الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
بِغُسْلِهَا حِل الْوَطْءِ صَحَّ غُسْلُهَا وَارْتَفَعَ الْحَدَثُ الأَْكْبَرُ؛ لأَِنَّ حِل وَطْئِهَا يَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ، وَقِيل: لاَ يَصِحُّ لأَِنَّهَا إِنَّمَا نَوَتْ مَا يُوجِبُ الْغُسْل وَهُوَ الْوَطْءُ (١) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْغُسْل سُنَّةٌ كَالنِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ، وَقَالُوا: يُسَنُّ فِي الاِغْتِسَال الاِبْتِدَاءُ بِالنِّيَّةِ لِيَكُونَ فِعْلُهُ تَقَرُّبًا يُثَابُ عَلَيْهِ كَالْوُضُوءِ (٢) .
هـ - النِّيَّةُ فِي الصَّلاَةِ:
٤٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَرَأْيٌ لِلشَّافِعِيَّةِ إِلَى أَنَّهَا شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهَا مِنْ فَرَائِضِ الصَّلاَةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّهَا رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ.
وَلِبَعْضِ الْفُقَهَاءِ تَفْصِيلٌ:
قَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ: النِّيَّةُ بِلاَ فَاصِلٍ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ انْعِقَادِ الصَّلاَةِ، وَصَرَّحَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا فَرْضٌ لِلصَّلاَةِ لِقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: إِنَّمَا
_________
(١) كشاف القناع ١ / ١٥٢ - ١٥٧.
(٢) مراقي الفلاح وحاشية الطحطاوي ١ / ٥٦ ط الأميرية.
الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ، وَلأَِنَّهُ لاَ إِخْلاَصَ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ. وَقَدْ أُمِرْنَا بِالإِْخْلاَصِ، قَال اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (١)﴾
وَيَنْوِي الصَّلاَةَ الَّتِي يَدْخُل فِيهَا نِيَّةً مُتَّصِلَةً بِالتَّحْرِيمِ، وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ أَيَّ صَلاَةٍ هِيَ؟ وَلاَ مُعْتَبَرَ بِاللِّسَانِ لأَِنَّ النِّيَّةَ عَمَل الْقَلْبِ، قَال مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: النِّيَّةُ بِالْقَلْبِ فَرْضٌ، وَذِكْرُهَا بِاللِّسَانِ سُنَّةٌ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَفْضَل، وَالأَْحْوَطُ أَنْ يَنْوِيَ مُقَارِنًا لِلشُّرُوعِ فِيهَا أَيْ مُخَالِطًا لِلتَّكْبِيرِ كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ، وَعَنْ مُحَمَّدٍ فِيمَنْ خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ يُرِيدُ الْفَرْضَ فِي جَمَاعَةٍ، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَى الإِْمَامِ كَبَّرَ وَلَمْ تَحْضُرْهُ النِّيَّةُ. . . يَجُوزُ لأَِنَّهُ بَاقٍ عَلَى نِيَّتِهِ بِالإِْقْبَال عَلَى تَحْقِيقِ مَا نَوَى، ثُمَّ إِنْ كَانَ يُرِيدُ التَّطَوُّعَ يَكْفِيهِ نِيَّةُ أَصْل الصَّلاَةِ، وَفِي الْقَضَاءِ يُعَيِّنُ الْفَرْضَ، وَفِي الْوَقْتِيَّةِ يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ أَوْ ظُهْرَ الْوَقْتِ، وَإِنْ كَانَ مَأْمُومًا يَنْوِي فَرْضَ الْوَقْتِ وَالْمُتَابَعَةَ، أَوْ يَنْوِي الشُّرُوعَ فِي صَلاَةِ الإِْمَامِ، أَوْ يَنْوِي الاِقْتِدَاءَ بِالإِْمَامِ فِي صَلاَتِهِ.
وَقَالُوا: كَفَى مُطْلَقُ نِيَّةِ الصَّلاَةِ - وَإِنْ لَمْ يَقُل (لِلَّهِ) - لِنَفْلٍ وَسُنَّةٍ رَاتِبَةٍ وَتَرَاوِيحَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ (٢) .
