الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
فِي الْقَوْل الثَّانِي أَنَّ تَصَرُّفَاتِ السَّكْرَانِ وَأَقَارِيرَهُ لاَ تَنْفُذُ، وَقَدِ اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ السَّكْرَانَ مَفْقُودَ الإِْرَادَةِ أَشْبَهَ الْمُكْرَهَ، وَلأَِنَّ الْعَقْل شَرْطٌ لِلتَّكْلِيفِ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ زَوَال الشَّرْطِ بِمَعْصِيَةٍ أَوْ غَيْرِهَا (١) .
شُرُوطُ الْمَوْهُوبِ لَهُ:
١٣ - يَشْتَرِطُ الْفُقَهَاءُ فِي الْمَوْهُوبِ لَهُ أَنْ يَكُونَ أَهْلًا لِمِلْكِ مَا يُوهَبُ لَهُ.
فَإِنْ كَانَ الْمَوْهُوبُ لَهُ عَاقِلًا بَالِغًا فَإِنَّهُ يَقْبِضُ الْهِبَةَ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الْقَبْضِ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَهُ صَحِيحَةٌ لَكِنْ يَقْبِضُ عَنْهُ مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْقَبْضُ مِنْ وَلِيٍّ وَغَيْرِهِ.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف ٢٥ - ٢١) .
عَطِيَّةُ الأَْبِ لأَِوْلاَدِهِ:
١٤ - يَتَّفِقُ أَهْل الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الأَْبَ إِذَا أَعْطَى لأَِوْلاَدِهِ صَحَّتْ عَطَايَاهُ.
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٣٢٤، وفتح القدير ٣ / ٣٤٥، وحاشية الحموي ٢ / ١٥١، ١٥٢، وحاشية الدسوقي ٢ / ٣٦٥، ٣ / ٣٩٧، ومواهب الجليل ٤ / ٤٣، وروضة الطالبين ٨ / ٦٢، وأشباه السيوطي ٢١٦، والإنصاف ٨ / ٤٣٢، والقواعد لابن رجب ٢٢٩، ٢٣٠، والمغني ٧ / ١١٥.
وَاسْتُحِبَّتِ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وُجُوبَ التَّسْوِيَةِ، وَيُكْرَهُ عِنْدَ الْجَمِيعِ التَّفْضِيل بَيْنَهُمْ (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَسْوِيَة ف ١١) .
ثَانِيًا: شُرُوطُ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ:
١٥ - الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ هُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا صَحَّ بَيْعُهُ صَحَّتْ هِبَتُهُ (٢) مَعَ اسْتِثْنَاءَاتٍ ذَكَرَهَا الْفُقَهَاءُ عَلَى هَذَا الضَّابِطِ.
أَمَّا شُرُوطُهُ عَلَى وَجْهِ التَّفْصِيل فَهِيَ مَا يَأْتِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَوْجُودًا.
ب - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَمْلُوكًا بِنَفْسِهِ غَيْرَ مُبَاحٍ، مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ.
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٧، والقوانين الفقهية ص ٣١٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠١، وحاشية البجيرمي على منهج الطلاب ٣ / ٢١٩، وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١١٣، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٦٣، وكشاف القناع ٤ / ٩ ٣٠.
(٢) بدائع الصنائع ٦ / ١١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٩، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤٦٩ نشر دار الكتب العلمية بيروت، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٦٢، والإنصاف ٧ / ١٣١.
ج - أَنْ يَكُونَ مَالًا مُتَقَوَّمًا.
د - أَنْ يَكُونَ مَحُوزًا.
هـ - أَنْ يَكُونَ مَقْبُوضًا.
وَتَفْصِيل ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:
أ - أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَوْجُودًا:
١٦ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا حِينَ الْهِبَةِ، لأَِنَّهَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَال، وَبِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَصِحُّ هِبَةُ مَا لَيْسَ مَوْجُودًا وَقْتَ الْعَقْدِ، كَمَا لَوْ وَهَبَهُ مَا يُثْمِرُ نَخْلُهُ هَذَا الْعَامَ، أَوْ مَا تَلِدُ أَغْنَامُهُ هَذِهِ السَّنَةَ وَنَحْوُهُ. وَمِثْلُهُ: لَوْ وَهَبَهُ مَا فِي بَطْنِ هَذَا الْحَيَوَانِ حَتَّى وَإِنْ سَلَّطَهُ عَلَى الْقَبْضِ عِنْدَ الْوِلاَدَةِ. وَمِثْلُهُ: لَوْ وَهَبَهُ زُبْدًا فِي لَبَنٍ أَوْ دُهْنًا فِي سِمْسِمٍ لأَِنَّهُ مَعْدُومٌ فِي الْحَال.
