الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 39

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

السُّفْتَجَةُ:

٤٥ - السُّفْتَجَةُ طَرِيقَةٌ تُتَّبَعُ فِي نَقْل النُّقُودِ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ، تُتَفَادَى بِهَا أَخْطَارُ النَّقْل مِنْ سَرِقَةٍ أَوْ نَهْبٍ أَوْ فِقْدَانٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ.

وَصُورَتُهَا: أَنْ يُعْطِيَ النُّقُودَ الَّتِي يُرِيدُ نَقْلَهَا تَاجِرًا فِي الْبَلَدِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَيُعْطِيَهُ التَّاجِرُ كِتَابًا إِلَى وَكِيلِهِ فِي الْبَلَدِ الآْخَرِ لِيُعْطِيَهُ مِثْلَهَا.

وَهِيَ دَائِرَةٌ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ قَرْضًا أَوْ حَوَالَةً.

وَقَدْ مَنَعَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ؛ لِكَوْنِهَا قَرْضًا يَجُرُّ مَنْفَعَةً لِلْمُقْرِضِ، وَهِيَ مَنْفَعَةُ الأَْمْنِ مِنْ أَخْطَارِ الطَّرِيقِ. وَأَجَازَهَا آخَرُونَ لِمَا فِيهَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْكَبِيرَةِ لِلنَّاسِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَقَعُ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَامِلِينَ بِهَا (١) .

وَيُنْظَرُ تَفْصِيل ذَلِكَ وَالْخِلاَفُ فِيهِ فِي مُصْطَلَحِ (سُفْتَجَة ف ٣) .

سَادِسًا: التَّغَيُّرَاتُ الَّتِي تَعْتَرِي النُّقُودَ مِنْ حَيْثُ قِيمَتُهَا:

٤٦ - إِنَّ النُّقُودَ الذَّهَبِيَّةَ وَالْفِضِّيَّةَ تَتَمَيَّزُ بِأَنَّهَا ثَابِتَةُ الْقِيمَةِ عَلَى الزَّمَنِ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهِيَ عُرْضَةٌ لِتَبَدُّل قِيمَتِهَا، إِلاَّ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي الْعَادَةِ بِنِسْبَةٍ ضَئِيلَةٍ جِدًّا.

_________

(١) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ١٧٤، ٢٩٥، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٦، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٢٥، والمغني ٤ / ٣٢٠.

وَأَمَّا الْفُلُوسُ فَتَعْتَرِيهَا تَغَيُّرَاتٌ فِي قِيمَتِهَا، قَدْ تَكُونُ شَدِيدَةً، مِمَّا يُؤَثِّرُ عَلَى قِيمَةِ مُدَّخَرَاتِ الدَّوْلَةِ، وَمُدَّخَرَاتِ الرَّعِيَّةِ مِنْهَا، وَعَلَى قِيمَةِ الدُّيُونِ.

وَمِنْ تِلْكَ التَّغَيُّرَاتِ مَا يَلِي:

أ - الْغَلاَءُ، وَسَبَبُهُ إِمَّا كَثْرَةُ الإِْقْبَال عَلَى تَدَاوُلِهَا، وَالتَّوَسُّعُ فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُبَايَعَاتِ وَسَائِرِ الْمُعَامَلاَتِ، وَكَثْرَةُ ادِّخَارِهَا، هَذَا مِنْ جِهَةٍ، وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى قِلَّةُ الْمُتَوَافِرِ مِنَ الْمَعْدِنِ الَّذِي تُضْرَبُ مِنْهُ، أَوْ عَدَمُ قِيَامِ الدَّوْلَةِ بِضَرْبِ مَا يَكُونُ كَافِيًا لِيَسَعَ حَاجَةَ النَّاسِ. وَقَدْ ذَكَرَ الْمَقْرِيزِيُّ أَنَّ الْفُلُوسَ فِي عَهْدِهِ رَاجَتْ رَوَاجًا عَظِيمًا حَتَّى نُسِبَتْ إِلَيْهَا سَائِرُ الْمَبِيعَاتِ، وَصَارَ يُقَال: كُل دِينَارٍ بِكَذَا مِنَ الْفُلُوسِ.

