الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 77

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

نَهْرٌ

التَّعْرِيفُ:

ا - النَّهْرُ فِي اللُّغَةِ: مَجْرَى الْمَاءِ الْعَذْبِ وَالْمَاءِ الْجَارِي الْمُتَّسِعِ، وَالْجَمْعُ نُهُرٌ بِضَمَّتَيْنِ وَأَنْهُرٌ، وَالنَّهَرُ - بِفَتْحَتَيْنِ - لُغَةٌ، وَالْجَمْعُ أَنْهَارٌ، ثُمَّ أُطْلِقَ النَّهْرُ عَلَى الأُْخْدُودِ مَجَازًا لِلْمُجَاوَرَةِ، فَيُقَال: جَرَى النَّهْرُ، وَجَفَّ النَّهْرُ، وَالأَْصْل جَرَى مَاءُ النَّهْرِ (١) .

وَفِي اصْطِلاَحِ الْفُقَهَاءِ النَّهْرُ: هُوَ الْمَجْرَى الْوَاسِعُ لِلْمَاءِ فَوْقَ السَّاقِيَةِ (٢)، فَهُوَ مَجْرًى كَبِيرٌ لاَ يَحْتَاجُ إِلَى الْكِرَى فِي كُل حِينٍ (٣) .

الأَْلْفَاظُ ذَاتُ الصِّلَةِ:

أ - الْبَحْرُ:

٢ - الْبَحْرُ فِي اللُّغَةِ: الْمَاءُ الْكَثِيرُ، مِلْحًا كَانَ أَوْ عَذْبًا، وَهُوَ خِلاَفُ الْبَرِّ، سُمِّيَ بِذَلِكَ لَعُمْقِهِ

_________

(١) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط

(٢) المعجم الوسيط، وقواعد الفقه للبركتي، وغريب القرآن للأصفهاني

(٣) حاشية ابن عابدين ٥ / ٢٨٥

وَاتِّسَاعِهِ، وَقَدْ غَلَبَ عَلَى الْمِلْحِ حَتَّى قَل فِي الْعَذْبِ (١) .

وَلاَ يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاِصْطِلاَحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ (٢) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ الْبَحْرِ وَالنَّهْرِ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَكَانٌ وَاسِعٌ جَامِعٌ لِلْمَاءِ الْكَثِيرِ، إِلاَّ أَنَّ الْغَالِبَ فِي الْبَحْرِ أَنَّهُ لِلْمَاءِ الْمَالِحِ، أَمَّا النَّهْرُ فَهُوَ لِلْمَاءِ الْعَذْبِ.

ب - الْبِئْرُ:

٣ - الْبِئْرُ فِي اللُّغَةِ: الْقَلِيبُ، وَهُوَ مِنْ بَأَرَ، أَيْ حَفَرَ.

وَالْبِئْرُ: حُفْرَةٌ عَمِيقَةٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْهَا الْمَاءُ أَوِ النِّفْطُ (٣) .

وَاصْطِلاَحًا: نَقَل ابْنُ عَابِدِينَ عَنِ النُّتَفِ:

أَنَّ الْبِئْرَ هِيَ الَّتِي لَهَا مَوَادٌّ مِنْ أَسْفَلِهَا، ثُمَّ قَال ابْنُ عَابِدِينَ: أَيْ لَهَا مِيَاهٌ تَمُدُّهَا وَتَنْبُعُ مِنْ أَسْفَلِهَا (٤) .

وَالْعَلاَقَةُ بَيْنَ النَّهْرِ وَالْبِئْرِ أَنَّ كِلَيْهِمَا مَجْمَعٌ لِلْمَاءِ، إِلاَّ أَنَّ النَّهْرَ مَجْرًى وَاسِعٌ، وَالْبِئْرَ حُفْرَةٌ عَمِيقَةٌ.

_________

(١) لسان العرب، والمعجم الوسيط

(٢) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص١٣

(٣) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن، والمعجم الوسيط

(٤) حاشية ابن عابدين ١ / ١٤٤

أَقْسَامُ النَّهْرِ:

٤ - قَسَّمَ الْفُقَهَاءُ النَّهْرَ بِاعْتِبَارِ الْمِيَاهِ إِلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: نَهْرٌ غَيْرُ مَمْلُوكٍ لأَِحَدٍ، أَوْ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِأَحَدٍ كَمَا عَبَّرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، وَذَلِكَ كَنَهْرِ النِّيل وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ.

