الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 63

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

وَمُحَمَّدٍ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ (١)﴾ .

وَقِيل: لاَ يُخْرِجُهَا إِلَى بَلَدٍ غَيْرِ بَلَدِهَا لأَِنَّ الْغَرِيبَ يُؤْذَى، وَاخْتَارَهُ الْفَقِيهُ أَبُو اللَّيْثِ، قَال ظَهِيرُ الدِّينِ الْمِرْغِينَانِيُّ: الأَْخْذُ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْلَى مِنَ الأَْخْذِ بِقَوْل الْفَقِيهِ يَعْنِي قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾، وَأَفْتَى كَثِيرٌ مِنَ الْمَشَايِخِ بِقَوْل الْفَقِيهِ لأَِنَّ النَّصَّ مُقَيَّدٌ بِعَدَمِ الْمُضَارَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُضَارُّوهُنَّ﴾ بَعْدَ ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وَالنَّقْل إِلَى غَيْرِ بَلَدِهَا مُضَارَّةٌ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ﴾ مِمَّا لاَ مُضَارَّةَ فِيهَا، وَهُوَ مَا يَكُونُ مِنْ جَوَانِبِ مِصْرِهَا وَأَطْرَافِهِ وَالْقُرَى الْقَرِيبَةِ الَّتِي لاَ تَبْلُغُ مُدَّةَ سَفَرٍ، فَيَجُوزُ نَقْلُهَا مِنَ الْمِصْرِ إِلَى الْقَرْيَةِ، وَمِنَ الْقَرْيَةِ إِلَى الْمِصْرِ.

وَقَال بَعْضُ الْمَشَايِخِ: إِذَا أَوْفَاهَا الْمُعَجَّل وَالْمُؤَجَّل وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا فَلَهُ نَقْلُهَا (٢) .

وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي تَفْصِيل حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ:

قَال الدَّرْدِيرُ: إِنْ لَمْ يُسَلِّمِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ الْمُعَيَّنَ أَوْ حَال الصَّدَاقِ الْمَضْمُونِ فَلَهَا مَنْعُ

_________

(١) سورة الطلاق / ٦

(٢) الهداية وفتح القدير ٣ / ٢٥٠، وانظر رد المحتار ٢ / ٣٦٠.

نَفْسِهَا مِنَ الدُّخُول حَتَّى تَسْلِيمِهِ لَهَا، وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا مِنَ الْوَطْءِ بَعْدَ الدُّخُول، وَلَهَا الْمَنْعُ مِنَ السَّفَرِ مَعَهُ قَبْل الدُّخُول إِلَى أَنْ يُسَلِّمَهَا مَا حَل مِنَ الْمَهْرِ أَصَالَةً أَوْ بَعْدَ التَّأْجِيل، هَذَا كُلُّهُ إِذَا لَمْ يَحْصُل وَطْءٌ وَلاَ تَمْكِينٌ مِنْهُ، فَإِنْ سَلَّمَتْ نَفْسَهَا لَهُ - وَطِئَ أَوْ لَمْ يَطَأْ - فَلَيْسَ لَهَا مَنْعٌ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ وَطْءٍ وَلاَ سَفَرٍ مَعَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا، وَإِنَّمَا لَهَا الْمُطَالَبَةُ فَقَطْ وَرَفْعُهُ إِلَى الْحَاكِمِ كَالْمَدِينِ، إِلاَّ أَنْ يَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ مِنْ يَدِهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فَلَهَا الْمَنْعُ بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ حَتَّى تَقْبِضَ عِوَضَهُ، لأَِنَّ مِنْ حُجَّتِهَا أَنْ تَقُول: مَكَّنْتُهُ حَتَّى يُتِمَّ الصَّدَاقَ لِي وَلَمْ يُتِمَّ، وَكَذَلِكَ لَهَا أَنْ تَمْتَنِعَ مِنْ تَمْكِينِهَا بَعْدَ الاِسْتِحْقَاقِ حَتَّى يُسَلِّمَهَا بَدَلَهُ إِنْ غَرَّهَا بِأَنْ عَلِمَ أَنَّهُ لاَ يَمْلِكُهُ، بَل وَلَوْ لَمْ يُغْرِهَا لاِعْتِقَادِهِ أَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِأَنْ وَرِثَهُ أَوِ اشْتَرَاهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ السَّفَرُ مَعَ زَوْجِهَا، إِلاَّ أَنَّ لَهَا حَبْسَ نَفْسِهَا لِتَقْبِضَ الْمَهْرَ الْمُعَيَّنَ وَالْحَال، لاَ الْمُؤَجَّل لِرِضَاهَا بِالتَّأْجِيل (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: لِلزَّوْجِ السَّفَرُ بِزَوْجَتِهِ حَيْثُ

_________

(١) الشرح الصغير ٢ / ٤٣٤، ٤٣٥، وجواهر الإكليل ١ / ٣٠٧، والشرح الكبير والدسوقي ٢ / ٢٩٧، ٢٩٨.

