الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 26

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

وَلِلتَّفْصِيل (ر: إِعَارَة، عُمْرَى ف ٦) .

واشْتِرَاطُ قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ:

٢١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ الْقَبْضِ لِتَمَامِ الْهِبَةِ، أَيْ أَنَّ الْهِبَةَ حِينَ تَصْدُرُ صِيغَتُهَا فَهَل تُعْتَبَرُ عَقْدًا تَامًّا يُفِيدُ الْمِلْكَ فِي الْحَال أَمْ لاَ بُدَّ مِنْ قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ؟ لِلْفُقَهَاءِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلاَثَةُ أَقْوَالٍ (١):

الْقَوْل الأَْوَّل: يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَرِوَايَةٌ مَرْجُوحَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ لاَ تَثْبُتُ إِلاَّ بِالْقَبْضِ، فَلاَ يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قَبْل قَبْضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ، وَلَيْسَ فِي الإِْيجَابِ وَالْقَبُول فَقَطْ قُوَّةُ إِلْزَامٍ لِلْوَاهِبِ لإِقْبَاضِ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، بَل لَهُ الْخِيَارُ بِالإِْذْنِ بِالْقَبْضِ أَوِ الرُّجُوعِ عَنِ الْهِبَةِ.

وَإِذَا مَاتَ أَيٌّ مِنَ الْوَاهِبِ أَوِ الْمَوْهُوبِ لَهُ لَمْ يَنْفَسِخِ الْعَقْدُ عَلَى الْمُعْتَمَدِ وَقَامَ وَرَثَةُ كُل وَاحِدٍ مَقَامَهُ، أَيْ أَنَّ وَارِثَ الْوَاهِبِ يَقُومُ مَقَامَ الْوَاهِبِ فِي الإِْقْبَاضِ وَالإِْذْنِ فِي الْقَبْضِ،

_________

(١) المبسوط ١٢ / ٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ١٢٣، وتكملة فتح القدير ٧ / ١١٣، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٨، الخرشي ٧ / ١٠٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٠١، والمهذب ١ / ٤٤٧، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، وحاشية البجيرمي على المنهج ٣ / ٢١٨، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٥٠ - ٢٥١، والإنصاف ٧ / ١٤٧.

وَيَقُومُ وَارِثُ الْمُتَّهَبِ مَقَامَ الْمُتَّهَبِ فِي الْقَبْضِ.

وَقِيل: يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِالْمَوْتِ لأَِنَّهُ عَقْدٌ جَائِزٌ كَالشَّرِكَةِ وَالْوِكَالَةِ.

وَلَوْ أَذِنَ الْوَاهِبُ بِالْقَبْضِ ثُمَّ مَاتَ بَطَل الإِْذْنُ.

وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْهِبَةُ صَحِيحَةً غَيْرَ ضِمْنِيَّةٍ وَغَيْرَ ذَاتِ ثَوَابٍ (١) .

وَحُجَّةُ هَؤُلاَءِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ﵃ أَجْمَعِينَ أَنَّهُمْ قَالُوا: لاَ تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال لأُِمِّ سَلَمَةَ: " إِنِّي قَدْ أَهْدَيْتُ إِلَى النَّجَاشِيِّ حُلَّةً وَأَوَاقِيَّ مِنْ مِسْكٍ، وَلاَ أَرَى النَّجَاشِيَّ إِلاَّ قَدْ مَاتَ، وَلاَ أَرَى هَدِيَّتِي إِلاَّ مَرْدُودَةً عَلَيَّ، فَإِنْ رُدَّتْ عَلَيَّ فَهِيَ لَكِ. وَكَانَ كَمَا قَال رَسُول اللَّهِ ﷺ " (٢)

_________

(١) قواعد ابن رجب ق ١٤٥ ص ٣١٨، وانظر البجيرمي ٣ / ٢١٨، والإنصاف ٧ / ١٤٧، وتحفة المحتاج ٦ / ٣٠٧.

