الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
هِبَةٌ
التَّعْرِيفُ:
أ - الْهِبَةُ فِي اللُّغَةِ: إِعْطَاءُ الشَّيْءِ إِلَى الْغَيْرِ بِلاَ عِوَضٍ، سَوَاءٌ كَانَ مَالًا أَوْ غَيْرَ مَالٍ، فَيُقَال: وَهَبَ لَهُ مَالًا وَهْبًا وَهِبَةً، كَمَا يُقَال: وَهَبَ اللَّهُ فُلاَنًا وَلَدًا صَالِحًا، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي (١)﴾ . وَيُقَال: وَهَبَهُ مَالًا، وَلاَ يُقَال: وَهَبَ مِنْهُ، وَالأَْكْثَرُونَ عَلَى: وَهَبَ لَهُ، مُتَعَدِّيَةٌ بِحَرْفِ الْجَرِّ. وَالاِسْمُ مِنَ الْهِبَةِ: الْمَوْهِبُ وَالْمَوْهِبَةُ. وَالاِتِّهَابُ: قَبُول الْهِبَةِ. وَالاِسْتِيهَابُ: سُؤَال الْهِبَةِ. وَتَوَاهَبَ الْقَوْمُ: وَهَبَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَرَجُلٌ وَهَّابٌ وَوَهَّابَةٌ: أَيْ كَثِيرُ الْهِبَةِ لأَِمْوَالِهِ (٢) .
وَفِي الاِصْطِلاَحِ عَرَّفَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِأَنَّهَا: تَمْلِيكُ الْمَال بِلاَ عِوَضٍ فِي الْحَال (٣) .
_________
(١) سورة مريم ٥ - ٦
(٢) تاج العروس، ولسان العرب، والمصباح المنير.
(٣) تكملة فتح القدير ٧ / ١١٣، وحاشية ابن عابدين ٤ / ٥٣٠، والبحر الرائق لابن نجيم ٧ / ٣٠٩، والغاية القصوى ٢ / ٦٥١، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٦، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٤٦، والخرشي ٧ / ١٠١، ومنح الجليل ٤ / ٨٣.
الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:
أ - الْعَطِيَّةُ:
٢ - الْعَطِيَّةُ لُغَةً: كُل مَا يُعْطَى، وَالْجَمْعُ عَطَايَا.
وَالْعَطِيَّةُ اصْطِلاَحًا كَالْهِبَةِ، إِلاَّ أَنَّهَا أَعَمُّ مِنَ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ، وَتُطْلَقُ الْعَطِيَّةُ عَلَى الْمَهْرِ أَيْضًا (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْعَطِيَّةِ أَنَّ بَيْنَهُمَا عُمُومًا وَخُصُوصًا، فَالْهِبَةُ أَحَدُ أَنْوَاعِ الْعَطَايَا.
ب - الْهَدِيَّةُ:
٣ - الْهَدِيَّةُ لُغَةً مَأْخُوذٌ مِنْ هَدَى، يُقَال: أَهْدَيْتُ لِلرَّجُل كَذَا بَعَثْتُ بِهِ إِلَيْهِ إِكْرَامًا.
وَاصْطِلاَحًا: هِيَ الْمَال الَّذِي أُتْحِفَ بِهِ وَأُهْدِيَ لأَِحَدٍ إِكْرَامًا لَهُ (٢) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الْهِبَةِ وَالْهَدِيَّةِ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ فِي الْحَيَاةِ بِلاَ عِوَضٍ، غَيْرَ أَنَّ الْهِبَةَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَلاَ يَلْزَمُ ذَلِكَ
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني ٥ / ٦٤٩، والخرشي ٧ / ١٠١، والبدائع ٦ / ١١٦، والقليوبي ٣ / ١١٠.
(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني ٥ / ٦٤٩، والخرشي ٧ / ١٠١، والبدائع ٦ / ١١٦، والقليوبي ٣ / ١١٠.
فِي الْهَدِيَّةِ.
ب - الصَّدَقَةُ:
٤ - الصَّدَقَةُ لُغَةً: الْعَطِيَّةُ. يُقَال: تَصَدَّقْتُ بِكَذَا أَيْ أَعْطَيْتُهُ صَدَقَةً.
