الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١ الصفحة 25

الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١

نُزُولِهِ بِبَلَدٍ فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَيُسْجَنُ بِهَا، لأَِنَّ سَجْنَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي زَنَى فِيهِ تَغْرِيبٌ لَهُ.

وَاسْتَظْهَرَ بَعْضُ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ إِنْ زَنَى فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ، أَوْ زَنَى غَرِيبٌ بِغَيْرِ بَلَدِهِ أَنَّهُ إِنْ تَأَنَّسَ بِأَهْل السِّجْنِ لِطُول الإِْقَامَةِ مَعَهُمْ وَتَأَنَّسَ الْغَرِيبُ بِأَهْل تِلْكَ الْبَلَدِ، غُرِّبَ لِمَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ الْجَلْدِ، وَإِلاَّ كَفَى السَّجْنُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ (١) .

ب - مُدَّةُ النَّفْيِ فِي الْحِرَابَةِ:

١١ - ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ: الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّ مُدَّةَ النَّفْيِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ غَيْرُ مُحَدَّدَةٍ وَإِنَّمَا تَتَوَقَّفُ عَلَى التَّوْبَةِ، لاَ بِالْقَوْل بَل بِظُهُورِ سِيمَا الصُّلَحَاءِ، وَيَبْقَى فِي النَّفْيِ، وَهُوَ الإِْبْعَادُ أَوِ الْحَبْسُ، حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَمُوتَ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ الْفَرْقُ فِي النَّفْيِ بِالزِّنَا بِأَنَّهُ مُحَدَّدٌ بِسَنَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَفِي الْحِرَابَةِ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ أَوْ يَسْتَمِرَّ حَتَّى يَمُوتَ (٢) .

_________

(١) الدسوقي ٤ / ٣٢٢.

(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١١٤، وفتح القدير ٤ / ٢٦٨، والمبسوط ٩ / ١٩٩، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٢٩٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٤٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٩٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٨١، والروضة ١٠ / ١٥٦، ونهاية المحتاج ٨ / ٥، والمهذب ٢ / ٢٨٥، وكشاف القناع ٦ / ١٥٢، والفروع ٦ / ١٤٠، والمغني ١٢ / ٤٨٣.

وَفِي قَوْلٍ لِلْحَنَابِلَةِ: يُحْتَمَل أَنْ يُنْفَى عَامًا كَنَفْيِ الزَّانِي (١) .

وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: يُقَدَّرُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا لِئَلاَّ يَزِيدَ عَلَى تَغْرِيبِ الْعَبْدِ فِي الزِّنَا، وَقِيل: يُقَدَّرُ بِسَنَةٍ فَيَنْقُصُ مِنْهَا شَيْئًا لِئَلاَّ يَزِيدَ عَلَى تَغْرِيبِ الْحُرِّ فِي الزِّنَا (٢) .

ج - مُدَّةُ النَّفْيِ فِي التَّعْزِيرِ:

١٢ - لَيْسَ لِلْحَبْسِ وَالتَّغْرِيبِ فِي التَّعْزِيرِ مُدَّةٌ مُعَيَّنَةٌ، وَتَخْتَلِفُ مُدَّةُ النَّفْيِ بِاخْتِلاَفِ الأَْسْبَابِ وَالْمُوجِبَاتِ، وَمَرَدُّ ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الْقَاضِي بِقَدْرِ مَا يَرَى أَنَّهُ يَنْزَجِرُ بِهِ، وَقَدْ يَكُونُ يَوْمًا، وَقَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ بِلاَ تَقْدِيرٍ (٣) .

وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَعْزِير ف ١٧، ١٨ وَمَا بَعْدَهَا، حَبْس ف ١٩، ٢٠ وَمَا بَعْدَهَا) .

