الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
السَّلَمُ فِي النُّقُودِ:
٣٦ - لاَ خِلاَفَ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّهُ لاَ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ دَنَانِيرَ فِي دَرَاهِمَ، وَلاَ دَرَاهِمَ فِي دَنَانِيرَ، فَإِنْ فَعَل يَكُونُ الْعَقْدُ فَاسِدًا.
أَمَّا لَوْ أَسْلَمَ عَرْضًا فِي دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ، فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، لأَِنَّهَا يُمْكِنُ أَنْ تَنْضَبِطَ بِالْوَصْفِ وَالْوَزْنِ، وَقَدْ قَال النَّبِيُّ ﷺ: " مَنْ أَسْلَفَ فَلاَ يُسْلِفْ إِلاَّ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ " (١) وَهِيَ مَوْزُونَةٌ وَلأَِنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ كَالْمَهْرِ الْمُؤَجَّل، وَالْبَيْعِ بِثَمَنٍ آجِلٍ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يَصِحُّ ذَلِكَ سَلَمًا بِاتِّفَاقٍ؛ لأَِنَّهَا أَثْمَانٌ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ لاَ بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُثَمَّنًا، لأَِنَّهُ مَحَل الْبَيْعِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا، فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الأَْعْمَشُ إِلَى أَنَّهُ يَنْعَقِدُ بَيْعًا، لأَِنَّهُ فِي الْمَعْنَى بَيْعٌ لِلْعَرْضِ بِثَمَنٍ مُؤَجَّلٍ، وَالْعِبْرَةُ فِي الْعُقُودِ لِلْمَعَانِي. وَقَال عِيسَى بْنُ أَبَانَ: يَبْطُل؛ لأَِنَّ الْعَاقِدَيْنِ لَمْ يُوجِبَا الْعَقْدَ فِي الْعَرْضِ بَل فِي الدَّرَاهِمِ، فَلاَ يُمْكِنُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ مَعَ
_________
(١) حديث: " من أسلف فلا يسلف إلا في كيل. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٢٩ ط السلفية) ومسلم (٣ / ١٢٢٨ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عباس ﵄ واللفظ لمسلم
اخْتِلاَفِ الْمَحَل. وَرَجَّحَ ابْنُ الْهُمَامِ الأَْوَّل تَصْحِيحًا لِتَصَرُّفِهِمَا، وَرَجَّحَ صَاحِبُ النَّهْرِ الثَّانِيَ (١) .
وَهَذَا الَّذِي تَقَدَّمَ هُوَ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ الْخَالِصَةِ.
٣٧ - وَأَمَّا الْمَغْشُوشَةُ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهَا إِنْ كَانَ الْغِشُّ فِيهَا مَغْلُوبًا فَيَمْتَنِعُ فِيهَا السَّلَمُ؛ لأَِنَّهَا تَجْرِي فِي الْمُعَامَلاَتِ لَدَيْهَا مَجْرَى الْخَالِصِ، لأَِنَّ الْعِبْرَةَ لِلأَْغْلَبِ، وَإِنْ كَانَ الْغِشُّ غَالِبًا فَهِيَ كَالْفُلُوسِ كَمَا يَأْتِي.
وَصَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ كَمَا فِي شَرْحِ الْمُنْتَهَى بِأَنَّ الأَْثْمَانَ الْمَغْشُوشَةَ لاَ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لأَِنَّ غِشَّهَا يَمْنَعُ الْعِلْمَ بِالْمَقْصُودِ مِنْهَا، وَلِمَا فِيهِ مِنَ الْغَرَرِ، كَمَا أَنَّهُ لاَ يَصِحُّ عِنْدَهُمْ أَنْ تَكُونَ رَأْسَ مَال سَلَمٍ لِلسَّبَبِ نَفْسِهِ.
وَقَال الشَّيْخُ عُمَيْرَةُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لَوْ كَانَتْ مَغْشُوشَةً فَالظَّاهِرُ الصِّحَّةُ؛ لأَِنَّ الْغِشَّ غَيْرُ مَقْصُودٍ (٢) .