ب - الرُّخْصُ، بِسَبَبِ قِلَّةِ الطَّلَبِ عَلَيْهَا، أَوْ قِلَّةِ الإِْقْبَال عَلَى ادِّخَارِهَا، أَوْ تَوَافُرِ الْمَعْدِنِ الَّذِي تُصْنَعُ مِنْهُ بِكَثْرَةٍ، أَوْ كَثْرَةِ مَا يُصْنَعُ مِنْهَا وَيَدْخُل السُّوقَ. وَمَعْنَى رُخْصِهَا انْخِفَاضُ قُوَّتِهَا الشِّرَائِيَّةِ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَا يُشْتَرَى بِقَدْرٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا أَقَل مِمَّا كَانَ يُشْتَرَى بِهِ سَابِقًا. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ بِمُقَارَنَةِ أَسْعَارِهَا بَيْنَ فَتْرَتَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الذَّهَبِ أَوِ الْفِضَّةِ.

ج - وَقَدْ يَعْتَرِيهَا الْكَسَادُ: قَال ابْنُ عَابِدِينَ: هُوَ أَنْ تُتْرَكَ الْمُعَامَلَةُ بِهَا فِي جَمِيعِ الْبِلاَدِ. وَضِدُّ الْكَسَادِ الرَّوَاجُ وَالنَّفَاقُ.

د - الاِنْقِطَاعُ: وَالاِنْقِطَاعُ الَّذِي لَهُ أَثَرُهُ هُوَ أَنْ لاَ تُوجَدَ فِي السُّوقِ لَدَى التُّجَّارِ، وَإِنْ كَانَتْ تُوجَدُ لَدَى الصَّيَارِفَةِ، وَفِي الْبُيُوتِ (١) .

هـ - إِبْطَال التَّعَامُل بِالنُّقُودِ بِأَمْرِ الإِْمَامِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُحَرِّمَ الإِْمَامُ التَّعَامُل بِهَا، وَيَضْرِبَ نَقْدًا جَدِيدًا يُلْزِمُ النَّاسَ بِالتَّعَامُل بِهِ لِمَصْلَحَةٍ يَرَاهَا. قَال ابْنُ الْهَائِمِ: وَتَحْرِيمُ السُّلْطَانِ مُعْتَبَرٌ (أَيْ مُلْزِمٍ لِلنَّاسِ) فِي مِثْل هَذَا (٢)؛ لِقَوْل اللَّهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُول وَأُولِي الأَْمْرِ مِنْكُمْ (٣)﴾ .

ووَقَدْ يَعْتَرِيهَا التَّغْيِيرُ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ بِتَنْقِيصِ أَسْعَارِهَا، وَقَدْ قَال ابْنُ عَابِدِينَ فِي رِسَالَتِهِ: تَعَدَّدَ فِي زَمَانِنَا وُرُودُ الأَْمْرِ السُّلْطَانِيِّ بِتَغْيِيرِ سِعْرِ بَعْضِ النُّقُودِ الرَّائِجَةِ بِالنَّقْصِ (٤) .

تَحَوُّل النُّقُودِ إِلَى سِلْعَةٍ بَعْدَ بُطْلاَنِ التَّعَامُل بِهَا:

٤٧ - إِذَا بَطَل النَّقْدُ، سَوَاءٌ بِإِبْطَال الإِْمَامِ لَهُ، أَوْ بِتَرْكِ النَّاسِ التَّعَامُل بِهِ، فَإِنَّهُ يَعُودُ عَرْضًا

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٤، ورسالته المسماة " تنبيه الرقود إلى أحكام النقود " ص ١٧، ١٨، نشر محمد سلامة جبر.

(٢) نزهة النفوس في أحكام التعامل بالفلوس لابن الهائم ص ٦٣.

(٣) سورة النساء / ٥٩

(٤) رسالة تنبيه الرقود ص ٣٨.

لاَ تَنْطَبِقُ عَلَيْهِ أَحْكَامُ النُّقُودِ الْخَاصَّةِ بِهِ، وَهَذَا فِي غَيْرِ النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ.