وَهَذَا بِخِلاَفِ مَا إِذَا وَهَبَهُ صُوفًا عَلَى ظَهْرِ غَنَمٍ وَجَزَّهُ وَسَلَّمَهُ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لأَِنَّ الشَّيْءَ الْمَوْهُوبَ مَوْجُودٌ وَمَمْلُوكٌ فِي الْحَال، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفُذْ حَالًا لِمَانِعٍ، وَهُوَ كَوْنُ الْمَوْهُوبِ مَشْغُولًا بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ، فَإِذَا جَزَّهُ فَقَدْ زَال الْمَانِعُ فَيَنْفُذُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَبْضِ، وَصَارَ كَمَا لَوْ وَهَبَ شَخْصًا مُشَاعًا ثُمَّ قَسَمَهُ وَسَلَّمَهُ.
وَبِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ هِبَةَ الْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُول لاَ تَجُوزُ، لأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَتَمْلِيكُ الْمَعْدُومِ وَالْمَجْهُول لاَ يَجُوزُ فَيَقَعُ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ (١) .
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ هِبَةِ كُل مَمْلُوكٍ وَإِنْ كَانَ لاَ يَصِحُّ بَيْعُهُ كَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ وَالْمَجْهُول، وَالثَّمَرَةِ قَبْل بُدُوِّ صَلاَحِهَا وَالْمَغْصُوبِ، إِذِ الأَْصْل عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَصِحُّ هِبَةُ كُل مَا يَقْبَل النَّقْل شَرْعًا وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا (٢) .
كَمَا صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِالنِّسْبَةِ لِهِبَةِ الْمَعْدُومِ بِأَنَّ الَّذِي يَهَبُ ثَمَرَةَ نَخْلِهِ لِرَجُلٍ عِشْرِينَ سَنَةً أَوْ أَقَل أَوْ أَكْثَرَ أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ (٣) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ كَانَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَجْهُولًا فَلاَ يَخْلُو: إِمَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ عِلْمُهُ أَوْ لاَ.
فَإِنْ كَانَ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَزَيْتٍ اخْتَلَطَ بِزَيْتٍ أَوْ شَيْرَجٍ، فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْمَذْهَبِ صِحَّةُ الْهِبَةِ كَالصُّلْحِ عَلَى مَجْهُولٍ لِلْحَاجَةِ، وَقِيل: لاَ يَصِحُّ.
_________
(١) المراجع السابقة.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٢٤٨، والقوانين الفقهية ص ٣١٥، والخرشي ٧ / ١٠٣، ومنح الجليل ٤ / ٨٢.
(٣) المدونة ٦ / ١٢٤، والذخيرة للقرافي ٦ / ٢٢٦.
وَإِنْ كَانَ مِمَّا لاَ يَتَعَذَّرُ عِلْمُهُ كَالْحَمْل فِي الْبَطْنِ وَاللَّبَنِ فِي الضَّرْعِ وَالصُّوفِ عَلَى الظَّهْرِ، فَالصَّحِيحُ عَدَمُ الصِّحَّةِ لِلْجَهَالَةِ وَتَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ، وَعَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الأَْصْحَابِ، وَقِيل: تَصِحُّ هِبَةُ الْمَجْهُول (١)
ب - أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ:
١٧ - مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ فِي الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا فِي نَفْسِهِ، فَلاَ يَجُوزُ هِبَةُ الْمُبَاحَاتِ، وَذَلِكَ لِعَدَمِ الإِْحْرَازِ، وَلأَِنَّ الْهِبَةَ تَمْلِيكٌ، وَتَمْلِيكُ مَا لَيْسَ بِمَمْلُوكٍ مُحَالٌ.
كَمَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مَمْلُوكًا لِلْوَاهِبِ؛ لأَِنَّ هِبَةَ مَال الْغَيْرِ مَمْنُوعٌ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
وَيَسْتَوِي أَنْ يَكُونَ الْمَمْلُوكُ لِلْوَاهِبِ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا:
أَمَّا هِبَةُ الْعَيْنِ فَظَاهِرٌ الْجَوَازُ لإِمْكَانِيَّةِ قَبْضِهِ بِعَيْنِهِ.
أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ: فَإِنْ كَانَ الْوَاهِبُ قَدْ وَهَبَ الدَّيْنَ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ بِلاَ خِلاَفٍ، لأَِنَّهُ بِمَثَابَةِ إِبْرَاءٍ لِلْمَدِينِ أَوْ إِسْقَاطِ الدَّيْنِ عَنْهُ، وَلاَ حَاجَةَ لِقَبْضٍ جَدِيدٍ.
_________
(١) الإنصاف ٧ / ١٣٢، والكشاف ٤ / ٣٠٦.
أَمَّا هِبَةُ الدَّيْنِ لِغَيْرِ مَنْ هُوَ عَلَيْهِ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ:
الأَْوَّل: الْجَوَازُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَاخْتَارَهُ زَكَرِيَّا الأَْنْصَارِيُّ فِي الْمَنْهَجِ.
وَبُنِيَ الْجَوَازُ عَلَى أَنَّهُ إِنَابَةٌ فِي قَبْضِ الدَّيْنِ، وَلأَِنَّ مَا فِي الذِّمَّةِ مَقْدُورُ التَّسْلِيمِ وَالْقَبْضِ، أَلاَ يَرَى أَنَّهُ يُجْبِرُ الْمَدْيُونَ عَلَى تَسْلِيمِهِ، إِلاَّ أَنَّ قَبْضَهُ بِقَبْضِ عَيْنِهِ؟ فَإِذَا قَبَضَ الْعَيْنَ قَامَ قَبْضُهَا مَقَامَ قَبْضِ عَيْنِ مَا فِي الذِّمَّةِ، إِلاَّ أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى الإِْذْنِ بِالْقَبْضِ صَرِيحًا، وَلاَ يُكْتَفَى فِيهِ بِالْقَبْضِ بِحَضْرَةِ الْوَاهِبِ بِخِلاَفِ هِبَةِ الْعَيْنِ. وَهَذَا وَجْهُ الاِسْتِحْسَانِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
الثَّانِي: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ فِي الأَْصَحِّ الْمُعْتَمَدِ، وَبِهِ قَال الْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ الْقِيَاسُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَوَجْهُ الْقِيَاسِ: أَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ جَوَازِ الْهِبَةِ، وَمَا فِي الذِّمَّةِ لاَ يَحْتَمِل الْقَبْضَ، وَهُوَ بِخِلاَفِ مَا لَوْ وُهِبَ لِلْمَدِينِ، لأَنَّ الدَّيْنَ فِي ذِمَّتِهِ، وَذِمَّتُهُ فِي قَبْضِهِ، فَكَانَ الدَّيْنُ فِي قَبْضِهِ بِوَاسِطَةِ قَبْضِ الذِّمَّةِ.
وَاسْتَدَل الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَيْهِ: بِأَنَّ الْهِبَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ غَيْرُ مَقْدُورَةِ التَّسْلِيمِ، وَأَنَّ مَا
يُقْبَضُ مِنَ الدُّيُونِ عَيْنٌ لاَ دَيْنٌ، وَالْقَبْضُ فِي الْهِبَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِيمَا وَرَدَ الْعَقْدُ عَلَيْهِ (١) .
ج - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مُتَقَوَّمًا:
١٨ - الْمَال الْمُتَقَوَّمُ هُوَ مَا كَانَ مَالًا فِي نَظَرِ الشَّرْعِ لَهُ قِيمَةٌ يُضْمَنُ بِهَا عِنْدَ الإِْتْلاَفِ.