وَاصْطِلاَحًا: تَمْلِيكُ مَالٍ بِلاَ عِوَضٍ طَلَبًا لِثَوَابِ الآْخِرَةِ (١) .
وَالصِّلَةُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهِبَةِ أَنَّ الصَّدَقَةَ تَكُونُ طَلَبًا لِثَوَابِ الآْخِرَةِ، بَيْنَمَا الْهِبَةُ تَكُونُ لِلتَّوَدُّدِ وَالْمَحَبَّةِ غَالِبًا، وَأَنَّ الْهِبَةَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول، وَأَمَّا الصَّدَقَةُ فَلاَ يَلْزَمُ فِيهَا الْقَبُول عِنْدَ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ.
مَشْرُوعِيَّةُ الْهِبَةِ:
٥ - الْهِبَةُ مَشْرُوعَةٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ.
فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٢)﴾ وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْلُهُ ﷺ: تَهَادُوا تَحَابُّوا (٣)
_________
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمفردات للراغب، والمغني ٥ / ٦٤٩، والخرشي ٧ / ١٠١، والبدائع ٦ / ١١٦، والقليوبي ٣ / ١١٠.
(٢) سورة النساء / ٤.
(٣) حديث: " تهادوا تحابوا ". أخرجه البخاري في الأدب المفرد (ص ١٥٥ - ط السلفية) من حديث أبي هريرة، وحسن إسناده ابن حجر في التخليص (٣ / ٧٠ - ط شركة الطباعة الفنية) .
وَالْهَدِيَّةُ هِيَ الْهِبَةُ، وَقَوْلُهُ ﷺ: لاَ تَحْقِرَنَّ جَارَةٌ لِجَارَتِهَا وَلَوْ فِرْسِنَ شَاةٍ (١) وَالْفِرْسِنُ: الظِّلْفُ.
وَقَبُول النَّبِيِّ ﷺ هَدِيَّةَ الْمُقَوْقِسِ وَهُوَ كَافِرٌ (٢)، كَمَا قَبِل هَدِيَّةَ النَّجَاشِيِّ وَهُوَ مُسْلِمٌ وَتَصَرَّفَ بِهَا وَهَدَاهُ أَيْضًا (٣) .
وَأَمَّا الإِْجْمَاعُ فَقَدِ انْعَقَدَ عَلَى جَوَازِهَا وَمَشْرُوعِيَّتِهَا، بَل عَلَى اسْتِحْبَابِهَا بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا، لِمَا فِيهَا مِنَ التَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَإِشَاعَةِ الْحُبِّ وَالتَّوَادِّ بَيْنَ النَّاسِ (٤)، بِهِ تَتَبَيَّنُ
_________
(١) حديث: " لا تحقرن جارة لجارتها. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٩٧ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٧١٤ ط عيسى الحلبي) .
(٢) حديث: " أهدى المقوقس صاحب الإسكندرية إلى رسول الله ﷺ. . . إلخ ". أخرجه الطبراني في الأوسط (٨ / ١٥٠ ط مكتبة المعارف - الرياض) وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وعزاه إلى الطبراني في الأوسط عن عائشة (٤ / ١٥٢ ط القدسي) ورجاله ثقات.
(٣) حديث: " أهدى النجاشي لرسول الله ﷺ قارورة. . . ". أخرجه ابن عدي في الكامل (٦ / ٢١١٤ ط دار الفكر)، وقال: متنه غريب ولا أعلم رواه عن العرزمي عن أبي الزبير غير عصمة.
(٤) تحفة الفقهاء للسمرقندي ٣ / ٢٥٣، والمبسوط للسرخسي ١٢ / ٤٧، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٤٦، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٦.
الْحِكْمَةُ مِنْ مَشْرُوعِيَّتِهَا.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٦ - الْهِبَةُ مَنْدُوبَةٌ بِالإِْجْمَاعِ، وَقَدْ يَطْرَأُ عَلَيْهَا مَا يَجْعَلُهَا مُحَرَّمَةً إِذَا قُصِدَ بِهَا مَعْصِيَةٌ أَوْ إِعَانَةٌ عَلَى ظُلْمٍ، أَوْ قُصِدَ بِهَا رِشْوَةُ أَصْحَابِ الْوِلاَيَاتِ وَالْعُمَّال (١) .
