الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 76

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

وَالْحِرَابَةُ اصْطِلاَحًا عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ - وَتُسَمَّى قَطْعَ الطَّرِيقِ - الْبُرُوزُ لأَِخْذِ مَالٍ أَوْ لِقَتْلٍ أَوْ لإِرْعَابٍ عَلَى سَبِيل الْمُجَاهَرَةِ مُكَابَرَةً اعْتِمَادًا عَلَى الْقُوَّةِ مَعَ الْبُعْدِ عَنِ الْغَوْثِ (١)،

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّهْبِ وَالْحِرَابَةِ بِالنِّسْبَةِ لأَِخْذِ الْمَال: أَنَّ كِلَيْهِمَا أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ حَقٍّ، إِلاَّ أَنَّ الْحِرَابَةَ تَعْتَمِدُ عَلَى عَدَمِ الْغَوْثِ خِلاَفًا لِلنَّهْبِ (٢) .

مَا يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْبِ مِنْ أَحْكَامٍ:

الْمَعْنَى الأَْوَّل: النَّهْبُ بِمَعْنَى أَخْذِ الشَّيْءِ قَهْرًا عَلَى وَجْهِ الْعَلاَنِيَةِ.

يَتَعَلَّقُ بِالنَّهْبِ بِهَذَا الْمَعْنَى أَحْكَامٌ مِنْهَا:

أ - حُكْمُ النَّهْبِ:

٦ - أَخْذُ مَال الْغَيْرِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ مَالِكِهِ وَرِضَاهُ حَرَامٌ، فَلاَ يَجُوزُ غَصْبُهُ وَلاَ نَهْبُهُ وَلاَ سَرِقَتُهُ وَلاَ الاِسْتِيلاَءُ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْل مَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، وَقَدْ نَهَى اللَّهُ ﷾ عَنْ ذَلِكَ فَقَال: ﴿وَلاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَال النَّاسِ بِالإِْثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٣)﴾ .

_________

(١) البدائع ٧ / ٩٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٩٤، والقليوبي ٤ / ١٩٩، وكشاف القناع ٦ / ١٤٩، ١٥٠

(٢) القليوبي ٤ / ١٩٩

(٣) سورة البقرة / ١٨٨

وَقَال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِل إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ (١)﴾ .

وَلِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا (٢) .

وَلِمَا وَرَدَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ الأَْنْصَارِيِّ ﵁ أَنَّهُ قَال: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنِ النُّهْبَى وَالْمُثْلَةِ " (٣) .

وَلِمَا وَرَدَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: مَنِ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا (٤) .

وَلِمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَسْرِقُ حِين

_________

(١) سورة النساء / ٢

(٢) حديث: " إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ٥٧٣ ط السلفية) من حديث ابن عباس

(٣) حديث: " نهى النبي ﷺ عن النهبى. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٣ / ١١٩ ط السلفية)

(٤) حديث: " من انتهب فليس منا ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٢٢ ط الحلبي) من حديث عمران بن حصين وقال: حسن صحيح

يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلاَ يَنْتَهِبُ نُهْبَةً يَرْفَعُ النَّاسُ إِلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِينَ يَنْتَهِبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ (١) .

قَال الْقُرْطُبِيُّ: اتَّفَقَ أَهْل السُّنَّةِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَخَذَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ مَالٍ قَل أَوْ كَثُرَ أَنَّهُ يُفَسَّقُ بِذَلِكَ، وَأَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَيْهِ أَخْذُهُ (٢) .

٧ - وَقَدِ اعْتَبَرَ ابْنُ حَجْرٍ الْهَيْتَمِيُّ الاِسْتِيلاَءَ عَلَى أَمْوَال الْغَيْرِ ظُلْمًا مِنَ الْكَبَائِرِ (٣) وَاسْتَدَل بِقَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ أَخَذَ مِنَ الأَْرْضِ شِبْرًا بِغَيْرِ حَقِّهِ خُسِفَ بِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَى سَبْعِ أَرَضِينَ (٤) .

وَعَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: لاَ يَحِل لِلرَّجُل أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِهِ وَذَلِكَ لِشِدَّةِ مَا حَرَّمَ

_________

(١) حديث لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١١٩ ط السلفية)، ومسلم (١ / ٧٦ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري

(٢) فتح الباري ١٢ / ٥٨، ٥٩ والقرطبي ٢ / ٣٣٧ - ٣٤١، والفواكه الدواني ٢ / ٣٧٥ - ٣٧٦، والزواجر ١ / ٢٦١

(٣) الزواجر ١ / ٢٦١

(٤) حديث: " من أخذ من الأرض شبرا. . . " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ٣ - ١ط السلفية) من حديث عبد الله بن عمر

رَسُول اللَّهِ ﷺ مِنْ مَال الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ " (١) .

ب - عُقُوبَةُ النَّهْبِ:

٨ - النَّهْبُ جَرِيمَةٌ وَمَعْصِيَةٌ لاَ حَدَّ فِيهَا، قَال النَّبِيُّ ﷺ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلاَ مُنْتَهِبٍ وَلاَ مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ (٢) وَلاَ يَصْدُقُ عَلَيْهَا أَنَّهَا سَرِقَةٌ أَوْ حِرَابَةٌ، وَإِنَّمَا يَجِبُ فِيهَا التَّعْزِيرُ وَهُوَ الْعُقُوبَةُ الَّتِي تَجِبُ فِي الْمَعَاصِي الَّتِي لاَ حَدَّ فِيهَا وَلاَ كَفَّارَةَ (٣) .

ج - مُقَاوَمَةُ الْمُنْتَهِبِ:

٩ - مُقَاوَمَةُ الْمُنْتَهِبِ مَشْرُوعَةٌ، وَالأَْصْل فِي ذَلِكَ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: مَنْ قُتِل دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ (٤) وَذَلِكَ لأَِنَّ حِفْظَ الْمَال

_________

(١) حديث: " لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه " أخرجه أحمد (٥ / ٤٢٥ ط الميمنية) وابن حبان في الصحيح (الإحسان ١٣ / ٣١٦ ط مؤسسة الرسالة)، واللفظ لأحمد

(٢) حديث: " ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع " أخرجه الترمذي من حديث جابر بن عبد الله (٤ / ٥٢ ط الحلبي) وقال: حسن صحيح

(٣) التبصرة ٢ / ١٠٥، ٢٠٠

(٤) حديث: " من قتل دون ماله فهو شهيد " أخرجه البخاري (فتح الباري ٥ / ١٢٣ ط السلفية) ومسلم (١ / ١٢٥ ط عيسى الحلبي) من حديث عبد الله بن عمرو

مَقْصِدٌ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، فَمَنْ تَعْرَّضَ لِغَيْرِهِ لاِنْتِهَابِ مَالِهِ فَحَاوَل صَاحِبُ الْمَال مَنْعَهُ فَلَمْ يَمْتَنِعْ فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ قِتَالُهُ، فَإِنْ قُتِل صَاحِبُ الْمَال فَهُوَ شَهِيدٌ وَإِنْ قُتِل الْمُنْتَهِبُ فَهُوَ هَدَرٌ (١)، فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ رَجُلًا سَأَل النَّبِيَّ ﷺ: أَرَأَيْتَ إِنْ جَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَخْذَ مَالِي؟ قَال: فَلاَ تُعْطِهِ مَالَكَ، قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَاتَلَنِي؟ قَال: فَقَاتِلْهُ، قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلَنِي؟ قَال: فَأَنْتَ شَهِيدٌ، قَال: أَرَأَيْتَ إِنْ قَتَلْتُهُ؟ قَال: هُوَ فِي النَّارِ (٢) .

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي دَفْعِ الصَّائِل عَلَى الْمَال وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ، انْظُرْ مُصْطَلَحَ (صِيَال ف ١٢) .