(٢) حديث: " إني قد أهديت إلى النجاشي حلة وأواقي من مسك. . . ". أخرجه أحمد (٦ / ٤٠٤ - ط الميمنية) والحاكم في المستدرك (٢ / ١٨٨ ط دائرة المعارف)، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي فقال: منكر فيه مسلم الزنجي ضعيف.

وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَوْ صَحَّتْ بِلاَ قَبْضٍ لَثَبَتَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وِلاَيَةُ مُطَالَبَةِ الْوَاهِبِ بِالتَّسْلِيمِ، فَتَصِيرُ عَقْدَ ضَمَانٍ بِالتَّسْلِيمِ، وَهَذَا تَغْيِيرٌ لِمَا تَقَرَّرَ شَرْعًا فِي الْهِبَةِ مِنْ أَنَّهَا تَبَرُّعٌ.

الْقَوْل الثَّانِي: وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْهِبَةَ تَصِحُّ وَتُمْلَكُ بِعَقْدٍ، فَيَصِحُّ تَصَرُّفٌ قَبْل الْقَبْضِ، وَتَلْزَمُ الْهِبَةُ بِقَبْضِهَا بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، وَلاَ تَلْزَمُ قَبْلَهُمَا وَلَوْ كَانَتِ الْهِبَةُ فِي غَيْرِ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ (١)، لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ " أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ﵁ نَحَلَهَا جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا مِنْ مَالِهِ بِالْعَالِيَةِ، فَلَمَّا مَرِضَ قَال: يَا بُنَيَّةُ كُنْتُ نَحَلْتُكِ جُذَاذَ عِشْرِينَ وَسْقًا وَلَوْ كُنْتِ جَذَذْتِيهِ أَوْ قَبَضْتِيهِ كَانَ ذَلِكَ، فَإِنَّمَا هُوَ الْيَوْمَ مَال وَارِثٍ، فَاقْتَسِمُوهُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى (٢) ".

وَعَنِ ابْنِ حَامِدٍ أَنَّ الْمِلْكَ فِي الْهِبَةِ يَقَعُ مُرَاعًى: فَإِنْ وُجِدَ الْقَبْضُ تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَوْهُوبِ بِقَوْلِهِ، وَإِلاَّ فَهُوَ لِلْوَاهِبِ، قَال الْبُهُوتِيُّ: وَهُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ.

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٣٠٠.

(٢) أثر عائشة: " أن أبا بكر ﵁ نحلها جذاذ عشرين. . . ". أخرجه مالك في الموطأ (٢ / ٧٥٢ ط عيسى الحلبي) .

وَقَال الْمَرْدَاوِيُّ: وَظَاهِرُ كَلاَمِ الْخَرَقِيِّ وَطَائِفَةٌ أَنَّ مَا يُكَال وَيُوزَنُ لاَ يَصِحُّ إِلاَّ مَقْبُوضًا (١) .

الْقَوْل الثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ. وَعِنْدَهُمْ أَنَّ الْقَبْضَ لَيْسَ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الْهِبَةِ، بَل إِنَّ الْقَبْضَ شَرْطٌ فِي تَمَامِهَا فَإِنْ عُدِمَ لَمْ تَلْزَمْ مَعَ كَوْنِهَا صَحِيحَةً (٢) .

وَذَهَبَ أَبُو ثَوْرٍ إِلَى لُزُومِ الْهِبَةِ بِالإِْيجَابِ وَالْقَبُول لِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ، وَلأَِنَّهُ إِزَالَةُ مِلْكٍ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ كَالْوَقْفِ وَالْعِتْقِ (٣) .

وَلِلْمَوْهُوبِ لَهُ إِجْبَارُ الْوَاهِبِ عَلَى تَمْكِينِهِ مِنَ الْقَبْضِ حَيْثُ طَلَبَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَلَهُ طَلَبُهَا مِنْهُ حَيْثُ امْتَنَعَ الْوَاهِبُ وَلَوْ عِنْدَ حَاكِمٍ لِيُجْبِرَهُ عَلَى تَمْكِينِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْهُ، قَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الْقَبُول وَالْحِيَازَةُ مُعْتَبَرَانِ، إِلاَّ أَنَّ الْقَبُول رُكْنٌ وَالْحِيَازَةَ شَرْطٌ، وَتَبْطُل الْهِبَةُ إِنْ تَأَخَّرَ حَوْزُهَا لِدَيْنٍ مُحِيطٍ بِمَال الْوَاهِبِ وَلَوْ بَعْدَ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ٣٠٠، والإنصاف ٧ / ١٢٠ - ١٢١، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٤٦.

