الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢
عِبَادِي (١) . وَدَرَجَاتُ الإِْخْلاَصِ ثَلاَثَةٌ: عُلْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل الْعَبْدُ لِلَّهِ وَحْدَهُ امْتِثَالًا لأَِمْرِهِ، وَقِيَامًا بِحَقِّ عُبُودِيَّتِهِ. وَوُسْطَى: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل لِثَوَابِ الآْخِرَةِ. وَدُنْيَا: وَهِيَ أَنْ يَعْمَل لِلإِْكْرَامِ فِي الدُّنْيَا وَالسَّلاَمَةِ مِنْ آفَاتِهَا، وَمَا عَدَا الثَّلاَثَ مِنَ الرِّيَاءِ وَإِنْ تَفَاوَتَتْ أَفْرَادُهُ، وَلِهَذَا قَال أَهْل السُّنَّةِ: الْعِبَادَةُ مَا وَجَبَتْ لِكَوْنِهَا مُفْضِيَةً إِلَى ثَوَابِ الْجَنَّةِ، أَوْ إِلَى الْبُعْدِ مِنْ عِقَابِ النَّارِ، بَل لأَِجْل أَنَّكَ عَبْدٌ وَهُوَ رَبٌّ (٢) .
النِّيَابَةُ فِي النِّيَّةِ:
٣٨ - لاَ تُقْبَل النِّيَابَةُ فِي النِّيَّةِ، صَرَّحَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ.
وَنَقَل ابْنُ نُجَيْمٍ أَنَّ الْمَرِيضَ إِذَا يَمَّمَهُ غَيْرُهُ فَالنِّيَّةُ عَلَى الْمَرِيضِ دُونَ الْمُيَمِّمِ، وَفِي الزَّكَاةِ قَالُوا: الْمُعْتَبَرُ نِيَّةُ الْمُوَكِّل، فَلَوْ نَوَاهَا وَدَفَعَ الْوَكِيل بِلاَ نِيَّةٍ أَجْزَأَتْهُ، وَفِي الْحَجِّ عَنِ الْغَيْرِ. . الاِعْتِبَارُ لِنِيَّةِ الْمَأْمُورِ وَلَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ النِّيَابَةِ
_________
(١) حديث: " قال الله تعالى: " الإخلاص سر من سري. . . ". عزاه الحافظ العراقي في تخريجه لأحاديث إحياء علوم الدين (٤ / ٣٧٦ - بهامشه - ط المكتبة التجارية) إلى مسلسلات القزويني والرسالة للقشيري، وذكر أن في إسناد الأول منهما راويين متروكين، وضعف إسناد الثاني
(٢) كشاف القناع ١ / ٣١٣، ومطالب أولي النهى ١ / ٣٩٥.
فِيهَا لأَِنَّ الأَْفْعَال إِنَّمَا صَدَرَتْ مِنَ الْمَأْمُورِ فَالْمُعْتَبَرُ نِيَّتُهُ (١) .
وَقَال السُّيُوطِيُّ: مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّمْيِيزِ فِي النِّيَّةِ الإِْخْلاَصُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُقْبَل النِّيَابَةُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اخْتِبَارُ سِرِّ الْعِبَادَةِ، قَال ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ: لاَ يَجُوزُ التَّوْكِيل فِي النِّيَّةِ إِلاَّ فِيمَا اقْتَرَنَ بِفِعْلٍ كَتَفْرِقَةِ زَكَاةٍ وَذَبْحِ أُضْحِيَةٍ وَصَوْمٍ عَنِ الْمَيِّتِ وَحَجٍّ (٢)
التَّشْرِيكُ فِي النِّيَّةِ:
٣٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ التَّشْرِيكِ فِي النِّيَّةِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْحَنَفِيَّةُ: الْجَمْعُ بَيْنَ عِبَادَتَيْنِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الْوَسَائِل أَوْ فِي الْمَقَاصِدِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْوَسَائِل فَإِنَّ الْكُل صَحِيحٌ، قَالُوا: لَوِ اغْتَسَل يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِلْجُمُعَةِ وَلِرَفْعِ الْجَنَابَةِ ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ وَحَصَل لَهُ ثَوَابُ غُسْل الْجُمُعَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ فِي الْمَقَاصِدِ: فَإِمَّا أَنْ يَنْوِيَ فَرْضَيْنِ، أَوْ نَفْلَيْنِ، أَوْ فَرْضًا وَنَفْلًا.