د - أَثَرُ النَّهْبِ فِي التَّصَرُّفَاتِ:

لِلنَّهْبِ أَثَرٌ فِي بَعْضِ التَّصَرُّفَاتِ وَمِنْ ذَلِكَ:

أَوَّلًا: الاِلْتِقَاطُ زَمَنَ النَّهْبِ:

١٠ - إِذَا كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ نَهْبٍ وَفَسَادٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي جَوَازِ الْتِقَاطِ الْحَيَوَانَاتِ الْمَمْلُوكَةِ الضَّالَّةِ الَّتِي تَقْوَى عَلَى الاِمْتِنَاعِ مِنْ صِغَارِ السِّبَاعِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (ضَالَّة ف ٣ - ٦) .

_________

(١) فتح الباري ٥ / ١٢٣، ١٢٤

(٢) حديث: " أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي. . . " أخرجه مسلم (١ / ١٢٤ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة

ثَانِيًا: أَثَرُ النَّهْبِ فِي الإِْيدَاعِ:

أ - قَبُول الْوَدِيعَةِ زَمَنَ النَّهْبِ:

١١ - الإِْيدَاعُ مَشْرُوعٌ لِحَاجَةِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَقَبُول الْوَدِيعَةِ جَائِزٌ، وَيُسْتَحَبُّ قَبُولُهَا لِمَنْ يَثِقُ بِأَمَانَةِ نَفْسِهِ لأَِنَّهُ مِنَ التَّعَاوُنِ الْمَأْمُورِ بِهِ. وَقَدْ يَجِبُ الْقَبُول وَالإِْيدَاعُ، قَال الدُّسُوقِيُّ: كَمَا يَقَعُ فِي زَمَنِ النَّهْبِ مِنَ الإِْيدَاعِ عِنْدَ ذَوِي الْبُيُوتِ الْمُحْتَرَمَةِ (١) .

ب - إِيدَاعُ الْمُودِعِ غَيْرَهُ زَمَنَ النَّهْبِ:

١٢ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّهُ إِذَا أَوْدَعَ الْمُودِعُ الْوَدِيعَةَ عِنْدَ غَيْرِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ ضُمِنَ. فَإِنْ كَانَ لِعُذْرٍ كَمَا إِذَا كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ نَهْبٍ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ.

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَهُ أَنْ يُودِعَهَا عِنْدَ ثِقَةٍ مَضْمُونٍ، وَلاَ ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: يَنْبَغِي أَنْ يَرُدَّهَا إِلَى مَالِكِهَا أَوْ وَكِيلِهِ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وُصُولُهُ إِلَيْهِمَا، دَفَعَهَا إِلَى الْقَاضِي الْحَاكِمِ الأَْمِينِ، أَوْ يُوصِي بِهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ قَاضِيًا (حَاكِمًا) دَفَعَهَا إِلَى أَمِينٍ أَوْ يُوصِي بِهَا إِلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ مِمَّا ذُكِرَ، ضُمِنَ لِتَقْصِيرِهِ. وَقَال

_________

(١) حاشية الدسوقي ٣ / ٤٣٢، ومغني المحتاج ٣ / ٧٩، والروضة ٦ / ٣٢٤، وكشاف القناع ٤ / ١٦٦، ١٦٧

ابْنُ قُدَامَةَ: وَيُحْتَمَل أَنْ يَجُوزَ لَهُ إِيدَاعُهَا لأَِنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَحْفَظَ لَهَا وَأَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا (١) . وَانْظُرِ التَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (وَدِيعَة، وَضَمَان ف ٤٩، ٦٧) .

ج - ادِّعَاءُ تَلَفِ الْوَدِيعَةِ بِالنَّهْبِ:

١٣ - قَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا طَالَبَ الْمَالِكُ بِرَدِّ الْوَدِيعَةِ فَادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ التَّلَفَ، فَلَوْ كَانَ التَّلَفُ بِسَبَبٍ خَفِيٍّ مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ ضَيَاعٍ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ يُصَدَّقُ بِيَمِينِهِ لِتَعَذُّرِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى ذَلِكَ.

