الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي اتِّحَادِهِ، كَالْوُضُوءِ وَالْغُسْل، فَمَنْ رَآهُمَا مُتَّحِدَيْنِ مَنَعَ مِنْ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَجْزَائِهِمَا، وَمَنْ رَآهُمَا مُتَعَدِّدَيْنِ جَوَّزَ تَفْرِيقَ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهِمَا (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَوْ فَرَّقَ الْمُتَوَضِّئُ النِّيَّةَ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ عَنْ كُل عُضْوٍ عِنْدَ غَسْلِهِ أَوْ مَسْحِهِ، صَحَّ وُضُوؤُهُ، لِوُجُودِ النِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ (٢) .
ثَانِيًا: الأَْحْكَامُ التَّفْصِيلِيَّةُ لِلنِّيَّةِ:
سَبَقَ أَنْ بَيَّنَّا الأَْحْكَامَ الْعَامَّةَ لِلنِّيَّةِ، وَنُورِدُ هُنَا أَثَرَ النِّيَّةِ فِي الأَْفْعَال الَّتِي تَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ مِنْ عِبَادَاتٍ أَوْ مُعَامَلاَتٍ أَوْ غَيْرِهِمَا:
أَثَرُ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ:
أ - النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ:
٤٤ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ:
فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ لاَ يَصِحُّ الْوُضُوءُ إِلاَّ بِهَا، وَذَهَبَ الْبَعْضُ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ. وَنُوَضِّحُ آرَاءَهُمْ فِيمَا يَلِي:
_________
(١) قواعد الأحكام ١ / ١٨٦ - ١٨٧، وانظر المجموع ١ / ٣١٦.
(٢) كشاف القناع ١ / ٨٦.
قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَهُوَ قَوْل الزُّهْرِيِّ وَرَبِيعَةَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَوْل جُمْهُورِ أَهْل الْحِجَازِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁: إِنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الْوُضُوءِ، فَلاَ يَصِحُّ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (١)﴾، وَالإِْخْلاَصُ هُوَ عَمَل الْقَلْبِ وَهُوَ النِّيَّةُ، وَالأَْمْرُ بِهِ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ، وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ (٢) . . . "، وَلَيْسَ الْمُرَادُ صُورَةَ الْعَمَل فَإِنَّهَا تُوجَدُ بِلاَ نِيَّةٍ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّ حُكْمَ الْعَمَل لاَ يَثْبُتُ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ. قَالُوا: وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لاَ يَكُونُ الْعَمَل شَرْعِيًّا يَتَعَلَّقُ بِهِ ثَوَابٌ وَعِقَابٌ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ طَهَارَةٌ مِنْ حَدَثٍ تُسْتَبَاحُ بِهِ الصَّلاَةُ فَلَمْ يَصِحَّ بِلاَ نِيَّةٍ كَالتَّيَمُّمِ، وَلأَِنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ فَوَجَبَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلاَةِ.
وَيَنْوِي الْمُتَوَضِّئُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ مُفْتَقِرٍ إِلَى طُهْرٍ، أَوْ أَدَاءَ فَرْضِ الْوُضُوءِ (٣) .
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ سُنَّةٌ فِي
_________
(١) سورة البينة / ٥.
(٢) حديث: " إنما الأعمال بالنيات. . . ". تقدم في فقرة ١٣.
(٣) المجموع ١ / ٣١١ - ٣١٤، ومغني المحتاج ١ / ٤٧، ونيل المآرب ١ / ٦٠ - ٦١، وكشاف القناع ١ / ٨٥، وبداية المجتهد ١ / ٦.
الْوُضُوءِ، لِيَقَعَ قُرْبَةً وَلِيَخْرُجَ عَنْ عُهْدَةِ الْفَرْضِ بِالإِْجْمَاعِ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى كَوْنِهِ لَيْسَ شَرْطًا وَلاَ فَرْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاَةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (١)﴾، أَمَرَ بِالْغَسْل وَالْمَسْحِ مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ النِّيَّةِ، وَلاَ يَجُوزُ تَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ إِلاَّ بِدَلِيلٍ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلاَ جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا (٢)﴾، نَهَى الْجُنُبَ عَنْ قُرْبَانِ الصَّلاَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَابِرَ سَبِيلٍ إِلَى غَايَةِ الاِغْتِسَال مُطْلَقًا عَنْ شَرْطِ النِّيَّةِ، فَيَقْتَضِي انْتِهَاءَ حُكْمِ النَّهْيِ عِنْدَ الاِغْتِسَال الْمُطْلَقِ، وَلأَِنَّ الأَْمْرَ بِالْوُضُوءِ لِحُصُول الطَّهَارَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ (٣)﴾، وَحُصُول الطَّهَارَةِ لاَ يَقِفُ عَلَى النِّيَّةِ بَل عَلَى اسْتِعْمَال الْمُطَهِّرِ فِي مَحَلٍّ قَابِلٍ لِلطَّهَارَةِ، وَالْمَاءُ مُطَهِّرٌ لِمَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَال: إِنَّ الْمَاءَ طَهُورٌ لاَ يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ (٤)، وَقَال
_________
(١) سورة المائدة / ٦.