تَنْفِيذُ عُقُوبَةِ النَّفْيِ:

بَيَّنَ الْفُقَهَاءُ أَحْكَامًا عِدَّةً فِي تَنْفِيذِ عُقُوبَةِ النَّفْيِ، نَذْكُرُ مِنْهَا:

أَوَّلًا: مَكَانُ النَّفْيِ:

مَكَانُ النَّفْيِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الإِْبْعَادَ عَنِ الْبَلَدِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّجْنَ وَالْحَبْسَ، وَيَخْتَلِفُ الْمَكَانُ بِحَسَبِ مُوجِبِ النَّفْيِ.

_________

(١) المغني ١٢ / ٤٨٣.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٨١.

(٣) تبصرة الحكام ٢ / ٢١٥.

أ - مَكَانُ النَّفْيِ فِي الزِّنَا:

١٣ - قَال الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ النَّفْيَ فِي الزِّنَا لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ هُوَ سِيَاسَةٌ وَتَعْزِيرٌ إِنْ رَآهُ الْحَاكِمُ، وَمَكَانُ النَّفْيِ هُوَ الْحَبْسُ بِالسَّجْنِ؛ لأَِنَّهُ أَسْكَنُ لِلْفِتْنَةِ مِنَ التَّغْرِيبِ، وَلأَِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ هُوَ الْمَنْعُ مِنَ الْفَسَادِ، وَفِي التَّغْرِيبِ فَتْحٌ لِبَابِ الْفَسَادِ، وَفِيهِ نَقْضٌ وَإِبْطَالٌ لِلْمَقْصُودِ مِنَ النَّفْيِ شَرْعًا، وَلِذَلِكَ يُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ (١) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَتِمُّ النَّفْيُ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي حَدَثَ فِيهِ الزِّنَا، وَيُغَرَّبُ الزَّانِي إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، دُونَ حَبْسِ الْمُغرَّبِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي نُفِي إِلَيْهِ وَلاَ يُعْتَقَل هُنَاكَ، وَلَكِنْ يُحْفَظُ بِالْمُرَاقَبَةِ لِئَلاَّ يَرْجِعَ إِلَى بَلَدِهِ، فَإِنِ احْتِيجَ إِلَى الاِعْتِقَال وَالْحَبْسِ خَوْفًا مِنْ رُجُوعِهِ اعْتُقِل (٢)، وَقَالُوا: يُخْرَجُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ بِالنَّفْيِ فِي الزِّنَا إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ فَمَا فَوْقَهَا، لأَِنَّ مَا دُونَهَا فِي حُكْمِ الْحَضَرِ لِتَوَصُّل الأَْخْبَارِ فِيهَا إِلَيْهِ، وَالْمَقْصُودُ إِيحَاشُهُ بِالْبُعْدِ عَنِ الأَْهْل وَالْوَطَنِ، وَقَدْ غَرَّبَ عُمَرُ ﵁ إِلَى الشَّامِ، وَغَرَّبَ عُثْمَانُ ﵁

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٤، والمبسوط للسرخسي ٩ / ٤٥.

(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٨٩، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، وفتح القدير ٤ / ١٣٦.

إِلَى مِصْرَ، وَغَرَّبَ عَلِيٌّ ﵁ إِلَى الْبَصْرَةِ (١) .

وَيَجِبُ تَحْدِيدُ بَلَدِ النَّفْيِ، فَلاَ يُرْسِلُهُ الإِْمَامُ إِرْسَالًا، وَإِذَا عَيَّنَ الإِْمَامُ لَهُ جِهَةً فَلَيْسَ لِلْمَنْفِيِّ أَنْ يَطْلُبَ غَيْرَهَا فِي الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّهُ أَلْيَقُ بِالزَّجْرِ، وَمُعَامَلَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ، وَفِي مُقَابِل الأَْصَحِّ: لَهُ ذَلِكَ لأَِنَّ الْمَقْصُودَ إِيحَاشُهُ بِالْبُعْدِ عَنِ الْوَطَنِ.

وَلاَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّغْرِيبُ لِلْجَانِي إِلَى بَلَدِهِ (٢) .

وَإِذَا رَجَعَ الْمُغَرَّبُ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ مِنْهُ، رُدَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ (٣) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: يُغَرَّبُ الزَّانِي عَنِ الْبَلَدِ الَّذِي وَقَعَ فِيهِ الزِّنَا إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَيُسْجَنُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ مَا تُقْصَرُ بِهِ الصَّلاَةُ، وَأَمَّا الْغَرِيبُ الَّذِي يَزْنِي فَوْرَ نُزُولِهِ بِبَلَدٍ، فَإِنَّهُ يُجْلَدُ وَيُسْجَنُ بِهَا، لأَِنَّ سَجْنَهُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي زَنَى فِيهِ تَغْرِيبٌ لَهُ (٤) .

_________

(١) مغني المحتاج ٤ / ١٤٨، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، وحاشية القليوبي وعميرة ٤ / ١٨١.

(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٤٨، والروضة ١٠ / ٨٩، وحاشية البجيرمي ٤ / ١٣٦، وكشاف القناع ٦ / ٩٢.

(٣) الروضة ١٠ / ٨٩.

(٤) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٤ / ٣٢٢، وبداية المجتهد ٢ / ٤٩٣، والتاج والإكليل ٦ / ٢٩٦.

ب - مَكَانُ النَّفْيِ فِي الْحِرَابَةِ:

١٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى عُقُوبَةِ النَّفْيِ فِي الْحِرَابَة، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَكَانِهَا.

فَقَال الْحَنَفِيَّةُ: مَكَانُ النَّفْيِ هُوَ السِّجْنُ، فَيُحْبَسُ قَاطِعُ الطَّرِيقِ فِي بَلَدِهِ، لاَ فِي غَيْرِهَا (١) .

وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّ النَّفْيَ فِي الْحِرَابَة كَالنَّفْيِ فِي الزِّنَا، وَهُوَ التَّغْرِيبُ وَالْحَبْسُ فِي الْبَلَدِ الَّذِي غُرِّبَ إِلَيْهِ، عَلَى أَنْ يَكُونَ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ (٢) .

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: إِنَّ النَّفْيَ فِي الْحِرَابَةِ هُوَ بِالْحَبْسِ فِي السِّجْنِ أَوِ التَّغْرِيبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ بِالتَّخْيِيرِ لِلإِْمَامِ، وَقِيل: يَتَعَيَّنُ التَّغْرِيبُ إِلَى حَيْثُ يَرَاهُ الْحَاكِمُ، وَأَيَّدَ ابْنُ سُرَيْجٍ الشَّافِعِيُّ مَذْهَبَ الإِْمَامِ مَالِكٍ وَقَال: الْحَبْسُ يَتَعَيَّنُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْمُحَارِبِينَ الْمَحْبُوسِينَ، لأَِنَّهُ أَحْوَطُ وَأَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ وَالإِْيحَاشِ (٣) .

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْيِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ هُوَ تَشْرِيدُ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ فِي

_________

(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ١١٤، وفتح القدير ٤ / ٢٦٨، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٢٩٣.

(٢) حاشية الدسوقي والشرح الكبير ٤ / ٣٤٩، والتاج والإكليل ٦ / ٢٩٦، وبداية المجتهد ٢ / ٤٩٣.

(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٨٣، والروضة ١٠ / ١٥٦.

الأَْرْضِ، وَعَدَمِ تَرْكِهِمْ يَأْوُونَ إِلَى بَلَدٍ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُمْ، لأَِنَّ النَّفْيَ هُوَ الطَّرْدُ وَالإِْبْعَادُ، وَالْحَبْسُ إِمْسَاكٌ، وَهُمَا يَتَنَافَيَانِ، فَمَكَانُ النَّفْيِ عِنْدَهُمْ لاَ يَكُونُ بِالْحَبْسِ فِي سِجْنٍ، وَلاَ فِي تَغْرِيبٍ إِلَى بَلَدٍ مُعَيَّنٍ، بَل هُوَ التَّشْرِيدُ وَالْمُلاَحَقَةُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى آخَرَ (١) .