أَمَّا الأَْوَّل: فَلاَ يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلاَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا، فَإِنْ كَانَ فِي الصَّلاَةِ لَمْ
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٥٤.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠.
تَصِحَّ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا، قَال فِي السِّرَاجِ الْوَهَّاجِ: لَوْ نَوَى صَلاَتَيْ فَرْضٍ كَالظُّهْرِ وَالْعَصْرِ لَمْ يَصِحَّ اتِّفَاقًا، وَلَوْ نَوَى فِي الصَّوْمِ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ كَانَ عَنِ الْقَضَاءِ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَإِنْ نَوَى كَفَّارَةَ الظِّهَارِ وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ يُجْعَل لأَِيِّهِمَا شَاءَ، وَقَال مُحَمَّدٌ: يَكُونُ تَطَوُّعًا، وَلَوْ نَوَى الزَّكَاةَ وَكَفَّارَةَ الظِّهَارِ جَعَلَهُ عَنْ أَيِّهِمَا شَاءَ، وَلَوْ نَوَى الزَّكَاةَ وَكَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَهُوَ عَنِ الزَّكَاةِ، وَلَوْ نَوَى مَكْتُوبَةً وَصَلاَةَ جِنَازَةٍ فَهِيَ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ.
وَإِنْ نَوَى فَرْضًا وَنَفْلًا، فَإِنْ نَوَى الظُّهْرَ وَالتَّطَوُّعَ، قَال أَبُو يُوسُفَ: تُجْزِئُهُ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ وَيَبْطُل التَّطَوُّعُ، وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ تُجْزِئُهُ عَنِ الْمَكْتُوبَةِ وَلاَ التَّطَوُّعِ، وَإِنْ نَوَى الزَّكَاةَ وَالتَّطَوُّعَ يَكُونُ عَنِ الزَّكَاةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ عَنِ التَّطَوُّعِ، وَلَوْ نَافِلَةٌ وَجِنَازَةٌ فَهِيَ نَافِلَةٌ.
وَأَمَّا إِذَا نَوَى نَافِلَتَيْنِ، كَمَا إِذَا نَوَى بِرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ وَسُنَّةَ الْفَجْرِ أَجْزَأَتْ عَنْهُمَا.
وَأَمَّا التَّعَدُّدُ فِي الْحَجِّ، فَلَوْ أَحْرَمَ نَذْرًا وَنَفْلًا كَانَ نَفْلًا، أَوْ فَرْضًا وَتَطَوُّعًا كَانَ تَطَوُّعًا عِنْدَهُمَا فِي الأَْصَحِّ، وَلَوْ أَحْرَمَ بِحِجَّتَيْنِ مَعًا أَوْ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَاهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ: يَلْزَمُهُ فِي الْمَعِيَّةِ إِحْدَاهُمَا، وَفِي
التَّعَاقُبِ الأُْولَى فَقَطْ.
وَأَمَّا إِذَا نَوَى عِبَادَةً ثُمَّ نَوَى فِي أَثْنَائِهَا الاِنْتِقَال عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، فَإِنْ كَبَّرَ نَاوِيًا الاِنْتِقَال إِلَى غَيْرِهَا صَارَ خَارِجًا عَنِ الأُْولَى، وَإِنَ نَوَى وَلَمْ يُكَبِّرْ لاَ يَكُونُ خَارِجًا، كَمَا إِذَا نَوَى تَجْدِيدَ الأُْولَى وَكَبَّرَ (١) .
٤٠ - وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: لَوْ نَوَى رَفْعَ الْحَدَثِ وَالتَّبَرُّدَ أَجْزَأَهُ - أَيْ عَنْ رَفْعِ الْحَدَثِ - لأَنَّ مَا نَوَاهُ مَعَ رَفْعِ الْحَدَثِ حَاصِلٌ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِهِ فَلاَ تَضَادَّ، وَهَذِهِ النِّيَّةُ إِذَا صَحِبَهَا قَصْدُ التَّبَرُّدِ فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ وَلاَ يَضُرُّهَا مَا صَحِبَهَا، وَقِيل: لاَ يُجْزِئُ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النِّيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْبَاعِثُ عَلَى الْعِبَادَةِ طَاعَةَ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ، وَهَاهُنَا الأَْمْرَانِ (٢) .
