الموسوعة الفقهية الكويتية المجلد ٤١
وَفِي السُّنَّةِ وَرَدَتْ عِدَّةُ أَحَادِيثَ فِي مَشْرُوعِيَّةِ النَّفْيِ، مِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﵁ أَنَّ رَسُول اللَّهِ ﷺ قَال: خُذُوا عَنِّي خُذُوا عَنِّي، قَدْ جَعَل اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا، الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ سَنَةٍ، وَالثَّيِّبُ بِالثَّيِّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرَّجْمُ (١) .
وَمَا وَرَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ ﵄: أَنَّ رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُول اللَّهِ ﷺ، فَقَال أَحَدُهُمَا: إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا، فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ، فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ، ثُمَّ سَأَلْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَتِهِ الرَّجْمَ، فَقَال النَّبِيُّ ﷺ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ جَل ذِكْرُهُ: الْمِائَةُ شَاةٍ وَالْخَادِمُ رَدٌّ، وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. وَاغَدُ يَا أُنَيْسُ إِلَى امْرَأَةِ هَذَا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا "، فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا (٢) .
_________
(١) حديث عبادة بن الصامت: " خذوا عني خذوا عني. . . ". أخرجه مسلم (٣ / ١٣١٦ ط عيسى الحلبي) .
(٢) حديث: " أن رجلين اختصما إلى رسول الله ﷺ فقال أحدهما. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ١٣٧ ط السلفية)، ومسلم (٣ / ١٣٢٤ - ١٣٢٥ ط عيسى الحلبي) واللفظ للبخاري.
وَمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ ضَرَبَ وَغَرَّبَ، وَأَنَّ عُمَرَ ضَرَبَ وَغَرَّبَ (١) .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْجَلْدِ وَالنَّفْيِ لِلْحُرِّ غَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَانْتَشَرَ ذَلِكَ وَلَمْ يُعْرَفْ لَهُمْ مُخَالِفٌ، فَكَانَ كَالإِْجْمَاعِ، قَال التِّرْمِذِيُّ: وَالْعَمَل عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْل الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ، وَعُمَرُ، وَعَلِيٌّ، وَأُبَيٌّ بْنُ كَعْبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ، وَأَبُو ذَرٍّ، وَغَيْرُهُمْ ﵃ أَجْمَعِينَ (٢) .
وَنَفَى عُمَرُ ﵁ نَصْرَ بْنَ الْحَجَّاجِ لاِفْتِتَانِ النِّسَاءِ بِهِ، وَكَانَ عَلَى مَرْأًى مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ لَيْسَ عُقُوبَةً لَهُ، لأَِنَّ الْجَمَال لاَ يُوجِبُ النَّفْيَ، وَلَكِنْ فَعَل ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ رَآهَا، كَمَا عَاقَبَ عُمَرُ ﵁ صَبِيغًا لِسُؤَالِهِ عَنْ مُتَشَابِهِ الْقُرْآنِ وَأَوَائِل السُّوَرِ وَأَسْمَائِهَا (٣) .
_________
(١) حديث ابن عمر: " أن النبي ﷺ ضرب وغرب، وأن أبا بكر. . . ". أخرجه الترمذي (٤ / ٤٤ ط الحلبي) وقال: حديث ابن عمر حديث غريب. ونقل ابن حجر في التلخيص (٤ / ١٧١ ط العلمية) عن ابن القطان أنه صححه، وعن الدارقطني ترجيح وقفه.
(٢) جامع الترمذي ٤ / ٤٥ ط الحلبي.
(٣) المبسوط للسرخسي ٩ / ٤٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٤٧، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، ونهاية المحتاج ٧ / ١٤٧، والمغني ١٢ / ٣٢٤، والفروع لابن مفلح ٦ / ٦٩ مع تصحيح الفروع طبعة ثانية، وأقضية النبي ﷺ ٤ - ٥ طبع قطر.
الْحُكْمُ التَّكْلِيفِيُّ:
٤ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى وُجُوبِ النَّفْيِ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ، مَعَ التَّخْيِيرِ لِلإِْمَامِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالتَّنْوِيعِ بَيْنَ الْعُقُوبَاتِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ (انْظُرْ: حِرَابَة ف ١٧ وَمَا بَعْدَهَا) .
وَاتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ النَّفْيِ فِي التَّعْزِيرِ، وَأَنَّهُ مُبَاحٌ أَوْ مَنْدُوبٌ لِلإِْمَامِ وَالْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِهِ (انْظُرْ: تَعْزِير ف ٦) .
وَقَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ بِوُجُوبِ النَّفْيِ فِي حَدِّ الزِّنَا لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ، وَقَال الْحَنَفِيَّةُ بِإِبَاحَتِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ، وَأَنَّهُ مُجَرَّدُ تَعْزِيرٌ، وَلَيْسَ جُزْءًا مِنَ الْحَدِّ (انْظُرْ: حُدُود ف ٣٢) .
وَإِذَا كَانَ النَّفْيُ تَعْزِيرًا فَيَخْتَلِفُ حُكْمُهُ بِاخْتِلاَفِ حَالِهِ، وَحَال فَاعِلِهِ (١) .
حِكْمَةُ النَّفْيِ:
٥ - إِنَّ النَّفْيَ - بِالْمَعَانِي الثَّلاَثَةِ السَّابِقَةِ - إِبْعَادٌ عَنِ الأَْهْل وَالْبَيْتِ وَالسَّكَنِ وَالْحَيَاةِ الْعَادِيَّةِ، وَفِيهِ تَنْكَسِرُ النَّفْسُ وَتَلِينُ، وَفِيهِ إِيحَاشٌ بِالْبُعْدِ عَنِ الأَْهْل وَالْوَطَنِ (٢)،.
_________
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٣٦.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٤٨.
لِذَلِكَ اعْتُبِرَ النَّفْيُ تَأْدِيبًا وَعِتَابًا، وَهُوَ تَرْبِيَةٌ وَوَسِيلَةٌ لِلإِْصْلاَحِ وَالنَّدَمِ وَالتَّوْبَةِ وَتَهْدِئَةِ النُّفُوسِ، وَهُوَ مَنْعٌ لِلاِضْطِرَابِ وَالثَّأْرِ وَالاِنْتِقَامِ، وَوَضْعُ حَدٍّ لِلْجَرِيمَةِ وَالْعِصْيَانِ وَالْمُخَالَفَاتِ (١) .
أَنْوَاعُ النَّفْيِ:
٦ - يَتَنَوَّعُ النَّفْيُ بِحَسَبِ اعْتِبَارَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ، وَذَلِكَ كَمَا يَلِي:
أ - يَتَنَوَّعُ النَّفْيُ بِحَسَبِ حَقِيقَتِهِ إِلَى الْحَبْسِ، أَوِ الإِْبْعَادِ وَالتَّغْرِيبِ، أَوِ الْحَبْسِ وَالتَّغْرِيبِ مَعًا، كَمَا سَبَقَ فِي تَعْرِيفِهِ.
ب - وَيَتَنَوَّعُ النَّفْيِ بِحَسَبِ مُدَّتِهِ إِلَى نَفْيٍ لِمُدَّةٍ قَصِيرَةٍ، أَوْ نَفْيٍ لِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ، أَوْ نَفْيٍ مُؤَبَّدٍ حَتَّى التَّوْبَةِ أَوِ الْمَوْتِ.
ج - وَيَتَنَوَّعُ النَّفْيُ بِاعْتِبَارِهِ حَدًّا أَوْ تَعْزِيرًا إِلَى نَوْعَيْنِ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: النَّفْيُ حَدٌّ فِي الْحِرَابَةِ بِاتِّفَاقِ الْمَذَاهِبِ، أَمَّا فِي الزِّنَا فَهُوَ حَدٌّ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَتَعْزِيرٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (تَغْرِيب ف ٢) .
النَّوْعُ الثَّانِي: النَّفْيُ يَكُونُ تَعْزِيرًا يُقَدِّرُهُ الْقَاضِي.
_________
(١) تبصرة الحكام ٢ / ٣١٥، ومعين الحكام للطرابلسي ص ١٩١.