(٢) الخرشي ٧ / ١٠٤، ١٠٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٠١.

(٣) المغني مع الشرح ٦ / ٢٤٦.

عَقْدِهَا، أَوْ وَهْبِهَا لِشَخْصٍ ثَانٍ، وَحَازَ الثَّانِي قَبْل الأَْوَّل، فَالْهِبَةُ لِلثَّانِي لِتَقَوِّي الْهِبَةِ بِالْحِيَازَةِ، وَلاَ قِيمَةَ عَلَى الْوَاهِبِ لِلأَْوَّل لأَِنَّهُ فَرَّطَ فِي الْحَوْزِ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ الأَْوَّل وَفَرَّطَ أَمْ لاَ، مَضَى مِنَ الزَّمَانِ مَا يُمْكِنُهُ فِيهِ الْقَبْضُ أَمْ لاَ، وَكَذَلِكَ تَبْطُل الْهِبَةُ إِذَا أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الْعَبْدَ قَبْل أَنْ يَحُوزَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ (١) .

شَرَائِطُ صِحَّةِ الْقَبْضِ:

اشْتِرَاطُ إِذْنِ الْوَاهِبِ:

٢٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ إِذْنِ الْوَاهِبِ فِي الْقَبْضِ إِلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل: يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ يَكُونَ بِإِذْنِ الْوَاهِبِ، وَهَذَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.

قَال الْكَاسَانِيُّ: إِنَّ الإِْذْنَ بِالْقَبْضِ شَرْطٌ لِصِحَّتِهِ فِي بَابِ الْبَيْعِ، حَتَّى لَوْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي بِدُونِ إِذْنِ الْبَائِعِ قَبْل نَقْدِ الثَّمَنِ كَانَ لِلْبَائِعِ حَقُّ الاِسْتِرْدَادِ، فَلأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْهِبَةِ أَوْلَى لأَِنَّ الْبَيْعَ يَصِحُّ بِدُونِ الْقَبْضِ بِخِلاَفِ الْهِبَةِ.

وَلأَِنَّ الْقَبْضَ فِي الْهِبَةِ يُشْبِهُ الرُّكْنَ وَإِنْ لَمْ

_________

(١) الحطاب ٦ / ٥٤، والخريشي ٧ / ١٠٥.

يَكُنْ رُكْنًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَيُشْبِهُ الْقَبُول فِي الْبَيْعِ.

وَالإِْذْنُ قَدْ يَكُونُ صَرِيحًا أَوْ دَلاَلَةً:

فَالصَّرِيحُ أَنْ يَقُول: اقْبِضْ أَوْ أَذِنْتُ لَكَ بِقَبْضِهِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ.

فَيَجُوزُ قَبْضُهُ اسْتِحْسَانًا سَوَاءٌ قَبَضَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ أَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ.

وَوَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَدْ حُمِل إِلَيْهِ سِتُّ بَدَنَاتٍ فَجَعَلْنَ يَزْدَلِفْنَ إِلَيْهِ، فَقَامَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَنَحَرَهُنَّ بِيَدِهِ الشَّرِيفَةِ، وَقَال: " مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ (١) وَانْصَرَفَ.

وَجْهُ الدَّلاَلَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ قَدْ أَذِنَ بِالْقَبْضِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ حِينَ أَذِنَ لَهُمْ بِالْقَطْعِ فَدَل عَلَى جَوَازِ الْقَبْضِ وَاعْتِبَارِهِ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ.

أَمَّا عِنْدَ الإِْمَامِ زُفَرَ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ الْقَبْضُ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ عَنِ الْمَجْلِسِ وَهُوَ الْقِيَاسُ.

