الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 27

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

وَكَذَلِكَ مَا وَرَدَ أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ حِمَارَ وَحْشٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَرَدَّهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ وَقَال: " لَوْلاَ أَنَّا مُحْرِمُونَ لَقَبِلْنَاهُ مِنْكَ (١) " فَقَدْ أَطْلَقَ الرَّاوِي اسْمَ الإِْهْدَاءِ بِدُونِ الْقَبُول، وَالإِْهْدَاءُ مِنْ أَلْفَاظِ الْهِبَةِ.

كَمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ دَعَا عَائِشَةَ ﵂ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ فَقَال لَهَا: إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكِ - أَعْطَيْتُكِ - جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِي بِالْعَالِيَةِ، وَإِنَّكِ لَمْ تَكُونِي قَبَضْتِيهِ وَلاَ حَرَزْتِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال الْوَارِثِ (٢) .

وَالدَّلِيل فِيهِ: أَنَّ الصِّدِّيقَ ﵁ أَطْلَقَ اسْمَ النُّحْلَى بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالنُّحْلَى مِنْ أَلْفَاظِ الْهِبَةِ (٣) .

أَلْفَاظُ الْهِبَةِ:

٢٧ - يَصِحُّ إِيجَابُ الْوَاهِبِ بِلَفْظِ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ مَا يُفِيدُ مَعْنَاهُ فِي إِفَادَةِ التَّمْلِيكِ بِلاَ ثَمَنٍ، كَقَوْلِهِ: أَعْطَيْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ، أَوْ نَحَلْتُهُ لَكَ أَوْ أَهْدَيْتُكَهُ، أَوْ أَطْعَمْتُكَ هَذَا الطَّعَامَ

_________

(١) حديث: " لولا أنا محرمون. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ٨٥١ ط عيسى الحلبي) .

(٢) أثر: إني كنت نحلتك. . . . سبق تخريجه ف ٢١.

(٣) بدائع الصنائع ٦ / ١١٥.

أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُرَادُ بِهِ الْهِبَةُ وَهَذَا بِاتِّفَاقٍ (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنْ قَال: مَنَحْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ أَوْ هُوَ لَكَ مِنْحَةٌ فَلاَ يَخْلُو الأَْمْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَنَى بِالْمِنْحَةِ الْهِبَةَ، وَإِمَّا لَمْ تَتَبَيَّنْ نِيَّتُهُ.

فَإِنْ عَنَى بِهَا الْهِبَةَ فَهُوَ عَلَى مَا عَنَى أَوْ نَوَى، سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ، أَوْ كَانَ مِمَّا لاَ يُنْتَفَعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ، لأَِنَّهُ قَدْ نَوَى مَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الْمِنْحَةِ وَفِيهِ تَشْدِيدٌ عَلَى نَفْسِهِ، إِذِ الأَْصْل أَنْ يُعْتَبَرَ هَذَا عَارِيَةً.

أَمَّا إِذَا لَمْ تَتَبَيَّنْ نِيَّتُهُ فَإِنَّهُ لاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ.

فَإِنْ كَانَ مِمَّا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ كَانَ إِعَارَةً، كَالدَّارِ وَالثَّوْبِ وَالدَّابَّةِ وَالأَْرْضِ، كَقَوْلِهِ: هَذِهِ الدَّارُ لَكَ مِنْحَةٌ أَوْ هَذَا الثَّوْبُ أَوْ هَذِهِ الأَْرْضُ لأَِنَّ الْمِنْحَةَ فِي الأَْصْل: هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ أَوْ مَا لَهُ حُكْمُ الْمَنْفَعَةِ، وَقَدْ أُضِيفَ إِلَى مَا يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِهْلاَكٍ مِنَ

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٦، والقوانين الفقهية ص ٣١٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٤٠٣، والخرشي ٧ / ١٠٤، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٥٢، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٨.