د - وَيَتَنَوَّعُ النَّفْيُ بِحَسَبِ طَرِيقَةِ تَنْفِيذِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مُجَرَّدِ النَّفْيِ وَالإِْبْعَادِ عَنِ الْوَطَنِ وَالأَْهْل، وَإِمَّا أَنْ تَقْتَرِنَ بِهِ الْمُطَارَدَةُ وَالْمُلاَحَقَةُ وَالْمُضَايَقَةُ، وَالْحَبْسُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَصِرًا عَلَى تَقْيِيدِ الْحُرِيَّةِ بِمُفْرَدِهِ، وَإِمَّا أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ الضَّرْبُ وَالتَّعْذِيبُ.
مُوجِبَاتُ النَّفْيِ:
شُرِعَ النَّفْيُ عُقُوبَةً فِي الزِّنَا وَفِي الْحِرَابَةِ وَفِي التَّعْزِيرِ.
أ - النَّفْيُ فِي حَدِّ الزِّنَا:
٧ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ حَدَّ الزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ - رَجُلًا كَانَ أَوِ امْرَأَةً - مِائَةُ جَلْدَةٍ إِنْ كَانَ حُرًّا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُل وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ (١)﴾، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ.
وَاتَّفَقُوا عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ عُقُوبَةِ النَّفْيِ لِلزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ، مَعَ اخْتِلاَفٍ فِي اعْتِبَارِهِ جُزْءًا مِنْ حَدِّ الزِّنَا أَوْ هُوَ مُجَرَّدُ تَعْزِيرٍ وَزِيَادَةٍ عَلَى الْحَدِّ (٢) .
_________
(١) سورة النور / ٢.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ١٤، وفتح القدير ٤ / ١٣٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢١، والقوانين الفقهية ص ٣٨٤، ومغني المحتاج ٤ / ١٤٧، والروضة ١٠ / ٨٨، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، والفروع ٦ / ٦٩.
وَالتَّفْصِيل فِي مُصْطَلَحِ (زِنَى ف ٨، وَتَغْرِيب ف ٢) .
ب - النَّفْيُ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ:
٨ - وَرَدَ النَّفْيُ فِي حَدِّ الْحِرَابَةِ صَرَاحَةً فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ، قَال تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَْرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ (١)﴾ .
وَاتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَفْيِ الْمُحَارِبِينَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ، وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فِي تَطْبِيقِ الْعُقُوبَةِ.
وَتَفْصِيلُهُ فِي مُصْطَلَحِ (حِرَابَة ف ١٨) .
وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي الْمُرَادِ مِنَ النَّفْيِ فِي الآْيَةِ الْكَرِيمَةِ كَمَا سَبَقَ.
(ر: تَغْرِيب ف ٢، وَحِرَابَة ف ١٨) .
ج - النَّفْيُ تَعْزِيرًا:
٩ - اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّعْزِيرِ بِالنَّفْيِ، وَيَفْعَلُهُ الإِْمَامُ وَالْحَاكِمُ عِنْدَ ظَنِّ الْمَصْلَحَةِ فِي النَّفْيِ (٢) .
_________
(١) سورة المائدة / ٣٣.
(٢) المبسوط للسرخسي ٩ / ١٩٨، وفتح القدير ٤ / ٢٧٣، والقوانين الفقهية ص ٣٩٢، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٤٨، ومغني المحتاج ٤ / ١٨٢، وحاشية القليوبي ٤ / ٢٠٠، وكشاف القناع ٦ / ١٥٠، والفروع ٦ / ١٤٢، وبدائع الصنائع ٩ / ٤٢٨٣، والمغني ١٢ / ٤٨٦.
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَضَاءِ النَّبِيِّ ﷺ بِالنَّفْيِ تَعْزِيرًا فِي شَأْنِ الْمُخَنَّثِينَ، فَعَنِ ابْن عَبَّاسٍ ﵄ قَال: لَعَنَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَال، وَالْمُتَرَجِّلاَتِ مِنَ النِّسَاءِ، وَقَال: " أَخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ " قَال: فَأَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ فُلاَنًا وَأَخْرَجَ عُمَرُ فُلاَنَةً (١) .
