الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢ الصفحة 17

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤٢

وَذَكَرَ فِي كَشْفِ الأَْسْرَارِ أَنَّ الأَْدَاءَ يَصِحُّ بِنِيَّةِ الْقَضَاءِ حَقِيقَةً، وَعَكْسُهُ، وَالصِّحَّةُ فِيهِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ أَتَى بِأَصْل النِّيَّةِ وَلَكِنَّهُ أَخْطَأَ فِي الظَّنِّ، وَالْخَطَأُ فِي مِثْلِهِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ.

وَأَمَّا الْحَجُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ لاَ تُشْتَرَطَ فِيهِ نِيَّةُ التَّمْيِيزِ بَيْنَ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ (١) .

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ الْكَامِلَةَ هِيَ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ: تَعْيِينِ الصَّلاَةِ، وَالتَّقَرُّبِ بِهَا، وَأَدَائِهَا، وَاسْتِشْعَارِ الإِْيمَانِ يُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، فَهَذِهِ هِيَ النِّيَّةُ الْكَامِلَةُ، فَإِنْ سَهَا عَنِ الإِْيمَانِ أَوْ وُجُوبِ الصَّلاَةِ أَوْ كَوْنِهَا أَدَاءً، أَوِ التَّقَرُّبِ بِهَا لَمْ تَفْسَدْ إِذَا عَيَّنَهَا لاِشْتِمَال التَّعْيِينِ عَلَى ذَلِكَ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: فِي اشْتِرَاطِ الأَْدَاءِ وَالْقَضَاءِ فِي الصَّلاَةِ أَوْجُهٌ:

أَحَدُهَا: الاِشْتِرَاطُ، وَاخْتَارَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: طَرْدًا لِقَاعِدَةِ الْحِكْمَةِ الَّتِي شُرِعَتْ لَهَا النِّيَّةُ؛ لأَِنَّ رُتْبَةَ إِقَامَةِ الْفَرْضِ فِي وَقْتِهِ تُخَالِفُ رُتْبَةَ تَدَارُكِ الْفَائِتِ، فَلاَ بُدَّ مِنَ التَّعَرُّضِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِلتَّمْيِيزِ.

وَالثَّانِي: تُشْتَرَطُ نِيَّةُ الْقَضَاءِ دُونَ الأَْدَاءِ؛

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٨.

(٢) الذخيرة ٢ / ١٣٥.

لأَِنَّ الأَْدَاءَ يَتَمَيَّزُ بِالْوَقْتِ بِخِلاَفِ الْقَضَاءِ.

وَالثَّالِثُ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ اشْتُرِطَ فِي الْمُؤَدَّاةِ نِيَّةُ الأَْدَاءِ، وَإِلاَّ فَلاَ، وَبِهِ قَطَعَ الْمَاوَرْدِيُّ.

وَالرَّابِعُ، وَهُوَ الأَْصَحُّ: لاَ يُشْتَرَطَانِ مُطْلَقًا، لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ عَلَى صِحَّةِ صَلاَةِ الْمُجْتَهِدِ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ وَصَوْمِ الأَْسِيرِ إِذَا نَوَى الأَْدَاءَ فَبَانَا بَعْدَ الْوَقْتِ.

وَقَدْ بَسَطَ الْعَلاَئِيُّ الْكَلاَمَ فِي ذَلِكَ فَقَال: مَا لاَ يُوصَفُ مِنَ الْعِبَادَاتِ بِأَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ فَلاَ رَيْبَ فِي أَنَّهُ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ أَدَاءٍ وَلاَ قَضَاءٍ، وَيَلْحَقُ بِذَلِكَ مَا لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ وَلَكِنَّهُ لاَ يَقْبَل الْقَضَاءَ كَالْجُمُعَةِ فَلاَ يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى نِيَّةِ الأَْدَاءِ إِذْ لاَ يَلْتَبِسُ بِهَا قَضَاءٌ فَتَحْتَاجَ إِلَى نِيَّةٍ مُمَيِّزَةٍ، وَأَمَّا سَائِرُ النَّوَافِل الَّتِي تُقْضَى فَهِيَ كَبَقِيَّةِ الصَّلَوَاتِ فِي جَرَيَانِ الْخِلاَفِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِذَا نَوَى قَضَاءَ الصَّلاَةِ وَهِيَ أَدَاءٌ أَوِ الْعَكْسَ وَهُوَ عَالِمٌ بِذَلِكَ، فَلاَ تَصِحُّ صَلاَتُهُ قَطْعًا؛ لِتَلاَعُبِهِ.