وَبِنَاءً عَلَيْهِ لاَ يَجُوزُ هِبَةُ مَا لَيْسَ مَالًا أَصْلًا كَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالدَّمِ، وَلاَ هِبَةُ مَا لَيْسَ مُتَقَوَّمًا كَالْخَمْرِ وَالْمُسْكِرَاتِ، وَلاَ هِبَةُ كُل مَا هُوَ مُحَرَّمٌ شَرْعًا.
وَاخْتَلَفَ فُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فِي صِحَّةِ هِبَةِ الْحَبَّةِ أَوِ الْحَبَّتَيْنِ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالتَّمْرَةِ، مِمَّا لَيْسَ مُتَمَوَّلًا.
فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْجَوَازَ بِنَاءً عَلَى صِحَّةِ الصَّدَقَةِ بِالتَّمْرَةِ، وَالصَّدَقَةُ هِبَةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى عَدَمِ التَّمَوُّل (٢) .
_________
(١) البدائع ٦ / ١١٩، والبحر الرائق ٧ / ٣٠٩، والخرشي ٧ / ١٠٥، ومنح الجليل ٤ / ٨٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤٠٠، ومنهج الطلاب مع البجيرمي ٣ / ٢١٧، وحاشية القليوبي وعميرة ٣ / ١١٢، والمغني مع الشرح ٦ / ٢٥٥، والإنصاف ٧ / ١٢٧، وكشاف القناع ٤ / ٣٠٦.
(٢) البدائع ٦ / ١١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٩، وحاشية القليوبي ٣ / ١١٢، والمغني والشرح ٦ / ٢٦٢، والإنصاف ٧ / ١٣١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٨، والخرشي ٧ / ١٠٣، والقوانين الفقهية ص ٣١٥.
د - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مَحُوزًا:
١٩ - وَالْكَلاَمُ هُنَا عَنْ هِبَةِ الشَّيْءِ الْمُشَاعِ. وَلِلْفُقَهَاءِ فِي جَوَازِهَا قَوْلاَنِ:
الأَْوَّل: أَنَّ هِبَةَ الْمُشَاعِ جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ، فَيُسَلِّمُ الْوَاهِبُ جَمِيعَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ إِلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَقَّهُ، وَيَكُونُ حَقُّ الشَّرِيكِ فِي يَدِهِ وَدِيعَةً، وَقِيل: إِنْ قَبَضَهُ لِيَنْتَفِعَ بِهِ فَإِعَارَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ.
وَحُجَّتُهُمْ كَمَا قَال ابْنُ رُشْدٍ: أَنَّ الْقَبْضَ فِي هِبَةِ الْمُشَاعِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ يَصِحُّ كَالْقَبْضِ فِي بَيْعِ الْمُشَاعِ غَيْرِ الْمَقْسُومِ.
وَلِلْفُقَهَاءِ فِي قَبْضِ الْحِصَّةِ الشَّائِعَةِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَبْض ف٣٠) .
الْقَوْل الثَّانِي: جَوَازُ هِبَةِ الْمُشَاعِ فِيمَا لاَ يُقْسَمُ وَعَدَمُ جَوَازِ هِبَةِ الْمُشَاعِ الَّذِي يُقْسَمُ، وَلاَ فَرْقَ بَيْنَ هِبَةِ الْمُشَاعِ لأَِجْنَبِيٍّ أَوْ لِلشَّرِيكِ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ.
وَحُجَّتُهُمْ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ.
وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ الْقَبْضَ شَرْطُ جَوَازِ
الْعَقْدِ، وَالشُّيُوعُ يَمْنَعُ الْقَبْضَ لأَِنَّ مَعْنَى الْقَبْضِ هُوَ التَّمَكُّنُ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي الْمَقْبُوضِ، وَالتَّصَرُّفُ فِي النِّصْفِ الشَّائِعِ وَحْدَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَهَكَذَا يُقَال فِي الْمُشَاعِ الَّذِي لاَ يُقْسَمُ أَيْضًا، لَكِنْ جَوَّزْنَا هِبَتَهُ لِلضَّرُورَةِ لأَِنَّهُ يُحْتَاجُ إِلَى هِبَةِ بَعْضِهِ، وَلاَ حُكْمَ لِلْهِبَةِ بِدُونِ الْقَبْضِ، وَالشُّيُوعُ مَانِعٌ مِنَ الْقَبْضِ، وَلاَ سَبِيل لإِزَالَةِ الْمَانِعِ بِالْقِسْمَةِ لِتَعَذُّرِ قِسْمَتِهِ - كَالدَّابَّةِ - فَمَسَّتِ الضَّرُورَةُ إِلَى الْجَوَازِ وَإِقَامَةِ صُورَةِ التَّخْلِيَةِ مَقَامَ الْقَبْضِ، وَلاَ ضَرُورَةَ فِيمَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهُ لإِمْكَانِ إِزَالَةِ الْمَانِعِ.