وَنَفَى عُمَرُ ﵁ نَصْرَ بْنَ حَجَّاجٍ لَمَّا خَافَ الْفِتْنَةَ بِهِ، نَفَاهُ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى الْبَصْرَةِ (٢) .
وَاتَّخَذَ عُمَرُ ﵁ السِّجْنَ لِعُقُوبَاتِ التَّعْزِيرِ، وَسَجَنَ الْحُطَيْئَةَ لَمَّا هَجَا الزِّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ، ثُمَّ أَخْرَجَهُ مِنَ السِّجْنِ (٣) وَسَجَنَ صَبِيغًا عَلَى سُؤَالِهِ عَنِ الذَّارِيَاتِ وَالْمُرْسَلاَتِ وَالنَّازِعَاتِ وَشَبَهِهِنَّ، وَأَمَرَهُ بِالتَّفَقُّهِ، ثُمَّ نَفَاهُ إِلَى الْعِرَاقِ (٤) .
مُدَّةُ النَّفْيِ:
تَخْتَلِفُ مُدَّةُ النَّفْيِ بِحَسَبِ مُوجِبِهَا فِي الزِّنَا وَالْحِرَابَةِ وَالتَّعْزِيرِ.
_________
(١) حديث: " لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال. . . ". أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠ / ٣٣٣ ط السلفية) .
(٢) المبسوط ٩ / ٤٥، والفروع ٦ / ١١٥.
(٣) الفروع ٦ / ١١١، فتح القدير والعناية ٤ / ١٣٦.
(٤) تبصرة الحكام لابن فرحون ٢ / ٣١٧، ومعين الحكام للطرابلسي ص ١٩٢.
أ - مُدَّةُ النَّفْيِ فِي حَدِّ الزِّنَا:
١٠ - قَال جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إِنَّ مُدَّةَ النَّفْيِ فِي حَدِّ الزِّنَا لِغَيْرِ الْمُحْصَنِ سَنَةٌ كَامِلَةٌ، لِلنَّصِّ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ ﵁: الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَنَفْيُ عَامٍ (١)، فَالْمُدَّةُ حَدٌّ مُقَدَّرٌ شَرْعًا، وَلاَ مَجَال لِلاِجْتِهَادِ فِيهِ، فَلاَ يُزَادُ وَلاَ يُنْقَصُ (٢) .
لَكِنْ قَال الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ النَّفْيُ لِلزَّانِي غَيْرِ الْمُحْصَنِ عَلَى سَنَةٍ، مَعَ أَنَّ التَّغْرِيبَ عِنْدَهُمْ فِي الزِّنَا حَدٌّ، لأَِنَّهُمْ يَقُولُونَ بِنَسْخِ حَدِيثِ: مَنْ بَلَغَ حَدًّا فِي غَيْرِ حَدٍّ فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَدِينَ (٣) . فَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لِلإِْمَامِ أَنْ يَزِيدَ فِي التَّعْزِيرِ عَلَى الْحَدِّ، مَعَ
_________
(١) حديث عبادة. سبق تخريجه ف (٣) .
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٤٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢، والتاج والإكليل على هامش مواهب الجليل ٦ / ٢٩٦، وكشاف القناع ٦ / ٩١، والفروع ٦ / ٦٩، وحاشية قليوبي ٤ / ١٨١، والشرح الصغير على أقرب المسالك ٤ / ٤٥٧.
(٣) حديث: " من بلغ حدا في غير حد فهو من المعتدين ". أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٨ / ٣٢٧ ط دائرة المعارف)، وقال البيهقي: والمحفوظ أن هذا الحديث مرسل.
مُرَاعَاةِ الْمَصْلَحَةِ غَيْرِ الْمَشُوبَةِ بِالْهَوَى (١) .
وَابْتِدَاءُ الْعَامِ مِنْ حُصُولِهِ فِي بَلَدِ التَّغْرِيبِ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، أَوْ خُرُوجِهِ مِنْ بَلَدِ الزِّنَا فِي الْوَجْهِ الآْخَرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ.