أَمَّا النُّقُودُ الذَّهَبِيَّةُ وَالْفِضِّيَّةُ فَإِنَّ أَحْكَامَهُمَا مِنْ حَيْثُ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا، وَجَرَيَانِ الرِّبَا فِيهِمَا، ثَابِتَةٌ سَوَاءٌ كَانَا نُقُودًا أَوْ نُقْرَةً.

وَهَذَا لأَِنَّ الْفُلُوسَ تَلْحَقُ بِالنَّقْدَيْنِ - عِنْدَ مَنْ أَلْحَقَهَا بِهِمَا - بِعِلَّةِ الثَّمَنِيَّةِ، فَإِذَا خَرَجَتْ عَنِ التَّعَامُل بَطَلَتْ ثَمَنِيَّتُهَا، فَبَطَل إِلْحَاقُهَا بِالنَّقْدَيْنِ، لِزَوَال الْعِلَّةِ الْجَامِعَةِ، وَرَجَعَتْ إِلَى أَصْلِهَا وَهُوَ كَوْنُهَا سِلْعَةً مِنَ السِّلَعِ (١) .

وَقَدْ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ فِي النُّقُودِ الاِصْطِلاَحِيَّةِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ فَلْسًا بِعَيْنِهِ بِفَلْسَيْنِ بِأَعْيَانِهِمَا. قَالُوا: لأَِنَّ الْفُلُوسَ صَارَتْ ثَمَنًا فِي حَقِّهِمَا بِاصْطِلاَحِهِمَا، فَتَبْطُل بِاصْطِلاَحِهِمَا. وَقَال مُحَمَّدٌ: لاَ يَجُوزُ ذَلِكَ مَا دَامَتِ الْفُلُوسُ رَائِجَةً؛ لأَِنَّ ثَمَنِيَّتَهَا بِاصْطِلاَحِ الْعُمُومِ فَلاَ تَبْطُل بِمُجَرَّدِ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى إِبْطَالِهَا (٢) .

مُحَافَظَةُ الإِْمَامِ عَلَى اسْتِقْرَارِ أَسْعَارِ النُّقُودِ:

٤٨ - مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ الَّتِي يَجِبُ عَلَى الإِْمَامِ رِعَايَتُهَا الْمُحَافَظَةُ عَلَى اسْتِقْرَارِ أَسْعَارِ النُّقُودِ مِنَ الاِنْخِفَاضِ؛ لِئَلاَّ

_________

(١) تكملة فتح القدير ٥ / ٢٨٨ ط دار الفكر.

(٢) تكملة فتح القدير ٧ / ٢٠.

يَحْصُل بِذَلِكَ غَلاَءُ الأَْقْوَاتِ وَالسِّلَعِ وَيَنْتَشِرَ الْفَقْرُ، وَلِتَحْصُل الطُّمَأْنِينَةُ لِلنَّاسِ بِالتَّمَتُّعِ بِثَبَاتِ قِيَمِ مَا حَصَّلُوهُ مِنَ النُّقُودِ بِجُهْدِهِمْ وَسَعْيِهِمْ وَاكْتِسَابِهِمْ؛ لِئَلاَّ تَذْهَبَ هَدْرًا وَيَقَعَ الْخَلَل وَالْفَسَادُ.