ج - مَكَانُ النَّفْيِ فِي التَّعْزِيرِ:

١٥ - النَّفْيُ فِي التَّعْزِيرِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَغْرِيبًا وَإِبْعَادًا عَنِ الْوَطَنِ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حَبْسًا فِي السِّجْنِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بِالأَْمْرَيْنِ مَعًا.

وَأُتِيَ عُمَرُ ﵁ بِرَجُلٍ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ بِهِ فَضُرِبَ ثَمَانِينَ سَوْطًا، حَدًّا لِلْخَمْرِ، ثُمَّ سَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ لاِنْتِهَاكِهِ حُرْمَةَ رَمَضَانَ (٢)، وَكَانَ عُمَرُ إِذَا غَضِبَ عَلَى رَجُلٍ سَيَّرَهُ إِلَى الشَّامِ (٣)، وَكَانَ

_________

(١) كشاف القناع ٦ / ١٥٢، والمغني ١٢ / ٤٨٢، والفروع ٦ / ١٤٠.

(٢) أثر عمر: " أنه أتي برجل شرب الخمر في رمضان. . . ". عزاه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧١ - ط العلمية) إلى سعيد بن منصور في سننه.

(٣) أثر عمر: " أنه كان إذا غضب على رجل سيره إلى الشام. . . ". عزاه ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧١ - ط العلمية) للبغوي في الجعديات.

عُمَرُ يَنْفِي إِلَى الْبَصْرَةِ أَيْضًا (١)، وَنَفَى إِلَى فَدَكَ (٢) .

ثَانِيًا: مُعَامَلَةُ الشَّخْصِ الْمَنْفِيِّ:

١٦ - إِذَا كَانَ النَّفْيُ مُجَرَّدَ تَغْرِيبٍ عَنْ بَلَدِهِ فَإِنَّهُ يُرَاقَبُ فِي تِلْكَ الْبِلاَدِ لِئَلاَّ يَرْجِعَ إِلَى بَلْدَتِهِ، وَيُتْرَكُ لَهُ حُرِّيَّةُ التَّصَرُّفِ كَامِلَةً فِي الْعَمَل وَالسَّكَنِ وَالْمُعَامَلاَتِ وَصُحْبَةِ أَهْلِهِ وَزَوْجَتِهِ وَأَوْلاَدِهِ (٣) .

وَأَضَافَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّ الْمَنْفِيَّ يُغَرَّبُ عَنْ بَلَدِهِ وَيُطَارَدُ وَيُشَرَّدُ فِي الْبُلْدَانِ، فَلاَ يُسْمَحُ لَهُ أَنْ يَسْتَقِرَّ فِي بَلَدٍ، وَلاَ يُمَكَّنُ أَنْ يَأْوِيَ إِلَى بَلَدٍ (٤) .

وَقَال الشَّافِعِيُّ: يُرْوَى عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مُرْسَلًا أَنَّهُ نَفَى مُخَنَّثَيْنِ كَانَا بِالْمَدِينَةِ، يُقَال لأَِحَدِهِمَا: هَيْتُ وَالآْخَرِ مَاتِعٌ. وَيُحْفَظُ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ

_________

(١) أثر عمر: " أنه كان ينفي إلى البصرة ". أخرجه البيهقي في السنن (٨ / ٢٢٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) عن ابن شهاب عنه.

(٢) أثر عمر: " أنه نفى إلى فدك ". أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٧ / ٣١٥ - ط المجلس العلمي - الهند) .