_________
(١) سورة البينة / ٥.
(٢) البحر الرائق ١ / ٢٩٠ - ٢٩١، والاختيار لتعليل المختار ١ / ٤٧ - ٤٨، والدر المختار ١ / ٢٧٩ - ٢٨٠.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النِّيَّةُ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلاَةِ، لأَِنَّهَا وَاجِبَةٌ فِي بَعْضِ الصَّلاَةِ وَهُوَ أَوَّلُهَا لاَ فِي جَمِيعِهَا، فَكَانَتْ كَالتَّكْبِيرِ وَالرُّكُوعِ، وَقِيل: هِيَ شَرْطٌ لأَِنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ قَصْدِ فِعْل الصَّلاَةِ فَتَكُونُ خَارِجَ الصَّلاَةِ، وَلِهَذَا قَال الْغَزَالِيُّ: هِيَ بِالشَّرْطِ أَشْبَهُ.
وَالأَْصْل فِيهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، قَال الْمَاوَرْدِيُّ: وَالإِْخْلاَصُ فِي كَلاَمِهِمُ النِّيَّةُ. وَقَوْلُهُ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى، وَأَجْمَعَتِ الأُْمَّةُ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الصَّلاَةِ (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النِّيَّةُ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلاَةِ، فَلاَ تَصِحُّ الصَّلاَةُ بِدُونِهَا بِحَالٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَلِقَوْلِهِ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. . . " وَلأَِنَّهَا قُرْبَةٌ مَحْضَةٌ فَاشْتُرِطَتْ لَهَا النِّيَّةُ كَالصَّوْمِ، وَقَال عَبْدُ الْقَادِرِ كَمَا نَقَل عَنْهُ صَاحِبُ نَيْل الْمَآرِبِ: هِيَ قَبْل الصَّلاَةِ شَرْطٌ وَفِيهَا رُكْنٌ (٢)
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ١٤٨ - ١٥٠.
(٢) كشاف القناع ١ / ٣١٣، ٣١٨، ونيل الْمآرب ١ / ١٣٠، ١٣١.
و- النِّيَّةُ فِي الصَّوْمِ:
٤٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي كَوْنِ النِّيَّةِ شَرْطًا فِي صِحَّةِ الصَّوْمِ. فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ عَدَا زُفَرَ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ أَدَاءِ الصَّوْمِ النِّيَّةَ، لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: لاَ عَمَل لِمَنْ لاَ نِيَّةَ لَهُ (١)، وَلِقَوْلِهِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى (٢)، وَلأَِنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ فَلاَ يَجُوزُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلأَِنَّ الإِْمْسَاكَ قَدْ يَكُونُ لِلْعَادَةِ أَوْ لِعَدَمِ الاِشْتِهَاءِ أَوْ لِلْمَرَضِ أَوْ لِلرِّيَاضَةِ، وَيَكُونُ لِلْعِبَادَةِ، فَلاَ يَتَعَيَّنُ لَهَا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ (٣) .
وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (صَوْم ف ٢٧ - ٣٣، صَوْم التَّطَوُّعِ ف ٤ - ٦) .
_________
(١) حديث: " لا عمل لمن لا نية له ". أخرجه البيهقي في السنن (١ / ٤١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أنس بن مالك، وأشار ابن حجر في التلخيص (١ / ٢٤٧ - ط دار الكتب العلمية) إلى إعلاله.
(٢) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". سبق تخريجه ف ٨.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٢٦، وفتح القدير ٢ / ٢٣٩، والبدائع ٢ / ٨٣، وجواهر الإكليل ا / ١٤٨، ومواهب الجليل ٢ / ٤١٨، ومغني المحتاج للشربيني الخطيب ١ / ٤٢٣، ونيل المآرب ١ / ٢٧٣، وكشاف القناع ٢ / ٣١٤.