وَإِنْ كَانَ سَبَبُ الْخَلَل تَحْرِيمَ الإِْمَامِ لأَِنْوَاعٍ مِنَ النُّقُودِ فَعَلَيْهِ إِبْدَالُهَا لَهُمْ بِمَا يُسَاوِيهَا فِي الْقِيمَةِ، وَأَنْ يُتِيحَ لَهُمُ الْفُرْصَةَ الْكَافِيَةَ مِنَ الْوَقْتِ لإِجْرَاءِ الاِسْتِبْدَال. وَيَنْبَغِي أَنْ لاَ يَزِيدَ كَمِّيَّةَ الْمَضْرُوبِ الْجَدِيدِ مِنْهَا مِنْ أَجْل الرَّغْبَةِ فِي أَنْ يُحَصِّل لِبَيْتِ الْمَال دَخْلًا مِنْ ذَلِكَ. قَال الْبُهُوتِيِّ: قَال ابْنُ تَيْمِيَةَ: يَنْبَغِي أَنْ يَضْرِبَ الإِْمَامُ لِلرَّعَايَا فُلُوسًا تَكُونُ بِقَدْرِ الْعَدْل فِي مُعَامَلاَتِهِمْ مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ لَهُمْ، وَلاَ يَتَّجِرُ ذُو السُّلْطَانِ فِي الْفُلُوسِ، بِأَنْ يَشْتَرِيَ نُحَاسًا فَيَضْرِبَهُ فَيَتَّجِرَ فِيهِ، وَلاَ بِأَنْ يُحَرِّمَ عَلَيْهِمُ الْفُلُوسَ الَّتِي بِأَيْدِيهِمْ وَيَضْرِبَ لَهُمْ غَيْرَهَا، بَل يَضْرِبَ النُّحَاسَ بِقِيمَتِهِ مِنْ غَيْرِ رِبْحٍ فِيهِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامَّةِ، وَيُعْطِيَ أُجْرَةَ الصُّنَّاعِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، فَإِنَّ التِّجَارَةَ فِيهَا ظُلْمٌ عَظِيمٌ، وَأَكْلٌ لأَِمْوَال النَّاسِ بِالْبَاطِل، فَإِنَّهُ إِذَا حَرَّمَ الْمُعَامَلَةَ صَارَتْ عَرْضًا، وَإِذَا ضَرَبَ لَهُمْ فُلُوسًا أُخْرَى أَفْسَدَ مَا كَانَ عِنْدَهُمْ مِنَ الأَْمْوَال بِنَقْصِ أَسْعَارِهَا (١) . قَال: وَفِي السُّنَنِ عَنِ

_________

(١) كشاف القناع ٢ / ٢٣٢، وانظر مواهب الجليل للحطاب المالكي ٤ / ٣٤٢.

النَّبِيِّ ﷺ: " أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَسْرِ سِكَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْجَائِزَةِ بَيْنَهُمْ إِلاَّ مِنْ بَأْسٍ " (١) .

وَقَال ابْنُ الْقَيِّمِ مَا حَاصِلُهُ: أَنَّ الأَْثْمَانَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يَتَمَتَّعُ بِثَبَاتِ الْقِيمَةِ، لاَ يَرْتَفِعُ وَلاَ يَنْخَفِضُ، قَال: وَمِنْ أَجْل ذَلِكَ حُرِّمَ رِبَا الْفَضْل وَالنَّسَاءِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، إِذْ لَوْ أُبِيحَ ذَلِكَ فِيهِمَا لَكَانَا سِلَعًا تُقْصَدُ لأَِعْيَانِهَا، فَيُؤَدِّي ذَلِكَ إِلَى فَسَادِ أَمْرِ النَّاسِ (٢) .

وَرَأَى الْمَقْرِيزِيُّ فِي كِتَابِهِ فِي النُّقُودِ أَنَّ عِلاَجَ اضْطِرَابَاتِ الأَْسْعَارِ وَمَوْجَاتِ الْغَلاَءِ النَّاشِئَةِ عَنْ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالْعَوْدَةِ إِلَى قَاعِدَةِ اسْتِعْمَال النُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ، وَأَنَّ فَسَادَ الأُْمُورِ الَّذِي حَصَل فِي زَمَنِهِ نَاشِئٌ عَنْ سُوءِ التَّدْبِيرِ، وَمِنْ جُمْلَتِهِ الْخُرُوجُ عَنْ قَاعِدَةِ التَّعَامُل بِالذَّهَبِ إِلَى قَاعِدَةِ التَّعَامُل بِالْفُلُوسِ، وَأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى تَفَاقُمِ مُشْكِلَةِ الأَْسْعَارِ، قَال فِي ذَلِكَ: اعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ الْحَال فِي فَسَادِ الأُْمُورِ إِنَّمَا هُوَ سُوءُ التَّدْبِيرِ لاَ غَلاَءُ الأَْسْعَارِ. ثُمَّ قَال: فَلَوْ وَفَّقَ اللَّهُ مَنْ أَسْنَدَ إِلَيْهِ أَمْرَ عِبَادِهِ حَتَّى رُدَّتِ الْمُعَامَلاَتُ إِلَى مَا كَانَتْ عَلَيْهِ بِالذَّهَبِ خَاصَّةً، وَرَدَّ قِيَمَ السِّلَعِ

_________

(١) حديث: " نهى عن كسر سكة المسلمين. . . ". سبق تخريجه ف ١٧

(٢) إعلام الموقعين ٢ / ١٥٦.

