فِي الثَّانِيَةِ، فَأَمَّا فِيمَا وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ فِي حُكْمِ هِبَةٍ مُبْتَدَأَةٍ. وَلَوْ وَجَدَ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِالْمَوْهُوبِ عَيْبًا فَاحِشًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ وَيَرْجِعَ فِي الْعِوَضِ، وَكَذَلِكَ الْوَاهِبُ إِذَا وَجَدَ بِالْعِوَضِ عَيْبًا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرُدَّ الْعِوَضَ وَيَرْجِعَ
_________
(١) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٨.
(٢) الإِْنْصَاف ٧ / ١١٦.
فِي الْهِبَةِ، فَإِذَا قَبَضَ الْوَاهِبُ الْعِوَضَ فَلَيْسَ لِكُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْجِعَ عَلَى صَاحِبِهِ فِيمَا مَلَكَهُ، سَوَاءٌ عَوَّضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ أَجْنَبِيٌّ بِأَمْرِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَيَشْتَرِطُ شَرَائِطَ الْهِبَةِ فِي الْعِوَضِ بَعْدَ الْهِبَةِ مِنَ الْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ وَالإِْفْرَازِ، وَلاَ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً، فَلاَ يَثْبُتُ لِلشَّفِيعِ الشُّفْعَةُ وَلاَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ.
وَقَال الْمُتَوَلِّي مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: إِذَا لَمْ يَجِبِ (الْعِوَضُ) فَأَعْطَاهُ الْمُتَّهَبُ ثَوَابًا كَانَ ذَلِكَ ابْتِدَاءَ هِبَةٍ، حَتَّى لَوْ وَهَبَ لاِبْنِهِ فَأَعْطَاهُ الاِبْنُ ثَوَابًا، لاَ يَنْقَطِعُ حَقُّ الرُّجُوعِ (١) .
ثُبُوتُ الْمِلْكِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ:
٣٨ - إِذَا تَمَّتِ الْهِبَةُ صَحِيحَةً بِشُرُوطِهَا الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (٢) .
وَالأَْصْل أَنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ بِلاَ عِوَضٍ، وَهَكَذَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ فِيهَا بِلاَ عِوَضٍ، فَإِذَا اشْتَرَطَ الْعِوَضَ فِيهَا كَانَتْ عَلَى شَرْطِهَا.
_________
(١) الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّة ٤ / ٣٩٤، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٨٦، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ الْكَبِيرِ ٦ / ٢٩٩.
(٢) الْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٣١٠، وَانْظُرْ تَعَارِيف الْفُقَهَاء فِي الْهِبَةِ.
وَهَذَا الْمِلْكُ اشْتَرَطَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ فِي ثُبُوتِهِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَقْبِضَ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ، وَاعْتَبَرُوهُ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْهِبَةِ وَتَمَامِهَا.
أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَدْ قَرَّرُوا ثُبُوتَ الْمِلْكِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (الإِْيجَابُ وَالْقَبُول) وَمَا الْقَبْضُ عِنْدَهُمْ إِلاَّ أَثَرًا مِنْ آثَارِ الْعَقْدِ يَلْزَمُ الْوَاهِبَ تَنْفِيذُهُ، وَذَلِكَ بِتَسْهِيل إِقْبَاضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَمَا عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ إِلاَّ أَنْ يُسْرِعَ فِي حِيَازَةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَلاَ يُفَرِّطَ فِيهِ.
وَقَدْ نَحَا الْحَنَابِلَةُ مَنْحَى الْمَالِكِيَّةِ فِي الْهِبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنَ الْمَكِيلاَتِ وَالْمَوْزُونَاتِ وَالْمَعْدُودَاتِ وَالْمَذْرُوعَاتِ، فَقَرَّرُوا ثُبُوتَ الْمِلْكِ فِيهَا بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ (١) .
الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ:
٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ رُجُوعِ الْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ قَبْضِ الْمَوْهُوبِ لَهُ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ:
الأَْوَّل: عَدَمُ جَوَازِ الرُّجُوعِ إِلاَّ لأَِبٍ فِيمَا وَهَبَ وَلَدَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَمُقَابِل الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ،
_________
(١) تَكْمِلَة رَدِّ الْمُحْتَارِ ٨ / ٤٢٤، ٤٧٠ ط الْحَلَبِيّ، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧٥، وَالْقَوَاعِد لاِبْن رَجَب ص ٧١، وَالشَّرْح الْكَبِير ٤ / ١٠١.
وَفِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ يُلْحَقُ سَائِرُ الأُْصُول بِالأَْبِ فِي جَوَازِ الرُّجُوعِ.
وَأَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ الأُْمَّ بِالأَْبِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الاِبْنُ غَيْرَ يَتِيمٍ، وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الأُْمَّ كَالأَْبِ فِي الرُّجُوعِ مُطْلَقًا (١) وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: لاَ يَحِل لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ إِلاَّ فِيمَا يَهَبُ الْوَالِدُ لِوَلَدِهِ (٢)، فَالْحَدِيثُ نَصٌّ فِي عَدَمِ جَوَازِ رُجُوعِ غَيْرِ الأَْبِ فِي هِبَتِهِ لِوَلَدِهِ.
وَقَوْلُهُ ﷺ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ (٣) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: لَيْسَ لَنَا مَثَل
_________
(١) الْخَرَشِيّ ٧ / ١١٤، وَالْقَوَانِين الْفِقْهِيَّة ص ٣١٥، وَحَاشِيَة الدُّسُوقِيّ ٤ / ١١٠، وَبِدَايَة الْمُجْتَهِدِ ٢ / ٢٤٨، وَالْمُهَذَّبِ ١ / ٤٤٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٤٠٢، وَحَاشِيَة البجيرمي ٣ / ٢١٩، وَحَاشِيَة الْقَلْيُوبِيّ وَعَمِيرَة ٣ / ٣١٣، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير ٦ / ٢٧٢، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٤٥، وَالْفُرُوع ٤ / ٦٤٧
(٢) حَدِيث: " لاَ يَحْل لِوَاهِبٍ أَنْ يَرْجِعَ. . . ". أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الآْثَار (٤ / ٧٩ ط مَطْبَعَة الأَْنْوَار الْمُحَمَّدِيَّة)، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٦ / ١٧٩ - ١٨٠ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) وَقَال: مُنْقَطِع، وَفِي الْبَابِ مُوَصِّلًا بِلَفْظٍ آخَرَ.
(٣) حَدِيث: " الْعَائِد فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيِّئْهُ ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٢٣٤ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٣ / ١٢٤١ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃ ا.
السَّوْءِ، الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ (١) .
الثَّانِي: يَصِحُّ الرُّجُوعُ لِلْوَاهِبِ فِي هِبَتِهِ بَعْدَ الْقَبْضِ إِذَا لَمْ يَمْنَعْ مَانِعٌ مِنْ مَوَانِعِ الرُّجُوعِ وَلَكِنَّهُ يُكْرَهُ تَنْزِيهًا، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ (٢) .
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالِي: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رَدُّوهَا (٣)﴾ وَالتَّحِيَّةُ هُنَا تُفَسَّرُ بِالْهَدِيَّةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ (أَوْ رَدُّوهَا) لأَِنَّ الرَّدَّ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ فِي الأَْعْيَانِ لاَ فِي الأَْعْرَاضِ؛ لأَِنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ إِعَادَةِ الشَّيْءِ وَهُوَ غَيْرُ مُتَصَوَّرٍ فِي الأَْعْرَاضِ كَالتَّحِيَّةِ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (٤) أَيْ يُعَوَّضُ، فَقَدْ جَعَل النَّبِيُّ ﷺ الْوَاهِبَ أَحَقَّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يَصِل إِلَيْهِ الْعِوَضُ.
_________
(١) حَدِيث: " لَيْسَ لَنَا مَثَل السَّوْءِ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ. . . ". أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ (فَتْح الْبَارِي ٥ / ٢٣٤ - ٢٣٥ ط السَّلَفِيَّة)، وَمُسْلِم (٣ / ١٢٤٠ ط عِيسَى الْحَلَبِيّ) مِنْ حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ ﵃ ا.
(٢) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١٢٧، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٧ / ١٢٩، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٢٩٥، ٣١٦، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٥٣٩.
(٣) سُورَة النِّسَاء / ٨٦.
(٤) حَدِيث: " الْوَاهِب أَحَقّ بِهِبَتِهِ. . . ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٣٢.
وَقَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ ﵃ أَجْمَعِينَ، وَلَمْ يُرِدْ خِلاَفَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ فَكَانَ إِجْمَاعًا. وَاسْتَدَلُّوا: بِأَنَّ الْعِوَضَ الْمَالِيَّ قَدْ يَكُونُ مَقْصُودًا مِنْ هِبَةِ الأَْجَانِبِ، فَإِنَّ الإِْنْسَانَ قَدْ يَهَبُ الأَْجْنَبِيَّ إِحْسَانًا إِلَيْهِ وَإِنْعَامًا عَلَيْهِ، وَقَدْ يَهَبُ لَهُ طَمَعًا فِي الْمُكَافَأَةِ وَالْمُجَازَاةِ عُرْفًا وَعَادَةً، فَالْمَوْهُوبُ لأَِجْلِهِ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ شَرْعًا.
وَقَدْ لاَ يَحْصُل ذَلِكَ الْمَقْصُودُ مِنَ الأَْجْنَبِيِّ، وَفَوَاتُ الْمَقْصُودِ مِنْ عَقْدٍ مُحْتَمَلٍ لِلْفَسْخِ يَمْنَعُ لُزُومَهُ كَالْبَيْعِ؛ وَلأَِنَّهُ يَعْدَمُ الرِّضَا وَالرِّضَا فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا هُوَ شَرْطٌ لِلصِّحَّةِ فَهُوَ شَرْطٌ لِلُّزُومِ كَمَا فِي الْبَيْعِ إِذَا وَجَدَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ عَيْبًا لَمْ يَلْزَمْهُ الْعَقْدُ؛ لِعَدَمِ الرِّضَا عِنْدَ عَدَمِ حُصُول الْمَقْصُودِ وَهُوَ السَّلاَمَةُ، فَكَذَا هَذَا.
وَاشْتَرَطَ الْحَنَفِيَّةُ فِي صِحَّةِ الرُّجُوعِ لِلْوَاهِبِ التَّرَاضِيَ أَوِ التَّقَاضِيَ حَتَّى لاَ يَصِحَّ الرُّجُوعُ بِدُونِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَحُجَّتُهُمْ أَنَّ الرُّجُوعَ فَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ، وَفَسْخُ الْعَقْدِ بَعْدَ تَمَامِهِ لاَ يَصِحُّ بِدُونِ الْقَضَاءِ أَوِ الرِّضَا.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَفِيَّةُ الإِْفْرَازَ فِي الشَّائِعِ؛ لأَِنَّ
الشُّيُوعَ لاَ يَمْنَعُ مِنَ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ (١) .
الثَّالِثُ عَنْ أَحْمَدَ: لَيْسَ لِلأَْبِ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ.
الرَّابِعُ عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّ لِلأَْبِ الرُّجُوعَ إِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ أَوْ رَغْبَةٌ كَتَزْوِيجٍ وَفَلَسٍ أَوْ مَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُتَّهَبِ مُؤَبَّدًا أَوْ مُؤَقَّتًا (٢) .
مَوَانِعُ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَوَانِعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ عَلَى التَّفْصِيل التَّالِي:
أَوَّلًا: مَوَانِعُ الرُّجُوعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ (٣) .
٤٠ - مَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ فِي الأَْحْوَال الآْتِيَةِ:
أ - هَلاَكُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَوِ اسْتِهْلاَكُهُ: فَإِذَا تَلِفَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ أَوِ اسْتَهْلَكَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ فَإِنَّهُ يَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ، وَذَلِكَ لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوعِ فِي الشَّيْءِ الْهَالِكِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى الرُّجُوعِ فِي قِيمَتِهِ؛ لأَِنَّ قَبْضَ
_________
(١) الْبَدَائِع ٦ / ١٢٨، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٧ / ١٣٥.
(٢) الإِْنْصَاف ٧ / ١٤٥ - ١٤٦، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ ٦ / ٢٧٠، وَالْفُرُوع ٤ / ٦٤٧
(٣) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١٢٧، وَتَكْمِلَة فَتْح الْقَدِير ٧ / ١٢٩، وَالْبَحْر الرَّائِق ٧ / ٣١٦، ٢٩٤، وَحَاشِيَة ابْن عَابِدِينَ ٤ / ٥١٨.