(٢) حاشية القليوبي ٣ / ٢٧٧.

شَاءَ، إِلاَّ أَنْ تَشْتَرِطَ بَلَدَهَا، لأَِنَّهُ ﷺ وَأَصْحَابَهُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ كَانُوا يُسَافِرُونَ بِنِسَائِهِمْ، فَإِنِ اشْتَرَطَتْ بَلَدَهَا فَلَهَا شَرْطُهَا لِحَدِيثِ: " إِنَّ أَحَقَّ الشَّرْطِ أَنْ يُوَفَّى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ " (١)، وَإِلاَّ أَنْ تَكُونَ أَمَةً فَلَيْسَ لِلزَّوْجِ سَفَرٌ بِهَا بِلاَ إِذْنِ سَيِّدِهَا، لِمَا فِيهِ مِنْ تَفْوِيتِ مَنْفَعَتِهَا نَهَارًا عَلَى سَيِّدِهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدٍ سَفَرٌ بِأَمَتِهِ الْمُزَوَّجَةِ بِلاَ إِذْنِ الزَّوْجِ لأَِنَّهُ يُفَوِّتُ حَقَّهُ مِنْهَا (٢) .

وخِدْمَةُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا:

١٤٨ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا، فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجَةِ خِدْمَةُ زَوْجِهَا، وَالأَْوْلَى لَهَا فِعْل مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ.

وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى وُجُوبِ خِدْمَةِ الزَّوْجَةِ زَوْجَهَا دِيَانَةً لاَ قَضَاءً.

وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْأَةِ خِدْمَةَ زَوْجِهَا فِي الأَْعْمَال الْبَاطِنَةِ الَّتِي جَرَتِ الْعَادَةُ بِقِيَامِ الزَّوْجَةِ بِمِثْلِهَا.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عِشْرَة ف ١٨، خِدْمَة ف ١٨) .

_________

(١) حديث: " إن أحق الشرط أن يوفى به. . . ". أخرجه مسلم (٢ / ١٠٣٦ - ط عيسى الحلبي) من حديث عقبة بن عامر ﵁

(٢) مطالب أولي النهى ٥ / ٢٥٨.

ز - تَأْدِيبُ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ:

١٤٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ لِنُشُوزِهَا وَمَا يَتَّصِل بِالْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ لِقَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ (١)﴾ .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (تَأْدِيب ف ٤، ٨، ١١، عِشْرَة ف ١٠، زَوْج ف ٧، نُشُوز ف ١٢ وَمَا بَعْدَهَا) .

ح - الطَّلاَقُ: ١٥٠ - إِنْهَاءُ النِّكَاحِ بِالطَّلاَقِ حَقٌّ لِلزَّوْجِ، وَهُوَ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ، وَالأَْصْل فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ الإِْبَاحَةُ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الأَْصْل فِيهِ الْحَظْرُ، لَكِنَّهُمْ يَتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ تَعْتَرِيهِ الأَْحْكَامُ الْخَمْسَةُ بِحَسَبِ مَا يُرَافِقُهُ مِنْ قَرَائِنَ وَأَحْوَالٍ.

وَفِي ذَلِكَ وَغَيْرِهِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (طَلاَق ف ٩ وَمَا بَعْدَهَا) .

ثَالِثًا: حُقُوقُ الزَّوْجَةِ:

يُرَتِّبُ عَقْدُ النِّكَاحِ الصَّحِيحِ حُقُوقًا لِلزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا هِيَ:

أ - الْمَهْرُ:

١٥١ - يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ

_________

(١) سورة النساء / ٣٤.

الْمَهْرُ لِلزَّوْجَةِ، وَقَدْ ثَبَتَ هَذَا الْوُجُوبُ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالإِْجْمَاعِ:

فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً (١)﴾ .

وَمِنَ السُّنَّةِ قَوْل النَّبِيِّ ﷺ لِمُرِيدِ النِّكَاحِ: " الْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ " (٢)، وَانْعَقَدَ الإِْجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْمَهْرِ عَلَى الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَهْر ف ٣) .

ب - النَّفَقَةُ:

١٥٢ - تَجِبُ لِلزَّوْجَةِ النَّفَقَةُ عَلَى زَوْجِهَا، لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٣)﴾، وَقَوْل رَسُول اللَّهِ ﷺ: " اتَّقُوا اللَّهَ فِي النِّسَاءِ فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ " (٤) .

_________

(١) سورة النساء / ٤.

(٢) حديث: " التمس ولو خاتما من حديد ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٩ / ١٧٥ ط السلفية) من حديث سهل بن سعد ﵁

(٣) سورة البقرة / ٢٣٣.