ز - النِّيَّةُ فِي الزَّكَاةِ:
٥٠ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لِصِحَّةِ أَدَاءِ الزَّكَاةِ لِحَدِيثِ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ. . . وَلأَِنَّهَا عِبَادَةٌ مِنَ الْعِبَادَاتِ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَلأَِنَّ إِخْرَاجَ الْمَال لِلَّهِ يَكُونُ فَرْضًا أَوْ نَفْلًا فَافْتَقَرَتِ الزَّكَاةُ إِلَى النِّيَّةِ لِتَمْيِيزِهَا.
وَحُكِيَ عَنِ الأَْوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَال: لاَ تَجِبُ النِّيَّةُ لأَِنَّ الزَّكَاةَ دَيْنٌ فَلاَ تَجِبُ لَهَا النِّيَّةُ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَلِهَذَا يُخْرِجُهَا وَلِيُّ الْيَتِيمِ، وَوَلِيُّ الصَّبِيِّ وَالسُّلْطَانُ يَنُوبَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ (١) .
وَفِي مَعْنَى النِّيَّةِ اللاَّزِمَةِ فِي إِجْزَاءِ الزَّكَاةِ عَنِ الْمُزَكِّي أَوْ عَنْ غَيْرِهِ، وَفِي مُقَارَنَةِ النِّيَّةِ لإِخْرَاجِ الزَّكَاةِ وَتَفْرِيقِهَا عَلَى الْمُسْتَحِقِّينَ، أَوْ لِعَزْلِهَا عَنِ الْمَال الْمُزَكَّى، أَوْ لِدَفْعِهَا إِلَى السُّلْطَانِ أَوْ أَخْذِهِ لَهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ. . . يُنْظَرُ مُصْطَلَحُ (زَكَاة ف ١٢٢ - ١٢٣) .
ح - النِّيَّةُ فِي الْحَجِّ:
٥١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ، لأَِنَّ الإِْحْرَامَ بِالْحَجِّ عِنْدَهُمْ
_________
(١) الاختيار ١ / ١٠١، وجواهر الإكليل ١ / ١٤٠، ومغني المحتاج ١ / ٤١٤ - ٤١٥، وكشاف القناع ٢ / ٢٦٠ - ٢٦١، والمغني ٢ / ٦٣٨.
هُوَ نِيَّةُ النُّسُكِ وَالدُّخُول فِيهِ، وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى النِّيَّةِ لِتَحَقُّقِ الإِْحْرَامِ اشْتِرَاطَ التَّلْبِيَةِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا (١) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (إِحْرَام ف ٦، ٧، ١٧ حَجّ ف ٤٧، ٤٨) .
أَثَرُ النِّيَّةِ فِي الْعُقُودِ وَالتَّصَرُّفَاتِ:
٥٢ - الْعُقُودُ وَالتَّصَرُّفَاتُ مِنْهَا مَا يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ وَمِنْهَا مَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الْمُسْتَخْدَمُ فِي التَّعْبِيرِ عَنِ الإِْرَادَةِ جُمْلَةً اسْمِيَّةً أَمْ فِعْلِيَّةً فِعْلُهَا مَاضٍ، أَوْ مُضَارِعٌ مَقْرُونًا بِالسِّينِ أَوْ بِسَوْفَ أَوْ غَيْرَ مَقْرُونٍ بِأَيٍّ مِنْهُمَا، أَوْ أَمْرٌ، وَسَوَاءٌ أَكَانَتِ الصِّيغَةُ صَرِيحَةً فِي الدَّلاَلَةِ عَلَى الْعَقْدِ أَمْ كِنَايَةً.
وَقَدْ سَبَقَ تَفْصِيل آرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ فِي فِقْرَةِ (٤ - ٦) وَيُنْظَرُ كَذَلِكَ مُصْطَلَحُ (عَقْد ف ١٠، ١١، ١٢، صِيغَة ف ٧) .