السُّكْنَى وَاللُّبْسِ وَالزِّرَاعَةِ وَأَمْثَالِهَا، فَكَانَ هَذَا تَمْلِيكَ الْمَنْفَعَةِ بِلاَ عِوَضٍ وَهُوَ تَفْسِيرُ الإِْعَارَةِ.

وَيَجْرِي مَجْرَاهُ مَنْحُ الشَّاةِ الْحَلُوبِ وَالْبَقَرَةِ الْحَلُوبِ وَالنَّاقَةِ الْحَلُوبِ؛ لأَِنَّ اللَّبَنَ وَإِنْ كَانَ عَيْنًا لَكِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنَ الْمَنَافِعِ عُرْفًا وَعَادَةً.

وَمِثْلُهُ لَوْ قَال: أَطْعَمْتُكَ هَذِهِ الأَْرْضَ، فَإِنَّ الْمَقْصُودَ زِرَاعَتُهَا وَهِيَ مَنْفَعَتُهَا.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ الشَّيْءُ مِمَّا لاَ يُمْكِنُ الاِنْتِفَاعُ بِهِ إِلاَّ بِاسْتِهْلاَكِهِ فَإِنَّهُ يَكُونُ هِبَةً، كَالْمَأْكُول وَالْمَشْرُوبِ وَالدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ، كَقَوْلِهِ: هَذَا الطَّعَامُ لَكَ مِنْحَةٌ، أَوْ هَذَا اللَّبَنُ أَوْ هَذِهِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، فَكُل هَذَا لاَ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى هِبَةِ الْمَنْفَعَةِ، فَيُحْمَل عَلَى هِبَةِ الْعَيْنِ (١) .

هَذَا، وَتَصِحُّ الْهِبَةُ بِالْمُعَاطَاةِ؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ فِي حَقِيقَتِهَا عَطِيَّةٌ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُعْطِي وَيُعْطَى مِنْ غَيْرِ أَلْفَاظٍ (٢) .

٢٨ - أَمَّا الْقَبُول فَإِنَّهُ يَصِحُّ بِكُل قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُشْعِرُ بِالرِّضَا مِنْ جَانِبِ الْمَوْهُوبِ لَهُ كَقَوْلِهِ: قَبِلْتُ، وَرَضِيتُ، أَوْ يَأْخُذُهَا بِدُونِ لَفْظٍ.

_________

(١) الْبَدَائِع ٦ / ١١٦.

(٢) الْخَرَشِيّ ٧ / ١٠٤، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح الْكَبِير ٦ / ٢٥٢، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١١٩، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٨.

٢٩ - وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَرَاخِي الْقَبُول:

فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمْ إِلَى جَوَازِ تَرَاخِي الْقَبُول عَنِ الإِْيجَابِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ تَرَاخِي الْقَبُول مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ وَلَمْ يَثْبُتْ مَا يُفِيدُ قَطْعَهُ وَالإِْعْرَاضَ عَنْهُ (٢) .

أَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَإِنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ اتِّصَال الْقَبُول بِالإِْيجَابِ كَالْبَيْعِ (٣) .

وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا رَأْيُ زُفَرَ أَيْضًا؛ لأَِنَّهُ عَدَّ الْقَبُول رُكْنًا فِي الصِّيغَةِ، فَلاَ يَصِحُّ بَعْدَ الْمَجْلِسِ.

كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْقَبُول أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِلإِْيجَابِ، فَيَقَعُ عَلَى مَا كَانَ إِيجَابُ الْوَاهِبِ عَيْنُهُ هِبَةً.

تَعْلِيقُ الْهِبَةِ وَإِضَافَتُهَا:

٣٠ - الْهِبَةُ الْمُعَلَّقَةُ عَلَى شَرْطٍ: هِيَ الْهِبَةُ الَّتِي اقْتَرَنَ بِصِيغَتِهَا مَا يُعَلِّقُ إِيجَابَهَا عَلَى شَرْطٍ مُمْكِنٍ غَيْرِ مَوْجُودٍ، كَقَوْلِهِ: إِذَا نَجَحْتَ

_________

(١) الْخَرَشِيّ ٧ / ١٠٤.