وَقَدْ تَكُونُ الْهِبَةُ مَكْرُوهَةً إِذَا قَصَدَ الْوَاهِبُ بِهَا الرِّيَاءَ وَالْمُبَاهَاةَ وَالسُّمْعَةَ (٢) .
أَرْكَانُ الْهِبَةِ وَشُرُوطُهَا:
٧ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَرْكَانَ الْهِبَةِ هِيَ: الْعَاقِدَانِ (الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ)، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ (الشَّيْءُ الْمَوْهُوبُ) وَالصِّيغَةُ (٣) .
أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ رُكْنَ الْهِبَةِ هُوَ صِيغَتُهَا (٤) .
وَتَفْصِيل هَذِهِ الأَْرْكَانِ كَمَا يَلِي:
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٩٦، وقواعد ابن رجب الحنبلي ق ١٥٠ ص ٣٢٢، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٩.
(٢) كشاف القناع ٤ / ٢٩٩.
(٣) القوانين الفقهية لابن جزي ط دار الفكر ص ٣١٤، ومغني المحتاج ٢ / ٣٩٧، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٩.
(٤) المبسوط ١٢ / ٥٧، وبدائع الصنائع ٦ / ١١٥، والعناية بهامش فتح القدير ٧ / ١١٣.
أَوَّلًا: الْعَاقِدَانِ:
الْعَاقِدَانِ هُمَا الْوَاهِبُ وَالْمَوْهُوبُ لَهُ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا شُرُوطٌ:
شُرُوطُ الْوَاهِبِ:
٨ - اشْتَرَطَ الْفُقَهَاءُ فِي الْوَاهِبِ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْل التَّبَرُّعِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ عَاقِلًا بَالِغًا رَشِيدًا، وَأَنْ يَكُونَ مَالِكًا لِلشَّيْءِ الْمَوْهُوبِ (١) .
وَبِنَاءً عَلَيْهِ فَلاَ تَصِحُّ الْهِبَةُ مِمَّنْ حُجِرَ عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ بِوَجْهٍ كَالْمَجْنُونِ وَالصَّغِيرِ مُمَيِّزًا أَوْ غَيْرَ مُمَيِّزٍ بِلاَ خِلاَفٍ، كَمَا لاَ تَصِحُّ مِنْ مَحْجُورٍ بِالدِّينِ أَوِ السَّفَهِ عِنْدَ مَنْ يَرَى جَوَازَ هَذَا الْحَجْرِ، وَهُمْ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ خِلاَفًا لأَِبِي حَنِيفَةَ.
وَمَنْعُ هَؤُلاَءِ الْمَحْجُورِينَ مِنَ الْهِبَةِ بِسَبَبِ كَوْنِهَا ضَرَرًا مَحْضًا لأَِنَّهَا نَقْل الْمِلْكِ إِلَى الْغَيْرِ بِدُونِ عِوَضٍ.
٩ - أَمَّا الْمَرِيضُ مَرَضَ الْمَوْتِ فَإِنَّ حُكْمَ
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٨، والقوانين الفقهية ص ٣١٥، والخرشي ٧ / ١٠٢، والغاية القصوى ٢ / ٦٥٣، مغني المحتاج ٢ / ٣٩٧، والمغني والشرح الكبير ٦ / ٢٦١، والإنصاف للمرداوي ٧ / ١٦٥، ١٦٨، وكشاف القناع ٤ / ٢٩٩، والمغني ٤ / ٣١٥ ط الرياض.
هِبَتِهِ حُكْمُ وَصِيَّتِهِ، فَلَهُ هِبَةُ ثُلُثِ أَمْوَالِهِ، وَفِيمَا زَادَ لاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِمُوَافَقَةِ الْوَرَثَةِ.