(٤) حديث: " اتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهن. . . ". تقدم تخريجه فقرة (١٣٨) .

وَفِي شُرُوطِ وُجُوبِ هَذِهِ النَّفَقَةِ، وَمِقْدَارِهَا، وَمَا تَتَوَقَّفُ بِهِ، وَمَا تَسْقُطُ بِهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (نَفَقَة) .

ج - إِخْدَامُ الزَّوْجَةِ:

١٥٣ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا إِخْدَامُهَا، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَلأَِنَّ هَذَا مِنْ كِفَايَتِهَا وَمِمَّا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ عَلَى الدَّوَامِ فَأَشْبَهَ النَّفَقَةَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (خِدْمَة ف ٧ وَمَا بَعْدَهَا) .

د - الْقَسْمُ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ:

١٥٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الرَّجُل أَنْ يَعْدِل فِي الْقَسْمِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ، وَأَنْ يُسَوِّيَ بَيْنَهُنَّ، لأَِنَّ ذَلِكَ مِنَ الْمُعَاشَرَةِ بِالْمَعْرُوفِ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا، وَلِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: " إِذَا كَانَ عِنْدَ الرَّجُل امْرَأَتَانِ فَلَمْ يَعْدِل بَيْنَهُمَا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَشِقُّهُ سَاقِطٌ " (١) .

_________

(١) حديث أبي هريرة: " إذا كان عند الرجل امرأتان فلم يعدل بينهما. . . ". أخرجه الترمذي (٣ / ٤٣٨ ط الحلبي)، والحاكم (٢ / ١٨٦ ط دائرة المعارف العثمانية)، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.

وَفِي الْقَسْمِ، وَمَا يَتَحَقَّقُ بِهِ الْعَدْل فِيهِ، وَعِمَادُهُ مُدَّتُهُ، وَالزَّوْجُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ، وَالزَّوْجَةُ الَّتِي تَسْتَحِقُّهُ، وَقَضَاءُ مَا فَاتَ مِنْهُ، فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَسَائِل الْقَسْمِ تَفْصِيلٌ يُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (قَسْم بَيْنَ الزَّوْجَاتِ ف هـ وَمَا بَعْدَهَا) .

هـ - الْبَيَاتُ عِنْدَ الزَّوْجَةِ:

١٥٥ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وُجُوبِ بَيَاتِ الزَّوْجِ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ:

فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ زَوْجَتِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْدِيرِهِ أَوْ عَدَمِ تَقْدِيرِهِ.

وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لاَ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ الْبَيَاتُ عِنْدَ زَوْجَتِهِ وَإِنَّمَا يُسَنُّ لَهُ ذَلِكَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عِشْرَة ف ٢٣) .

وإِعْفَافُ الزَّوْجَةِ:

١٥٦ - مِنْ حَقِّ الزَّوْجَةِ عَلَى زَوْجِهَا أَنْ يَقُومَ بِإِعْفَافِهَا، وَذَلِكَ بِأَنْ يَطَأَهَا حَتَّى تَعِفَّ بِالْوَطْءِ الْحَلاَل عَنِ الْحَرَامِ.

لَكِنَّ الْفُقَهَاءَ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ وَطْءِ الرَّجُل امْرَأَتَهُ أَوْ عَدَمِ وُجُوبِهِ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي الْعَزْل عَنِ الزَّوْجَةِ الْحُرَّةِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عَزْل ف ٣٥، وَطْء، عِشْرَة ف ٢٢) .

آثَارُ النِّكَاحِ غَيْرِ الصَّحِيحِ:

١٥٧ - عَقْدُ النِّكَاحِ غَيْرُ الصَّحِيحِ هُوَ الَّذِي لَمْ يَسْتَوْفِ أَرْكَانَهُ وَشُرُوطَ انْعِقَادِهِ وَصِحَّتِهِ.

وَالْفُقَهَاءُ يُقَسِّمُونَ عَقْدَ النِّكَاحِ - كَغَيْرِهِ مِنَ الْعُقُودِ - إِلَى صَحِيحٍ وَغَيْرِ صَحِيحٍ، وَالْقِسْمُ الثَّانِي يَشْمَل - عِنْدَهُمُ - الْبَاطِل وَالْفَاسِدَ (١) .

وَعَقْدُ النِّكَاحِ غَيْرُ الصَّحِيحِ لاَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِذَاتِهِ أَثَرٌ شَرْعِيٌّ إِلاَّ إِذَا أَعْقَبَهُ دُخُولٌ، فَإِنْ أَعْقَبَهُ دُخُولٌ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ بَعْضُ الآْثَارِ وَيَظْهَرُ ذَلِكَ فِيمَا يَأْتِي:

أ - وُجُوبُ الْمَهْرِ:

١٥٨ - يَجِبُ الْمَهْرُ بِالْعَقْدِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ أَوْ بِالدُّخُول فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ، لأَِنَّ الدُّخُول بِالْمَرْأَةِ يُوجِبُ الْحَدَّ أَوِ الْمَهْرَ، وَحَيْثُ انْتَفَى الْحَدُّ لِشُبْهَةِ الْعَقْدِ فَيَكُونُ الْوَاجِبُ الْمَهْرَ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (مَهْر ف ٣، ٤٥) .