٤١ - وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لِلتَّشْرِيكِ فِي النِّيَّةِ نَظَائِرُ، وَضَابِطُهَا أَقْسَامٌ:
الْقِسْمُ الأَْوَّل: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْعِبَادَةِ مَا لَيْسَ بِعِبَادَةٍ، فَقَدْ يُبْطِلُهَا كَمَا إِذَا ذَبَحَ الأُْضْحِيَةَ لِلَّهِ وَلِغَيْرِهِ، فَانْضِمَامُ غَيْرِهِ يُوجِبُ حُرْمَةَ الذَّبِيحَةِ.
وَقَدْ لاَ يُبْطِلُهَا. وَفِيهِ صُوَرٌ:
_________
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيمِ ص ٤٠ - ٤٢، والبحر الرائق ١ / ٩٦، وفتح القدير ٢ / ٤٣٨.
(٢) الذخيرة ١ / ٢٥١، ومواهب الجليل ١ / ٢٣٥.
مِنْهَا مَا لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ أَوِ الْغُسْل وَالتَّبَرُّدَ، فَفِي وَجْهٍ لاَ يَصِحُّ لِلتَّشْرِيكِ، وَالصَّحِيحُ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ التَّبَرُّدَ حَاصِلٌ قَصَدَهُ أَمْ لاَ، فَلَمْ يَجْعَل قَصْدَهُ تَشْرِيكًا وَتَرْكًا لِلإِْخْلاَصِ، بَل هُوَ قَصْدٌ لِلْعِبَادَةِ عَلَى حَسَبِ وُقُوعِهَا؛ لأَِنَّ مِنْ ضَرُورَتِهَا حُصُول التَّبَرُّدِ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّوْمَ أَوِ الْحِمْيَةَ أَوِ التَّدَاوِيَ وَفِيهِ الْخِلاَفُ الْمَذْكُورُ، وَكَذَا لَوْ نَوَى الصَّلاَةَ وَدَفْعَ غَرِيمِهِ، صَحَّتْ صَلاَتُهُ لأَنَّ الاِشْتِغَال عَنِ الْغَرِيمِ لاَ يَفْتَقِرُ إِلَى قَصْدٍ، وَفِيهِ وَجْهٌ خَرَّجَهُ ابْنُ أَخِي صَاحِبِ الشَّامِل مِنْ مَسْأَلَةِ التَّبَرُّدِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْعِبَادَةِ الْمَفْرُوضَةِ عِبَادَةً أُخْرَى مَنْدُوبَةً، وَفِيهِ صُوَرٌ: مِنْهَا مَا لاَ يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ وَيَحْصُلاَنِ مَعًا، وَمِنْهَا مَا يَحْصُل الْفَرْضُ فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا يَحْصُل النَّفْل فَقَطْ، وَمِنْهَا مَا يَقْتَضِي الْبُطْلاَنَ فِي الْكُل.
فَمِنَ الأَْوَّل: أَحْرَمَ بِصَلاَةٍ وَنَوَى بِهَا الْفَرْضَ وَالتَّحِيَّةَ، صَحَّتْ، وَحَصَلاَ مَعًا، وَكَذَا لَوْ نَوَى بِسَلاَمِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلاَةِ وَالسَّلاَمَ عَلَى الْحَاضِرِينَ، أَوْ نَوَى حَجَّ الْفَرْضِ وَقَرَنَهُ بِعُمْرَةٍ تَطَوُّعًا أَوْ عَكْسَهُ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وَمِنَ الثَّانِي: نَوَى بِحِجَّةٍ الْفَرْضَ وَالتَّطَوُّعَ وَقَعَ فَرْضًا، لأَِنَّهُ لَوْ نَوَى التَّطَوُّعَ انْصَرَفَ إِلَى الْفَرْضِ.