(٢) الإِْنْصَاف ٧ / ١١٩.

(٣) مُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٧.

وَهَبْتُكَ سَاعَتِي. فَإِنَّ الْهِبَةَ تَكُونُ مُعَلَّقَةً عَلَى أَمْرٍ مُتَرَدِّدٍ بَيْنَ الْوُجُودِ وَعَدَمِهِ.

وَالْعَقْدُ الْمُعَلَّقُ عَلَى شَرْطٍ يَجِبُ ثُبُوتُهُ عِنْدَ ثُبُوتِ الشَّرْطِ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ؛ لأَِنَّهُ لَوْ ثَبَتَ التَّصَرُّفُ قَبْل وُجُودِ الشَّرْطِ لاَسْتَوْجَبَ ذَلِكَ وُجُودَ الْمَشْرُوطِ بِدُونِ الشَّرْطِ، وَذَلِكَ مُحَالٌ.

وَإِذَا كَانَ مَا عُلِّقَتِ الْهِبَةُ عَلَيْهِ وَقْتًا مُسْتَقْبَلًا، كَرَأْسِ الشَّهْرِ الآْتِي، أَوِ الأُْسْبُوعِ الْقَادِمِ، كَانَتِ الْهِبَةُ مُضَافَةً إِلَى الْمُسْتَقْبَل.

وَلَمَّا كَانَتِ الْهِبَةُ مِنْ عُقُودِ التَّمْلِيكَاتِ، وَإِنَّ مُقْتَضَى التَّمْلِيكِ هُوَ الْجَزْمُ وَالتَّنْجِيزُ؛ لِذَلِكَ فَقَدْ مَنَعَ فُقَهَاءُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمُعْتَمَدِ تَعْلِيقَ الْهِبَةِ أَوْ إِضَافَتَهَا إِلَى الْمُسْتَقْبَل؛ لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ فِي الْحَال، وَالتَّعْلِيقُ وَالإِْضَافَةُ تُنَافِيهِ (١) .

أَمَّا فُقَهَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّهُمْ وَإِنْ كَانَ الأَْصْل عِنْدَهُمْ - كَمَا ضَبَطَهُ الْقَرَافِيُّ - أَنَّ التَّمْلِيكَاتِ لاَ تَقْبَل التَّعْلِيقَ لأَِنَّ طَرِيقَهَا الْجَزْمُ - إِلاَّ أَنَّهُمْ يَذْهَبُونَ إِلَى أَنَّ الْوَعْدَ فِي التَّبَرُّعَاتِ إِذَا كَانَ عَلَى سَبَبٍ وَدَخَل الْمَوْعُودُ لَهُ بِسَبَبِ الْوَعْدِ فِي شَيْءٍ عَلَى

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١١٨، وَالْمُغْنِي وَالشَّرْح ٦ / ٢٦٤، وَالإِْنْصَاف ٧ / ١٣٣، وَمَنْهَج الطُّلاَّبِ مَعَ البجيرمي ٣ / ٢١٦، وَشَرْح مَنْهَجِ الطُّلاَّبِ عَلَى حَاشِيَة الْجَمَل ٣ / ٥٩٥، وَالْغَايَة الْقُصْوَى ٢ / ٦٥١.

الْمَشْهُورِ أَوْ لَمْ يَدْخُل عَلَى قَوْل أَصْبَغَ - فَإِنَّهُ يَكُونُ لاَزِمًا وَيُقْضَى بِهِ عَلَى الْوَاعِدِ.