(٢) سورة النساء / ٤٣.
(٣) سورة المائدة / ٦.
(٤) حديث: " إن الماء طهور لا ينجسه شيء ". أخرجه الترمذي (١ / ٩٥ - ٩٦) من حديث أبي سعيد، وقال: حديث حسن.
تَعَالَى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (١)﴾، وَالطَّهُورُ اسْمٌ لِلطَّاهِرِ فِي نَفْسِهِ الْمُطَهِّرِ لِغَيْرِهِ، وَالْمَحَل قَابِلٌ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ الطَّهَارَةَ عَمَل الْمَاءِ خِلْقَةً وَفِعْل اللِّسَانِ فَضْلٌ فِي الْبَابِ حَتَّى لَوْ سَال عَلَيْهِ الْمَطَرُ أَجْزَأَهُ عَنِ الْوُضُوءِ وَالْغَسْل، فَلاَ يُشْتَرَطُ لَهُ النِّيَّةُ، إِذِ اشْتِرَاطُهَا لاِعْتِبَارِ الْفِعْل الاِخْتِيَارِيِّ، وَبِهِ تَبَيَّنَ أَنَّ اللاَّزِمَ لِلْوُضُوءِ مَعْنَى الطَّهَارَةِ، وَمَعْنَى الْعِبَادَةِ فِيهِ مِنَ الزَّوَائِدِ، فَإِنِ اتَّصَلَتْ بِهِ النِّيَّةُ يَقَعْ عِبَادَةً وَإِنْ لَمْ تَتَّصِل بِهِ لاَ يَقَعْ عِبَادَةً لَكِنَّهُ يَقَعُ وَسِيلَةً إِلَى إِقَامَةِ الصَّلاَةِ لِحُصُول الطَّهَارَةِ كَالسَّعْيِ إِلَى الْجُمُعَةِ (٢) .
وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ فِي الْوُضُوءِ، قَال ابْنُ رُشْدٍ وَابْنُ حَارِثٍ: اتِّفَاقًا، وَقَال الْمَازِرِيُّ: عَلَى الأَْشْهَرِ، وَقَال ابْنُ الْحَاجِبِ: عَلَى الأَْصَحِّ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ: إِنَّمَا الأَْعْمَال بِالنِّيَّاتِ.
وَمُقَابِل الأَْشْهَرِ وَالأَْصَحِّ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ.
وَمَنْشَأُ الْخِلاَفِ أَنَّ فِي الطَّهَارَةِ - كَالْوُضُوءِ - شَائِبَتَيْنِ، فَمِنْ حَيْثُ إِنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهَا
_________
(١) سورة الفرقان / ٤٨.
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١ / ٧٢ - ٧٣، وبدائع الصنائع ١ / ١٩ - ٢٠.
النَّظَافَةُ تُشْبِهُ مَا صُورَتُهُ كَافِيَةٌ فِي تَحْصِيل الْمَقْصُودِ مِنْهَا كَأَدَاءِ الدُّيُونِ فَلاَ يَفْتَقِرُ إِلَى نِيَّةٍ، وَمِنْ حَيْثُ مَا شُرِطَ فِيهَا مِنَ التَّحْدِيدِ فِي الْغَسَلاَتِ وَالْمَغْسُول وَالْمَاءِ أَشْبَهَتِ التَّعَبُّدَ فَافْتَقَرَتْ إِلَى النِّيَّةِ.
وَيَنْوِي الْمُتَوَضِّئُ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَيِ الْوَصْفِ الْمُقَدَّرِ قِيَامُهُ بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ الْمَانِعِ مِنَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا، أَوْ يَنْوِي أَدَاءَ الْوُضُوءِ الْمَفْرُوضِ الْمُتَوَقِّفِ عَلَيْهِ صِحَّةُ الصَّلاَةِ وَالطَّوَافِ، أَوْ يَنْوِي اسْتِبَاحَةَ مَمْنُوعٍ بِالْحَدَثِ كَصَلاَةٍ وَطَوَافٍ (١) .