وَالثَّانِي: نَهْرٌ مَمْلُوكٌ لِشَخْصٍ أَوْ أَكْثَرَ (١) وَلِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ أَحْكَامٌ تَخُصُّهُ وَبَيَانُ ذَلِكَ فِيمَا يَلِي:

أَوَّلًا: النَّهْرُ الْعَامُّ (غَيْرُ الْمَمْلُوكِ):

٥ - النَّهْرُ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ لأَِحَدٍ إِمَّا أَنْ يَكُونَ عَظِيمًا كَالنِّيل وَالْفُرَاتِ لاَ يَتَأَتَّى تَزَاحُمُ النَّاسِ عَلَى مَائِهِ.

وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ نَهْرًا صَغِيرًا يَزْدَحِمُ النَّاسُ فِيهِ وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ (٢) .

وَيَخْتَلِفُ حَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا يَلِي:

أ - النَّهْرُ الْعَظِيمُ وَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهِ:

٦ - إِذَا كَانَ النَّهْرُ عَظِيمًا لاَ يَتَأَتَّى تَزَاحُمُ النَّاسِ فِيهِ، كَنَهْرِ النِّيل وَالْفُرَاتِ وَدِجْلَةَ، فَلِكُل إِنْسَانٍ

_________

(١) تكملة فتح القدير ٩ / ١٤، والمغني ٥ / ٥٨٣، وروضة الطالبين ٥ / ٣٠٤، ٣٠٥، ٣٠٧، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٤، ٤٥٥، والدسوقي ٤ / ٧٤، وكشاف القناع ٤ / ١٩٨، ١٩٩

(٢) المغني ٥ / ٥٨٣، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٤

أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ فَيَشْرَبَ وَيَسْقِيَ دَوَابَّهُ مَتَى شَاءَ وَكَيْفَ شَاءَ، لأَِنَّهُ لاَ مِلْكَ لأَِحَدٍ فِي الْمَاءِ وَلاَ فِي رَقَبَةِ النَّهْرِ، وَلأَِنَّ الْمَاءَ مَوْجُودٌ بِإِيجَادِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَبْقَى عَلَى الإِْبَاحَةِ (١) وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِي ثَلاَثٍ: الْمَاءِ وَالْكَلإَِ وَالنَّارِ (٢) .

وَلِكُل أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يَشُقَّ مِنْ هَذِهِ الأَْنْهَارِ نَهْرًا إِلَى أَرْضِهِ، بِأَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِإِذْنِ الإِْمَامِ، فَلَهُ أَنْ يَشُقَّ إِلَيْهَا نَهْرًا، وَلَيْسَ لِلإِْمَامِ وَلاَ لأَِحَدٍ مَنْعُهُ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّهْرِ، وَلَهُ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى وَدَالِيَةً وَسَانِيَةً إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالنَّهْرِ، لأَِنَّ هَذِهِ الأَْنْهَارَ لَمْ تَدْخُل تَحْتَ يَدِ أَحَدٍ فَلاَ يَثْبُتُ الاِخْتِصَاصُ بِهَا لأَِحَدٍ فَكَانَ النَّاسُ فِيهَا سَوَاءً، وَكُل وَاحِدٍ بِسَبِيلٍ مِنَ الاِنْتِفَاعِ، لَكِنْ بِشَرِيطَةِ عَدَمِ الضَّرَرِ بِالنَّهْرِ كَالاِنْتِفَاعِ بِطَرِيقِ الْعَامَّةِ.

فَإِنْ أَضَرَّ بِالنَّهْرِ أَوْ بِعَامَّةِ النَّاسِ كَأَنْ يُفِيضَ الْمَاءَ وَيُفْسِدَ حُقُوقَ النَّاسِ، أَوْ

_________

(١) البدائع ٦ / ١٩٢، وتكملة فتح القدير ٩ / ١٢ وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٤، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٤ والخرشي ٧ / ٧٦، ٧٧، وكشاف القناع ٤ / ١٩٩، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٣،

(٢) حديث: " المسلمون شركاء في ثلاث. . . ". أخرجه الطبراني في معجمه كما في نصب الراية (٤ / ٢٩٤ - ط المجلس العلمي)، وحسن إسناده ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٥٣ - ط دار الكتب العلمية)

يَنْقَطِعَ الْمَاءُ عَنِ النَّهْرِ الأَْعْظَمِ أَوْ يَمْنَعَ جَرَيَانَ السُّفُنِ فَلِكُل وَاحِدٍ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ مُكَاتِبًا مَنْعُهُ، لأَِنَّهُ حَقٌّ لِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِبَاحَةُ التَّصَرُّفِ فِي حَقِّهِمْ مَشْرُوطَةٌ بِانْتِفَاءِ الضَّرَرِ كَالتَّصَرُّفِ فِي الطَّرِيقِ الأَْعْظَمِ (١) .