أ - النِّيَّةُ فِي الطَّلاَقِ:
٥٣ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الطَّلاَقَ لاَ يَقَعُ بِغَيْرِ لَفْظٍ وَلَوْ نَوَاهُ، وَأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِلَفْظِ الطَّلاَقِ
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ١ / ١٤٣، ١٤٤، وجواهر الإكليل ١ / ١٦٨، ومغني المحتاج ١ / ٤٧٦، ٤٧٨، وكشاف القناع ٢ / ٤٠٦.
الصَّرِيحِ - وَهُوَ مَا لاَ يُسْتَعْمَل إِلاَّ فِيهِ غَالِبًا لُغَةً أَوْ عُرْفًا - فَإِنَّهُ يَقَعُ بِلاَ نِيَّةٍ، وَإِذَا كَانَ الطَّلاَقُ بِاللَّفْظِ الْكِنَائِيِّ فَإِنَّهُ لاَ يَقَعُ إِلاَّ مَعَ النِّيَّةِ.
وَقَالُوا: إِنَّ النِّيَّةَ لَهَا أَثَرُهَا كَذَلِكَ فِي عَدَدِ مَا يَقَعُ مِنَ الطَّلَقَاتِ - فِي أَحْوَالٍ ذَكَرُوهَا - (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف ٢٩، ٣٤، ٣٥، ٣٦، ٣٩) .
ب - النِّيَّةُ فِي الرَّجْعَةِ:
٥٤ - الرَّجْعَةُ قَدْ تَكُونُ بِالْقَوْل الصَّرِيحِ، وَلاَ تَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْحَال إِلَى نِيَّةٍ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ.
وَقَدْ تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْكِنَايَةِ مِنَ الأَْلْفَاظِ وَتَحْتَاجُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إِلَى نِيَّةٍ.
وَقَدْ تَكُونُ الرَّجْعَةُ بِالْفِعْل - كَالْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ - عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلاَفًا لِلشَّافِعِيَّةِ.
وَقَدْ تَحْصُل الرَّجْعَةُ بِالنِّيَّةِ - فِي الْبَاطِنِ لاَ فِي الظَّاهِرِ - عَلَى الأَْظْهَرِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ.
وَصَحَّحَ عَدَمَ صِحَّةِ الرَّجْعَةِ بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا ابْنُ بَشِيرٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَعِنْدَهُ: هَذَا هُوَ
_________
(١) الاختيار ٣ / ١٢٥، ١٣٠، وجواهر الإكليل ١ / ٣٤٥، ٣٤٦، ومغني المحتاج ٣ / ٢٧٩ - ٢٨٤، وكشاف القناع ٥ / ٢٤٥ - ٢٥٢.
الْمَذْهَبُ، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ، وَرَدَ تَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ (١) .
وَالْمَزِيدُ مِنَ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (رَجْعَة ف ١٢ - ١٩) .
ج - - النِّيَّةُ فِي الظِّهَارِ:
٥٥ - الظِّهَارُ إِنْ كَانَ بِلَفْظٍ صَرِيحٍ يَدُل عَلَى الظِّهَارِ دَلاَلَةً وَاضِحَةً وَلاَ يَحْتَمِل شَيْئًا آخَرَ غَيْرَ الظِّهَارِ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةٍ فِي حُدُوثِ الظِّهَارِ بِهِ، وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ.
وَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ بِلَفْظٍ مِنْ أَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ يَحْتَمِل الظِّهَارَ وَغَيْرَهُ، وَلَمْ يَغْلِبِ اسْتِعْمَالُهُ فِي الظِّهَارِ عُرْفًا، فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ لِحُدُوثِ الظِّهَارِ بِهِ وَتَرَتُّبِ أَحْكَامِهِ عَلَيْهِ إِلَى نِيَّةِ الظِّهَارِ بِهَذَا اللَّفْظِ (٢) .
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ظِهَار ف ١٣) .
_________
(١) الاختيار ٣ / ١٤٧، وجواهر الإكليل ١ / ٣٦٢، والشرح الكبير والدسوقي ٢ / ٤١٧، ومغني المحتاج ٣ / ٣٣٦ - ٣٣٧، وكشاف القناع ٥ / ٣٤٢.