وَأَلْحَقَ الْحَنَابِلَةُ بِالْمَرِيضِ مَرَضَ الْمَوْتِ الْمُقَاتِل بَيْنَ الصَّفَّيْنِ وَكَوْنَ الشَّخْصِ فِي لُجَّةِ الْبَحْرِ أَوْ فِي بَلَدٍ وَقَعَ الطَّاعُونُ فِيهِ وَالْحَامِل فِي الْمَخَاضِ وَمَنْ قُدِّمَ لِلْقِصَاصِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ هِبَةَ الْمَرِيضِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ صَحِيحَةٌ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ، إِلاَّ أَنَّ الْعَدَوِيَّ قَال: أَفَادَ بَعْضُ مَشَائِخِنَا أَنَّ الرَّاجِحَ بُطْلاَنُهُ فِي الْمَرِيضِ. وَمُقَابِل الرَّاجِحِ الْوَقْفُ عَلَى إِجَازَةِ الْوَرَثَةِ.
كَمَا أَلْحَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ الزَّوْجَةَ فِي حَجْرِهَا عَنِ الْهِبَةِ بِأَكْثَرَ مِنَ الثُّلُثِ، وَيَكُونُ الزَّائِدُ عَلَى الثُّلُثِ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ زَوْجِهَا.
كَمَا أَنَّ هِبَةَ الْمَحْجُورِ بِدَيْنٍ مَوْقُوفَةٌ عَلَى إِذْنِ الْغَارِمِينَ لأَِنَّهُ مَحْجُورٌ لِمَصْلَحَتِهِمْ.
١٠ - وَيَتَّفِقُ الْفُقَهَاءُ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ هِبَةِ الأَْبِ أَمْوَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ بِدُونِ عِوَضٍ.
أَمَّا إِذَا وَهَبَهَا الأَْبُ مُقَابِل عِوَضٍ مَشْرُوطٍ فَلِلْفُقَهَاءِ فِي صِحَّتِهِ رَأْيَانِ:
الأَْوَّل: عَدَمُ الْجَوَازِ. وَبِهِ قَال أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ.
وَحُجَّةُ هَذَا الْقَوْل: أَنَّ الْهِبَةَ بِشَرْطِ الْعِوَضِ تَقَعُ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، ثُمَّ تَصِيرُ بَيْعًا فِي الاِنْتِهَاءِ، بِدَلِيل أَنَّهَا لاَ تُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْل الْقَبْضِ، وَلَوْ وَقَعَتْ بَيْعًا مِنْ حِينِ وُجُودِهَا لَمَا تَوَقَّفَ الْمِلْكُ فِيهَا عَلَى الْقَبْضِ، لأَِنَّ الْبَيْعَ يُفِيدُ الْمِلْكَ بِنَفْسِهِ، فَدَل عَلَى أَنَّهَا وَقَعَتْ تَبَرُّعًا ابْتِدَاءً، وَتَبَرُّعُ هَؤُلاَءِ مَمْنُوعٌ فَلَمْ تَصِحَّ الْهِبَةُ حِينَ وُجُودِهَا، وَلاَ يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ بَيْعًا، فَالأَْصْل عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ: أَنَّ كُل مَنْ لاَ يَمْلِكُ التَّبَرُّعَ لاَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ بِعِوَضٍ وَبِغَيْرِهِ.
الثَّانِي: تَجُوزُ هِبَةُ الأَْبِ مَال ابْنِهِ الصَّغِيرِ مَعَ شَرْطِ الْعِوَضِ، وَبِهِ قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الشَّيْبَانِيُّ.
وَذَلِكَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الأَْصْل عِنْدَهُ: أَنَّ مَنْ يَمْلِكُ الْبَيْعَ يَمْلِكُ الْهِبَةَ بَعِوَضٍ. فَالْهِبَةُ تَمْلِيكٌ، فَإِذَا شَرَطَ فِيهَا الْعِوَضَ كَانَتْ تَمْلِيكًا بِعِوَضٍ، وَهُوَ تَفْسِيرُ الْبَيْعِ، وَلاَ عِبْرَةَ بِاخْتِلاَفِ الْعِبَارَةِ بَعْدَ اتِّفَاقِ الْمَعْنَى كَلَفْظِ الْبَيْعِ وَلَفْظِ التَّمْلِيكِ (١) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ هِبَةِ الأَْبِ مَال ابْنِهِ بِشَرْطِ الْعِوَضِ (٢) .