وَإِنِ ادَّعَى الْمُسْتَوْدَعُ التَّلَفَ بِسَبَبٍ ظَاهِرٍ كَحَرِيقٍ وَغَرَقٍ وَغَارَةٍ وَنَحْوِهَا كَنَهْبِ جُيُوشٍ، قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ لَمْ يُعْرَفْ مَا ادَّعَاهُ بِتِلْكَ الْبُقْعَةِ لَمْ يُقْبَل قَوْلُهُ فِي الْهَلاَكِ بِهِ، وَإِنْ عُرِفَ بِالْمُشَاهَدَةِ أَوِ الاِسْتِفَاضَةِ نُظِرَ، إِنْ عُرِفَ عُمُومُهُ وَلَمْ يُحْتَمَل سَلاَمَةُ الْوَدِيعَةِ صُدِّقَ بِلاَ يَمِينٍ، لأَِنَّ ظَاهِرَ الْحَال يُغْنِيهِ عَنِ الْيَمِينِ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ عُمُومُهُ، وَاحْتُمِل أَنَّهُ لَمْ يُصِبِ الْوَدِيعَةَ صُدِّقَ بِالْيَمِينِ.

وَإِنْ لَمْ يُذْكُرْ سَبَبُ التَّلَفِ، صُدِّقَ بِالْيَمِينِ وَلاَ يُكَلَّفُ بَيَانَ سَبَبِهِ. وَإِذَا نَكَل الْمُودَعُ عَنِ

_________

(١) تكملة ابن عابدين ٢ / ٢٣٩، والدسوقي ٤ / ٤٢٤، وكشاف القناع ٤ / ١٦٩، ١٧٤، والروضة ٦ / ٣٢٧، ومغني المحتاج ٣ / ٨١

الْيَمِينِ حَلَفَ الْمَالِكُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ بِالْحَلِفِ وَاسْتَحَقَّ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لاَ يُقْبَل مِنْهُ دَعْوَى التَّلَفِ بِذَلِكَ إِلاَّ بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِوُجُودِ ذَلِكَ السَّبَبِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، فَإِنْ عَجَزَ عَنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ بِالسَّبَبِ الظَّاهِرِ ضَمِنَهَا لأَِنَّهُ لاَ تَتَعَذَّرُ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِهِ.

وَيَكْفِي فِي ثُبُوتِ السَّبَبِ الظَّاهِرِ الاِسْتِفَاضَةُ (١) .

ثَالِثًا: أَثَرُ النَّهْبِ فِي الْقَرْضِ:

١٤ - يَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ إِذَا رَدَّ الْمُقْتَرِضُ الْقَرْضَ فَإِنْ كَانَ الزَّمَنُ زَمَنَ نَهْبٍ فَلاَ يَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُهُ، وَإِنْ أَحْضَرَهُ زَمَنَ الأَْمْنِ وَجَبَ قَبُولُهُ.

وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ: لاَ يَلْزَمُهُ قَبُولُهُ حَتَّى وَلَوْ تَضَرَّرَ الْمُقْتَرِضُ، لأَِنَّ الضَّرَرَ لاَ يُزَال بِالضَّرَرِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: لَوْ شَرَطَ الْمُقْرِضُ أَجَلًا فِي الْقَرْضِ لِغَرَضِ مَنْفَعَةٍ لَهُ - كَزَمَنِ نَهْبٍ - وَالْمُسْتَقْرِضُ مَلِيءٌ فَيَفْسُدُ الْعَقْدُ فِي الأَْصَحِّ لِمَا فِيهِ مِنْ جَرِّ الْمَنْفَعَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: أَنَّهُ يَصِحُّ الْعَقْدُ وَيَلْغُو الشَّرْطُ (٢) .

_________

(١) الروضة ٦ / ٣٤٦، وكشاف القناع ٤ / ١٧٩

(٢) حاشية الجمل ٣ / ٢٦٠، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٤ / ٢٢٤، ومغني المحتاج ٢ / ١٢٠، وكشاف القناع ٣ / ٣١٩، ٣٢٠

وَلَمَّا كَانَتِ السَّفْتَجَةُ هِيَ إِقْرَاضٌ لِسُقُوطِ خَطَرِ الطَّرِيقِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِهَا.

وَلِلتَّفْصِيل انْظُرْ مُصْطَلَحَ (سَفْتَجَة ف ٣) .