وَأَمَّا الصَّوْمُ فَالَّذِي يَظْهَرُ تَرْجِيحُهُ أَنَّ نِيَّةَ الْقَضَاءِ لاَ بُدَّ مِنْهَا دُونَ الأَْدَاءِ لِتَمْيِيزِهِ بِالْوَقْتِ.

قَال السُّيُوطِيُّ: وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخَانِ فِي الصَّوْمِ الْخِلاَفَ فِي نِيَّةِ الأَْدَاءِ.

وَبَقِيَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ: وَلاَ شَكَّ أَنَّهُمَا لاَ يُشْتَرَطَانِ فِيهِمَا، إِذْ لَوْ نَوَى بِالْقَضَاءِ الأَْدَاءَ لَمْ يَضُرَّهُ وَانْصَرَفَ إِلَى الْقَضَاءِ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ حَجٌّ أَفْسَدَهُ فِي صِبَاهُ أَوْ رِقِّهِ ثُمَّ بَلَغَ أَوْ عَتَقَ فَنَوَى الْقَضَاءَ، انْصَرَفَ إِلَى حَجَّةِ الإِْسْلاَمِ وَهِيَ الأَْدَاءُ.

وَأَمَّا صَلاَةُ الْجِنَازَةِ: فَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ يُتَصَوَّرُ فِيهَا الأَْدَاءُ وَالْقَضَاءُ؛ لأَِنَّ وَقْتَهَا مَحْدُودٌ بِالدَّفْنِ.

وَأَمَّا الْكَفَّارَةُ: فَنَصَّ الشَّافِعِيَّةُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ عَلَى أَنَّهَا تَصِيرُ قَضَاءً إِذَا جَامَعَ قَبْل أَدَائِهَا، وَلاَ شَكَّ فِي عَدَمِ الاِشْتِرَاطِ فِيهَا.

وَأَمَّا الزَّكَاةُ: فَيُتَصَوَّرُ الْقَضَاءُ فِيهَا فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ، وَالظَّاهِرُ أَيْضًا عَدَمُ الاِشْتِرَاطِ (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ كَوْنِ الصَّلاَةِ حَاضِرَةً أَوْ قَضَاءً، وَلاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ أَدَاءٍ فِي حَاضِرَةٍ؛ لأَِنَّهُ لَوْ صَلاَّهَا يَنْوِيهَا أَدَاءً فَبَانَ وَقْتُهَا قَدْ خَرَجَ أَنَّ صَلاَتَهُ صَحِيحَةٌ وَتَقَعُ قَضَاءً. وَكَذَلِكَ لَوْ نَوَاهَا قَضَاءً فَبَانَ فِعْلُهَا فِي وَقْتِهَا وَقَعَتْ أَدَاءً، وَيُصْبِحُ قَضَاءً بِنِيَّةِ أَدَاءٍ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَيَصِحُّ عَكْسُهُ إِذَا بَانَ خِلاَفُ ظَنِّهِ، وَلاَ يَصِحُّ ذَلِكَ مَعَ الْعِلْمِ وَقَصْدِ مَعْنَاهُ

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ١٧ - ٢٠، ومغني المحتاج ١ / ١٤٩.

الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ بِغَيْرِ خِلاَفٍ؛ لأَِنَّهُ مُتَلاَعِبٌ (١) .

أَقْسَامُ النِّيَّةِ:

النِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ وَالنِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ:

٣٥ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقِيَّةٍ وَحُكْمِيَّةٍ، وَأَنَّ الْحَقِيقِيَّةَ مَشْرُوطَةٌ فِي أَوَّل الْعِبَادَاتِ دُونَ اسْتِمْرَارِهَا، وَالْحُكْمِيَّةَ كَافِيَةٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا.

فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ الْمَذْهَبَ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ الْعِبَادَةَ ذَاتَ الأَْفْعَال يُكْتَفَى بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهَا وَلاَ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي كُل فِعْلٍ اكْتِفَاءً بِانْسِحَابِهَا عَلَيْهَا، إِلاَّ إِذَا نَوَى بِبَعْضِ الأَْفْعَال غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ. قَالُوا: لَوْ طَافَ طَالِبًا الْغَرِيمَ لاَ يُجْزِئُهُ الطَّوَافُ (٢) .

وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ عَلَى قِسْمَيْنِ: فِعْلِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ، وَحُكْمِيَّةٍ مَعْدُومَةٍ، فَإِذَا حَضَرَتِ الْعِبَادَةُ وَجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ النِّيَّةُ الْفِعْلِيَّةُ فِي أَوَّلِهَا، وَتَكْفِي الْحُكْمِيَّةُ فِي بَقِيَّتِهَا لِلْمَشَقَّةِ فِي اسْتِمْرَارِهَا بِالْفِعْل، قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: لَوْ وَزَنَ زَكَاتَهُ وَعَزَلَهَا لِلْمَسَاكِينِ، ثُمَّ دَفَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِغَيْرِ نِيَّةٍ اكْتَفَى بِالْحُكْمِيَّةِ وَأَجْزَأَتْ.

_________

(١) منار السبيل ١ / ٧٩، وكشاف القناع ١ / ٣١٥.

(٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٤٥.

وَذَكَرَ الْقَرَافِيُّ فُرُوعًا ثَلاَثَةً:

الأَْوَّل: تَكْفِي الْحُكْمِيَّةُ بِشَرْطِ عَدَمِ الْمُنَافِي، قَال ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ: إِذَا تَوَضَّأَ وَبَقِيَتْ رِجْلاَهُ فَخَاضَ بِهِمَا نَهْرًا وَمَسَحَ بِيَدَيْهِ رِجْلَيْهِ فِي الْمَاءِ وَلَمْ يَنْوِ بِذَلِكَ غَسْل رِجْلَيْهِ لاَ يُجْزِئُهُ غَسْل رِجْلَيْهِ. قَال صَاحِبُ الطِّرَازِ: يُرِيدُ إِذَا قَصَدَ بِذَلِكَ غَيْرَ الْوُضُوءِ بَل إِزَالَةَ الْقَشَبِ. وَقَال صَاحِبُ النُّكَتِ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ ظَنَّ كَمَال وُضُوئِهِ فَرَفَضَ نِيَّتَهُ، أَمَّا لَوْ بَقِيَ عَلَى نِيَّتِهِ وَالنَّهْرُ قَرِيبٌ أَجْزَأَهُ.

الثَّانِي: إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ الْحُكْمِيَّةَ بَعْدَ كَمَال الطَّهَارَةِ، رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا لاَ تَفْسَدُ لِحُصُول الْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهُوَ التَّمْيِيزُ حَالَةَ الْفِعْل، وَرُوِيَ عَنْهُ فَسَادُهَا لأَِنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الطَّهَارَةِ، وَذَهَابُ جُزْءِ الطَّهَارَةِ يُفْسِدُهَا، قَال صَاحِبُ النُّكَتِ: إِذَا رَفَضَ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ أَوِ الْحَجِّ لاَ يَضُرُّ، بِخِلاَفِ الصَّلاَةِ أَوِ الصَّوْمِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّيَّةِ التَّمْيِيزُ وَهُمَا مُتَمَيِّزَانِ بِمَكَانِهِمَا، وَهُوَ الأَْعْضَاءُ فِي الْوُضُوءِ، وَالأَْمَاكِنُ الْمَخْصُوصَةُ فِي الْحَجِّ، فَكَانَ اسْتِغْنَاؤُهُمَا عَنِ النِّيَّةِ أَكْثَرَ، وَلَمْ يُؤَثِّرِ الرَّفْضُ فِيهِمَا بِخِلاَفِ الصَّوْمِ وَالصَّلاَةِ.

الثَّالِثُ: قَال الْمَازِرِيُّ: تَكْفِي النِّيَّةُ الْحُكْمِيَّةُ فِي الْعَمَل الْمُتَّصِل، فَلَوْ نَسِيَ عُضْوًا وَطَال ذَلِكَ افْتَقَرَ إِلَى تَجْدِيدِ النِّيَّةِ، فَإِنَّ الاِكْتِفَاءَ

بِالْحُكْمِيَّةِ عَلَى خِلاَفِ الأَْصْل فَيَقْتَصِرُ فِيهَا عَلَى الْعَمَل الْمُتَّصِل، وَكَذَلِكَ مَنْ خَلَعَ خُفَّيْهِ وَشَرَعَ فِي غَسْل رِجْلَيْهِ (١) .

وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَقَدْ قَال عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الإِْيمَانُ وَالنِّيَّاتُ وَالإِْخْلاَصُ يَنْقَسِمُ إِلَى حَقِيقِيٍّ وَحُكْمِيٍّ، وَالنِّيَّةُ الْحَقِيقِيَّةُ مَشْرُوطَةٌ فِي أَوَّل الْعِبَادَاتِ دُونَ اسْتِمْرَارِهَا، وَالْحُكْمِيَّةُ كَافِيَةٌ فِي اسْتِمْرَارِهَا (٢) .

وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ - كَمَا قَال ابْنُ قُدَامَةَ - عَلَى أَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِصْحَابُ حُكْمِ النِّيَّةِ دُونَ حَقِيقَتِهَا، بِمَعْنَى أَنَّهُ لاَ يَنْوِي قَطْعَهَا، وَلَوْ ذَهَل عَنْهَا وَعَزَبَتْ عَنْهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلاَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ ذَلِكَ فِي صِحَّتِهَا؛ لأَِنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ، وَلأَِنَّ النِّيَّةَ لاَ تُعْتَبَرُ حَقِيقَتُهَا فِي أَثْنَاءِ الْعِبَادَةِ بِدَلِيل الصَّوْمِ وَغَيْرِهِ (٣) .

نِيَّةُ التَّقَرُّبِ وَنِيَّةُ التَّمْيِيزِ:

٣٦ - قَسَّمَ الشَّافِعِيَّةُ - كَمَا قَال الزَّرْكَشِيُّ - النِّيَّةَ إِلَى نِيَّةِ التَّقَرُّبِ وَنِيَّةِ التَّمْيِيزِ.

فَالأُْولَى: تَكُونُ فِي الْعِبَادَاتِ، وَهِيَ

_________

(١) الذخيرة ١ / ٢٤٩، ٢٥٠، ومواهب الجليل ١ / ٢٣٣.

(٢) قواعد الأحكام ١ / ١٧٥ - ١٧٦.

(٣) المغني ١ / ٤٦٧، وكشاف القناع ١ / ٣١٦.

إِخْلاَصُ الْعَمَل لِلَّهِ تَعَالَى.

وَالثَّانِيَةُ: تَكُونُ فِي الْمُحْتَمَل لِلشَّيْءِ وَغَيْرِهِ، وَذَلِكَ كَأَدَاءِ الدُّيُونِ إِذَا أَقْبَضَهُ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ فَإِنَّهُ يَحْتَمِل التَّمْلِيكَ هِبَةً وَقَرْضًا وَوَدِيعَةً وَإِبَاحَةً، فَلاَ بُدَّ مِنْ نِيَّةِ تَمْيِيزِ إِقْبَاضِهِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ الإِْقْبَاضِ. وَلاَ تُشْتَرَطُ نِيَّةُ التَّقَرُّبِ، كَمَنْ عَلَيْهِ أَلْفُ دِرْهَمٍ دَيْنًا فَسَلَّمَهَا إِلَى مُسْتَحِقِّيهَا لاَ يَقَعُ عَنْهُ الدَّيْنُ مَا لَمْ يَقْصِدْ أَدَاءَهُ، وَمِثْلُهُ كُل مَنْ جَازَ لَهُ الشِّرَاءُ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ كَالْوَكِيل وَالْوَصِيِّ فَإِنَّهُ يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ وَيَتِيمِهِ، فَإِذَا أُطْلِقَ الشِّرَاءُ يَنْصَرِفُ لِنَفْسِهِ وَلاَ يَنْصَرِفُ إِلَى غَيْرِهِ إِلاَّ بِالنِّيَّةِ الَّتِي تُمَيِّزُهُ عَنِ الشِّرَاءِ لِنَفْسِهِ (١) .