وَعَوَّضَ الأَْعْمَال كُلَّهَا إِلَى الدِّينَارِ، وَرَدَّ قِيَمَ الأَْعْمَال وَأَثْمَانَ الْمَبِيعَاتِ إِلَى الدِّرْهَمِ، لَكَانَ فِي ذَلِكَ غِيَاثُ الأُْمَّةِ وَصَلاَحُ الأُْمُورِ.

وَقَال أَيْضًا: مَنْ نَظَرَ إِلَى أَثْمَانِ الْمَبِيعَاتِ بِاعْتِبَارِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ لاَ يَجِدُهَا قَدْ غَلَتْ إِلاَّ شَيْئًا يَسِيرًا، وَأَمَّا بِاعْتِبَارِ مَا دَهَى النَّاسَ مِنْ كَثْرَةِ الْفُلُوسِ فَأَمْرٌ لاَ أَشْنَعَ مِنْهُ، وَلاَ أَفْظَعَ مِنْ هَوْلِهِ، فَسَدَتْ بِهِ الأُْمُورُ، وَاخْتَلَّتْ بِهِ الأَْحْوَال (١) .

أَثَرُ تَغَيُّرِ قِيمَةِ النَّقْدِ عَلَى الدُّيُونِ:

٤٩ - إِنَّ الدُّيُونَ الْمُقَدَّرَةَ بِنَقْدٍ مُعَيَّنٍ، إِذَا غَلاَ ذَلِكَ النَّقْدُ، وَأُلْزِمَ الْمَدِينُ بِسَدَادِهَا بِالْمِثْل، يَزْدَادُ الْعِبْءُ الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ نَتِيجَةً لِذَلِكَ، فَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَرَرٌ، وَإِنْ رَخُصَ النَّقْدُ الْمُعَيَّنُ يَكُونُ فِي سَدَادِ الدَّيْنِ بِالْمِثْل ضَرَرٌ عَلَى الدَّائِنِ.

ثُمَّ قَدْ يَكُونُ الضَّرَرُ فِي كِلاَ الْحَالَتَيْنِ كَبِيرًا بِحَسَبِ نِسْبَةِ التَّغَيُّرِ.

وَقَدْ يَعِزُّ النَّقْدُ الْمُعَيَّنُ عِنْدَ الْوَفَاءِ أَوْ يَنْقَطِعُ فَيَتَعَذَّرُ أَدَاءُ الْمِثْل.

وَقَدْ عَالَجَ الْفُقَهَاءُ أَثَرَ التَّغَيُّرَاتِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى الدُّيُونِ بِالنِّسْبَةِ لِلنُّقُودِ الذَّهَبِيَّةِ وَالْفِضِّيَّةِ وَالْفُلُوسِ:

_________

(١) إغاثة الأمة بكشف الغمة ص ٧٩ وما بعدها.

أ - فَأَمَّا النُّقُودُ الْخَلْقِيَّةُ، وَهِيَ الدَّنَانِيرُ وَالدَّرَاهِمُ الْخَالِصَةُ أَوِ الْمَغْلُوبَةُ الْغِشِّ فَيُلْزَمُ الْمَدِينُ بِأَدَاءِ الْمِثْل وَلَوْ كَانَ عَزِيزًا، لَكِنْ لَوِ انْقَطَعَ أَوِ انْعَدَمَ ذَلِكَ النَّوْعُ مِنَ النَّقْدِ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْقِيمَةِ يَوْمَ ثَبَتَ الدَّيْنُ فِي ذِمَّتِهِ أَوْ وَقْتَ الْمُطَالَبَةِ.

ب - وَأَمَّا النُّقُودُ الاِصْطِلاَحِيَّةُ وَهِيَ الدَّرَاهِمُ الْغَالِبَةُ الْغِشِّ، وَالْفُلُوسُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا يَجِبُ أَدَاؤُهُ فِي حَال كَسَادِهَا أَوِ انْقِطَاعِهَا أَوْ رُخْصِهَا أَوْ غَلاَئِهَا عَلَى أَقْوَالٍ مُتَعَدِّدَةٍ (١) .