وَقَدْ سُئِل أَبُو يُوسُفَ عَنْ نَهْرِ مَرْوَ وَهُوَ نَهْرٌ عَظِيمٌ أَحْيَا رَجُلٌ أَرْضًا كَانَتْ مَوَاتًا فَحَفَرَ لَهَا نَهْرًا فَوْقَ مَرْوَ مِنْ مَوْضِعٍ لَيْسَ يَمْلِكُهُ أَحَدٌ فَسَاقَ الْمَاءَ إِلَيْهَا مِنْ ذَلِكَ النَّهْرِ فَقَال أَبُو يُوسُفَ: إِنْ كَانَ يَدْخُل عَلَى أَهْل مَرْوَ ضَرَرٌ فِي مَائِهِمْ لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لاَ يَضُرُّهُمْ فَلَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ، وَسُئِل أَيْضًا إِذَا كَانَ لِرَجُلٍ مِنْ هَذَا النَّهْرِ كُوًى مَعْرُوفَةٌ هَل لَهُ أَنْ يَزِيدَ فِيهَا؟ فَقَال: إِنْ زَادَ فِي مِلْكِهِ وَذَلِكَ لاَ يَضُرُّ بِأَهْل النَّهْرِ فَلَهُ ذَلِكَ (٢) .

ب - النَّهْرُ الصَّغِيرُ وَحَقُّ الاِنْتِفَاعِ بِهِ:

٧ - ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّهْرُ غَيْرُ الْمَمْلُوكِ صَغِيرًا يَتَزَاحَمُ النَّاسُ عَلَيْهِ وَيَتَشَاحُّونَ فِي مَائِهِ

_________

(١) البدائع ٦ / ١٩٢، والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٨٢، وكشاف القناع ٤ / ١٩٩، وروضة الطالبين ٥ / ٣٠٦، والدسوقي ٤ / ٧٤

(٢) البدائع ٦ / ١٩٢

فَلِمَنْ فِي أَوَّل النَّهْرِ (أَيْ أَعْلاَهُ) أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ إِلَى الْكَعْبِ، ثُمَّ يُرْسِل الْمَاءَ إِلَى الَّذِي يَلِيهِ، ثُمَّ مِنَ الثَّانِي إِلَى الثَّالِثِ، وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ سَقْيُ الأَْرَاضِي كُلِّهَا (١) .

وَالأَْصْل فِي هَذَا مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الأَْنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْل، فَقَال الأَْنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَاخْتَصَمَا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ، فَقَال رَسُول اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ: اسْقِ يَا زُبَيْرُ، ثُمَّ أَرْسِل الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ، فَغَضِبَ الأَْنْصَارِيُّ فَقَال: أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؟ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ رَسُول اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَال: اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ، فَقَال الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآْيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " (٢)﴾ .

وَإِنَّمَا أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ الزُّبَيْرَ ﵁ أَنْ

_________

(١) جواهر الإكليل ٢ / ٢٠٤، ومنح الجليل ٤ / ٣٠، وروضة الطالبين ٥ / ٣٠٥، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٣، والمهذب ١ / ٤٣٥، والمغني ٥ / ٥٨٣، وكشاف القناع ٤ / ٩٨

(٢) حديث عبد الله بن الزبير " أن رجلا من الأنصار خاصم. . . " أخرجه البخاري (الفتح ٥ / ٣٤ ط السلفية) ومسلم (٤ / ١٨٢٩ - ١٨٣٠)

يَسْقِيَ ثُمَّ يُرْسِل الْمَاءَ تَسْهِيلًا عَلَى غَيْرِهِ، فَلَمَّا قَال الأَْنْصَارِيُّ مَا قَال اسْتَوْعَى النَّبِيُّ ﷺ لِلزُّبَيْرِ حَقَّهُ (١) .

وَقَدْ رَوَى عُبَادَةُ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى فِي شُرْبِ النَّخْل مِنَ السَّيْل أَنَّ الأَْعْلَى فَالأَْعْلَى يَشْرَبُ قَبْل الأَْسْفَل، وَيُتْرَكُ الْمَاءُ إِلَى الْكَعْبَيْنِ، ثُمَّ يُرْسَل الْمَاءُ إِلَى الأَْسْفَل الَّذِي يَلِيهِ، حَتَّى تَنْقَضِيَ الْحَوَائِطُ أَوْ يَفْنَى الْمَاءُ (٢) .

وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَضَى فِي سَيْلٍ مَهْزُورٍ وَمُذَيْنِبٍ، أَنَّ الأَْعْلَى يُرْسَل إِلَى الأَْسْفَل وَيُحْبَسُ قَدْرَ كَعْبَيْنِ (٣) .

وَإِذَا سَقَى الأَْوَّل وَلَمْ يَفْضُل شَيْءٌ مِنَ الْمَاءِ، أَوْ سَقَى الثَّانِي وَلَمْ يَفْضُل شَيْءٌ، فَلاَ شَيْءَ لِمَنْ بَعْدَهُ، لأَِنَّهُ لَيْسَ لَهُ إِلاَّ مَا فَضَل،

_________

(١) المغني ٥ / ٥٨٤

(٢) حديث عبادة: " أن النبي ﷺ قضى في شرب النخل من السيل. . . " أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨٣٠ - ط الحلبي)، وأعله ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٥٥ - ط العلمية) بالانقطاع في سنده

(٣) حديث: " قضى في سيل مهزوز ومذنب. . . " أخرجه الحاكم (٢ / ٦٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، وقال ابن حجر في التلخيص (٣ / ١٥٥ - ط العلمية): أعله الدارقطني بالوقف

فَهُوَ كَالْعُصْبَةِ مَعَ أَصْحَابِ الْفُرُوضِ فِي الْمِيرَاثِ (١) .

وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضِ أَحَدِهِمَا انْخِفَاضٌ وَارْتِفَاعٌ، أَيْ كَانَ بَعْضُهَا مُرْتَفِعًا وَبَعْضُهَا مُنْخَفِضًا فَإِنَّهُ يَسْقِي كُل نَوْعٍ عَلَى حِدَةٍ لأَِنَّهُمَا لَوْ سَقَيَا مَعًا لَزَادَ الْمَاءُ فِي الأَْرْضِ الْمُنْخَفِضَةِ عَلَى الْقَدْرِ الْمُسْتَحَقِّ، وَطَرِيقَةُ ذَلِكَ أَنْ يَسْقِيَ الْمُنْخَفِضُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ ثُمَّ يَسُدَّهُ ثُمَّ يَسْقِيَ الْمُرْتَفِعُ (٢) .

وَإِذَا سَقَى الأَْعْلَى، ثُمَّ احْتَاجَ إِلَى سَقْيِ أَرْضِهِ مَرَّةً أُخْرَى قَبْل انْتِهَاءِ سَقْيِ الأَْرَاضِي كُلِّهَا فَقَدْ قَال الشَّافِعِيَّةُ: يُمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ سَقْيُ الأَْرَاضِي لِيَحْصُل التَّعَادُل (٣) .

هَذَا هُوَ الأَْصْل فِي هَذَا وَهُوَ أَنْ يَبْدَأَ مَنْ فِي أَعْلاَ النَّهْرِ بِالسَّقْيِ فَيَسْقِيَ أَرْضَهُ وَيَحْبِسَ الْمَاءَ حَتَّى يَصِل إِلَى كَعْبِهِ ثُمَّ يُرْسِلَهُ إِلَى مَنْ

_________

(١) كشاف القناع ٤ / ١٩٨، والمغني ٥ / ٥٨٣، ومنح الجليل ٤ / ٣٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، والمهذب ١ / ٤٣٥

(٢) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٤، والروضة ٥ / ٣٠٥، وكشاف القناع ٤ / ١٩٨، والمغني ٥ / ٥٨٤، وجواهر الإكليل٢ / ٢٠٤

(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٦، وكشاف القناع ٤ / ١٩٩

يَلِيهِ، وَهَكَذَا كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، إِذَا كَانَ إِحْيَاؤُهُمْ مَعًا، أَوْ أَحْيَا الأَْعْلَى قَبْل غَيْرِهِ، أَوْ جَهِل الْحَال (١) .

٨ - أَمَّا لَوْ كَانَ مَنْ فِي أَسْفَل النَّهْرِ هُوَ الَّذِي سَبَقَ بِالإِْحْيَاءِ فَهُوَ الْمُقَدَّمُ فِي السَّقْيِ، ثُمَّ مَنْ أَحْيَا بَعْدَهُ، وَهَكَذَا لأَِنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي السَّقْيِ هُوَ السَّبْقُ إِلَى الإِْحْيَاءِ لاَ إِلَى أَوَّل النَّهْرِ (٢) .