عَلاَقَةُ النِّيَّةِ بِالإِْخْلاَصِ:

٣٧ - فَرَّقَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ النِّيَّةِ وَالإِْخْلاَصِ، وَبَعْضُهُمْ لَمْ يُفَرِّقْ، وَنُوَضِّحُ آرَاءَهُمْ فِيمَا يَلِي:

قَال ابْنُ نُجَيْمٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: صَرَّحَ الزَّيْلَعِيُّ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يَحْتَاجُ إِلَى نِيَّةِ الإِْخْلاَصِ فِيهَا، وَلَمْ أَرَ مَنْ أَوْضَحَهُ، لَكِنْ صَرَّحَ فِي الْخُلاَصَةِ بِأَنَّهُ لاَ رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ. وَفِي الْبَزَّازِيَّةِ: شَرَعَ فِي الصَّلاَةِ بِالإِْخْلاَصِ ثُمَّ خَالَطَهُ الرِّيَاءُ فَالْعِبْرَةُ

_________

(١) المنثور ٣ / ٢٨٥ - ٢٨٧.

لِلسَّابِقِ، وَلاَ رِيَاءَ فِي الْفَرَائِضِ فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ. ثُمَّ قَال: الصَّلاَةُ لإِرْضَاءِ الْخُصُومِ لاَ تُفِيدُ، بَل يُصَلِّي لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنْ كَانَ خَصْمُهُ لَمْ يَعْفُ يُؤْخَذْ مِنْ حَسَنَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَقَدْ أَفَادَ الْبَزَّازِيُّ بِقَوْلِهِ " فِي حَقِّ سُقُوطِ الْوَاجِبِ ": إِنَّ الْفَرَائِضَ مَعَ الرِّيَاءِ صَحِيحَةٌ مُسْقِطَةٌ لِلْوَاجِبِ. وَلَكِنْ ذَكَرُوا فِي كِتَابِ الأُْضْحِيَةِ أَنَّ الْبَدَنَةَ تُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ إِنْ كَانَ الْكُل مُرِيدِينَ الْقُرْبَةَ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ جِهَاتُهُمْ مِنْ أُضْحِيَةٍ وَقِرَانٍ وَمُتْعَةٍ. قَالُوا: فَلَوْ كَانَ أَحَدُهُمْ مُرِيدًا لَحْمًا لأَِهْلِهِ أَوْ كَانَ نَصْرَانِيًّا لَمْ يُجْزِ عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَعَلَّلُوا بِأَنَّ الْبَعْضَ إِذَا لَمْ يَقَعْ قُرْبَةً خَرَجَ الْكُل عَنْ أَنْ يَكُونَ قُرْبَةً؛ لأَِنَّ الإِْرَاقَةَ لاَ تَتَجَزَّأُ، فَعَلَى هَذَا لَوْ ذَبَحَهَا أُضْحِيَةً لِلَّهِ تَعَالَى وَلِغَيْرِهِ لاَ تُجْزِئُهُ بِالأَْوْلَى، وَيَنْبَغِي أَنْ تَحْرُمَ.

وَفِي التَّاتَارَخَانِيَّةِ: لَوِ افْتَتَحَ الصَّلاَةَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ثُمَّ دَخَل فِي قَلْبِهِ الرِّيَاءُ فَهُوَ عَلَى مَا افْتَتَحَ، وَالرِّيَاءُ: أَنَّهُ لَوْ خَلَّى عَنْهُ النَّاسُ لاَ يُصَلِّي وَلَوْ كَانَ مَعَ النَّاسِ يُصَلِّي، فَأَمَّا لَوْ صَلَّى مَعَ النَّاسِ يُحْسِنُهَا وَلَوْ صَلَّى وَحْدَهُ لاَ يُحْسِنُ، فَلَهُ ثَوَابُ أَصْل الصَّلاَةِ دُونَ الإِْحْسَانِ، وَلاَ يَدْخُل الرِّيَاءُ فِي الصَّوْمِ.

وَفِي الْيَنَابِيعِ: قَال إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ: لَوْ صَلَّى رِيَاءً فَلاَ أَجْرَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْوِزْرُ. قَال بَعْضُهُمْ: يَكْفُرُ، وَقَال بَعْضُهُمْ: لاَ أَجْرَ لَهُ وَلاَ وِزْرَ عَلَيْهِ وَهُوَ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَل.

وَفِي الْوَلْوَالِجِيَّةِ: إِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ أَوْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ فَيَخَافُ أَنْ يَدْخُل عَلَيْهِ الرِّيَاءُ فَلاَ يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ لأَِنَّهُ أَمْرٌ مَوْهُومٌ (١) .

وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: قَال الْقَرَافِيُّ: يَجِبُ عَلَى الْمُكَلَّفِ أَنْ يَعْزِمَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ مَا دَامَ حَيًّا مُسْتَطِيعًا قَبْل حُضُورِهَا وَحُضُورِ أَسْبَابِهَا، فَإِذَا حَضَرَتْ وَجَبَ عَلَيْهِ النِّيَّةُ وَالإِْخْلاَصُ الْفِعْلِيَّانِ فِي أَوَّلِهَا، وَيَكْفِي الْحُكْمِيَّانِ فِي بَقِيَّتِهَا (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: مِمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَى التَّمْيِيزِ الإِْخْلاَصُ، وَمِنْ ثَمَّ لَمْ تُقْبَل النِّيَابَةُ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ اخْتِبَارُ سِرِّ الْعِبَادَةِ، وَقَال بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: الإِْخْلاَصُ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى النِّيَّةِ لاَ يَحْصُل بِدُونِهَا وَقَدْ تَحْصُل بِدُونِهِ، وَنَظَرُ الْفُقَهَاءِ قَاصِرٌ عَلَى النِّيَّةِ، وَأَحْكَامُهُمْ إِنَّمَا تَجْرِي عَلَيْهَا، وَأَمَّا الإِْخْلاَصُ فَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ، وَمِنْ ثَمَّ صَحَّحُوا عَدَمَ وُجُوبِ الإِْضَافَةِ إِلَى اللَّهِ فِي جَمِيعِ الْعِبَادَاتِ (٣) .

_________

(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٣٩.

(٢) الذخيرة ١ / ٢٤٣ - ٢٤٤.

(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٠.

وَقَال ابْنُ عَبْدِ السَّلاَمِ: الإِْخْلاَصُ أَنْ يَفْعَل الْمُكَلَّفُ الطَّاعَةَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، لاَ يُرِيدُ بِهَا تَعْظِيمًا مِنَ النَّاسِ وَلاَ تَوْقِيرًا وَلاَ جَلْبَ نَفْعٍ دِينِيٍّ وَلاَ دَفْعَ ضَرَرٍ دُنْيَوِيٍّ، وَلَهُ رُتَبٌ، مِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا خَوْفًا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، وَمِنْهَا أَنْ يَفْعَلَهَا تَعْظِيمًا لِلَّهِ، وَمَهَابَةً وَانْقِيَادًا وَإِجَابَةً، وَلاَ يَخْطُرُ لَهُ عَرَضٌ مِنَ الأَْعْرَاضِ، بَل يَعْبُدُ مَوْلاَهُ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، وَإِذَا رَآهُ غَابَتْ عَنْهُ الأَْكْوَانُ كُلُّهَا وَانْقَطَعَتِ الأَْعْرَاضُ بِأَسْرِهَا (١) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ فِي تَعْرِيفِ النِّيَّةِ شَرْعًا: إِنَّهَا عَزْمُ الْقَلْبِ عَلَى فِعْل الْعِبَادَةِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، بِأَنْ يَقْصِدَ بِعَمَلِهِ اللَّهَ تَعَالَى دُونَ شَيْءٍ آخَرَ مِنْ تَصَنُّعٍ لِمَخْلُوقٍ أَوِ اكْتِسَابِ مَحْمَدَةٍ عِنْدَ النَّاسِ أَوْ مَحَبَّةِ مَدْحٍ مِنْهُمْ أَوْ نَحْوِهِ، وَهَذَا هُوَ الإِْخْلاَصُ.

وَقَال بَعْضُهُمْ: هُوَ تَصْفِيَةُ الْفِعْل عَنْ مُلاَحَظَةِ الْمَخْلُوقِينَ، وَقَال آخَرُ: هُوَ التَّوَقِّي عَنْ مُلاَحَظَةِ الأَْشْخَاصِ، وَقَال آخَرُ: هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفِعْل لِدَاعِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَلاَ يَكُونُ لِغَيْرِهَا مِنَ الدَّوَاعِي تَأْثِيرٌ فِي الدُّعَاءِ إِلَى ذَلِكَ الْفِعْل (٢) .

وَفِي الْخَبَرِ: قَال اللَّهُ تَعَالَى: الإِْخْلاَصُ سِرٌّ مِنْ سِرِّي، اسْتَوْدَعْتُهُ قَلْبَ مَنْ أَحْبَبْتُهُ مِنْ

_________

(١) قواعد الأحكام ١ / ١٢٣.

(٢) كشاف القناع ١ / ٣١٣، ٣١٥.