_________
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٢٠٣، والفتاوى الهندية ٣ / ١٨١، ١٨٢، وتكملة فتح القدير ٧ / ٦٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٦٨، وشرح المحلي مع حاشية القليوبي ٢ / ٢٥٥، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٥، والمغني ٤ / ٢٩٩.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٥، وحاشية عميرة على شرح المنهاج ٢ / ٢٥٥.
السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ:
٣٨ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ - فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ - إِلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ عَدَدًا؛ لأَِنَّ ثَمَنِيَّتَهَا لَيْسَتْ بِلاَزِمَةٍ بَل تَحْتَمِل الزَّوَال، لأَِنَّهَا ثَبَتَتْ بِالاِصْطِلاَحِ فَتَزُول بِالاِصْطِلاَحِ، وَإِقْدَامُ الْعَاقِدَيْنِ عَلَى عَقْدِ السَّلَمِ فِيهَا مَعَ عِلْمِهِمَا أَنَّهُ لاَ صِحَّةَ لِلسَّلَمِ فِي الأَْثْمَانِ اتِّفَاقٌ مِنْهُمَا عَلَى إِخْرَاجِهَا عَنْ صِفَةِ الثَّمَنِيَّةِ، فَتَبْطُل فِي حَقِّ الْعَاقِدَيْنِ سَابِقًا عَلَى الْعَقْدِ وَتَصِيرُ سُلَفًا عَدَدِيَّةً فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا (١) .
وَيَرَى الْحَنَابِلَةُ أَيْضًا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفُلُوسِ وَلَوْ كَانَتْ نَافِقَةً، سَوَاءٌ ضَبَطَهَا بِالْعَدَدِ أَوِ الْوَزْنِ؛ لأَِنَّهَا مُلْحَقَةٌ بِالنَّقْدِ عَلَى مَا قَال الْبُهُوتِيُّ، وَيَكُونُ رَأْسُ مَالِهِ عَرْضًا لاَ نَقْدًا.
أَمَّا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ، فَقَدْ قَال ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: كَرِهَ مَالِكٌ السَّلَمَ فِي الْفُلُوسِ وَبَيْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَلَمْ يُجِزْهَا إِلاَّ يَدًا بِيَدٍ.
وَقَال الشَّافِعِيُّ فِي الأُْمِّ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الْفُلُوسِ (٢) .
التِّجَارَةُ فِي النُّقُودِ (الصِّرَافَةُ):
٣٩ - صَرَّحَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِكَرَاهَةِ التِّجَارَةِ فِي
_________
(١) البدائع ٥ / ٢٠٨، وابن عابدين ٤ / ٢٠٣، والفتاوى الهندية ٣ / ١٨٣.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢١٥، والكافي لابن عبد البر ٢ / ٦٤٤، والأم ٣ / ٩٨.
النُّقُودِ، قَال الْغَزَالِيُّ: خَلَقَ اللَّهُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ لِيَكُونَا حَاكِمَيْنِ بَيْنَ الأَْمْوَال بِالْعَدْل، ثُمَّ قَال: وَالنَّقْدُ لاَ غَرَضَ فِيهِ وَهُوَ وَسِيلَةٌ إِلَى كُل غَرَضٍ، فَهُوَ كَالْحَرْفِ لاَ مَعْنَى لَهُ فِي نَفْسِهِ، وَتَظْهَرُ بِهِ الْمَعَانِي فِي غَيْرِهِ. ثُمَّ قَال: مَنْ مَعَهُ عَرْضٌ فَهُوَ مَعْذُورٌ إِنْ بَاعَهُ بِنَقْدٍ لِيَصِل بِهِ إِلَى مَا شَاءَ مِنَ الْعُرُوضِ. أَمَّا مَنْ يَتَّخِذُ بَيْعَ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ غَايَتَهُ، فَإِنَّ النَّقْدَ يَبْقَى مُقَيَّدًا عِنْدَهُ، وَيَنْزِل مَنْزِلَةَ الْمَكْنُوزِ، فَلاَ مَعْنَى لِبَيْعِ النَّقْدِ بِالنَّقْدِ إِلاَّ اتِّخَاذُ النَّقْدِ مَقْصُودًا لِلاِدِّخَارِ وَهُوَ ظُلْمٌ (١) .