رَابِعًا: دَعْوَى الاِنْتِهَابِ:

١٥ - جَاءَ فِي تَبْصِرَةِ الْحُكَّامِ: إِذَا أَغَارَ قَوْمٌ عَلَى بَيْتِ رَجُلٍ فَأَخَذُوا مَا فِيهِ وَالنَّاسُ يَنْظُرُونَ إِلَيْهِمْ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَى مُعَايَنَةِ مَا أَخَذُوا، لَكِنْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ غَارُوا عَلَيْهِ وَانْتَهَبُوا، فَقَال ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: الْقَوْل قَوْل الْمُنْتَهِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَال مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ وَابْنُ حَبِيبٍ: الْقَوْل قَوْل الْمُنْتَهَبِ مِنْهُ مَعَ يَمِينِهِ فِيمَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ وَالْحَمْل عَلَى الظَّالِمِ.

وَقَال مَالِكٌ فِيمَنْ دَخَل عَلَيْهِ السُّرَّاقُ فَسَرَقُوا مَتَاعَهُ وَانْتَهَبُوا مَالَهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَنَازَعَهُمْ وَحَارَبَهُمْ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّهُ عَرَفَهُمْ أَوْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ، أَهْوَ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِمْ إِذَا كَانُوا مَعْرُوفِينَ بِالسَّرِقَةِ مُسْتَحِلِّينَ لَهَا، أَوْ تَرَى أَنْ يُكَلَّفَ الْبَيِّنَةَ؟

قَال: هُوَ مُصَدَّقٌ عَلَيْهِمْ وَقَدْ نَزَلَتْ هَذِهِ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَانِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - فَغَرَّمَهُمْ عُمَرُ بِقَوْلِهِ وَنَكَّلَهُمْ عُقُوبَةً مُوجِعَةً وَلَمْ يُكَلِّفْهُ الْبَيِّنَةَ (١) .

وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ انْتَهَبَ صُرَّةً ثُمَّ قَال كَانَ فِيهَا كَذَا، وَقَال رَبُّهَا: بَل كَذَا

_________

(١) التبصرة ٢ / ٨٢ ط الكتب العلمية

فَالْقَوْل قَوْل الْمُنْتَهِبِ بِيَمِينِهِ، قَالَهُ مَالِكٌ، وَقَال عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِذَا طَرَحَ الْمُنْتَهِبُ الصُّرَّةَ فِي مُتْلِفٍ وَلَمْ يَدْرِ كَمْ فِيهَا، أَوْ لَمْ يَطْرَحْهَا وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِهَا، أَنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُنْتَهِبِ مَعَ يَمِينِهِ، وَقَال مُطَرِّفٌ وَابْنُ كِنَانَةَ وَأَشْهَبُ فِي هَذَا وَشِبْهِهِ: إِنَّ الْقَوْل قَوْل الْمُنْتَهَبِ مِنْهُ إِذَا ادَّعَى مَا يُشْبِهُ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ، يُرِيدُونَ: وَيَحْلِفُ (١) .

الْمَعْنَى الثَّانِي: النَّهْبُ بِمَعْنَى الأَْخْذِ مِنَ الشَّيْءِ الْمُبَاحِ:

١٦ - مَثَّل الْفُقَهَاءُ لاِنْتِهَابِ الشَّيْءِ الْمُبَاحِ بِمَا يُنْتَهَبُ مِمَّا يُنْثَرُ فِي الْعَرَائِسِ وَالْمَوَالِدِ مِنْ سُكَّرٍ وَجَوْزٍ وَلَوْزٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ أَخْذِ مَا يُنْثَرُ فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَاتِ، فَقَال بَعْضُهُمْ: بِالإِْبَاحَةِ وَقَال بَعْضُهُمْ: بِالْكَرَاهَةِ (٢) .

وَالتَّفْصِيل فِي (انْتِهَاب ف ٧، ٩) .

_________

(١) التبصرة ٢ / ١٢٣

(٢) ابن عابدين ٣ / ٣٢٤، والتاج والإكليل ٤ / ٦، والقليوبي ٣ / ٢٩٩، والمغني ٧ / ١٢، ١٣