وَذَلِكَ بِنَاءً عَلَى مَا اشْتُهِرَ عَنْ مَالِكٍ ﵀: أَنَّ مَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ مَعْرُوفًا لَزِمَهُ إِلاَّ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فَلَسٍ (١) .

اقْتِرَانُ الشُّرُوطِ بِصِيغَةِ الْهِبَةِ:

٣١ - الشَّرْطُ الْمُقْتَرِنُ بِالْهِبَةِ قَدْ يَكُونُ صَحِيحًا أَوْ غَيْرَ صَحِيحٍ.

فَالشَّرْطُ الصَّحِيحُ هُوَ مَا كَانَ مُؤَكِّدًا لِمُقْتَضَاهَا غَيْرَ مُخَالِفٍ لأَِحْكَامِهَا، كَمَا لَوْ قَال الْوَاهِبُ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ فَاقْبَل فَوْرًا وَاقْبِضْهُ. أَوْ يَشْتَرِطُ فِيهَا الْعِوَضَ، وَسَيَأْتِي الْكَلاَمُ عَلَيْهِ.

كَمَا يَجُوزُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ شَرْطُ اسْتِثْنَاءِ مَنْفَعَةِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ (٢) .

أَمَّا الشَّرْطُ غَيْرُ الصَّحِيحِ فَإِنَّهُ الشَّرْطُ الَّذِي يُخَالِفُ أَحْكَامَ الْهِبَةِ وَمُقْتَضَاهَا، كَمَا لَوْ قَال: وَهَبْتُكَ هَذَا بِشَرْطِ أَنْ لاَ تَهَبَهُ وَلاَ تَبِيعَهُ لأَِحَدٍ، أَوْ وَهَبْتُكَهُ بِشَرْطِ أَنْ تُعِيدَهُ لِي بَعْدَ شَهْرٍ.

فَيَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي

_________

(١) الْفُرُوق ١ / ٢٢٨، وَفَتْح الْعَلِيّ الْمَالِك لعليش ١ / ٢٥٤، وَالْخَرَشِيّ ٦ / ١٢٦.

(٢) كَشَّاف الْقِنَاع ٤ / ٣٠٠ وَمَا بَعْدَهَا.

قَوْلٍ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الشَّرْطُ وَيَصِحُّ الْعَقْدُ (١) .

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ وَهَبَ جَارِيَةً عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا أَوْ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَهَا أَمَّ وَلَدٍ أَوْ عَلَى أَنْ يَبِيعَهَا لِفُلاَنٍ، أَوْ عَلَى أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِ بَعْدَ شَهْرٍ - جَازَتِ الْهِبَةُ وَبَطَل الشَّرْطُ؛ لأَِنَّ هَذِهِ الشُّرُوطَ مِمَّا لَمْ تَمْنَعْ وُقُوعَ التَّصَرُّفِ تَمْلِيكًا لِلْحَال، وَهِيَ شُرُوطٌ تُخَالِفُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَتَبْطُل وَيَبْقَى الْعَقْدُ عَلَى الصِّحَّةِ، بِخِلاَفِ شُرُوطِ الرُّقْبَى، وَبِخِلاَفِ الْبَيْعِ فَإِنَّهُ تُبْطِلُهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ؛ لأَِنَّ الْقِيَاسَ أَنْ لاَ يَكُونَ قِرَانُ الشَّرْطِ الْفَاسِدِ لِعَقْدٍ مَا مُفْسِدًا لَهُ؛ لأَِنَّ ذِكْرَهُ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَصِحَّ فَيُلْحَقُ بِالْعَدَمِ وَيَبْقَى الْعَقْدُ صَحِيحًا، إِلاَّ أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْبَيْعِ لِلنَّهْيِ الْوَارِدِ فِيهِ - وَلاَ نَهْيَ فِي الْهِبَةِ - فَيَبْقَى الْحُكْمُ فِيهِ عَلَى الأَْصْل؛ وَلأَِنَّ دَلاَئِل شَرْعِيَّةِ الْهِبَةِ عَامَّةٌ مُطْلَقَةٌ مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٢)﴾ وَهَذَا يَجْرِي مَجْرَى التَّرْغِيبِ فِي أَكْل الْمَهْرِ، وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ -: تَهَادُوا تَحَابُّوا (٣) وَهَذَا نَدْبٌ إِلَى

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١١٧، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ٣٧١ - ٣٧٢، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ ٦ / ٢٥٦، وَالإِْنْصَافِ ٧ / ١٣٣.