وَمِنَ الثَّالِثِ: أَخْرَجَ خَمْسَةَ دَرَاهِمَ وَنَوَى بِهَا الزَّكَاةَ وَصَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، لَمْ تَقَعْ زَكَاةً وَوَقَعَتْ صَدَقَةَ تَطَوُّعٍ.
وَمِنَ الرَّابِعِ: كَبَّرَ الْمَسْبُوقُ وَالإِْمَامُ رَاكِعٌ تَكْبِيرَةً وَاحِدَةً وَنَوَى بِهَا التَّحَرُّمَ وَالْهُوِيَّ إِلَى الرُّكُوعِ. . . لَمْ تَنْعَقِدِ الصَّلاَةُ أَصْلًا لِلتَّشْرِيكِ؛ لأَِنَّ تَكْبِيرَةَ الإِْحْرَامِ رُكْنٌ لِصَلاَةِ الْفَرْضِ وَالنَّفْل مَعًا، وَلَمْ يَتَحَمَّضْ هَذَا التَّكْبِيرُ لِلإِْحْرَامِ بِأَيِّهِمَا، فَلَمْ تَنْعَقِدْ فَرْضًا وَكَذَا نَفْلًا، إِذْ لاَ فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي اعْتِبَارِ تَكْبِيرَةِ الإِْحْرَامِ، وَفِي وَجْهٍ: تَنْعَقِدُ الصَّلاَةُ نَفْلًا كَمَسْأَلَةِ الزَّكَاةِ السَّابِقَةِ؛ لأَِنَّ الدَّرَاهِمَ لَمْ تُجْزِئْ عَنِ الزَّكَاةِ فَبَقِيَتْ تَبَرُّعًا، وَهَذَا مَعْنَى صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ.
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ الْمَفْرُوضَةِ فَرْضًا آخَرَ:
قَال ابْنُ السُّبْكِيِّ: لاَ يُجْزِئُ ذَلِكَ إِلاَّ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
وَعَقَّبَ السُّيُوطِيُّ بِأَنَّ لَهُمَا نَظِيرًا آخَرَ، وَهُوَ أَنْ يَنْوِيَ الْغُسْل وَالْوُضُوءَ مَعًا فَإِنَّهُمَا يَحْصُلاَنِ عَلَى الأَْصَحِّ. ثُمَّ قَال السُّيُوطِيُّ: وَمَا عَدَا ذَلِكَ إِذَا نَوَى فَرْضَيْنِ بَطَلاَ إِلاَّ إِذَا أَحْرَمَ بِحِجَّتَيْنِ أَوْ عُمْرَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَنْعَقِدُ وَاحِدَةٌ. وَإِذَا تَيَمَّمَ لِفَرْضَيْنِ صَحَّ لِوَاحِدٍ عَلَى الأَْصَحِّ.
الْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ النَّفْل نَفْلًا آخَرَ.
قَال الْقَفَّال: لاَ يَحْصُلاَنِ، وَنَقَضَ عَلَيْهِ بِنِيَّتِهِ الْغُسْل لِلْجُمُعَةِ وَالْعِيدِ فَإِنَّهُمَا يَحْصُلاَنِ.
الْقِسْمُ الْخَامِسُ: أَنْ يَنْوِيَ مَعَ غَيْرِ الْعِبَادَةِ شَيْئًا آخَرَ غَيْرَهَا وَهُمَا مُخْتَلِفَانِ فِي الْحُكْمِ:
وَمِنْ فُرُوعِهِ: أَنْ يَقُول لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ وَيَنْوِيَ الطَّلاَقَ وَالظِّهَارَ. . فَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا فَمَا اخْتَارَهُ ثَبَتَ، وَقِيل: يَثْبُتُ الطَّلاَقُ لِقُوَّتِهِ. وَقِيل: الظِّهَارُ لأَِنَّ الأَْصْل بَقَاءُ النِّكَاحِ (١) .
وَقَال الزَّرْكَشِيُّ: سَائِرُ الْعِبَادَاتِ يُدْخَل فِيهَا بِالنِّيَّةِ وَحْدَهَا إِلاَّ الصَّلاَةَ فَلاَ بُدَّ مَعَ النِّيَّةِ التَّكْبِيرُ (٢) .