ب - النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ
٤٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي لُزُومِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ:
فَيَرَى الْحَنَفِيَّةُ (عَدَا زُفَرَ) وَالْمَالِكِيَّةُ أَنَّ النِّيَّةَ فَرْضٌ فِي التَّيَمُّمِ، وَذَلِكَ لأَِنَّ التَّيَمُّمَ الشَّرْعِيَّ يُنْبِئُ عَنِ الْقَصْدِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا (٢)﴾ وَالأَْصْل فِي الأَْسْمَاءِ الشَّرْعِيَّةِ مَا يُنْبِئُ عَنْهُ مِنَ الْمَعَانِي، فَلاَ يَتَحَقَّقُ التَّيَمُّمُ دُونَ الْقَصْدِ، وَالْقَصْدُ النِّيَّةُ فَلاَ بُدَّ مِنْهَا،
_________
(١) مواهب الجليل ١ / ٢٣٠، وشرح الزرقاني وحاشية البناني ١ / ٦٢، وحاشية الدسوقي ١ / ٩٣، وجواهر الإكليل ١ / ١٥، وبداية المجتهد ١ / ٦.
(٢) سورة المائدة / ٦.
بِخِلاَفِ الْوُضُوءِ فَإِنَّهُ مَأْمُورٌ بِغَسْل الأَْعْضَاءِ وَقَدْ وُجِدَ، ثُمَّ التُّرَابُ مُلَوَّثٌ وَمُغَبَّرٌ وَإِنَّمَا يَصِيرُ مُطَهِّرًا ضَرُورَةَ إِرَادَةِ الصَّلاَةِ وَذَلِكَ بِالنِّيَّةِ، أَمَّا الْوُضُوءُ فَإِنَّ الْمَاءَ مُطَهِّرٌ فِي نَفْسِهِ فَاسْتَغْنَى فِي وُقُوعِهِ طَهَارَةً عَنِ النِّيَّةِ، لَكِنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي وُقُوعِهِ عِبَادَةً وَقُرْبَةً.
وَيَرَى زُفَرُ أَنَّ النِّيَّةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ فِي التَّيَمُّمِ، لأَِنَّهُ خَلَفٌ عَنِ الْوُضُوءِ فَلاَ يُخَالِفُ فِي وَصْفِهِ.
وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ مِنْ أَرْكَانِ التَّيَمُّمِ نِيَّةَ اسْتِبَاحَةِ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا مِمَّا تَفْتَقِرُ اسْتِبَاحَتُهُ إِلَى طَهَارَةٍ.
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِمَا يُتَيَمَّمُ لَهُ مِنْ حَدَثٍ أَوْ غَيْرِهِ (١) .
انْظُرْ آرَاءَ الْفُقَهَاءِ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يَنْوِيهِ بِالتَّيَمُّمِ مُصْطَلَحَ (تَيَمُّم ف ٩ - ١٠) .
ج - - النِّيَّةُ لِلتَّطْهِيرِ مِنَ النَّجَاسَةِ:
٤٦ - يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ
_________
(١) الاختيار ١ / ٢٠، ٢١، والهداية وفتح القدير ١ / ١١٤، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ١٥٤، والشرح الصغير ١ / ١٩٢، والقوانين الفقهية ص ٥٢، ومغني المحتاج ١ / ٩٧ - ٩٩، وكشاف القناع ١ / ١٧٣، والروض المربع ١ / ٣١.
وَالْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لاَ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ عَنِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْمَكَانِ وَالأَْوَانِي لِلصِّحَّةِ.
وَنَقَل صَاحِبُ الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ إِجْمَاعَ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ وَصَاحِبُ الشَّامِل وَجْهًا أَنَّهُ يَفْتَقِرُ إِلَى النِّيَّةِ (١) .
انْظُرْ تَفْصِيل ذَلِكَ فِي مُصْطَلَحِ (طَهَارَة ف ٨) .
د - النِّيَّةُ فِي الْغُسْل:
٤٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ النِّيَّةِ فِي الْغُسْل.
فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ - إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل الْوَاجِبِ.
وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل، فَيَنْوِي الْمُغْتَسِل رَفْعَ الْحَدَثِ أَيِ الأَْكْبَرِ أَوِ اسْتِبَاحَةَ مَمْنُوعٍ، أَوْ فَرْضَ الْغُسْل، وَلاَ يَضُرُّ إِخْرَاجُ بَعْضِ الْمُسْتَبَاحِ كَأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ لاَ الطَّوَافِ مَثَلًا، وَلاَ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٠، والعناية على الهداية بهامش فتح القدير ١ / ٢٨ ط إحياء التراث العربي، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٧٨، والمجموع شرح المهذب ١ / ٣١١، وكشاف القناع ١ / ٨٦.
يَضُرُّ نِسْيَانُ حَدَثٍ كَمَا لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ مِنَ الْجِمَاعِ نَاسِيًا لِخُرُوجِ الْمَنِيِّ أَوِ الْعَكْسَ، بِخِلاَفِ إِخْرَاجِهِ كَأَنْ يَقُول: نَوَيْتُ الْغُسْل مِنَ الْجِمَاعِ لاَ مِنْ خُرُوجِ الْمَنِيِّ وَقَدْ خَرَجَ مَنِيُّهُ. . فَإِنَّهُ يَضُرُّ، وَكَذَلِكَ إِذَا نَوَى مُطْلَقَ الطَّهَارَةِ الْمُحَقَّقَةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ (١)
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل فَلاَ يَصِحُّ الْغُسْل إِلاَّ بِنِيَّةٍ، أَيْ رَفْعِ حُكْمِ الْجَنَابَةِ إِنْ كَانَ جُنُبًا، وَرَفْعِ حَدَثِ الْحَيْضِ إِنْ كَانَتْ حَائِضًا، أَوْ لِتُوطَأَ، أَوِ الْغُسْل مِنَ الْحَيْضِ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ الْجَنَابَةِ وَحَدَثُهُ الْحَيْضُ، أَوْ عَكْسُهُ، أَوْ رَفْعَ جَنَابَةِ الْجِمَاعِ وَجَنَابَتُهُ بِاحْتِلاَمٍ، أَوْ عَكْسُهُ صَحَّ مَعَ الْغَلَطِ دُونَ الْعَمْدِ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَا عَلَيْهِ لاَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ كَالْحَيْضِ مِنَ الرَّجُل خِلاَفًا لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
وَتَكْفِي نِيَّةُ رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُل الْبَدَنِ وَكَذَا مُطْلَقًا فِي الأَْصَحِّ، لاِسْتِلْزَامِ رَفْعِ الْمُطْلَقِ رَفْعَ الْمُقَيَّدِ، وَلأَِنَّهُ يَنْصَرِفُ إِلَى حَدَثِهِ لِوُجُودِ الْقَرِينَةِ الْحَالِيَّةِ، فَلَوْ نَوَى الأَْكْبَرَ كَانَ تَأْكِيدًا، وَصُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا إِذَا اجْتَمَعَا عَلَيْهِ إِنْ قُلْنَا بِانْدِرَاجِ الأَْصْغَرِ وَإِلاَّ وَجَبَ التَّعْيِينُ، فَلَوْ نَوَى رَفْعَ
_________
(١) الشرح الكبير والدسوقي ١ / ١٣٣.
الْحَدَثِ الأَْصْغَرِ عَمْدًا لَمْ تَرْتَفِعْ جَنَابَتُهُ لِتَلاَعُبِهِ، أَوْ غَلَطًا ارْتَفَعَتْ عَنْ أَعْضَاءِ الأَْصْغَرِ لأَِنَّ غَسْلَهَا وَاجِبٌ فِي الْحَدَثَيْنِ وَقَدْ غَسَلَهَا بِنِيَّتِهِ، إِلاَّ الرَّأْسَ فَلاَ تَرْتَفِعُ عَنْهُ لأَِنَّ غَسْلَهُ وَقَعَ عَنْ مَسْحِهِ الَّذِي هُوَ فَرْضٌ فِي الأَْصْغَرِ، وَهُوَ إِنَّمَا نَوَى الْمَسْحَ وَهُوَ لاَ يُغْنِي عَنِ الْغَسْل، بِخِلاَفِ غَسْل بَاطِنِ لِحْيَةِ الرَّجُل الْكَثِيفَةِ فَإِنَّهُ يَكْفِي لأَِنَّ غَسْل الْوَجْهِ هُوَ الأَْصْل، فَإِذَا غَسَلَهُ فَقَدْ أَتَى بِالأَْصْل، أَمَّا غَيْرُ أَعْضَاءِ الأَْصْغَرِ فَلاَ تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ لأَِنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ، وَلَوِ اجْتَمَعَ عَلَى الْمَرْأَةِ غُسْل حَيْضٍ وَجَنَابَةٍ كَفَتْ نِيَّةُ أَحَدِهِمَا قَطْعًا.