(٢) الاختيار ٣ / ١٦٢ - ١٦٤، والشرح الكبير والدسوقي ٢ / ٤٤٢، ٤٤٣، ومغني المحتاج ٣ / ٣٥٣، وكشاف القناع ٥ / ٣٦٩، ٣٧٠.
د - النِّيَّةُ فِي الْيَمِينِ:
تَدْخُل النِّيَّةُ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِل الأَْيْمَانِ، وَتُعْتَبَرُ فِيهَا، وَمِنْ ذَلِكَ:
اللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ:
٥٦ - اللَّفْظُ الدَّال عَلَى الْمُقْسَمِ بِهِ هُوَ مَا دَخَل عَلَيْهِ حَرْفُ الْقَسَمِ، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَةً مِنْ صِفَاتِهِ سُبْحَانَهُ.
وَالْقَسَمُ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ بِاللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي لاَ يُسَمَّى بِهَا غَيْرُهُ تَعَالَى يَنْعَقِدُ دُونَ حَاجَةٍ إِلَى نِيَّةٍ. أَمَّا الْقَسَمُ بِأَلْفَاظِ الْكِنَايَةِ - كَالْقَسَمِ بِمَا يُسَمَّى بِهِ اللَّهُ ﷿ وَمَا يُسَمَّى بِهِ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ صِفَاتُهُ جَل شَأْنُهُ الَّتِي يُوصَفُ بِهَا غَيْرُهُ، وَنَحْوُ ذَلِكَ - فَإِنَّهُ لاَ بُدَّ فِي الاِنْعِقَادِ مِنَ النِّيَّةِ (١) وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف ٢٦ - ٢٩) .
حَذْفُ حَرْفِ الْقَسَمِ:
٥٧ - الْحَالِفُ إِنْ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنْ أَحْرُفِ الْقَسَمِ، بَل قَال: اللَّهِ لأَفْعَلَنَّ كَذَا. . . فَقَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ: يَكُونُ يَمِينًا بِغَيْرِ النِّيَّةِ.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَكُونُ يَمِينًا إِلاَّ بِالنِّيَّةِ.
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: يَصِحُّ قَسَمٌ بِغَيْرِ حُرُوفِهِ.
_________
(١) الاختيار ٤ / ٥٠، وكشاف القناع ٦ / ٠ ٢٣، ٢٣١.
وَهَذَا فِي الْجُمْلَةِ، وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ. (أَيْمَان ف ٢٥) .
حَذْفُ الْمُقْسَمِ بِهِ:
٥٨ - إِذَا لَمْ يَذْكُرِ الْحَالِفُ الْمُقْسَمَ بِهِ، بَل قَال: أُقْسِمُ لاَ أَفْعَل كَذَا - مَثَلًا - كَانَ يَمِينًا بِالنِّيَّةِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، عَلَى اخْتِلاَفٍ وَتَفْصِيلٍ بَيْنَهُمْ.
وَقَال أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ: يَكُونُ يَمِينًا.
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لاَ يَكُونُ يَمِينًا وَلَوْ نَوَى.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (أَيْمَان ف ٣٣) .
مُرَاعَاةُ نِيَّةِ الْمُسْتَحْلِفِ:
٥٩ - ذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ يُرَاعَى فِي الْيَمِينِ نِيَّةُ الْمُسْتَحْلِفِ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ عَلَيْهِ صَاحِبُكَ (١)، الْمَعْنَى: يَمِينُكَ الَّتِي تَحْلِفُهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الْمَعْنَى الَّذِي لَوْ نَوَيْتَهُ وَكُنْتَ صَادِقًا اعْتَقَدَ خَصْمُكَ أَنَّكَ صَادِقٌ فِيهَا، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يَخْطُرُ بِبَالِهِ حِينَ اسْتِحْلاَفِهِ إِيَّاكَ، وَهُوَ فِي
_________
(١) حديث أبي هريرة: " يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٧٤ - ط الحلبي)