وَقَال الْغَزَالِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: كَرِهُوا الصَّرْفَ؛ لأَِنَّ الاِحْتِرَازَ فِيهِ عَنْ دَقَائِقِ الرِّبَا عَسِيرٌ، وَلأَِنَّهُ طَلَبٌ لِدَقَائِقِ الصِّفَاتِ فِيمَا لاَ تُقْصَدُ أَعْيَانُهَا، وَإِنَّمَا يُقْصَدُ رَوَاجُهَا، وَقَلَّمَا يَتِمُّ لِلصَّيْرَفِيِّ رِبْحٌ إِلاَّ بِاعْتِمَادِ جَهَالَةِ مُعَامِلِهِ بِدَقَائِقِ النَّقْدِ، فَقَلَّمَا يَسْلَمُ الصَّيْرَفِيُّ وَإِنِ احْتَاطَ (٢) .
وَكَرَاهَةُ حِرْفَةِ الصِّرَافَةِ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا، قَال الْبُهُوتِيُّ: لِتَمَكُّنِ الشُّبْهَةِ، وَفِي نَيْل الْمَآرِبِ: جَعَلَهَا مِنْ أَبْغَضِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ، كَالصِّيَاغَةِ (٣) .
_________
(١) إحياء علوم الدين ١٢ / ٢٢٢١.
(٢) إحياء علوم الدين ٥ / ٧٩٥ ط الشعب.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٣ / ٤١١، وكشاف القناع ٦ / ٢١٤، ونيل المآرب ٢ / ٤١٢.
إِقْرَاضُ النُّقُودِ:
٤٠ - يَجُوزُ إِقْرَاضُ النُّقُودِ سَوَاءٌ كَانَتْ ذَهَبِيَّةً أَوْ فِضِّيَّةً أَوْ فُلُوسًا.
وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْمُقْتَرِضِ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهُ، أَوْ أَجْوَدَ مِمَّا أَعْطَاهُ، أَوْ يَرُدَّ صِحَاحًا عَنْ مُكَسَّرَةٍ. فَإِنْ رَدَّ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ جَازَ، لِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: " خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً " (١) قَال الْقَلْيُوبِيُّ: وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ كَانَ مَكْرُوهًا، وَلَوْ لِمَنْ عُرِفَ بِالرَّدِّ مَعَ الزِّيَادَةِ، وَقَال كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِالْحُرْمَةِ (٢) .
وَقَدْ ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ فِي الأَْشْبَاهِ أَنَّ مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يَرُدَّ أَكْثَرَ مِمَّا أُعْطِيَ وَعُرِفَ ذَلِكَ عَنْهُ فَلاَ يَحْرُمُ إِقْرَاضُهُ عَلَى الأَْصَحِّ، وَبِمِثْل ذَلِكَ صَرَّحَ الْحَنَابِلَةُ (٣) .
وَانْظُرْ مُصْطَلَحَ (قَرْض ف ٢٤ وَمَا بَعْدَهَا) .
_________
(١) حديث: " خيركم أحسنكم قضاء ". أخرجه مسلم (٣ / ١٢٢٥ ط عيسى الحلبي)
(٢) المغني ٤ / ٣١٧، ٣١٨، ورد المحتار ٤ / ١٧٢، ١٧٤، وحاشية القليوبي على شرح المنهاج ٢ / ٢٦٠.
(٣) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٩٦، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ١٠٨، والمغني ٤ / ٣٢٢.
رَهْنُ النُّقُودِ:
٤١ - ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ إِلَى جَوَازِ رَهْنِ النُّقُودِ.