وَوَجْهُهُ أَنَّ الْقَبْضَ عِنْدَهُ رُكْنٌ بِمَنْزِلَةِ الْقَبُول فَلاَ يَصِحُّ بَعْدَ الاِفْتِرَاقِ كَالْقَبُول فِي بَابِ الْبَيْعِ.

_________

(١) حديث: " من شاء اقتطع ". أخرجه أحمد في المسند (٤ / ٣٥٠ ط الميمنية) والحاكم في المستدرك (٤ / ٢٢١ ط دائرة المعارف) وقال: صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.

أَمَّا الْقَبْضُ دَلاَلَةً: فَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْعَيْنَ فِي الْمَجْلِسِ وَلاَ يَنْهَاهُ الْوَاهِبُ، فَإِنَّ قَبْضَهُ يَجُوزُ اسْتِحْسَانًا، لأَِنَّ إِيجَابَ الْهِبَةِ بِمَنْزِلَةِ الإِْذْنِ بِالْقَبْضِ دَلاَلَةً، وَالثَّابِتُ دَلاَلَةً كَالثَّابِتِ نَصًّا.

وَالْقِيَاسُ أَنْ لاَ يَجُوزَ الْقَبْضُ بِدُونِ إِذْنٍ صَرِيحٍ وَهُوَ قَوْل زُفَرَ (١) .

وَالثَّانِي: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ الإِْذْنَ لَيْسَ شَرْطًا فِي الْقَبْضِ عِنْدَهُمْ، بَل إِنَّ الْقَبْضَ كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ لَيْسَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الْهِبَةِ، بَل إِنَّ الْمِلْكَ يَثْبُتُ بِالْعَقْدِ وَعَلَى الْوَاهِبِ التَّسْلِيمُ. وَبِهِ قَال بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (٢) .

أَنْ لاَ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مَشْغُولًا بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ:

٢٤ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَشْغُولًا بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ.

وَهَذَا الشَّرْطُ يَأْتِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبُوضِ فَإِذَا كَانَ

_________

(١) البدائع ٦ / ١٢٣، مغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، والإنصاف ٧ / ١٢٢.

(٢) الخرشي ٧ / ١٠٤ - ١٠٧، والدسوقي ٤ / ١٠١، والإنصاف ٧ / ١٢٢.

مَشْغُولًا لاَ يَتَحَقَّقُ هَذَا الْمَعْنَى.

وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ مَا إِذَا وَهَبَ دَارًا فِيهَا مَتَاعُ الْوَاهِبِ وَسَلَّمَ الدَّارَ إِلَيْهِ أَوْ سَلَّمَ الدَّارَ مَعَ مَا فِيهَا مِنَ الْمَتَاعِ فَإِنَّهُ لاَ يَجُوزُ، لأَِنَّ الْفَرَاغَ شَرْطُ صِحَّةِ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ وَلَمْ يُوجَدْ.

وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا لَوْ وَهَبَ الْمَتَاعَ فَقَطْ دُونَ الدَّارِ وَخَلَّى بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَبَيْنَ الْمَتَاعِ، فَإِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ، لأَِنَّ الْمَتَاعَ لَيْسَ مَشْغُولًا بِالدَّارِ بَل الدَّارُ مَشْغُولَةٌ بِالْمَتَاعِ (١) .

كَيْفِيَّةُ تَحَقُّقِ الْقَبْضِ:.

٢٥ - الأَْصْل أَنَّ الْمُنَاوَلَةَ وَالأَْخْذَ إِقْبَاضٌ وَقَبْضٌ، كَذَلِكَ تَكُونُ التَّخْلِيَةُ قَبْضًا إِذَا خَلَّى الْوَاهِبُ بَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَالشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ.

أَمَّا لَوْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَقْبُوضًا قَبْل الْهِبَةِ، كَمَا لَوْ وَهَبَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ لِلْوَدِيعِ وَالْمُعِيرُ الْعَارِيَةَ لِلْمُسْتَعِيرِ فَإِنَّ الْهِبَةَ جَائِزَةٌ وَلاَ يَحْتَاجُ إِلَى قَبْضٍ جَدِيدٍ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف ٥ وَمَا بَعْدَهَا) .