_________
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١١٨.
(٢) الخرشي ٧ / ١٢٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٠١، وحاشية العدوي على الخرشي ٧ / ١٠٣.
هِبَةُ الْفُضُولِيِّ:
١١ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي هِبَةِ الْفُضُولِيِّ:
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِي أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ بَاطِلَةٌ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الْقَوْل الثَّانِي، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - وَهُوَ مَا اخْتَارَهُ الْعَدَوِيُّ - إِلَى أَنَّ هِبَةَ الْفُضُولِيِّ تَنْعَقِدُ مَوْقُوفَةً، إِنْ أَجَازَهَا الْمَالِكُ نَفَذَتْ وَإِلاَّ بَطَلَتْ (٢)، فَقَدْ جَاءَ فِي مِنْحَةِ الْخَالِقِ: كُل تَصَرُّفٍ صَدَرَ مِنَ الْفُضُولِيِّ وَلَهُ مُجِيزٌ حَال وُقُوعِهِ انْعَقَدَ مَوْقُوفًا مِنْ بَيْعٍ أَوْ نِكَاحٍ أَوْ طَلاَقٍ أَوْ هِبَةٍ، وَكَذَا كُل مَا صَحَّ بِهِ التَّوْكِيل (٣) .
هِبَةُ السَّكْرَانِ:
١٢ - السُّكْرُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ بِمُبَاحٍ أَوْ بِحَرَامٍ.
فَإِنْ سَكِرَ بِمُبَاحٍ أَوْ بِمَا يُعْذَرُ فِيهِ، كَمَا لَوْ سَكِرَ بِالْبِنْجِ أَوْ أُوجِرَ خَمْرًا: فَإِنَّ جَمِيعَ تَصَرُّفَاتِهِ الصَّادِرَةِ عَنْهُ لاَ تَنْفُذُ، لأَِنَّهُ إِذَا كَانَ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٩٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٥، ومطالب أولي النهى ٣ / ١٩.
(٢) فتح القدير ٦ / ٣١١ ط الأميرية، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٥، حاشية الدسوقي ٤ / ٩٨.
(٣) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق ٦ / ١٦٤.
مُبَاحًا جُعِل عُذْرًا.
وَأَمَّا إِنْ سَكِرَ بِمُحَرَّمٍ، كَمَا لَوْ شَرِبَ مُسْكِرًا بِاخْتِيَارِهِ (مُتَعَدِّيًا) فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَفَاذِ تَصَرُّفَاتِهِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الْمَذْهَبِ وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ فِي قَوْلٍ أَنَّهُ تَنْفُذُ تَصَرُّفَاتُهُ وَأَقَارِيرُهُ جَمِيعُهَا.
وَقَدِ اسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ السُّكْرَ بِالإِْجْمَاعِ لاَ يُنَافِي الْخِطَابَ بِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ (١)﴾ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا فِي حَال السُّكْرِ فَلاَ شُبْهَةَ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ فِي حَال الصَّحْوِ فَكَذَلِكَ. . . .، وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ مُخَاطَبٌ ثَبَتَ أَنَّ السُّكْرَ لاَ يُبْطِل شَيْئًا مِنَ الأَْهْلِيَّةِ، فَيَلْزَمُهُ أَحْكَامُ الشَّرْعِ كُلُّهَا وَتَصِحُّ عِبَارَاتُهُ كُلُّهَا بِالطَّلاَقِ وَالْعِتَاقِ وَالْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالأَْقَارِيرِ، وَإِنَّمَا يَنْعَدِمُ بِالسُّكْرِ الْقَصْدُ دُونَ الْعِبَارَةِ.
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ السَّكْرَانَ بِحَرَامٍ تَلْزَمُهُ الْجِنَايَاتُ وَالْعِتْقُ وَالطَّلاَقُ، وَلاَ تَلْزَمُهُ الإِْقْرَارَاتُ وَالْعُقُودُ مِنْ بَيْعٍ وَإِجَارَةٍ وَهِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَحَبْسٍ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي مُقَابِل الْمَذْهَبِ وَالْحَنَابِلَةُ
_________
(١) سورة النساء / ٤٣.