بَل قَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنْ كَانَ الأَْسْفَل أَسْبَقَ إِحْيَاءً فَهُوَ الْمُقَدَّمُ، بَل لَهُ مَنْعُ مَنْ أَرَادَ إِحْيَاءَ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَى النَّهْرِ وَسَقْيَهُ مِنْهُ عِنْدَ الضِّيقِ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلاَمُ الرَّوْضَةِ وَصَرَّحَ بِهِ جَمْعٌ، لِئَلاَّ يُسْتَدَل بِقُرْبِهِ بَعْدُ عَلَى أَنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ. ثُمَّ مَنْ وَلِيَهُ فِي الإِْحْيَاءِ وَهَكَذَا، وَلاَ عِبْرَةَ حِينَئِذٍ بِالْقُرْبِ مِنَ النَّهْرِ، وَعُلِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مُرَادَهُمْ بِالأَْعْلَى: الْمُحْيِي قَبْل الثَّانِي وَهَكَذَا، لاَ الأَْقْرَبُ إِلَى النَّهْرِ (٣) .

وَقَيَّدَ سَحْنُونُ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ مَحَل تَقْدِيمِ الأَْسْفَل السَّابِقِ فِي الإِْحْيَاءِ عَلَى الأَْعْلَى الْمُتَأَخِّرِ فِي الإِْحْيَاءِ إِذَا خِيفَ عَلَى زَرْعِ الأَْسْفَل الْهَلاَكُ بِتَقْدِيمِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي السَّقْيِ، وَإِلاَّ قُدِّمَ الأَْعْلَى الْمُتَأَخِّرُ فِي الإِْحْيَاءِ عَلَى

_________

(١) التاج والإكليل ٦ / ١٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٥٠، ومغني المحتاج ٢ / ٣٧٤، وكشاف القناع ٤ / ١٩٩

(٢) كشاف القناع ٤ / ١٩٩

(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٣٥٥

الأَْسْفَل، وَالَّذِي حَقَّقَهُ مُصْطَفَى الرِّمَاحِيُّ أَنَّ الأَْسْفَل يُقَدَّمُ إِذَا تَقَدَّمَ فِي الإِْحْيَاءِ وَلَوْ لَمْ يُخَفْ عَلَى زَرْعِهِ بِتَقْدِيمِ الأَْعْلَى (١) .

قَدْرُ مَا يُحْبَسُ مِنَ الْمَاءِ:

٩ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُحْبَسُ مِنَ الْمَاءِ قَبْل إِرْسَالِهِ إِلَى الآْخَرِ.

قَال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: نَظَرْنَا فِي قَوْل النَّبِيِّ ﷺ: " ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ " فَكَانَ ذَلِكَ إِلَى الْكَعْبَيْنِ " (٢) .

وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِيمَا يُحْبَسُ مِنَ الْمَاءِ وَجْهَيْنِ:

قَال: الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ يَحْبِسُهُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ.

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُرْجَعُ فِي قَدْرِ السَّقْيِ إِلَى الْعَادَةِ وَالْحَاجَةِ، وَقَدْ قَال الْمَاوَرْدِيُّ: لَيْسَ التَّقْدِيرُ بِالْكَعْبَيْنِ فِي كُل الأَْزْمَانِ وَالْبُلْدَانِ، لأَِنَّهُ مُقَدَّرٌ بِالْحَاجَةِ، وَالْحَاجَةُ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلاَفِ الأَْرْضِ وَبِاخْتِلاَفِ مَا فِيهَا مِنْ زَرْعٍ وَشَجَرٍ، وَبِوَقْتِ الزِّرَاعَةِ وَبِوَقْتِ السَّقْيِ (٣) .

وَفِي حَاشِيَةِ الرَّمْلِيِّ عَلَى أَسْنَى الْمَطَالِبِ ذَكَرَ أَنَّ كَلاَمَ الْجُمْهُورِ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ (وَهُوَ أَنْ يُحْبَسَ الْمَاءُ حَتَّى يَبْلُغَ الْكَعْبَيْنِ) مَحْمُولٌ عَلَى أَرْضٍ يَكْفِيهَا ذَلِكَ، أَمَّا الأَْرْضُ

_________

(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٧٤

(٢) المغني ٥ / ٥٨٤

(٣) روضة الطالبين ٥ / ٣٠٥