٤٢ - وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: لَوْ شَرِكَ بَيْنَ نِيَّةِ الْوُضُوءِ وَبَيْنَ قَصْدِ التَّبَرُّدِ أَوْ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ أَوِ الْوَسَخِ أَجْزَأَهُ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَرِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ؛ لأَِنَّ هَذَا الْقَصْدَ لَيْسَ بِمُحَرَّمٍ وَلاَ مَكْرُوهٍ، وَلِهَذَا لَوْ قَصَدَ مَعَ رَفْعِ الْحَدَثِ تَعْلِيمَ الْوُضُوءِ لَمْ يَضُرَّهُ ذَلِكَ (٣)، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْصِدُ
_________
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠ - ٢٣، والمنثور في القواعد ٣ / ٣٠٢، ومغني المحتاج ١ / ٤٩.
(٢) المنثور في القواعد ٣ / ٣١٢.
(٣) جامع العلوم والحكم ١ / ٨٨.
أَحْيَانًا بِالصَّلاَةِ تَعْلِيمَهَا لِلنَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْحَجُّ كَمَا قَال: خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ (١) .
وَعِنْدَهُمْ كَذَلِكَ: لاَ يَضُرُّ مَعَ نِيَّةِ الصَّلاَةِ قَصْدُ تَعْلِيمِ الصَّلاَةِ، لِفِعْلِهِ ﷺ فِي صَلاَتِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَغَيْرِهِ، أَوْ قَصْدُ خَلاَصٍ مِنْ خَصْمٍ أَوْ إِدْمَانِ سَهَرٍ، أَيْ لاَ يَمْنَعُ الصِّحَّةَ بَعْدَ إِتْيَانِهِ بِالنِّيَّةِ الْمُعْتَبَرَةِ، لاَ أَنَّهُ لاَ يُنْقِصُ ثَوَابَهُ، وَلِهَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِيمَا يُنْقِصُ الأَْجْرَ، وَمِثْلُهُ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الصَّوْمِ هَضْمَ الطَّعَامِ، أَوْ قَصْدُهُ مَعَ نِيَّةِ الْحَجِّ رُؤْيَةَ الْبِلاَدِ النَّائِيَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ؛ لأَِنَّهُ قَصَدَ مَا يَلْزَمُ ضَرُورَةً (٢) .
تَفْرِيقُ النِّيَّةِ:
٤٣ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ تَفْرِيقِ النِّيَّةِ عَلَى أَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ أَوْ عَلَى أَجْزَاءِ الطَّاعَةِ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ:
قَال الْمَالِكِيَّةُ: لاَ يُجْزِئُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ، أَيْ جِنْسُهَا الْمُتَحَقِّقُ فِي مُتَعَدِّدٍ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ خَصَّ كُل عُضْوٍ بِنِيَّةٍ، بِأَنْ غَسَل وَجْهَهُ بِنِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِتْمَامِ
_________
(١) حديث: " خذوا عني مناسككم ". أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣ - ط الحلبي)، والبيهقي في السنن (٥ / ١٢٥ ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث جابر، واللفظ للبيهقي.
(٢) كشاف القناع ١ / ٣١٤.
الْوُضُوءِ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَغْسِل الْيَدَيْنِ كَذَلِكَ، ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيَمْسَحُ رَأْسَهُ بِنِيَّةٍ، وَهَكَذَا لِتَمَامِ الْوُضُوءِ، وَذَلِكَ كُلُّهُ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِتْمَامِ الْوُضُوءِ، بِأَنْ نَوَى عَدَمَ إِتْمَامِهِ أَوْ لاَ نِيَّةَ لَهُ أَصْلًا، أَمَّا لَوْ خَصَّ كُل عُضْوٍ بِنِيَّةٍ مَعَ قَصْدِهِ إِتْمَامَ الْوُضُوءِ عَلَى الْفَوْرِ مُعْتَقِدًا أَنْ لاَ يَرْتَفِعَ حَدَثُهُ وَلاَ يَكْمُل وُضُوؤُهُ إِلاَّ بِجَمْعِ النِّيَّاتِ، فَهَذَا مِنْ بَابِ التَّأْكِيدِ فَلاَ يَضُرُّ، لاَ مِنْ بَابِ التَّفْرِيقِ.