ثُمَّ إِنَّ الْحَنَفِيَّةَ قَالُوا: إِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ لِتَحَقُّقِ الاِسْتِيفَاءِ مِنْهَا، فَإِنْ رُهِنَتْ بِجِنْسِهَا فَهَلَكَتْ سَقَطَ مِثْلُهَا مِنَ الدَّيْنِ؛ لأَِنَّ الاِسْتِيفَاءَ حَصَل، وَلاَ فَائِدَةَ فِي تَضْمِينِهِ الْمِثْل؛ لأَِنَّهُ مِثْلِيٌّ، ثُمَّ يَدْفَعُهُ إِلَى صَاحِبِ الْحَقِّ قَضَاءً.
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالُوا: يَجُوزُ رَهْنُ النُّقُودِ سَوَاءٌ جُعِلَتْ فِي يَدِ عَدْلٍ أَوْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، وَاشْتَرَطُوا لِصِحَّةِ رَهْنِهَا أَنْ يَخْتِمَ عَلَيْهَا خَتْمًا مُحْكَمًا بِحَيْثُ مَتَى أُزِيل الْخَتْمُ عُرِفَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا ذَلِكَ حِمَايَةً لِلذَّرِيعَةِ، لاِحْتِمَال أَنْ يَكُونَا قَصَدَا بِهِ السَّلَفَ، وَسَمَّيَاهُ رَهْنًا، وَالسَّلَفُ مَعَ الْمُدَايَنَةِ مَمْنُوعٌ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الثَّمَنُ رَهْنًا فِيمَا إِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ أَوِ الْحَاكِمُ الْمَرْهُونَ، وَكَمَا إِذَا بَاعَ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُجْعَل ثَمَنُهُ رَهْنًا (١) .
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ٢ / ٦٧، وحاشية ابن عابدين مع الدر المختار ٥ / ٣١٩، ٣٢٠، وجواهر الإكليل ٢ / ٧٩، والدسوقي مع الشرح الكبير ٣ / ٢٣٧، ونهاية المحتاج ٤ / ٢٣٧، والإنصاف ٥ / ١٤١، والمغني ٤ / ٣٧٧.
إِعَارَةُ النُّقُودِ:
٤٢ - يَرَى الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ جَوَازَ إِعَارَةِ النُّقُودِ.
ثُمَّ قَال الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: عَارِيَةُ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ وَالْفُلُوسِ قَرْضٌ تَغْلِيبًا لِلْمَعْنَى عَلَى اللَّفْظِ، وَهَذَا إِذَا أُطْلِقَ الْعَارِيَةُ، فَأَمَّا إِذَا بَيَّنَ الْجِهَةَ الَّتِي تُسْتَعْمَل فِيهَا، كَمَا إِذَا اسْتَعَارَهَا لِيُعَايِرَ بِهَا مِيزَانَهُ أَوْ يُجَمِّل بِهَا دُكَّانَهُ أَوْ لِتَجَمُّل أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لاَ تَنْقَلِبُ بِهِ أَعْيَانُهَا، لاَ يَكُونُ قَرْضًا، بَل يَكُونُ عَارِيَةً تُمْلَكُ بِهَا الْمَنْفَعَةُ الْمُسَمَّاةُ دُونَ غَيْرِهَا، وَلاَ يَجُوزُ لَهُ الاِنْتِفَاعُ بِهَا عَلَى وَجْهٍ آخَرَ غَيْرِ مَا سَمَّاهُ لَهُ.
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ إِعَارَةَ النُّقُودِ قَرْضٌ لاَ عَارِيَةٌ وَإِنْ وَقَعَتْ بِلَفْظِ الْعَارِيَةِ؛ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعَارِيَةِ الاِنْتِفَاعُ بِهَا مَعَ رَدِّ عَيْنِهَا لِرَبِّهَا، وَالنُّقُودُ إِنَّمَا يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ ذَهَابِ عَيْنِهَا.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَجُوزُ إِعَارَةُ النَّقْدِ لَوْ صَرَّحَ بِإِعَارَتِهِ لِلتَّزَيُّنِ بِهِ أَوِ الطَّبْعِ عَلَى طَبْعِهِ، وَلَوْ نَوَى ذَلِكَ كَفَى. أَمَّا فِي حَال الإِْطْلاَقِ فَلاَ تَصِحُّ الْعَارِيَةُ عِنْدَهُمْ؛ لأَِنَّ مُعْظَمَ الْقَصْدِ مِنَ النَّقْدِ الإِْنْفَاقُ (١) .