_________

(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٥.

(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٣، والمغني والشرح ٦ / ٢٥٠، والإنصاف ٧ / ١٢٢.

ثَالِثًا: صِيغَةُ الْهِبَةِ:

٢٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي رُكْنِ صِيغَةِ الْهِبَةِ إِلَى قَوْلَيْنِ:

الأَْوَّل: ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَزُفَرُ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّ رُكْنَ صِيغَةِ الْهِبَةِ يَتَكَوَّنُ مِنَ الإِْيجَابِ وَالْقَبُول، وَهُوَ الْقِيَاسُ، وَفِي قَوْلٍ لِزُفَرَ أَنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ أَيْضًا.

وَاخْتَارَ ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ الإِْيجَابُ وَالْقَبُول (١) .

وَقَال ابْنُ عَقِيلٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ: إِنَّ الْقَبْضَ رُكْنٌ فِي الْهِبَةِ كَالإِْيجَابِ فِي غَيْرِهَا، وَكَلاَمُ الْخَرَقِيِّ يَدُل عَلَيْهِ (٢) .

وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ: أَنَّ الْهِبَةَ تَصَرُّفٌ شَرْعِيٌّ، وَوُجُودُ التَّصَرُّفِ الشَّرْعِيِّ هُوَ اعْتِبَارُهُ شَرْعًا وَهُوَ انْعِقَادُهُ فِي حَقِّ الْحُكْمِ (التَّمْلِيكِ) وَالْحُكْمُ لاَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ الإِْيجَابِ فَلاَ يَكُونُ ذَاتُ

_________

(١) تحفة الفقهاء ٣ / ٣٥٤، وَالْمَبْسُوط ١٢ / ٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ١١٥، والعناية بهامش تكملة فتح القدير ٧ / ١١٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣١٥، والبحر الرائق ٧ / ٣١٠، والقوانين الفقهية ص ٣١٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٧، وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١١١، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٥٠، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٠.

(٢) الإنصاف ٧ / ١٢١.

الإِْيجَابِ هِبَةً شَرْعًا بِدُونِ قَبُولٍ، وَلِهَذَا لَمْ يَكُنِ الإِْيجَابُ بِدُونِ الْقَبُول فِي الْبَيْعِ بَيْعًا، كَذَلِكَ هُنَا.

الثَّانِي: ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُو يُوسُفَ إِلَى أَنَّ الْقَبُول لَيْسَ رُكْنًا فِي صِيغَةِ الْهِبَةِ وَإِنَّمَا رُكْنُهَا الإِْيجَابُ فَقَطْ اسْتِحْسَانًا (١) .

وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ: أَنَّ مَعْنَى الْهِبَةِ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ مُجَرَّدِ إِيجَابِ الْمَالِكِ مِنْ غَيْرِ شَرْطِ الْقَبُول، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ الْقَبُول وَالْقَبْضُ لِثُبُوتِ حُكْمِهَا لاَ لِوُجُودِهَا بِنَفْسِهَا، فَإِذَا أَوْجَبَ فَقَدْ أَتَى بِالْهِبَةِ فَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا.

وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ وُقُوعَ التَّصَرُّفِ هِبَةً لاَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْقَبُول هُوَ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: لاَ تَجُوزُ الْهِبَةُ إِلاَّ مَقْبُوضَةً مَحُوزَةً (٢)، وَجْهُ الدَّلاَلَةِ فِيهِ أَنَّهُ أَطْلَقَ اسْمَ الْهِبَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ وَالْحِيَازَةِ.

_________

(١) تحفة الفقهاء٣ / ٣٥٤، والمبسوط ١٢ / ٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ١١٥، والعناية بهامش تكملة فتح القدير ٧ / ١١٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٣١، والبحر الرائق ٧ / ٣١٠.

(٢) حديث: " لا تجوز الهبة إلا مقبوضة ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف موقوفا على إبراهيم النخعي. ولفظه: " الهبة لا تجوز حتى تقبض، والصدقة تجوز قبل أن تقبض " (المصنف ٩ / ١٠٧ ط المجلس العلمي) .