ب - وُجُوبُ الْعِدَّةِ:

١٥٩ - ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى وُجُوبِ الْعِدَّةِ عَلَى

_________

(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٨٦ ط دار الكتب العلمية - بيروت، والمنثور في القواعد للزركشي ٣ / ٧، ط وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بالكويت، وروضة الناظر وجنة المناظر لابن قدامة ص ٣١، ط السلفية بالقاهرة (١٣٨٥ هـ) .

الْمَرْأَةِ الْمَدْخُول بِهَا فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (عِدَّة ف ٤٧) .

ج - ثُبُوتُ النَّسَبِ:

١٦٠ - يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ فِي الْجُمْلَةِ، احْتِيَاطًا لِحَقِّ الْوَلَدِ فِي النَّسَبِ، وَإِحْيَاءً لَهُ، وَلِعَدَمِ تَضْيِيعِهِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (نَسَب ١٢ - ١٣) .

د - ثُبُوتُ حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ:

١٦١ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حُرْمَةَ الْمُصَاهَرَةِ تَثْبُتُ بِالدُّخُول فِي عَقْدِ الزَّوَاجِ الْفَاسِدِ.

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ: (مُحَرِّمَات النِّكَاحِ ف ١٢) .

نِكَاحُ الْكُفَّارِ:

١٦٢ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ نِكَاحِ الْكُفَّارِ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ.

فَذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ - الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْحَنَابِلَةُ وَقَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ - إِلَى أَنَّ نِكَاحَ الْكُفَّارِ غَيْرِ الْمُرْتَدِّينَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ صَحِيحٌ، لِقَوْل اللَّهِ ﷿ ﴿وَقَالَتِ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ (١)﴾ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَتَهُ وَلَوْ كَانَ نِكَاحُهُمْ فَاسِدًا لَمْ تَكُنِ امْرَأَتَهُ حَقِيقَةً.

_________

(١) سورة القصص / ٩.

وَلِقَوْل اللَّهِ ﷿: ﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (١)﴾ سَمَّاهَا اللَّهُ تَعَالَى امْرَأَتَهُ، وَلَوْ كَانَتْ أَنْكِحَتُهُمْ فَاسِدَةً لَمْ تَكُنِ امْرَأَتَهُ حَقِيقَةً، وَلأَِنَّ النِّكَاحَ سُنَّةُ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ فَهُمْ عَلَى شَرِيعَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَقَال النَّبِيُّ ﷺ: " خَرَجْتُ مِنْ نِكَاحٍ غَيْرِ سِفَاحٍ " (٢) وَلأَِنَّ الْقَوْل بِفَسَادِ أَنْكِحَتِهِمْ يُؤَدِّي إِلَى أَمْرٍ قَبِيحٍ، وَهُوَ الطَّعْنُ فِي نَسَبِ كَثِيرٍ مِنَ الأَْنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ، لأَِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ وُلِدَ مِنْ أَبَوَيْنِ كَافِرَيْنِ وَمَا أَفْضَى إِلَى قَبِيحٍ ثَبَتَ فَسَادُهُ.

قَال الْحَنَفِيَّةُ: يَجُوزُ نِكَاحُ أَهْل الذِّمَّةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ شَرَائِعُهُمْ، لأَِنَّ الْكُفْرَ كُلَّهُ مِلَّةٌ وَاحِدَةٌ، إِذْ هُوَ تَكْذِيبُ الرَّبِّ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا - فِيمَا أَنْزَل عَلَى رُسُلِهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلاَمُهُ عَلَيْهِمْ، وَقَال اللَّهُ ﷿ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٣)﴾ وَاخْتِلاَفُهُمْ فِي شَرَائِعِهِمْ بِمَنْزِلَةِ اخْتِلاَفِ كُل فَرِيقٍ مِنْهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ فِي بَعْضِ شَرَائِعِهِمْ، وَذَا لاَ يَمْنَعُ جَوَازَ نِكَاحِ

_________

(١) سورة المسد / ٤.

(٢) حديث: " خرجت من نكاح غير سفاح " أخرجه الطبري في التفسير (١١ / ٥٦ ط دار المعرفة)، والبيهقي في السنن الكبرى (٧ / ١٩٠ ط دائرة المعارف) من حديث محمد بن علي بن الحسين ﵃ مرسلا

(٣) سورة الكافرون / ٦.