(٢) سُورَة النِّسَاء / ٤.

(٣) حَدِيث: " تَهَادَوْا تُحَابُوا ". سَبَقَ تَخْرِيجه ف ٥.

التَّهَادِي وَالْهَدِيَّةُ هِبَةٌ، وَرُوِيَ عَنِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَال لِسَيِّدَتِنَا عَائِشَةَ ﵂: " إِنِّي كُنْتُ نَحَلْتُكَ كَذَا وَكَذَا "، وَعَنْ سَيِّدِنَا عُمَرَ ﵁ أَنَّهُ قَال: " مَنْ وَهَبَ هِبَةً لِصِلَةِ رَحِمٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ صَدَقَةٍ فَإِنَّهُ لاَ يَرْجِعُ فِيهَا، وَمَنْ وَهَبَ هِبَةً يَرَى أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا الثَّوَابَ فَهُوَ عَلَى هِبَتِهِ يَرْجِعُ فِيهَا إِنْ لَمْ يَرْضَ عَنْهَا "، وَنَحْوِهِ مِنَ الدَّلاَئِل الْمُقْتَضِيَةِ لِشَرْعِيَّةِ الْهِبَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ مَا قُرِنَ بِهَا شَرْطٌ فَاسِدٌ أَوْ لَمْ يُقْرَنْ، وَعَلَى هَذَا يُخَرَّجُ مَا إِذَا وَهَبَ جَارِيَةً وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهَا، أَوْ وَهَبَ حَيَوَانًا وَاسْتَثْنَى مَا فِي بَطْنِهِ أَنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ فِي الأُْمِّ وَالْوَلَدِ جَمِيعًا، وَالاِسْتِثْنَاءُ بَاطِلٌ، وَالْكُل لِلْمَوْهُوبِ لَهُ (١) .

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ فِي وَجْهٍ إِلَى أَنَّهُ يَبْطُل الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ (٢) وَلِلْمَالِكِيَّةِ تَفْصِيلٌ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ وَهَبَ لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى أَنْ لاَ يَبِيعَ وَلاَ يَهَبَ، فَقَدْ نَقَل الْحَطَّابُ عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ قَوْلَهُ: حَصَّل ابْنُ رُشْدٍ فِيهَا مِنْ سَمَاعِ عِيسَى خَمْسَةَ أَقْوَالٍ:

_________

(١) بَدَائِع الصَّنَائِع ٦ / ١١٧.

(٢) مَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٥٠، وَمُغْنِي الْمُحْتَاج ٢ / ٣٩٨، وَرَوْضَة الطَّالِبِينَ ٥ / ١ ٣٧ - ٣٧٢، وَالْمُغْنِي مَعَ الشَّرْحِ ٦ / ٢٥٦.

الأَْوَّل: أَنَّ الصَّدَقَةَ وَالْهِبَةَ لاَ تَجُوزُ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ الْوَاهِبُ أَنْ يُبْطِل الشَّرْطَ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَتْ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْل مَالِكٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَمِثْل قَوْل ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رِوَايَةِ سَحْنُونٍ.

الثَّانِي: أَنَّ الْوَاهِبَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَتْرُكَ شَرْطَهُ أَوْ يَسْتَرِدَّ هِبَتَهُ وَوَرَثَتَهُ بَعْدَهُ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ أَمْرُهُ بِمَوْتِ الْمَوْهُوبِ.