. تُنْظَرُ فِي مُصْطَلَحِ (دَيْن ف ٦٤ - ٦٩) .

_________

(١) رسالة تنبيه الرقود على أحكام النقود لابن عابدين، ورسالة قطع المجادلة عند تغير المعاملة للسيوطي ضمن كتابه الحاوي في الفتاوى ١ / ١٥١ وما بعدها، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٢٥، وتكملة فتح القدير ٧ / ١٥٥، ١٥٦، والمدونة الكبرى ٣ / ٤٤٤، ٤٤٥، وحاشية الرهوني ٥ / ١٢٠، ونهاية المحتاج على شرح المنهاج ٣ / ٣٩٩، والمجموع للنووي ٩ / ٢٨٢، والإنصاف للمرداوي ٥ / ١٢٧، ١٢٨، وكشاف القناع ٣ / ٣١٤، وشرح المفردات ٢ / ٣٩٠.

نَقِيعٌ

التَّعْرِيفُ:

١ - مِنْ مَعَانِي النَّقِيعِ فِي اللُّغَةِ: شَرَابٌ يُتَّخَذُ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا، يُنْقَعُ فِي الْمَاءِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ. وَمِنْ مَعَانِيهِ: الْبِئْرُ الْكَثِيرَةُ الْمَاءِ. وَجَمْعُهُ أَنْقِعَةٌ (١) .

وَفِي الاِصْطِلاَحِ: أَنْ يُنْقَعَ الزَّبِيبُ فِي الْمَاءِ إِلَى أَنْ تَخْرُجَ حَلاَوَتُهُ إِلَى الْمَاءِ ثُمَّ يَشْتَدُّ وَيُغْلَى وَيُقْذَفُ بِالزُّبْدِ (٢) .

الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:

٢ - قَال الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: النَّقِيعُ مِنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ إِذَا اشْتَدَّ حَرَامٌ (٣)؛ لأَِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَال:

_________

(١) لسان العرب، وتاج العروس، وأساس البلاغة، والمصباح المنير.

(٢) الفتاوى الهندية ٥ / ٤٠٩، وانظر قواعد الفقه للبركتي، وفتح القدير ٨ / ١٥٩، ومغني المحتاج ٤ / ١٨٧، والمغني ٥ / ٥٨١، وكشاف القناع ٦ / ١١٩.

(٣) الحاوي الكبير ١٧ / ٢٨٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٥٢.

" مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ " (١) .

وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: نَقِيعُ الزَّبِيبِ وَهُوَ الْمُتَّخَذُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ مَكْرُوهٌ تَحْرِيمًا إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى، إِلاَّ أَنَّ حُرْمَةَ هَذِهِ الأَْشْرِبَةِ دُونَ حُرْمَةِ الْخَمْرِ حَتَّى لاَ يُكَفَّرَ مُسْتَحِلُّهَا، وَيُكَفَّرَ مُسْتَحِل الْخَمْرِ؛ لأَِنَّ حُرْمَتَهَا اجْتِهَادِيَّةٌ، وَحُرْمَةَ الْخَمْرِ قَطْعِيَّةٌ، وَلاَ يَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِهَا حَتَّى يَسْكَرَ، وَيَجِبُ الْحَدُّ بِشُرْبِ قَطْرَةٍ مِنَ الْخَمْرِ (٢) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: النَّقِيعُ مِنْ مَاءِ الزَّبِيبِ إِذَا اشْتَدَّ وَغَلَى فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ لَمْ يُسْكِرْ، وَقَال أَحْمَدُ: إِذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يَحْرُمْ، وَإِذَا نَقَعَ الرَّجُل الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ يَنْقَعُهُ غُدْوَةً وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ أَكْرَهُهُ (٣) .

_________

(١) حديث: " ما أسكر كثيره فقليله حرام ". أخرجه الترمذي (٤ / ٢٩٢ ط الحلبي) من حديث جابر ﵁، وقال الترمذي: حسن غريب

(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥ / ٢٩١.

(٣) المغني لابن قدامة ٨ / ٣١٩ ط الرياض.