وَلأَِنَّ الْهِبَةَ عَقْدُ تَبَرُّعٍ، فَلَوْ صَحَّتْ فِي مُشَاعٍ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ لَصَارَ عَقْدَ ضَمَانٍ، لأَِنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ يَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْوَاهِبِ بِالْقِسْمَةِ فَيَلْزَمُهُ ضَمَانُ الْقِسْمَةِ فَيُؤَدِّي إِلَى تَغْيِيرِ الثَّابِتِ بِالشَّرْعِ، بِخِلاَفِ مُشَاعٍ لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ، لأَِنَّهُ لاَ يُتَصَوَّرُ إِيجَابُ الضَّمَانِ عَلَى الْمُتَبَرِّعِ، لأَِنَّ الضَّمَانَ ضَمَانُ الْقِسْمَةِ، وَالْمَحَل لاَ يَحْتَمِل الْقِسْمَةَ (١) .
_________
(١) البدائع ٦ / ١١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٩، وحاشية القليوبي ٣ / ١١٢، والمغني والشرح ٦ / ٢٦٢، والإنصاف ٧ / ١٣١، وبداية المجتهد ٢ / ٢٤٨، والخرشي ٧ / ١٠٣، والقوانين الفقهية ص ٣١٥، وروضة الطالبين ٥ / ٣٧٦.
هـ - أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبُ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِ الْمَوْهُوبِ وَغَيْرَ مُتَّصِلٍ بِهِ:
٢٠ - يَشْتَرِطُ الْحَنَفِيَّةُ لِصِحَّةِ الْقَبْضِ أَنْ لاَ يَكُونَ الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ مُتَّصِلًا بِمَا لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ اتِّصَال الأَْجْزَاءِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ قَبْضَ الشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ وَحْدَهُ لاَ يُتَصَوَّرُ، وَغَيْرُهُ لَيْسَ بِمَوْهُوبٍ فَكَانَ هَذَا فِي مَعْنَى الْمُشَاعِ.
وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ فِيمَا لَوْ وَهَبَ أَرْضًا فِيهَا زَرْعٌ دُونَ الزَّرْعِ، أَوْ شَجَرًا دُونَ ثَمَرِهِ، أَوْ وَهَبَ الزَّرْعَ دُونَ الأَْرْضِ، أَوِ الثَّمَرَ دُونَ الشَّجَرِ، ثُمَّ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبِ لَهُ فَإِنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَجُزْ، وَلَوْ وَهَبَ الأَْرْضَ ثُمَّ الزَّرْعَ وَسَلَّمَهَا جَمِيعًا جَازَ (١) .
هِبَةُ الْمَنَافِعِ:
٢١ - تُتَصَوَّرُ هِبَةُ الْمَنَافِعِ غَالِبًا فِي الْعَارِيَةِ، فَقَدْ عَرَّفَ الْفُقَهَاءُ الْعَارِيَةَ بِأَنَّهَا هِبَةُ الْمَنَافِعِ مَعَ بَقَاءِ مِلْكِ الرَّقَبَةِ (٢) .
وَتَدْخُل فِيهَا الْعُمْرَى عِنْدَ مَنْ يَعْتَبِرُ الْعُمْرَى تَمْلِيكَ مَنْفَعَةٍ (٣) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٢٣، وتحفة الفقهاء ٣ / ٣٢٥ - ٣٢٦ ط دار الفكر.
(٢) الاختيار ٣ / ٥٥، والمبدع ٥ / ١٣٧.
(٣) حاشية البناني على الزرقاني ٦ / ٢٢٦.