(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٤٨، والفروع ٦ / ٦٩، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، وحاشية البجيرمي على شرح الخطيب ٤ / ١٣٦ مطبعة التقدم العلمية بمصر، ونهاية المحتاج ٧ / ٤٢٨.

(٤) كشاف القناع ٦ / ١٥٢، والمغني ١٢ / ٤٨٢، والفروع ٦ / ١٤٠.

نُفِيَ إِلَى الْحُمَّى، وَأَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَنْزِل طَوَال حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، وَحَيَاةِ أَبِي بَكْرٍ، وَحَيَاةِ عُمَرَ، أَيْ إِقَامَةً جَبْرِيَّةً فِي بَيْتِهِ، وَأَنَّهُ شَكَا الضِّيقَ، فَأَذِنَ لَهُ بَعْضُ الأَْئِمَّةِ أَنْ يَدْخُل الْمَدِينَةَ فِي الْجُمُعَةِ يَوْمًا يَتَسَوَّقُ، ثُمَّ يَنْصَرِفُ وَيَعُودُ إِلَى مَكَانِهِ (١) .

وَإِنْ كَانَ النَّفْيُ حَبْسًا فَهُوَ تَقْيِيدٌ لِلْحَرِيَّةِ، وَمَنْعٌ مِنَ الْمُغَادَرَةِ وَالتَّصَرُّفِ، وَيَجُوزُ ضَرْبُهُ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا تَأْدِيبًا وَزَجْرًا بِحَسَبِ تُهْمَتِهِ وَجَرِيرَتِهِ، وَلاَ مَانِعَ أَنْ يُمَارِسَ كُل الأَْعْمَال الَّتِي تَتَّفِقُ مَعَ الْحَبْسِ، وَلاَ مَانِعَ مِنْ أَدَائِهِ عَمَلًا يَكْسِبُ مِنْهُ، وَأَنْ يَدْخُل عَلَيْهِ أَهْلُهُ وَأَقَارِبُهُ، وَيُسْمَحُ لَهُ بِالْخَلْوَةِ مَعَ زَوْجَتِهِ إِنَ تَوَفَّرَ مَكَانٌ مُنَاسِبٌ لِذَلِكَ، وَتَكُونُ نَفَقَةُ الْمَحْبُوسِ فِي قُوتِهِ وَطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَكِسَائِهِ مِنْ بَيْتِ الْمَال، وَلَوْ مَرِضَ فِي الْحَبْسِ وَأَضْنَاهُ وَلَمْ يَجِدْ مَنْ يَخْدُمُهُ يُخْرِجُهُ الإِْمَامُ مِنَ الْحَبْسِ إِذَا كَانَ الْغَالِبُ مِنْ مَرَضِهِ الْهَلاَكَ، وَقَال أَبُو يُوسُفَ: لاَ يُخْرِجُهُ؛ لأَِنَّ الْهَلاَكَ فِي السِّجْنِ وَغَيْرِهِ سَوَاءٌ (٢) .

ثَالِثًا: نَفْيُ الْمَرْأَةِ:

١٧ - اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي نَفِي الْمَرْأَةِ بِالتَّغْرِيبِ.

_________

(١) الأم للإمام الشافعي ٦ / ١٤٦ نشر دار المعرفة.

(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢، ومعين الحكام ص ٢٣٣، والمبسوط ٢٠ / ٩٠.

فَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ عِنْدَهُمْ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَاللَّخْمِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لاَ تُنْفَى الْمَرْأَةُ الزَّانِيَةُ وَقَاطِعَةُ الطَّرِيقِ وَحْدَهَا، بَل تُغَرَّبُ مَعَ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ انْهُ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُول: لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ، وَلاَ تُسَافِرَنَّ امْرَأَةٌ إِلاَّ وَمَعَهَا مَحْرَمٌ ". فَقَامَ رَجُلٌ فَقَال: يَا رَسُول اللَّهِ: اكْتَتَبْتُ فِي غَزْوَةِ كَذَا وَكَذَا، وَخَرَجَتِ امْرَأَتَيْ حَاجَّةً قَال: " اذْهَبْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأَتِكَ (١) .