وَلَوِ ادَّعَى الْمَحْدُودُ انْقِضَاءَ الْعَامِ، وَلاَ بَيِّنَةَ، صُدِّقَ؛ لأَِنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى، وَيَحْلِفُ اسْتِحْبَابًا، وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي لِلإِْمَامِ أَنْ يُثْبِتَ فِي دِيوَانِهِ أَوَّل زَمَانِ النَّفْيِ (٢) .
وَلَوْ ظَهَرَتْ تَوْبَةُ الزَّانِي قَبْل أَنْ تَنْقَضِيَ السَّنَةُ لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى تَنْقَضِيَ لأَِنَّهَا حَدٌّ مُقَدَّرٌ شَرْعًا (٣) .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ: لاَ يُعْتَبَرُ النَّفْيُ حَدًّا فِي الزِّنَا، وَلَكِنَّهُ يُعْتَبَرُ مِنَ التَّعْزِيرِ، وَلِذَلِكَ يَجُوزُ أَنْ يَزِيدَ مِنْ حَيْثُ الْمُدَّةُ عَلَى سَنَةٍ (٤) .
وَإِنْ عَادَ الْمَنْفِيُّ إِلَى وَطَنِهِ قَبْل مُضِيِّ السَّنَةِ أُخْرِجَ مَرَّةً ثَانِيَةً لإِكْمَال الْمُدَّةِ، عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢، والشرح الصغير على أقرب المسالك ٤ / ٥٠٥، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٩٩، ٣٠٠.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ١٤٨، وحاشية البجيرمي على الخطيب ٤ / ١٣٦، وتبصرة الحكام ٢ / ٢٦٠، والتاج والإكليل ٦ / ٢٩٦.
(٣) تبصرة الحكام ٢ / ٢٦٠.
(٤) معين الحكام ص ١٨٢.
وَالْحَنَابِلَةِ، وَمُقَابِل الأَْصَحِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَلاَ تُسْتَأْنَفُ، وَإِنَّمَا تُكْمَل (١) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَْصَحِّ: إِذَا رَجَعَ الْمَنْفِيُّ إِلَى الْبَلَدِ الَّذِي نُفِيَ مِنْهُ رُدَّ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ، وَتُسْتَأْنَفُ الْمُدَّةُ فِي الأَْصَحِّ (٢) .
وَقَال الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِذَا زَنَا الْمَنْفِيُّ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُفِيَ إِلَيْهِ نُفِيَ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ، وَتَدْخُل بَقِيَّةُ مُدَّةِ الأَْوَّل فِي الثَّانِي، لأَِنَّ الْحَدَّيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ (٣) .
وَقَالُوا: إِذَا زَنَى الْغَرِيبُ فِي بَلَدِ الْغُرْبَةِ غُرِّبَ مِنْ بَلَدِ الزِّنَى إِلَى غَيْرِ مَوْطِنِهِ الأَْصْلِيِّ تَنْكِيلًا وَإِبْعَادًا عَنْ مَوْضِعِ الْفَاحِشَةِ، وَلأَِنَّ الْقَصْدَ إِيحَاشُهُ.
وَزَادُ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إِنْ عَادَ بَعْدَ تَغْرِيبِهِ إِلَى بَلَدِهِ الأَْصْلِيِّ أَثْنَاءَ مُدَّةِ التَّغْرِيبِ مُنِعَ مِنْهُ فِي الأَْصَحِّ، مُعَارَضَةً لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ.
وَمُقَابِل الأَْصَحِّ: أَنَّهُ لاَ يُتَعَرَّضُ لَهُ (٤) .
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْغَرِيبُ الَّذِي زَنَى بِفَوْرِ
_________
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٣٢٢، وكشاف القناع ٦ / ٩٢.
(٢) نهاية المحتاج ٧ / ٤٥٨، والروضة ١٠ / ٨٩، وحاشية القليوبي ٤ / ١٨١.
(٣) الروضة ١٠ / ٨٩، وكشاف القناع ٦ / ٩٣.
(٤) مغني المحتاج ٤ / ١٤٨، وكشاف القناع ٦ / ٩٢، والروضة ١٠ / ٨٩.