الثَّالِثُ: أَنَّ الشَّرْطَ بَاطِلٌ وَالْهِبَةَ جَائِزَةٌ.

الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ حَبْسًا، فَإِذَا مَاتَ الْمُتَصَدِّقُ عَلَيْهِ أَوِ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَجَعَ إِلَى الْمُتَصَدِّقِ أَوْ وَرَثَتِهِ أَوْ أَقْرَبِ النَّاسِ بِالْمُحْبِسِ عَلَى اخْتِلاَفِ قَوْل مَالِكٍ.

الْخَامِسُ: أَنَّ الشَّرْطَ عَامِلٌ، وَالْهِبَةُ مَاضِيَةٌ لاَزِمَةٌ، فَتَكُونُ الصَّدَقَةُ بَيْنَ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ كَالْحَبْسِ، لاَ يَبِيعُ وَلاَ يَهَبُ حَتَّى يَمُوتَ، فَإِذَا مَاتَ وَرِثَ عَنْهُ عَلَى سَبِيل الْمِيرَاثِ، وَهُوَ قَوْل عِيسَى بْنِ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، وَقَوْل مُطَرِّفٍ فِي الْوَاضِحَةِ.

قَال الْحَطَّابُ: وَهَذَا الْقَوْل هُوَ أَظْهَرُ الأَْقْوَال وَأَوْلاَهَا بِالصَّوَابِ؛ لأَِنَّ الرَّجُل لَهُ أَنْ يَفْعَل فِي مِلْكِهِ مَا شَاءَ (١) .

_________

(١) مَوَاهِب الْجَلِيل ٦ / ٥٠، وَانْظُرِ الذَّخِيرَة ٦ / ١٦٤.

الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى:

٣٢ - يَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ تَوْقِيتَ الْهِبَةِ لاَ يَجُوزُ، لَكِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا فِي بَابِ الْهِبَةِ عَنِ الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى كَصُورَةٍ مِنْ صُوَرِ تَوْقِيتِ الْهِبَةِ بِالْعُمْرِ أَوْ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا.

وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحَيْ (رُقْبَى ف ٤، عُمْرَى ف ٦) .

الْهِبَةُ بِشَرْطِ الْعِوَضِ:

٣٣ - الأَْصْل فِي الْهِبَةِ أَنَّهَا مِنْ عُقُودِ التَّبَرُّعَاتِ أَيْ أَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لاَ يُعَوِّضُ الْوَاهِبَ شَيْئًا عَمَّا وَهَبَهُ لَهُ.

إِلاَّ أَنَّهُ لَوْ صَدَرَتِ الْهِبَةُ مِنَ الْوَاهِبِ مُقْتَرِنَةً بِشَرْطِ الْعِوَضِ مُقَابِل الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، كَمَا لَوْ قَال الْوَاهِبُ: وَهَبْتُكَ هَذَا الشَّيْءَ عَلَى أَنَّ تُثِيبَنِي أَوْ تُعَوِّضَنِي فَهَل يَصِحُّ مِثْل هَذَا الشَّرْطِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ قَوْلاَنِ:

الْقَوْل الأَْوَّل: يَصِحُّ هَذَا الشَّرْطُ وَهُوَ قَوْل جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ وَالشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْظْهَرِ.

وَحُجَّتُهُمْ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: الْوَاهِبُ أَحَقُّ بِهِبَتِهِ مَا لَمْ يُثَبْ مِنْهَا (١) .

_________

(١) حَدِيث: " الْوَاهِب أَحَقّ بِهِبَتِهِ. . . ". أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ (٣ / ٤٤ ط دَارَ الْمَحَاسِن)، وَالْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى (٦ / ١٨١ ط دَائِرَة الْمَعَارِفِ) وَقَال: فِيهِ إِبْرَاهِيم بْن إِسْمَاعِيل ضَعِيف.