وَلِحَدِيثِ: لاَ يَحِل لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآْخِرِ تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ إِلاَّ مَعَ ذِي مَحْرَمٍ عَلَيْهَا (٢)، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ تَأْدِيبُ الزَّانِيَةِ بِالْجَلْدِ وَالنَّفْيِ، فَإِذَا خَرَجَتْ وَحْدَهَا هَتَكَتْ جِلْبَابَ الْحَيَاءِ.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تُغَرَّبُ وَحْدَهَا لأَِنَّهَا سَفَرٌ وَاجِبٌ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَ سَفَرَ الْهِجْرَةِ،

_________

(١) حديث ابن عباس ﵁: " أنه سمع النبي ﷺ يقول: لا يخلون رجل بامرأة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٦ / ١٤٣ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٧٨ ط عيسى الحلبي)، واللفظ للبخاري.

(٢) حديث: " لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تسافر مسيرة يوم وليلة. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٥٦٦ ط السلفية) ومسلم (٢ / ٩٧٧ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة ﵁، واللفظ لمسلم.

لَكِنَّ هَذَا إِذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا، وَالأَْصَحُّ أَنَّهُ يُكْتَفَى مَعَ الأَْمْنِ بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ثِقَةٍ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ غُرِّبَتْ مَعَ نِسَاءٍ ثِقَاتٍ، قَالُوا: وَيُحْتَمَل أَنْ يَسْقُطَ النَّفْيُ كَمَا يَسْقُطُ سَفَرُ الْحَجِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ، فَإِنَّ تَغْرِيبَهَا إِغْرَاءٌ لَهَا بِالْفُجُورِ وَتَعْرِيضٌ لَهَا لِلْفِتْنَةِ.

وَقَال الشَّافِعِيَّةُ - عَلَى الأَْصَحِّ - وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا رَفَضَ الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ الْخُرُوجَ إِلاَّ بِأُجْرَةٍ لَزِمَهَا دَفْعُ الأُْجْرَةِ مِنْ مَالِهَا إِذَا كَانَ لَهَا مَالٌ؛ لأَِنَّهَا مِمَّا يَتِمُّ بِهَا الْوَاجِبُ، وَلأَِنَّهَا مِنْ مُؤَنِ سَفَرِهَا.

وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ احْتِمَالٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّ الأُْجْرَةَ تَكُونُ مِنْ بَيْتِ الْمَال، سَوَاءٌ كَانَ لَهَا مَالٌ أَوْ لاَ.

وَإِنْ رَفَضَ الزَّوْجُ أَوِ الْمَحْرَمُ الْخُرُوجَ وَلَوْ بِأُجْرَةٍ، قَال الْحَنَابِلَةُ: لَمْ يُجْبَرْ عَلَى الْخُرُوجِ، وَهُوَ الأَْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، لأَِنَّ فِيهِ تَغْرِيبَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ، وَلاَ يَأْثَمُ بِامْتِنَاعِهِ.

قَال الشَّافِعِيَّةُ: وَعَلَى الْقَوْل الأَْصَحِّ: يُؤَخَّرُ التَّغْرِيبُ إِلَى أَنْ يَتَيَسَّرَ.

وَقَال الْحَنَابِلَةُ: تُغَرَّبُ وَحْدَهَا مَعَ نِسْوَةٍ ثِقَاتٍ لأَِنَّهُ لاَ سَبِيل إِلَى تَأْخِيرِهِ، فَأَشْبَهَ سَفَرَ الْهِجْرَةِ وَالْحَجِّ إِذَا مَاتَ مَحْرَمُهَا فِي الطَّرِيقِ.

وَهُوَ قَوْل الرُّويَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَيَحْتَاطُ الإِْمَامُ فِي ذَلِكَ.