_________
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٣٦٣، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٣ / ٤٣٥، ونهاية المحتاج ٥ / ١٢١، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٣ / ٦٩، ١٨، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٩٢، والمغني ٥ / ٣٠٨.
إِجَارَةُ النُّقُودِ:
٤٣ - يَرَى الْحَنَابِلَةُ جَوَازَ إِجَارَةِ النُّقُودِ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ، كَالتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ؛ لأَِنَّهُ نَفْعٌ مُبَاحٌ يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ.
وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ النُّقُودَ لاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهَا لِلضَّرْبِ عَلَى صُورَتِهَا، أَوْ لِلتَّزَيُّنِ بِهَا أَوِ الْوَزْنِ بِهَا؛ لأَِنَّهَا مَنَافِعُ غَيْرُ مَقْصُودَةٍ غَالِبًا بِدَلِيل عَدَمِ ضَمَانِ غَاصِبِهَا أُجْرَتَهَا، وَهَذَا عَلَى الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ. أَمَّا إِذَا لَمْ يُصَرَّحْ بِالتَّزْيِينِ وَنَحْوِهِ فَلاَ تَصِحُّ إِجَارَتُهَا جَزْمًا. فَإِنْ كَانَتْ فِيهَا عُرًى جَازَتْ إِجَارَتُهَا لِلتَّزَيُّنِ.
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لَوِ اسْتَأْجَرَ دِرْهَمًا لِيُزَيَّنَ بِهَا جَازَ إِنْ وَقَّتَ وَبَيَّنَ الأُْجْرَةَ (١) .
وَقْفُ النُّقُودِ:
٤٤ - ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّ وَقْفَ النُّقُودِ غَيْرُ جَائِزٍ؛ لأَِنَّ النُّقُودَ لاَ يُنْتَفَعُ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا، بَل الاِنْتِفَاعُ بِهَا إِنَّمَا هُوَ بِإِنْفَاقِهَا، وَهُوَ اسْتِهْلاَكٌ لأَِصْلِهَا، وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِمَوْضُوعِ الْوَقْفِ.
_________
(١) غمز عيون البصائر ٣ / ١٢٣ ط دار الكتب العلمية، وشرح المنهاج مع حاشية القليوبي ٣ / ٦٩، ١٨، ونهاية المحتاج ٥ / ٢٧٠، وشرح منتهى الإرادات ٢ / ٣٥٨، وكشاف القناع ٣ / ٥٦١.
وَفَرَّقُوا بَيْنَ إِجَارَةِ النُّقُودِ وَإِعَارَتِهَا لِمَنْفَعَةِ التَّزَيُّنِ بِهَا أَوْ مُعَايَرَةِ الْوَزْنِ بِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْمَنَافِعِ، وَبَيْنَ وَقْفِهَا عَلَى مِثْل هَذِهِ الْمَنَافِعِ، بِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ الأَْصْلِيَّةَ الْمَقْصُودَةَ الَّتِي خُلِقَتْ لَهَا النُّقُودُ هِيَ كَوْنُهَا أَثْمَانًا تُنْفَقُ إِلَى الأَْغْرَاضِ وَالْحَاجَاتِ، وَأَنَّ الإِْجَارَةَ وَالإِْعَارَةَ الْمُعْتَبَرُ فِيهِمَا عَدَمُ الدَّوَامِ بِخِلاَفِ الْوَقْفِ.
وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ نَقَلَهُ صَاحِبُ الْفُرُوعِ: يَجُوزُ وَقْفُهَا لِلتَّحَلِّي وَالْوَزْنِ وَهُوَ مُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ (١) .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيُوَافِقُونَ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ وَقْفِ النُّقُودِ عَلَى الإِْنْفَاقِ وَعَلَى التَّزَيُّنِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْمَصَالِحِ، لَكِنْ ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهَا إِنْ وُقِفَتْ عَلَى الإِْقْرَاضِ جَازَ. وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الإِْمَامُ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَتُقْرَضُ لِمَنْ يَنْتَفِعُ بِإِنْفَاقِهَا، وَيَرُدُّ بَدَلَهَا، فَإِذَا رَدَّ بَدَلَهَا تُقْرَضُ لِغَيْرِهِ، وَهَكَذَا. قَالُوا: وَيَنْزِل رَدُّ بَدَل النُّقُودِ مَنْزِلَةَ بَقَاءِ عَيْنِهَا (٢) .
وَتَفْصِيل مَذْهَبِ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّ مُقْتَضَى قَوْل أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ عَدَمُ
_________
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٧٧، ونهاية المحتاج ٥ / ٣٥٨، وروضة الطالبين ٥ / ٣١٥، وأسنى المطالب ٢ / ٤٥٨.
(٢) جواهر الإكليل ٢ / ٢٠٥، وحاشية الدسوقي ٤ / ٧٦، ٧٧، والمغني لابن قدامة ٥ / ٨٤، والفروع لابن مفلح ٤ / ٥٨٣.
جَوَازِ وَقْفِ النُّقُودِ؛ لأَِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولاَتِ أَصْلًا عِنْدَهُمَا.
وَرُوِيَ عَنْ زُفَرَ مِنْ طَرِيقِ الأَْنْصَارِيِّ إِجَازَةُ وَقْفِهَا - أَيِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ -.
وَقَوْل مُحَمَّدٍ إِنَّهُ لاَ يَجُوزُ وَقْفُ الْمَنْقُولاَتِ لَكِنْ إِنْ جَرَى التَّعَامُل بِوَقْفِ شَيْءٍ مِنَ الْمَنْقُولاَتِ جَازَ وَقْفُهُ. قَال فِي الاِخْتِيَارِ: وَالْفَتْوَى عَلَى قَوْل مُحَمَّدٍ لِحَاجَةِ النَّاسِ وَتَعَامُلِهِمْ بِذَلِكَ، كَالْمَصَاحِفِ وَالْكُتُبِ وَالسِّلاَحِ.
وَبِنَاءً عَلَى ذَلِكَ فَحِينَ جَرَى التَّعَامُل فِي الْعُصُورِ اللاَّحِقَةِ بِوَقْفِ النُّقُودِ وُجِدَتِ الْفَتْوَى بِدُخُول النُّقُودِ تَحْتَ قَوْل مُحَمَّدٍ بِجَوَازِ وَقْفِ مَا جَرَى التَّعَامُل بِوَقْفِهِ. قَال فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بَل وَرَدَ الأَْمْرُ لِلْقُضَاةِ بِالْحُكْمِ بِهِ كَمَا فِي مَعْرُوضَاتِ أَبِي السُّعُودِ.
وَوَجْهُ الاِنْتِفَاعِ بِهَا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهَا هُوَ عِنْدَهُمْ بِإِقْرَاضِهَا، وَإِذَا رَدَّ مِثْلَهَا جَرَى إِقْرَاضُهُ أَيْضًا، وَهَكَذَا، قَال ابْنُ عَابِدِينَ: لَمَّا كَانَتِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ لاَ تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ، يَكُونُ بَدَلُهَا قَائِمًا مَقَامَهَا لِعَدَمِ تَعَيُّنِهَا.
وَذَكَرَ زُفَرُ وَجْهًا آخَرَ: أَنْ تُدْفَعَ مُضَارَبَةً إِلَى مَنْ يَعْمَل فِيهَا، ثُمَّ يُتَصَدَّقُ بِالرِّبْحِ فِي الْوَجْهِ الَّذِي وُقِفَتْ عَلَيْهِ (١) .
_________
(١) الاختيار لتعليل المختار ٣ / ٤٢، ومجمع الأنهر ٢ / ٧٤٧، وحاشية ابن عابدين ٣ / ٣٧٤.