وَتُجْزِئُ نِيَّةُ اسْتِبَاحَةِ مُفْتَقِرٍ إِلَى الْغُسْل، كَأَنْ يَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ أَوِ الطَّوَافِ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَى غُسْلٍ، فَإِنْ نَوَى مَا لاَ يَفْتَقِرُ إِلَيْهِ كَالْغُسْل لِيَوْمِ عِيدٍ لَمْ يَصِحَّ، وَقِيل: إِنْ نُدِبَ لَهُ صَحَّ.
وَتَكْفِي نِيَّةُ أَدَاءِ فَرْضِ الْغُسْل، أَوْ فَرْضِ الْغُسْل، أَوِ الْغُسْل الْمَفْرُوضِ، أَوْ أَدَاءِ الْغُسْل، وَكَذَا الطَّهَارَةُ لِلصَّلاَةِ. . . أَمَّا إِذَا نَوَى الْغُسْل فَقَطْ فَإِنَّهُ لاَ يَكْفِي (١) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النِّيَّةُ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْل، فَيَنْوِي رَفْعَ الْحَدَثِ الأَْكْبَرِ، أَوِ اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ وَنَحْوِهَا.
_________
(١) مغني المحتاج ١ / ٧٢، والمجموع ٢ / ١٨١، وروضة الطالبين ١ / ٧٨.
وَإِذَا اغْتَسَل يَنْوِي الطَّهَارَتَيْنِ مِنَ الْحَدَثَيْنِ أَجْزَأَ عَنْهُمَا وَلَمْ يَلْزَمْهُ تَرْتِيبٌ وَلاَ مُوَالاَةٌ؛ لأَِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ الْجُنُبَ بِالتَّطَهُّرِ وَلَمْ يَأْمُرْ مَعَهُ بِوُضُوءٍ، وَلأَِنَّهُمَا عِبَادَتَانِ فَتَدَاخَلَتَا فِي الْفِعْل كَمَا تَدْخُل الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَسْقُطُ مَسْحُ الرَّأْسِ اكْتِفَاءً بِغَسْلِهَا وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ، وَقَال أَبُو بَكْرٍ: يَتَدَاخَلاَنِ إِنْ أَتَى بِخَصَائِصِ الصُّغْرَى كَالتَّرْتِيبِ وَالْمُوَالاَةِ وَالْمَسْحِ.
وَإِنْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثَيْنِ وَأَطْلَقَ - فَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالأَْكْبَرِ وَلاَ بِالأَْصْغَرِ - أَجْزَأَ عَنْهُمَا لِشُمُول الْحَدَثِ لَهُمَا، أَوْ نَوَى اسْتِبَاحَةَ الصَّلاَةِ، أَوْ نَوَى أَمْرًا لاَ يُبَاحُ إِلاَّ بِوُضُوءٍ وَغُسْلٍ كَمَسِّ مُصْحَفٍ وَطَوَافٍ أَجْزَأَ عَنْهُمَا لاِسْتِلْزَامِ ذَلِكَ رَفْعَهُمَا، وَسَقَطَ التَّرْتِيبُ وَالْمُوَالاَةُ لِدُخُول الْوُضُوءِ فِي الْغُسْل فَصَارَ الْحُكْمُ لِلْغُسْل.
وَإِنْ نَوَى مَنْ عَلَيْهِ غُسْلٌ بِالْغُسْل اسْتِبَاحَةَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ارْتَفَعَ الْحَدَثُ الأَْكْبَرُ فَقَطْ لأَِنَّ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ إِنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى رَفْعِهِ لاَ عَلَى رَفْعِ الأَْصْغَرِ.
وَإِنْ نَوَى الْجُنُبُ وَنَحْوُهُ رَفْعَ أَحَدِ الْحَدَثَيْنِ - الأَْكْبَرِ أَوِ الأَْصْغَرِ - لَمْ يَرْتَفِعْ غَيْرُهُ لِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: ". . . وَإِنَّمَا لِكُل امْرِئٍ مَا نَوَى.
وَإِنْ نَوَتْ مَنِ انْقَطَعَ حَيْضُهَا أَوْ نِفَاسُهَا