أَمَّا لَوْ جَزَّأَ النِّيَّةَ عَلَى الأَْعْضَاءِ، بِأَنْ جَعَل لِكُل عُضْوٍ رُبْعَهَا مَثَلًا فَإِنَّهُ يُجْزِئُ؛ لأَِنَّ النِّيَّةَ مَعْنًى لاَ تَقْبَل التَّجْزِيءَ وَحِينَئِذٍ فَجَعْلُهُ لَغْوٌ، قَال الدُّسُوقِيُّ: وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، وَإِنْ بَحَثَ فِيهِ ابْنُ مَرْزُوقٍ بِأَنَّهُ مُتَلاَعِبٌ؛ لأَِنَّ رُبْعَ النِّيَّةِ لاَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ فِي اعْتِقَادِ الْمُتَوَضِّئِ (١) .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى الطَّاعَةِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الطَّاعَاتِ، وَهِيَ أَقْسَامٌ:
أَحَدُهَا: طَاعَةٌ مُتَّحِدَةٌ: وَهِيَ الَّتِي يَفْسُدُ أَوَّلُهَا بِفَسَادِ آخِرِهَا كَالصَّلاَةِ وَالصِّيَامِ، فَلاَ يَجُوزُ تَفْرِيقُ النِّيَّةِ عَلَى أَبْعَاضِهَا، مِثَالُهُ فِي الصِّيَامِ أَنْ يَنْوِيَ إِمْسَاكَ السَّاعَةِ الأُْولَى وَحْدَهَا،
_________
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١ / ٩٥.
ثُمَّ يَنْوِيَ إِمْسَاكَ السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ، وَكَذَلِكَ يُفْرِدُ كُل إِمْسَاكٍ بِنِيَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِ إِلَى آخِرِ النَّهَارِ، فَإِنَّ صَوْمَهُ لاَ يَصِحُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ فَرَّقَ نِيَّةَ الصَّلاَةِ عَلَى أَرْكَانِهَا وَأَبْعَاضِهَا: كَأَنْ يُفْرِدَ التَّكْبِيرَ بِنِيَّةٍ، وَالْقِيَامَ بِنِيَّةٍ ثَانِيَةٍ، وَالرُّكُوعَ بِثَالِثَةٍ، وَكَذَلِكَ إِلَى انْقِضَاءِ الصَّلاَةِ، فَإِنَّ صَلاَتَهُ لاَ تَصِحُّ؛ لأَِنَّ مَا نَوَاهُ مِنْ هَذِهِ الْمُفْرَدَاتِ لَيْسَ بِجُزْءٍ مِنَ الصَّلاَةِ عَلَى حِيَالِهِ.
الْقِسْمُ الثَّانِي: طَاعَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ كَالزَّكَاةِ وَالصَّدَقَاتِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، فَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُفْرِدَ أَبْعَاضَهُ بِالنِّيَّةِ وَأَنْ يَجْمَعَهُ فِي نِيَّةٍ وَاحِدَةٍ، فَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى أَحَدِ جُزْئَيِ الْجُمْلَةِ فِي الْقِرَاءَةِ مِثْل أَنَّهُ قَال: بِسْمِ اللَّهِ، أَوْ قَال: فَالَّذِينَ آمَنُوا. . فَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ لاَ يُثَابُ عَلَى ذَلِكَ، وَلاَ يُثَابُ إِلاَّ إِذَا فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الْجُمَل الْمُفِيدَةِ، إِذْ لاَ قُرْبَةَ فِي الإِْتْيَانِ بِأَحَدِ جُزْئَيِ الْجُمْلَةِ، وَجُمَل الْقُرْآنِ أَحَدُهَا: مَا لاَ يُذْكَرُ إِلاَّ قُرْآنًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١)﴾ . فَهَذَا يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يَغْلِبُ عَلَيْهِ كَوْنُهُ ذِكْرًا لَيْسَ بِقُرْآنٍ كَقَوْلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ، فَهَذَا لاَ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَتُهُ إِلاَّ أَنْ يَنْوِيَ بِهِ الْقِرَاءَةَ لِغَلَبَةِ الذِّكْرِ عَلَيْهِ.
_________
(١) سورة الشعراء / ١٠٥.